الفصل الثامن

الوعي والزمن

بعد عشر دقائق من ممارسة التأمُّل معًا في صمت، رفع طلابُ السنة الثانية الابتدائية، في فصل الحضور الذهني الذي أدرِّسه أيديَهم، للتطوُّع لمشاركةِ خِبراتهم.1 أبدت أول طفلة تكلَّمت ملاحظةً بسيطة، ولكنها عميقة. فقد صاحت قائلة: «إنها دائمًا اللحظةُ الحاليَّة، لكن لا توجد لحظةٌ حاليَّة. إنها تتحرَّك باستمرار!» وكانت في حالةٍ من الإثارة تعكس تعجُّبَها الشديدَ مما أدركته. كان من المبهج أن أراها تكتشف كيف يرتبط لغزُ الوعي بلُغز الزمن: إننا نختبِر وعيَنا عبْر الزمن، ولا يمكن فصله عنه.
فكَّر العديد من علماء الأعصاب في احتمالية أن يكون إحساسنا بأننا نوجد في اللحظة الحاليَّة، في ظل التحرك المستمر للزمن في اتجاه واحد، مجرد وهم. ففي كتابه «دماغك آلةُ زمن»، يوضِّح دين بونومانو، عالِم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، أن مسألةَ تحديدِ ما إذا كان تدفُّق الزمن وهمًا أو رؤيةً حقيقيةً لطبيعة الواقع تعتمد جزئيًّا على تحديدِ أيٌّ من هذين المنظورين المتعارضين في الفيزياء هو الصحيح:
  • (١)

    الآنيَّة: الزمن متدفِّق في الحقيقة، واللحظة الحاليَّة فقط هي «الحقيقية»؛ أو

  • (٢)

    الأبدية: نحن نعيش في «كونٍ كتلي»، حيث يكون الزمن أشبهَ بالفضاء؛ فمجرد أنك في مكانٍ ما (أو لحظة ما) لا يعني أن الآخَرين لا وجود لهم في اللحظةِ نفسِها.

ويشرح بونومانو صعوبةَ تناوُل طبيعة الزمن:
يُقدِّم هذان المنظوران مفاهيمَ غيرَ متوافقة لطبيعة الزمان، لكن كلاهما يَعتبِر شعورنا بمرور الزمن يُمثِّل مشكلةً جوهرية. غير أن حلَّ هذه المشكلةِ سيكون مهمةً جَسيمة؛ إذ يقع شعورُنا الذاتي بالزمن في مركزِ عاصفةٍ عارمةٍ من الألغاز العلمية التي لم تجِد حلًّا وهي: الوعي، والإرادة الحرة، والنسبية، وميكانيكا الكم، وطبيعة الزمن.2
fig3
شكل ٨-١: وجهتا النظرِ بشأن طبيعة الزمن.
في عالَم فيزياء الكم المحيِّر، تُضيف تجربةُ الاختيار المتأخِّر التي أجراها جون ويلر — وهي تجربةٌ مستوحاةٌ من نتائجِ تجربةِ الشِّقِّ المزدوج الكلاسيكية — طبقةً أكثرَ غموضًا إلى السؤال المتعلِّق بكيفية ارتباط الزمن بالوعي. في تجربة الشِّق المزدوج في ميكانيكا الكم، عندما يكون الضوء موجهًا إلى لوحٍ حاجزٍ به شقَّان متوازيان، يعمل الضوء وكأنه موجة؛ فيمر عبْر كلا الشقَّين، وينتج نمط تداخُل على شاشةٍ موضوعةٍ خلف الشِّقَّين. وهذا صحيحٌ حتى إذا كان الضوء ينبعث على صورةِ فوتون واحد في المرة الواحدة (الشكل ٨-٢(أ)). وهذا يعني أن ثمَّة نمطَ تداخُل لا يزال، بطريقةٍ أو بأخرى، في طَور الإنشاء على الرغم من عدم وجودِ تداخُل فعلي يمكننا اكتشافُه بين الفوتونات الفردية؛ وفقًا للفيزياء الكلاسيكية. يبدو الأمر كما لو أن كل فوتون، على غِرار الموجة، قد مرَّ عبْر كلا الشقَّين في وقتٍ واحد.
ولكن إذا أُجْريَ قياسٌ عند الشِّقَّين لتحديدِ أيٌّ منهما يمر عبْره كلُّ فوتون على حدة، حينئذٍ تتصرَّف الفوتونات كجسيمات، وتمرُّ عبْر شقٍّ أو آخرَ وتُشكِّل شريطَين متوازيَين على الشاشة (كما يتوقَّع أن تفعل الجسيمات) وليس نمط التداخل (الشكل ٨-٢(ب)).
fig4
شكل ٨-٢: تجارِب الشق المزدوج.

تُخبرنا هذه التجرِبة أن سلوك الضوء يختلف بناءً على ما إذا كان يخضع للقياس أم لا. فدُون إجراءِ قياس، يتصرَّف الضوء كموجة؛ وعندما يُقاس، فإنه يأخذ خصائصَ الجسيمات الفردية. زعم البعض أن الضوء لكي يسلك سلوك الجسيمات، لا يتطلب الأمر إجراءَ قياسٍ فحسب، وإنما يجب أن يكون هناك ملاحظة واعية لذلك القياس. لستُ واثقة من مدى قدرةِ أيِّ شخصٍ على التأكيد بشكلٍ قاطع أن الوعيَ متورطٌ في غرابة تجرِبة الشق المزدوج، وهنا أنضم للإجماع الساحق بين العلماء، بمن فيهم ويلر على أن الفوتونات توجد في عدةِ حالاتٍ محتملة في وقتٍ واحد إلى أن تتفاعل مع «شيءٍ ما»، لكن هذا الشيء ليس بالضرورة أن يكون شيئًا واعيًا. (كان هذا سيتغير، بالطبع، لو كنا اكتشفنا أن الوعيَ أساسيٌّ للمادة؛ لأن الوعي حينئذٍ كان سيرتبط بكل قياس، بحكم طبيعته.)

وكما لو أن هذه النتائج لم تكن غريبةً بما فيه الكفاية، أدخل ويلر عنصرَ الزمن وتوقَّع أنه حتى لو أجرينا مثل هذا القياس «بعد» مرور الفوتون عبْر أحد الشِّقَّين، لظللنا نحصل على النتيجةِ نفسِها، ما يدفع الفوتون إلى أن يسلك سلوكَ الجسيم «بأثرٍ رجعي».3 بمعنًى آخَر، لقد توقَّع أن إجراء قياس في الوقت الحاضر كان سيؤثِّر على الماضي على نحوٍ غامض. هذه هي تجربة الاختيار المتأخر، وقد أُجرِيَت أخيرًا في عام ٢٠٠٧، وتأكَّد تنبؤ ويلر.4
اقترح ويلر أيضًا تجرِبةً فكريةً ذاتَ صلة تخيَّل فيها قياس فوتون واحد من الضوء المنبعث من شبيه نجم (كوازار) على بُعد مليارات من السنوات الضوئية، بحيث يمرُّ هذا الفوتون بثقبٍ أسودَ في طريقه إلى تلسكوب على الأرض. وكما هو الحال في تجربة الشق المزدوج، سينقسم الضوء بواسطة تأثير الجاذبية للثقب الأسود، مما يتسبَّب في الظاهرة المعروفة باسم الأثر العدسي الثقالي؛ وهي وهمٌ بصري نرى فيه صورًا متعدِّدة من مصدر واحد، مثل شبيه النجم. في مقابلةٍ مع الكاتب روب ريد، يشرح دونالد هوفمان، وهو عالِمٌ معرفي في جامعة كاليفورنيا بمدينة إرفين، ما الذي سيحدث إذا قمنا بقياس فوتون واحد في تجربة ويلر الافتراضية الكونية:
يمكنك الآن أن تسأل، بالنسبة إلى كل فوتون يأتي إليَّ، ما إذا كان قادمًا من الجانب الأيسر [أو الجانب الأيمن] من عدسة الجاذبية. [دعنا نفترض] أنني قرَّرت أن أقيسَ الجانب الذي جاء منه، ووجدت أنه ذهب إلى الجانب الأيسر. هذا يعني أنني أستطيع القولَ إنه خلال العشرة مليارات سنةٍ الماضية، كان هذا الفوتون يسلك مسارًا بدأ من شبيه النجم ومرَّ من الجانب الأيسر من عدسة الجاذبية. لكن إذا اخترتَ، بدلًا من ذلك، عدمَ إجراء هذا القياس، والاكتفاءَ بقياسِ نمطِ التداخل فقط، فلن يكون صحيحًا أنه خلال العشرة مليارات سنة الماضية، كان الفوتون قد مرَّ [عبر مسارٍ ما] من الجانب الأيسر. لذا فإن الخيار الذي أتخذه اليوم يحدِّد عشرةَ مليارات سنة من تاريخ ذلك الفوتون.5

بالإضافة إلى الحقائقِ غيرِ المفهومة بالفعل التي تكشِف عنها تجربةُ ويلر حول الضوء، إذا كان الوعي في الحقيقة شيئًا جوهريًّا إلى حدٍّ ما للمادة، فإن تجربته تُشير أيضًا إلى وجودِ علاقة غريبة للغاية وغير بديهية بين الوعي والزمن.

فلنتركِ الطبيعةَ المذهلة لميكانيكا الكم جانبًا، ولنعُد إلى البساطة النسبية لتجربتنا الإنسانية في اللحظة الحاليَّة. بغضِّ النظر عن الطبيعة الفعلية للزمن، نعلم أن تجربتنا الواعية لا تمثِّل تسلسلَ الأحداث في العالم بدقةٍ. لقد رأينا أنه من خلال عملياتٍ مختلفة، يربط الدماغ المعلومات التي تصل إلى مستقبِلات الإحساس لدينا في أوقاتٍ مختلفة ويُسلِّمها لنا باعتباره حُزمةً أنيقةً آنية. ولكن لا يزال بوسعنا أن نتساءل كيف ترتبط «التجربة الواعية ذاتها» بالزمن. إن إيلاء انتباهٍ دقيقٍ إلى تجربة الفرد لحظةً بلحظة خلال أحد تمارين التركيز مثل التأمُّل — أو مجرد التأمُّل في غموض التجربة المحسوسة للمرء عمومًا — يؤدي إلى العديد من التساؤلات المثيرة المتعلِّقة بالزمن: كم من الوقت تستغرقُه لحظةٌ من الوعي؟ هل الوعي مستمرٌّ أم أنه متذبذب ما بين التوهج والخفوت بطريقةٍ ما (وكيف لنا أن نعرف الفارق)؟ ما هي اللحظة الحاليَّة؛ أهي نوعٌ من الوهم؟ هل «الزمن في حد ذاته» وهمٌ؟

إن كلَّ الأسئلة المحيطة بالوعي ليست مهمةً فحسب، خاصةً مع دخول العلماء والفلاسفة عصرَ آلاتِ الذكاء الخارق، ولكنها أيضًا مذهلةٌ عند التأمُّل فيها. في كتابه المعنون «الدِّماغ الواشي»، يتأمَّل «في إس راماتشاندران» في فُرَص العلم في كشفِ لغز الوعي: «يمكن جدًّا أن تكون مثل هذه التطورات بعيدةً عن نطاق فهْمنا الحالي مثلما كان علم الوراثة الجزيئية بعيدًا عن أولئك الذين عاشوا في العصور الوسطى. ما لم يكن هناك أينشتاين آخرُ يدرُس علمَ الأعصاب مختبئًا في مكانٍ ما.»6

من وجهة نظرنا الحاليَّة، يبدو من غير المرجَّح تمامًا أننا سنصل إلى فهمٍ حقيقي للوعي. غير أننا قد نكون مخطئين بشأن الحدود المطلقة للمعرفة. فما زالت الإنسانية في شبابها، ونحن بالكاد بدأنا نفهم مكاننا في الكون. وبينما نواصل النظر من كوكبنا ونتفكَّر في طبيعة الواقع، يجب أن نتذكَّر أن ثمَّة لغزًا هنا حيث نقف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤