الفصل الثامن

القاتل الثاني

١

كانت فيرا مويل هي من جلبت الإشراق إلى ذلك الصباح المُعتم الحزين من شهر أكتوبر. ومن أجل إزالة الحرج من جانبه وجانب السيدة، أغلق دولار المصباح الذي استخدمه في قراءة الرسالة القصيرة المكتوبة على بطاقتها؛ لكن تبيَّن أن حساسيته المتسمة بالتوتر لا داعيَ لها عندما وقعت عيناه عليها في اللحظة التالية. رأى رداءً أحمرَ بندقيًّا صارخًا، في غاية الأناقة وخَصرًا مرنًا، ولولا وجه الليدي فيرا المتألق تحت قبَّعة الطاق المرتفعة والفراء النادر العصري ما تعرَّف عليها. ومع أن دولار أحبَّ إشراقها دائمًا، لا سيما إذا قدِمت إليه على غير توقُّع، إلا أن أناقتها المفرطة أصابته بعدم الراحة والارتباك، حتى التقت يداهما، وارتعشت يدها في يده من تحت قفازها المحكَم.

قالت فيرا مويل بصوت في غاية الثبات: «كفانا حومًا حول الموضوع. هلَّا تخبرني بما تعرفه تحديدًا عن السيد موستن سكارث؟»

هتف دولار: «موستن سكارث! أتعرفينه؟»

أجابت: «تمام المعرفة!»

قال: «هذا ما كنت أخشاه.»

قالت: «لكن أريد معرفة رأيك فيه وتجربتك معه أولًا. أظن أنكما أمضيتما بعض الوقت معًا في سويسرا، أليس كذلك؟»

ردَّ دولار بثقة: «بلى. كان من المفترض أن يعتنيَ بشاب في حالة جنون مؤقتة، بلغ سنَّ الرشد لكنه غني ومتهور في نظر القانون. استدرج سكارثُ الشابَّ إلى ترك أموال طائلة له في وصيته ثم حاول قتْله مرتين.»

هتفت: «لا أصدِّق ذلك!»

تابع دولار: «هذا ما حدث. تسألين ماذا أعرف عن الرجل، وها أنا ذا أخبرك بما أعرفه بلا أدنى تردُّد. هذه الحقيقة التي لا بد أن يعرفها العالَم بأسره اتقاءً لشره. لقد حاول إنهاء حياة الشاب في حادثتين منفصلتين، وكانت الثانية أكثرَ ابتكارًا من الأولى؛ فقد حاول في المرة الأولى تسميمه من خلال تزييف وصفة طبية، وفي المرة الثانية حاول كسر عنقه بالعبث بزلاجته.»

سألت: «أفعل ذلك في سويسرا، وأنتَ هناك؟»

أجاب: «أرسل أحدُهم في استدعائي بعد المحاولة الأولى؛ ونُفِّذت المحاولة الثانية تحت سمعي وبصري.»

سألت: «ولم تحرِّك ساكنًا؟»

لم يقتصر غضب السيدة فيرت على المجرم الغائب؛ بل حظي بطلها بنصيبه منه.

قال في اعتراضٍ متواضع: «لم يكن بيدي حيلة. كنتُ في بلدٍ أجنبي؛ ولم تكن الأدلة دامغة في نظر قانون بلدنا. تركتُ سكارث يعلم أنني اكتشفت ما فعله، وأنقذت الشاب من بين براثنه … وعالجت جنونه … وطرحت القضيةَ أمام توبام فينسون عندما عُدْت للوطن. فتشاور مع رجاله من القانونيين؛ وارتأوا أنه لا يوجد ما يمكن فِعله لا سيما أن رجلنا لم يكن حتى تحت مراقبة الشرطة. تعين عليَّ أن أراقبه بنفسي عندما ظهر في المدينة مرة أخرى. سهَّل سكارث عليَّ الأمر عندما لاحقني على الفور، واكتشف أن السيد كروتشر يُكنُّ لي العداوة. واحتالا لإفساد سائقي؛ ثم فقدت أثرهما؛ وفي ذلك الوقت حاولت تحذيرك من خطرهما، لكنكِ لم تردي قط، وبدا أنه يتعذَّر وصول رسائلي إليكِ.»

قالت الليدي فيرا بندمٍ واضح: «بل كانت تصلني. يخجلني أن أخبرك لماذا لم أردَّ على رسائلك؛ لكن سأفعل بعد هنيهة. أكان السيد سكارث هو الرجل المقصود عندما أخبرتني منذ بضعة أيام عن وقوع كروتشر المسكين في أيدٍ شريرة؟»

أجاب: «كروتشر المسكين! نعم، إنه هو؛ وفي الحقيقة لا يوجد ثمَّة مقارنة بينهما. أحدهما مجرم بالفطرة، إن جاز التعبير، والآخر شرير مُثقف قاسٍ لم أقابل مثله في حياتي.»

مالت فيرا مويل إلى الأمام في مقعد المرضى، مثلما فعلت منذ عامين، وأضاء نفس البريق وجهها الذي علَته أمانة أخلاقية وفكرية راسخة؛ لكن تلك الصحة الوافرة في وجنتيها المتوردتين، والحكمة العميقة في عينيها، لم تؤثِّرا في دولار مثل ذكائها المفرط البادي. كانت المرأة نفسها التي بلغت الغاية في عفويتها، غير أنها كانت توشك أن تخبره بالحقيقة كاملة حول مشكلة جديدة، ولا تحاول أن تسوِّغ تصرفاتها.

استهلَّت حديثها بأقل نبرة انتقامية يمكن أن يستخدمَها المرء: «لا أريد الإسهاب في الحديث عن السيد سكارث، لكن يتعيَّن عليَّ أن أعترف أنني كنت أحبه حتى بضعة أيام مضت. التقيت به لأول مرة في منزل ريفي حيث كان من المُخطَّط أن يعطيَ دروسًا خاصة للأولاد، لكنه لم يكن مجرد مدرسٍ عاديٍّ، بل حياة المكان وروحه. وبطريقة استثنائية نجح في إدارة المكان والجميع لصالح أولئك الناس؛ لذا ولِعنا به غايةَ الولع، وقال إنني طلبت منه الحضور وزيارتنا في المدينة، لكنه لم يحضُر بالتأكيد إلا في نهاية الموسم السابق تقريبًا. ثم عوَّضنا عن هذا الوقت الضائع؛ فهو رفيق ممتاز، كما تعلم، واستقبلناه على العشاء، ودعاه أخي الأكبر إلى منزله في أغسطس عندما كُنت هناك. في ذلك الوقت التقينا كثيرًا، وعرض السيد سكارث عليَّ الزواج …»

هتف دولار: «يا إلهي!»

واصلت: «بالطبع لم أحبه لدرجة الزواج به رغم أنه كان قد أوقع بيني وبينك!»

سأل دولار بتجهُّم: «كيف؟» كانت لا تزال تحدِّق في نيران المدفأة؛ لكنه شعر بالإطراء من الحمرة التي تسللت إلى وجهها — التي لم تكن بسبب المدفأة فحسب — وكادت أن تنافس لون ردائها الأحمر البندقي الذي لا يزال قريبًا من القضبان.

أجابت: «إنه يعلم ما فعلتُه قبل عامين.»

سأل: «أتقصدين كروتشر؟»

ردَّت: «قال إنك أنتَ … إنك أنتَ من سلَّمتني له في سويسرا!»

سأل: «وصدَّقتِ ما قاله؟»

قالت: «لقد جعل الأمر يبدو كالحقيقة تمامًا. قال إنكَ كشفت أمري واستأمنته على السر؛ وأراني خطابًا ذكَّرته فيه ألا يدَع أحدًا غيره يطَّلِع على هذا السر.»

هتف: «تزوير!»

قالت: «أُدرِكُ ذلك الآن؛ لكنه تزوير مُتقن، فقد استخدم ورق ناديك.»

عقَّب: «الرجل مزوِّر محترف. أي شخص يمكنه الذهاب إلى النادي ليكتب ملاحظةً ويسرق ورق الرسائل. ليتكِ تواصلت معي بشأن هذه المسألة!»

قالت: «وعدتُ ألا أفعل. لم أصدِّق أنك أخبرته، على أي حال … أو أنَّك أوَّل من أخبره. لكن … لكن شعرت بالنفور تجاهك … رغم كل شيء … ولم يحدُث ذلك إلا في يوليو.»

أشار: «في ذلك الوقت تحديدًا كنتُ أحاول الوصولَ إليكِ لتحذيركِ!»

التقت عيناها بعينيه أخيرًا وكانتا رطبتين لكن متلألئتين. قالت: «ازدادت شكوكي بسبب شيء أو شيئين قالهما عندما التقينا في الريف؛ لكن «علمتُ» أنه لم يكن صادقًا في كلمة واحدة مما قاله قبل أن توجِّه لي الإهانات يوم الأحد الماضي! ما فعله كان مجرد مكيدة لتفرقتنا وإيقاعي تحت سيطرته.»

سأل: «هل هدَّدكِ عندما … عندما التقيتما؟»

أجابت: «لم يفعل ذلك بطريقة مباشرة.»

قال: «سيفعل. حينها سأتدخَّل.»

ردَّت: «كانت حجَّته أنني أنا وسري لن نكون بأمان إلا معه.»

سأل: «إذ لم يكن سركِ بأمان معي، أليس كذلك؟»

أجابت: «ذلك كلُّ ما في الأمر؛ لكنه يعلم الآن أنني لا أصدِّقه. أخبرته بذلك عندما اتصل بي الأسبوع الماضي.»

سأل: «إذن التقيتما مرة أخرى؟»

أجابت: «أنهيت علاقتنا عند هذا الحد.»

سأل: «وهل توقَّف الأمر عند ذلك؟»

أجابت: «توقَّف بيني وبينه.»

قال: «لا تكوني واثقة لهذه الدرجة. أنتِ لا تعرفين موستن سكارث كما أعرفه. أحاول أن أتصوَّر خطوته التالية!»

تألَّق وجهُ الطبيب بفضولٍ نهِم، وبادلت هي تألُّقه بتألقٍ أكثرَ منه، تحت قبعة الطاق المرتفعة من الحرير المموج.

قالت الليدي فيرا: «لا أعرف شيئًا عن خطوته التالية، لكني سأخبرك بآخرِ خطوة له. لقد بدأ بملاحقتي في كل مكان ليرى ما إذا كنت سأرتكب جريمة أخرى! كان أحد المحقِّقَين اللذين قدِما إلى باكس مونكتونز تشيس!»

هتف دولار في غاية الاندهاش: «مستحيل!» كان دولار قد نسي كلَّ ما يتعلق بالمسألةِ موضوعِ النقاش، باستثناء مدى الروعة التي خرجت بها فيرا مويل منها. بقيت هذه الواقعة في عقله مثل حُلم عظيم تحوَّل إلى واقع حتى اللحظة؛ أما بقية التفاصيل فكانت قد اختفت من ذاكرته شأنها في ذلك شأن أي حُلم آخرَ.

قالت الليدي فيرا ببعض الخجل: «عرفت بالأمر مصادفةً. عرفته من … المحقِّق الآخر.»

قال دولار: «أكان …» وسكت مقطِّبًا حاجبيه، ثم أردف: «أكان كروتشر نفسه؟»

أجابت: «نعم.»

هتف دولار: «تجرَّأ أن يخاطبكِ!»

تابعت: «كانت هذه المرة الأولى منذ تلك الليلة في القطار؛ والآن استمع إليَّ، وانظر إلى هذا المسكين بعين الإنصاف. لم يكن قَط سيئًا مثلما تصورتَه؛ أنت نفسك قلتَ إنه قديس مقارنةً بالسيد سكارث.» كان دولار في غاية الشراسة فلم يبتسم عندما سمع هذه النسخة المحرَّفة من كلامه. تابعت: «حسنًا، لقد تشاجرا، وكروتشر في ورطة كبيرة؛ وقد لجأ إليَّ من أجل المساعدة لا ابتزاز المال وما شابه.»

سأل: «ألم يبتزكِ بأي شكل من الأشكال؟»

ردَّت: «ولا بكلمة أو إشارة واحدة من هذا النوع، عدا أنه طلب مني أن أصفح عنه لما حدَث فيما مضى، وهذا ما فعلته بكل تأكيد.»

هتف دولار بسخريةٍ وجدَ أنه لا مفرَّ منها: «لا أستغرب هذا التصرُّف منكِ، غير أنه في الواقع سرقكِ تحت تهديد السلاح!»

لكنها الليدي فيرا حذَّرته بعبوس لا يكاد يُدرك لولا أنه ارتسم على وجهٍ اتسم بهدوء دائم لا يعكره أيُّ شيء.

قالت بنبرة لطيفة: «نسيتَ ما مرَّ به في البداية. لقد عاش ثمانيًا وأربعين ساعة ينتظر التفاف حبل المشنقة حول عنقه لجريمة لم يرتكِبها! عندما أفكِّر فيما خطر بباله، وفي أنني لم أنكر الجريمة أو أعترف بها، لا في ذلك الوقت ولا في غيره، لا أتعجَّب من سوء تصرُّفه تلك الليلة وإنما مما فعله بعد ذلك. كان بإمكانه أن يبتزني دون معرفتك، مهما بلغ حجم تهديداتك له، وهو أبعد ما يكون عن أن يحاول فِعل ذلك الآن. لكني أرغب في أن أفعل شيئًا من أجله! قلتَ بنفسك أنه وقع في يدِ أسوأ شخص … حسنًا، أريد أن أنقذه منه. أخبرتني من قبل — عندما استضفته بمنزلك سابقًا — أنك وجدت نفسك تحاول تهذيبَه، وكادت جهودك تؤتي ثمارها. أريدك أن تحاول معه مرةً أخرى، أيها الطبيب، من أجلي! إنه يشعر بالأسف الشديد مما فعله في السابق، كما أنه تعرَّض لأسوأ استغلال على يد موستن سكارث. إنه يبدو مريضًا. أريدك أن تنقذ حياته بل أن تفعل ما هو أكثرَ من ذلك! لقد أخبرني، وعيناه مغرورقتان بالدموع، أنه لم يشعر بمثلِ السعادة العارمة التي شعر بها عند استضافتك له في السابق. امنحه المأوى من جديد، يا رجل، وأعطِه فرصة أخرى، لترضيني!»

كان صوتها قد تهدَّج أثناء حديثها، ولأول مرة خانتها عيناها أيضًا ودمعتا، وانتظر دولار عابسًا إلى أن هدأ صوتُها وجفَّت عيناها. لكنه لم يسمح لذلك العبوس أن يتسلل إلى إجابته عندما انتظرته بدورها ليعقِّب على حديثها. حتى وهي ترتدي تنورتَها اللامعة السخيفة وقبَّعة الطاق التي لم يحبها كثيرًا؛ وعلى الرغم من ملابسها المبهرجة حسبما تجرأ على تخيُّلها بقلبه البسيط، ازدادت في عينيه جاذبيةً على جاذبيتها بسبب هذه الأمور التافهة تحديدًا، ولا سيما أن منطوق شفاعاتها ومفهومها كانا أبعدَ ما يكون عن الغرور.

سأل دولار بلطفٍ بالغ لا تشوبه ذرةُ عتاب: «أأتيتِ حقًّا لزيارتي بشأن ألفريد كروتشر؟»

قالت معترفة: «أتيتُ من أجل كليهما، لكن السبب الرئيسي كان كروتشر. وبلا شك أردت التأكد من صحة روايته عن السيد سكارث. لو أنك كنت قد وصفته بأنه يمتلك شخصية جيدة، لانتهى الأمر عند هذا الحد. لكن تقييمك له كان أسوأ بكثير مما توقعتُ. يكاد يكون كروتشر طاهرًا مقارنةً به؛ وبصراحة، لا أستغرب إن تأثَّرت أخلاقه من خلال علاقته برجلٍ أسوأ منه بكثير.»

سأل دولار: «هل أخبركِ بذلك؟»

أجابت: «قال إن سكارث جعله غارقًا في الفُحش حتى النخاع.»

قال دولار وهو يحاول ألا تظهر الفظاظة في صوته قدْر المستطاع: «هذا ممكن. فهو صحيح من الناحية النفسية.» كان يبتسم ويومئ برأسه علامة الموافقة. وسأل: «أين السيد كروتشر في اللحظة الراهنة؟»

أجابت: «يجول في الخارج جَيئةً وذهابًا.»

سأل: «إلى أن ندعوه للدخول؟»

أجابت: «إن أذنتَ لي بذلك!»

نهضت واقفةً لتلزمَه بكلمته فور أن يتفوه بها؛ لكنه قال إن ذلك من مهامِّ بارتون، وتساءل جهرًا عن رأيه حِيال ذلك، بينما ذهب لتفقُّده على ما يبدو. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهر ألفريد كروتشر أمامها متضعضعًا مثل كلب مضروب.

لكنَّ قليلًا من الكلاب يعوي وينتحب كما فعل كروتشر ذلك الصباح، وأنصت إليه طبيب الجريمة، بينما جفلت السيدة الصغيرة فزِعةً. كانت محقة بشأن أمر واحد. وهو أن كروتشر بدا مريضًا حقًّا؛ فلم يكن يتظاهر بالسعال. أعلن كروتشر: «لقد عُوملتُ معاملةً قاسية»، لكن دون أن يدخل في التفاصيل، ولم يستحثَّه دولار على فِعل ذلك؛ لكن عندما تحدَّث عن شخصية موستن سكارث لم يُبدِ كروتشر أيًّا من هذه التحفُّظات. راح كروتشر ينتقد ذلك الوحش بكراهيةٍ صريحة لمحارب مقدَّس، بينما كان يرفع عينيه للأعلى في ضراعة ملتهبة خاشعة.

قال كروتشر متوسلًا بينما لاحت رغبةُ القتل في بياض مقلتيه المنزعجتين: «فقط أنقذني منه قبل فوات الأوان! إنه رجل سيئ بل في غاية السوء! أسعد أيامي كانت تلك التي قضيتها هنا منذ ثمانية عشر شهرًا. تبدو أقرب إلى ثمانية عشر عامًا. ما كنت لأنصرف عن العلاج لولا شود الذي سيقضي فترة طويلة في السِّجن مقابل عنائه. إنه شخص سيئ هو الآخر؛ لكن لولاه لكنت خاضعًا لسيطرتك ولكنتَ صنعت مني رجلًا صالحًا في وقت قصير.»

قال الطبيب: «لكنك ذهبت مباشرةً من عندي لتهدِّد السيدة التي أرسلتك إلى هنا وتسرقها!»

كانت افتتاحية الكلام خطيرة لكن كروتشر لم يعبأ بها. بل سقط على ركبتيه المغطاتين بسروال لامع لا يزال يُظهِر آثارَ تجاعيد لا سبيل إلى معالجتها، في انفعال خسيس، وتوسَّل مرة أخرى طالبًا الرحمة والصفح اللذين مُنِحا له بالفعل. وتبدلت عينا الليدي فيرا من المكر والخبث والاستجداء والاستعطاف إلى حدَّة كحدة المسامير ولا سيما مع بريقهما الداخلي غير المباشر.

قال دولار بنبرةٍ غاضبة جعلتها تتنفس الصُّعداء: «حسنًا! سأسمح لك يا كروتشر بالإقامة في منزلي مهما كانت الظروف. وسنصلح الأوضاع قدْر استطاعتنا؛ لكن انهض على قدميك، يا رجل، ولا تتذلل كالحيوان! هل أنتَ متفرغ للإقامة في الحال أم إن هناك ما يجب تسويته أولًا؟»

قال كروتشر بحماسة: «لدي غرفتي. لا يوجد ما يستحق إحضاره، لكن لا أريد الاحتيال على أولئك الأشخاص، خاصةً أن السيدة تفضَّلت وأعطتني مالًا، ليباركها الرب!»

عجَّل دولار برحيل الرجل الذي أوشك أن يذرف دموع تماسيح جديدة، حيث كانت هناك علاماتٌ تدُل عليها على السجادة الصغيرة. ربما يكون رجلًا سيئًا هو الآخر، لكنه لا يُقارن بسوء موستن سكارث. كما كان لديه في زعمه المتواضع، على الأقل، إخلاصٌ مريرٌ قدَّره الطبيب حقَّ قدره بإيماءة موافقة متحمسة.

قال الطبيب: «لم أرَك إلا قاتلًا غير متعمد يا كروتشر!»

سأل كروتشر: «ماذا تقصد؟»

اتسعت عينا كروتشر الماكرتان السريعتان على نحوٍ مثير للرعب في لمح البصر.

قال: «هذا تعبير متخصص، يا كروتشر، يعني مجرمًا ثانويًّا.»

وعاد ببطء شديد لحضرة الليدي فيرا مويل المتلهفة.

قالت بنبرة شديدة الرقة تستخدمها في التوبيخ في مناسبات نادرة: «أظن أنني، أنا الأخرى، لست بحاجة إلى التملُّق. لكن أتظن أنه يمكنك إصلاحُه بأي شكل هذه المرة؟»

أجاب: «آمُل ذلك؛ لكن سأكون في غاية السعادة باستضافته، حتى وإن أخفقت مرة أخرى.»

سألت: «ولمَ هذا؟»

ابتسم لها طبيب الجريمة إحدى ابتساماته الجانبية.

قال: «لأنني سأتمكَّن من مراقبة تحرُّك سكارث الأخير مراقبةً أفضل.»

٢

في الجهة المقابلة للنوافذ الخلفية المطلة على شارعٍ جديدٍ فخم يتضمن منازلَ حمراء عالية، ووراء الحائط الأحمر الطويل المسوِّر للشريط المشترك من الشجيرات والحصى، يمتد صفٌّ متواضع من نوافذ منازل بجوار أحد الإسطبلات. في إحدى هذه النوافذ بوسعك رؤيةُ حوذي يحلق شعره قبل الذهاب إلى عمله، لكن الأكثر احتمالًا هو أن ترى السيدة التي يعمل لديها السائق منهمكةً في قراءة رواية؛ وفي النافذة المجاورة ستجد أصائصَ من الأقحوان البلسمي، وفي النافذة التي تليها سمك المساء المُملَّح للمحافظة على بقائه عذبًا طازجًا. اشتملت غالبية النوافذ على الستائر الموسلين وظلت مصابيحُ بعضها مشتعلة طوال الليل. في أكتوبر الماضي، كانت هناك نافذة واحدة لا تحتوي على أي غطاء باستثناء صحيفة عُولج بها لوح زجاجي مكسور.

كانت تلك النافذة عارًا على صفِّ النوافذ؛ إذ تُركت قبعة مهترئة منذ مدة طويلة على السطح؛ ولم يكن مستغربًا تدفُّق مقاطعَ غريبةٍ من أغنية من الداخل؛ كأن رجلًا مهذبًا يحتفل بصَخَب في أثناء نومه، وفي أوقاتٍ أخرى يُخرج رجلٌ أشعثُ وجهَه من النافذة ويقلب عينيه في النوافذ الخلفية للمنازل الحمراء، بادئًا بالشقق الأرضية ومنتهيًا بها. وإذا ظهر وجهٌ وسيم داكن البشرة في نفس الوقت من نافذة الشقة العلوية، يختفي الوجهان معًا على الأغلب؛ لكن كان من الصعب ضبطهما يتبادلان إشاراتٍ فعلية.

فور أن عاد ألفريد كروتشر من المقابلة في شارع ويلبك، حليق الشعر حسن الثياب، بلغ به الحد إلى أن يغمز ويلوِّح بيده من النافذة التي شانت الإسطبل إلى النافذة العلوية للشقق الأرضية. كان البياض لا يزال ظاهرًا في عينيه الدائريتين في مَحجِريهما؛ ورُسغاه حولهما سوارٌ غير مألوف؛ وسرعان ما كان موستن سكارث بجواره يحمل زجاجة الخمر التي ابتاعها احتفالًا بالمناسبة.

قال كروتشر وهو يعدل نحيبه المزيَّف ليلائم عرضًا هزليًّا استثنائيًّا: «واحدة فقط! أستحق زجاجةً كاملةً من الويسكي على ما سأخبرك به!»

قال سكارث: «ولا قطرة واحدة أيها العائد من الموت! متى ستنتقل إلى هناك؟»

أجاب: «اليوم … الآن.»

قال سكارث: «سأعطيك الزجاجةَ كلَّها عندما تخرج. قد تكون بحاجة إليها. هل أحضرت ورق الرسائل المختوم؟»

أجاب: «لم أتمكَّن من أن أضع يدي على قصاصة واحدة.»

سأل: «ألم تبقَ في غرفة الانتظار بمفردك؟»

أجاب: «كانت غرفة انتظاري هي الشارع يا سيدي.»

قال: «حسنًا، لا بد أن ترسل إليَّ ورقة أو اثنتين عبْر البريد فور أن يكون بوسعك أن تتحصل عليهما؛ يفضَّل أن ترسل ثلاثًا أو أربع ورقات على سبيل الاحتياط، وظرفين على الأقل تحسبًا للطوارئ. والآن احكِ لي ما حدث؛ وقد تحصُل على شرابٍ قبل مغادرتك.»

لم يكن هناك ضوء، تلك الليلة، في النافذة التي حلَّت صحيفةٌ محلَّ زجاجها المكسور؛ وفي اليوم التالي خضعت للإصلاحات اللازمة، وأُزيلت القبعة المشبعة بالماء من فوق السطح، قبل أن يستيقظ ألفريد كروتشر من نومه البريء الطويل ليجد نفْسَه في غرفة السلام الأبدي التي تحمل براءة اختراع طبيب الجريمة.

كان انطباعه الأول أن ثمَّة معجزة غامضة نزلت به على وجهِ الخصوص. لا بد أنه كان ثملًا وإلا ما نام هذا النومَ العميق، لكن لم تراوده تلك الأحاسيس الكريهة التي تصاحب حفلات الشُّرب العادية بحسب خبرته الطويلة. شعر براحةٍ وانتعاش عميقين؛ فلم يستلقِ على فراش وثير مثل هذا في حياته؛ كما لاح عطرٌ خفيف في الجو، على نحوٍ يهدئ الأعصاب بطريقة غير مباشرة، وكانت الغرفة جيدة التهوية وبلا صوت تمامًا باستثناء الأصوات الرقيقة الناجمة عن تقلُّب جسده الحي بين الشراشف. كان حنكه نظيفًا وباردًا بشكلٍ يصعُب تصديقه. فتح عينيه ورأى غرفةً بسيطة واضحة المعالم، كالبلور الصافي؛ لم تشبه غرفةَ النوم البرونزية التي خطرت له فجأة، لكنها كانت نفس المكان الذي تغشاه أشعةُ الشمس الساطعة، وكان أجمل آلاف المرات من مما تصوَّر كروتشر.

ثم أدرك أنه بمنزل الطبيب، وتذكَّر السببَ الذي دفعه تحديدًا إلى المجيء؛ وكان هذا هو المقابلَ العقلي لِما وصفَه السيد كروتشر ﺑ «صداع الشُّرب»، باستثناء أن هذه الحالة أصابته بسخونةٍ من رأسه إلى أخمص قدميه. ربما كان يعاني الحمَّى؛ رجا من كل قلبه أن تكون الحمَّى هي السبب. تذكَّر سُعاله وبدأ يتمرَّن عليه. أدَّى هجوم المرض المُتعمد إلى ارتفاعِ معنوياته؛ شعر أنه خائرُ القوى ولا يقدِر على النهوض من فراشه على الفور، وسيتعيَّن على الآخرين أن ينتظروا استيقاظَه ويخدموه كما يليق!

لم يكن بوسع الآخرين الوصولُ إليه في هذه الغرفة؛ لكن شخصًا واحدًا كان يستطيع، ووصل إليه بالفعل، ما بعث في السيد كروتشر مزيجًا من القلق والراحة. أبقاه الطبيب في الفراش لتتحسَّن حالته؛ لكنه كان يزوره كثيرًا جدًّا؛ ومع ذلك كان الوقت ينقضي ببطء شديد في أثناء غيابه، وكانت هناك أعباءٌ تثقل كاهله أكثرَ من الوقت. لم يعُد المريض يحب تمضيةَ الوقت في القراءة. بل مال إلى إجراء المحادثات هذه المرة. فعندما كان يشرَع في القراءة كان عقله يشرُد. ويبدأ بملاحقة الطبيب وهو ينزل إلى الطابق السفلي باتجاه غرفة الاستشارات أو غرفة نومه الواقعة في الطرَف المقابل لبسطة الدَّرج. كان طيف الطبيب ملازمًا له؛ لذا كان كروتشر يفضِّل أن يراه بشحمه ودمه بدلًا من أن يطارده طيفه في أثناء غيابه.

والأفضل من ذلك، مرة أخرى، أن يناقش موضوعاتٍ بعينها بدلًا من أن تستحوذ على تفكيره ليلَ نهارَ، خاصة أن لها تأثيرًا قويًّا على طبيب الجريمة فيما يظهر. كانت هذه الموضوعات ضمنَ دائرة اهتمامات الطبيب بلا شك؛ وهذا يفسِّر ذوقه السوداوي، وكذا كانت تجربة المريض المروِّعة تفسِّر ذوقَه هي الأخرى. لم يكن هناك شيء غير طبيعي في حديثهما. كانا يتشاركان المزاج السوداوي نفسَه إلا أنهما اكتسباه من خبراتٍ في غاية التناقض؛ لذا أثارت هذه الموضوعاتُ بشكلٍ كبير اهتمامًا متبادلًا لديهما. ولو كان هناك موضوع واحد سيئول إليه النقاش بطبيعة الحال، بلا حساسية مزيفة من الطرفين نظرًا إلى اختلاف خلفيتهما، فهو الوصية السادسة من الوصايا العشر.

قال دولار وهو يتجاهل عذرًا مشوشًا في اليوم الثاني: «لا شكَّ في أنكَ تفكِّر في الوصية السادسة. لا بد أنها تهيمن على عقلك؛ وهذا ليس مستغربًا. ما أودُّ أن تفعله، نظرًا إلى أنك لم ترتكب جريمةً قَط، كما أنك آخر رجل في العالم يمكنه القتل في الوضع الحالي، هو ألا تعبأ كثيرًا بهذه الخطيئة.»

كرَّر كروتشر بعينين جاحظتين: «ألا أعبأ كثيرًا؟!» ثم أضاف جملةً غير منطقية مرتعدًا: «إله العالم لا يستهين بهذه الخطيئة!»

ردَّ الطبيب ببعض الغموض: «عُرِف عن الأدبيات ذلك. لكنك لم تَعُد قارئًا كما كنتَ في العام الماضي؛ وإلا فهناك كتاب، «القتل باعتباره أحدَ الفنون الجميلة»، كنتُ سأعيرك إياه.»

سأل السيد كروتشر، وهو لا يدري أيضحك أم يعبس، وفي الوقت نفسِه تألَّقت عيناه أكثرَ من المفترض: «أحد ماذا؟»

ذهب الطبيب لإحضار الكتاب، وقرأ على كروتشر بضعة مقتطفات منه. بدا أنها أشعرته بمتعةٍ استثنائية؛ إذ سيطرت على رأسه المستدير القابع على الوسادة. ما استطاع أن يفهمه منها هو أنَّ بعض الناس يرون القتل مجردَ رياضة لا أكثر. رأى أنهم حمقى مضحكون! ما عليهم سوى قضاء أسبوعين في زنزانة انفرادية، من أجل جريمةٍ لم تقترفها أيديهم، ولنرَ حينها إن كانوا سيفكرون في القتل أم سيتراجعون عنه!

ومع ذلك كان بوسع ألفريد كروتشر أن يفهم أن أولئك الأشخاص، بكتابتهم مثل هذه التُّرهات، لم يكونوا يعرفون شيئًا حول حقيقة الأمر؛ ما لم يستطِع فهْمه هو كيف ينظر طبيبُ الجريمة، من بين كل هؤلاء الناس، ومع معرفته الغامضة بالقتل، إلى أسوأ الجرائم، بطريقةٍ لم تخطر على عقل ألفريد كروتشر غير المتحيز. بدا أن الطبيب ينظر إلى القتل بطريقةٍ أكثرَ إثارة من الطريقة التي كان سينظر بها إليه هو نفسه، حتى وهو في أسوأ أحواله؛ كيف لشخصٍ خاض كلَّ مخاطر التعرُّض للقتل أن يجلس ويتفاخر بشأن «ظلال الجدارة» في جريمةٍ واحدة، بل ويتبجَّح بأن جرائم أخرى هي «أسمى الجرائم التي ارتُكِبَت وأكثرها اكتمالًا في براعتها البالغة»، هذا ما عجز عقله عن استيعابه من شدة فظاعته. لكن ما هو أكثرُ رعبًا هو ضحكات السيد كروتشر الجوفاء وذلك البريق الماكر في عينيه المضطربتين بينما انتفض جسده بين الشراشف.

طلب كروتشر الكتابَ من الطبيب، عندما عزم الأخير على المغادرة؛ وأدرك الطبيب، آنذاك، أن كروتشر كان غارقًا في العَرق الذي لم يبذل أدنى جهد لإخفائه.

طمأن كروتشر الطبيب وهو يرتعد بشكلٍ علني: «لم تكن كل هذه الجرائم مضحكة. استوقفتني الجريمة التي تقف فيها خادمةٌ أمام الباب، وعلى الجانب الآخرِ القاتلُ الذي قتل العائلة الكبيرة عن بكرةِ أبيها. يا إلهي! حبست أنفاسي عند هذه النقطة، فتصبب جسدي عرقًا.»

سأل الطبيب: «في أي جانب كنت؟»

هتف كروتشر: «ماذا تقصد؟»

أجاب الطبيب: «أقصد كيف تخيَّلت الأمر في عقلك أيها الرجل الطيب!»

نادرًا ما كان السيد كروتشر يجِدُ أن من الأسهل قولَ الحقيقة، فاستغل الفرصة التي لاحت له كما يجب.

قال: «شعرت أنني مكان الفتاة. ولن أستغرب إن حلَمتُ الليلة أنني كنت مكانها!»

قال دولار بحماسة استثنائية: «آه! دائمًا أتخيَّل نفسي داخل الغرفة. لو أنني مكان الفتاة لحظيت بفرصةٍ أكبرَ. فقد كان الشارع المكشوف خلفها ومصابيح الشارع؛ أما هو فكان أمامه ما اقترفته يده في الظلام، ولم يكن لديه مهرب. هي، أيضًا، تمكَّنت من الهرب، بينما اضطُر هو إلى قتلِ نفسه. لكن لو كانت لي حرية الاختيار لفضَّلت أن أكون الضحية؛ إذ لا يعلم ما سيحدث تاليًا؛ وهذا أقلُّ سوءًا آلاف المرات من «الشيء الآخر» عندما يأتي. أنا آسف يا كروتشر! ليتك لم تطلُب أن أترك الكتاب لك؛ لكن لا مثيل للنظر إلى الأمر من كل الجوانب، ولعلك تجد بعضَ العزاء إذا عرفت أنك تصببت عرقًا بسبب أفضل وصفٍ كُتب لجريمة على الإطلاق.»

لكن لم تكن هذه آخرَ محادثاتهما السوداوية؛ إذ لم تكن تنقضي خمس دقائق كاملة قبل أن يظهر ذلك الموضوع المذموم، غالبًا عبْر تلميحٍ متردد لكنه لا يُقاوم في الوقت نفسه، من جانب المريض. وربما كان الطبيب يدخل وهو يفيض بالمرح المتكلف؛ وكان ثمَّة شيءٌ ما بشأنه يجعل العينين الجاحظتين تدوران في مَحجِريهما بمكرٍ مضطرب، واللسان المعتاد على لهجة الكوكني يهتز في لحنه المنفرد، كأنه في حالة احتجاج على الجبين الغارق في العَرق.

في مناسبة واحدة كان دولار المذنب الرئيسي. حدَث هذا في اليوم التالي لتعرُّف كروتشر على دي كوينسي، وأول ليلة سيئة يُمكن أن يقضيَها أحدٌ في غرفة السلام. أعلن كروتشر أن عينيه لم تغفيا لحظةً، فأشار عليه الطبيب بالنهوض من الفراش والخروج للتنزُّه.

سأل كروتشر بصوتٍ خفيض: «بمفردي؟»

ردَّ: «ولمَ لا؟ هذا ليس سِجنًا، كما أنني لم أسمعك تسعُل مطلقًا. لم يحِن وقت وفاتك بعْدُ يا كروتشر!»

قال كروتشر منتفضًا في وجَل: «آمُل ألا يحدثَ هذا لأحد ولا سيما هنا. أشعر أن استنشاق الهواء العليل في يومٍ معتدل الطقس مثل هذا «ربما» يبعث البهجةَ في قلبي.» ودارت عيناه في مَحجِريهما في تردُّد، وتحشرجَ صوته. تابع: «لكن ليس ممتعًا أن يتجول المرء بمفرده.»

سأل الطبيب: «هل لديك أيُّ أصدقاء يمكنك زيارتهم؟»

هتف كروتشر بنبرةٍ قاطعة جعلته يتوقَّف في مكانه: «لا! لكن يمكنني … يمكنني كتابة خطاب … إن كنت لا تمانع أن تعيرني ورقًا يحمل عنوان المنزل.»

كان الخطاب الذي كتبه ألفريد كروتشر قصيرًا جدًّا، غير أن المظروف كان سميكًا سُمكًا ملحوظًا، فحمَله بنفسه إلى صندوق البريد بعدما تلفَّت يمنةً ويسرةً. وعند صندوق البريد، الذي لم يكن يبعُد ياردات كثيرة من المنزل، تردَّد مرةً أخرى حزينًا، قبل أن يدفع بالمظروف إلى داخل الصندوق.

بعد الظهيرة، صحِبه دولار في سيارته إلى الخارج، ولأول مرة لم يأتِ السيد كروتشر على ذكرِ ذلك الموضوع السام.

قال دولار: «أترى ذلك المنزل؟» وأشار إلى منزلٍ في غاية التواضع، في أطرافِ طريق بارك لين. أضاف: «لقد حدثت «هناك» جريمةٌ كبرى ذات مرةٍ. ذبح وصيف سويسري سيدَه، واصطنع أدلةً توحي بأن الحادثة من فِعل لصوص منازل، وبلغت به الجرأة أن دخل غرفةَ الرجل الميت ليوقظه في صباح اليوم التالي.»

قال السيد كروتشر في قمة الاشمئزاز: «لئيم وضيع، أليس كذلك؟»

ردَّ تلميذ دي كوينسي: «وأيضًا فنان بارع جدًّا. لم تكن تلك لمستَه البارعة الوحيدة. فقد فصل رأس السيد المحترم المسن عن جسمه، دون أن تلطخ بقعةُ دمٍ واحدةٌ ملابسه. كيف نجح في ذلك في اعتقادك؟ إنها عملية فوضوية يا كروتشر؛ لو كنت أنا أو أنتَ مكانه لتناثرت الدماء في كل مكان!»

كرَّر كروتشر السؤالَ بصوت مبحوح مرتجف: «كيف نجح في ذلك؟»

أجاب دولار: «بأن خلع كل ملابسه قبل تنفيذ خُدعته. ما رأيك في هذه المعلومة؟»

لم يُجِبه كروتشر. وراح يجزُّ على أسنانه بشدة كأنه يعاني ألمًا مبرِّحًا في جسده. كادا أن يصبحا خارجَ المدينة، وأخذ دولار يتحدَّث عن ألوان فصل الخريف وبرودة الجو قبل أن يقاطعه كروتشر فجأةً ويستعلم منه بشأن مصير «اللئيم الوضيع».

سأل دولار: «هل أنت بحاجة لأن تسأل عن مصيره؟ اغترَّ هذا الشرير المسكين بذكائه واقترف خطأ فادحًا مقابل كل عمل عبقري أقدَم عليه. قُبِض عليه ومَثُل أمام المحكمة وأُدين، وهَلُمَّ جرًّا! كما أن كاتبًا أعظم من ذلك الذي سلب النوم من عينيك الليلةَ الماضية كتب أفضل وصف ﻟ «وهَلُمَّ جرًّا» تلك ولم يضاهِه أحدٌ في ذلك. لكن لا تطلب استعارةَ ذلك الكتاب!»

قال ألفريد كروتشر بعد أن قطعا مسافةً طويلة خارج المدينة: «يبدو أنهما دائمًا ما ينسون شيئًا ما.»

وافقه طبيب الجريمة: «أول شيء هو أن أفضل جرائم القتل يجب ألا تبدو جرائمَ قتل. بل يجب أن تبدوَ كالحوادث أو حالات الانتحار على الأكثر. لكن هذا يتطلب ما هو أمثال موستن سكارث للتعمق إلى هذا الحد.»

هتف كروتشر غاضبًا لمجرد ذكرِ الاسم: «ما الذي دفعك إلى التفكير فيه بحق الجحيم؟»

أجاب الطبيب: «في الواقع، لأسبابٍ عدة، من بينها أنه رآنا للتو في السيارة. أتقصد أنكَ لم تلحظ اللحيةَ المزيفة للسيد الذي انشغل بالتقاط مظلته من الأرض ونحن ننعطف إلى شارع ويجمور؟»

٣

لم يتجرأ ألفريد كروتشر مجددًا على مغادرة المنزل بمفرده، ولو لمجرد الذهاب إلى صندوق البريد؛ ولم يرسل خطابًا آخرَ على الرغم من تلقيه واحدًا، ملفوفًا حول حجرٍ، فور أن فتح نافذته، وقرأه بإمعان شديد. لقد خرج من المنزل، ولكن فقط بصحبة طبيب الجريمة في سيارته، مدة ساعة أو ساعتين في فترةِ ما بعد الظهيرة.

كانا أكثر من مرة يترجلان عند حديقة ريتشموند بارك، ويبعثان بالسيارة إلى إحدى البوابات الأخرى في الطرَف المقابل، ويتبعانها هرولةً، جنبًا إلى جنب، وفي كثير من الأحيان كان كروتشر يختلس النظر إلى الوراء، أما دولار فلم يفعل ذلك ولو مرةً واحدة. وفي بعض الأحيان كانت تتخلَّل هذا النشاط فترة استراحة إلى أن ينتهيَ كروتشر من تدخين غليون في إحدى المناطق المُسيَّجة الخشبية الجميلة التي تُظهِر البهاءَ الداخلي للحديقة التي تُعتبر أروعَ الحدائق العامة. هناك، تحت الغطاء الأحمر من الأوراق المحتضرة، وحيث تستقر أقدامهما على بساط خمري من الأوراق الميتة، كان من شأن المُدخن أن يسترخي في صمت متململ؛ لأن الموضوع الذي كان يُطلِق لسانَه بفصاحة قد صار محظورًا. حتى في غرفة السلام، لم ينعم ألفريد كروتشر براحة البال، باستثناء سويعات من النوم، مع أن الطبيب كان يأخذه معه في نزهاتٍ يسيران فيها مسافات طويلة حتى تكلَّ قدماه ويجلس بجواره حتى الساعات الأولى من الصباح. وهكذا كانت طريقة العلاج من خلال الكتب الأدبية والمحادثات قد تغيَّرت للأبد؛ وصار المريض لا يقرأ ولا يتكلم إلا النَّذر اليسير.

ذات مرة، في ساعةٍ متأخرة من الليل، في النصف الأخير من الشهر، جلس طبيبُ الجريمة كتمثال من الشمع في مقعدٍ لم يكن يصدر صريرًا قَط، بعدما كان قد تأكَّد للتو من نوم مريضه أخيرًا. وقرَّر أن ينسل خارجًا من الغرفة ويكتب بعضَ الخطابات ويضعها في صندوق البريد بنفسه قبل أن توصَد أبواب المنزل؛ وأوشك أن يسيرَ بخفةِ قِطٍّ، عندما أُثيرت حواسه، فتأهَّب في مكانه. لم يكن ذلك بسبب صوت لا سيما أنه كان في غرفة منعزلة مانعة للصوت، ذات نوافذ مزدوجة وأبواب ثلاثية الألواح. لكن فجأة شعر بالتوتر، فأنصت بأعصاب منهكة من فترات السهر الإجبارية في تلك الغرفةِ الباعثة على النوم، وقد بدت بشرته مسمرَّة مثل العرب بسبب إضاءة الغرفة الغريبة؛ وتغيَّر لون البقعة الفضية في شعره إلى اللون النحاسي، وتحوَّل بياض عينيه إلى حلقات ذهبية عريضة؛ وتعاظم الحوَل فيهما بسبب شعوره المفرط بالإنهاك؛ إذ كان همُّه الوحيد أن يسترد ذلك الإنسانُ المحطَّم المستلقي على الفراش — المنهَك تمامًا بسببه — عافيتَه، لكن ليس وسط فوضَى صاخبة. وها هو ذا الباب الداخلي الأخير يُفتح، بهدوء بالغ وبطء شديد، في جوف الليل!

دخلت امرأة، مثل الشبح، وتعرَّف عليها من خطواتها، وإن لم يسمعها بأذنيه. عرَفَ أن صاحبة العباءة وغطاء الرأس — الشبيهين بملابس ممرضة متدربة — هي الليدي فيرا مويل على الرغم أنه لم يميزها بعينيه.

«هشش!» همست قبل أن يتكلم، وبهدوء شديد أغلقت البابَ الداخلي الأخير الذي كان سيعاجِل الطبيب بإعادتها إلى الخارج من خلاله بسرعة. أصابته حركاتها الصامتة وحذرُها الزائد بالحيرة أكثرَ من مجرد حضورها أو ردائها التنكري؛ لكن كان لديه ما يشغل باله على هذا الجانب من الباب.

همس، وهو يشير إلى الفراش: «لقد نام للتو. جعلت الوغد المسكين يمرُّ بوقت عصيب، لكن سيتحسَّن قريبًا، على ما أعتقد. هل أتيتِ للاطمئنان على حاله؟» حتى في إضاءة الغرفة الملونة، بدت مشرقةً جدًّا وعلى وجهها دلائلُ انتصار واضحة، تأكَّد من صحتها. وتابع: «كنت سأكتب لكِ رسالة، لكني ظننت أنكِ خارج المدينة. من فتح لك الباب؟»

أجابت: «هذا!»

ورفعت أمامه مفتاحًا جديدًا من نوع يِيل.

سأل: «من أين حصلتِ عليه؟»

ردَّت: «صُنع خصوصًا من أجلي.» تحوَّل التعبير على وجه الرجل المحمر إلى حَيرة تامة. أضافت: «لدى موستن سكارث مفتاحٌ آخر، صُنع من أجله! فقد عينتُ أشخاصًا لمراقبته.»

هتف: «فيرا!»

قالت: «كنت أراقبه، من إحدى دُور الرعاية المقابلة لمنزله، من خلال صديقاتي المناضلات.»

سأل: «لماذا لم تخبريني بذلك؟»

أجابت: «كان لديك ما يكفيك لتفعله.»

هزَّ رأسه. وقال: «وماذا بعد؟»

قالت: «إنه في مكانٍ ما في المنزل.»

سأل: «هذا المنزل؟»

«لماذا لم تخبريني؟»

أومأت برأسها. وأجابت: «إنه يختبئ في غرفتك حسبما أظن.»

هتف: «سأعجِّل بخروجه منها!»

قالت: «انتظر!» صوَّبت عينيها ناحيةَ الفراش الأصفر اللون في نهاية المطاف. وسألت: «هل أنت متأكد من أنه نائم؟»

مشى دولار بخفةٍ إلى الفراش قبل أن يعود مرة أخرى. كان الرجل الضخم يتنفس بهدوء وانتظام كطفل صغير. قال: «لكن نومه خفيف جدًّا؛ لذا يجب ألا نزعجه، إن استطعنا.»

تشبَّثت بيده لأول مرة قائلة: «نزعجه! ليتني لم أحضِره إليك مطلقًا! إنهما يدبِّران أمرًا أيها الطبيب، أنا واثقة من ذلك!»

قال الطبيب مبتسمًا: «كانا يدبِّران أمرًا بالتأكيد»، لكنه جفَل فور أن قال «بالتأكيد». أكمل بنبرة مطمئنة: «أنا سعيد لأنكِ جلبتِ كروتشر إلى منزلي. فقد استنطقته وعرفت جزءًا من المكيدة، لنذهب الآن إلى السيد سكارث!»

سبقَها إلى الباب ليفتحه. ووضعت هي شيئًا في يده في لمح البصر. نظر الطبيب ليجدها أعطته مسدسًا، بدا صغيرًا مُبهرجًا في ضوء الغرفة بمقبضه اللؤلؤي وماسورته الذهبية.

قال بسرعة: «شكرًا لكِ»، لكن لاحت في عينيه نظرةٌ لم ترَها من قبل. قال: «هلَّا تُسدِين إليَّ خدمة أخرى؟»

ردَّت بحزم: «لا!» وكانت بجواره وهو يفتح باب غرفته القابع في الطرف المقابل من بسطة الدَّرج.

كانت غرفة دولار صغيرة بسيطة الأثاث؛ لذا في الواقع لم يكن احتمال وجود خطر من جانب المتطفل المختبئ كبيرًا. كان المخبأ الوحيد الذي يستطيع المتطفل اللجوء إليه هو تحت الفراش، أو خلف الستائر، أو داخل خزانة الملابس. ببساطة تحقَّق دولار بإلقاء نظرة سريعة تحت الفراش، بينما ضرب بالمِحراك في يده اليسرى؛ وبواسطة هذا المِحراك فتح الستائر، وفي اللحظة ذاتها وجد الرجلَ المنشود متواريًا على بُعد ذراع.

هتفت الفتاة: «أحسنت!»

ردَّ عليها سكارث بنظرة محتقرة عكست إدراكه لِما يحدث؛ في أول تغيير يُبديه وجهه الداكن القاسي الخالي من المشاعر. في ساحات معارك البلقان، ربما كان هناك الكثير من أشباه سكارث، وإن لم يشاركوه تفرُّده الفكري لكنهم كانوا يشبهونه في ازدرائهم الشديد للمعارك والقتل والموت المباغت لأنها أمورٌ هينة لا ضير منها سواء نزلت بالطرَف الفعَّال أم السلبي. يندُر وجود هذا الطبع في أوساط الإنجليز المتعلمين، خاصةً إذا أضفنا إليه ميزةَ التفرُّد العقلي؛ فمن هذا المزيج انبثق الشرير المولود في الجحيم، ونضج حتى صار موستن سكارث الحالي.

في حرجٍ هادئ رأى سكارث مخرجَه دون أن يبديَ أي شيء سوى التماع عينيه المتغطرستين، واستغله كأنه لم يتوقع حدوثَ أي شيء آخر.

قال: «أمسكت بكما يا صديقَيَّ العفيفَين! ما بالكما تتبجَّحان وتصوبان المسدس نحو صدري كأنني جئت إلى هنا لهدفٍ إجرامي!»

ردَّ طبيب الجريمة: «لن أفرغه في صدرك، يا سكارث، مهما حاولت إغرائي. ما رأيك في أن تعقد يديك خلف رأسك وتنزل أمامي إلى الطابق الأرضي؟»

قال موستن سكارث: «لن أفعل، ولتحلَّ عليك اللعنة.»

قال دولار: «ممتاز! لا يهمني إن كنت ستمتثل أم لا، لكنك قد تجد صعوبةً أكبرَ في أن تُخرج إحدى يديك من جيبَي سروالك؛ إذ في اللحظة التي تُخرج فيها إصبعًا واحدًا، ستصبح مشلولًا طوال حياتك. أظن أنك أيضًا قد تحب سماعَ ما سنقوله للشرطة.»

ردَّ سكارث بحَنَقٍ أشدَّ في عينيه، أكَّد قولَه: «لا أبالي مقدارَ ذرة بما ستقوله للشرطة.»

هتف الطبيب: «ممتاز مرة أخرى! ليدي فيرا، هلَّا تذهبين إلى الطابق السفلي وتتصلين بسكوتلاند يارد؟ وفي طريقك إلى هناك، رجاءً تأكَّدي من أن الأبواب الثلاثة للغرفة المقابلة مُوصدة؛ بعد ذلك، ربما … لا! يُستحسن أن يبقى هذا الباب مفتوحًا على أي حال.» كانت الثواني الثلاث كافية لغلق الأبواب الثلاثية خلفهما، واحدًا تلو الآخر، وبسرعات متفاوتة.

قال سكارث: «كنت سأفعل هذا لو كنتُ مكانك. وكنت سأفكِّر كثيرًا قبل أن أنفِّذ تعليماتك الأخرى، لو كنتُ مكان السيدة، محور إحدى القضايا الغامضة القليلة، التي لا تزال تحيِّر سكوتلاند يارد.»

ساد الغرفةَ صمتٌ، ولم يسمع دولار أيَّ صوت آخرَ باستثناء أنفاس حادة، من ناحية عتبة الغرفة خلفه مباشرة؛ ولم يكن بحاجة إلى شيء آخر.

قال: «أعتقد أنه يجب أن أقتلك، على أي حال»، وسحب زناد المسدس إلى آخره.

قال سكارث بلا مبالاة: «ألن يفسد هذا خطتك نوعًا ما؟»

ردَّ: «في اللحظة الحالية لا يوجد أيُّ أهمية لخطتي مقارنةً بالخطة التي وضعتَها أنت. فمع أنه بلغ بك الحُمْق أن صنعت مفتاحًا يلائم قُفل الباب الأمامي، إلا أنني أمسكت بكَ مختبئًا في غرفتي في منتصف الليل …»

قال: «وأنت برُفقة سيدة المجتمع! أكمل، يا دولار. فلا شيء يخفِّف هذا العار، ولو استخدمت كل أوراقك الرابحة!»

كشف عن أسنانه كما فعل على خشبة المسرح في وينتروالد قبل تسعة أشهر؛ وكان قد تخلَّى عن سمات شخصيته التمثيلية الشهيرة بلا وعيٍ منه، فلم يعُد يُقطِّع في كلامه أو يتحدَّث بروح حماسية كانت تستحوذ على قلوب الجماهير في الماضي؛ ولم يتأثَّر الرجل الواقع تحت رحمته الآن بطريقته الآسرة أدنى تأثير. ولو لم يضَع سكارث الليدي فيرا مويل تحت رحمته هو الآخر، ولو لم يكن جون دولار يعلم أنه قاسٍ بلا رحمة، لأُعجب بمحاولات ذلك المتهور الرزين في المماطلة.

واصل: «أتذكَّر الحفلةَ في وينتروالد، أيها الطبيب، وحديثنا بعدها، وحديثنا الأخير هناك؟ لقد ظنَّ يا ليدي فيرا أنني حاولت قتل الشاب مرتين … أنني حاولت النَّيلَ مرتين من الشاب الأحمق العديم الخبرة! ألا يجدُر بي إنهاءُ أمرِه بضربة حاسمة؟ ليس مسلِّيًا كثيرًا للأرملة أو الشقي البريء المسكين الذي كاد يُعاقب بسببِ جريمة لم يقترفْها، لكنه عملٌ عظيم لو أقدمَت عليه النساء الكادحات المُسلحات وقائدتهن الليدي فيرا! أنتِ في أمانٍ حتى تظهَر الحقيقة على الملأ، وهذا ما سيحدث فور أن تطأ قدم شرطي واحد هذا المنزل!»

كانت الليدي فيرا هي من جعلت الطبيب يستمع إليه. إذ كانت قد تقدَّمت ناحيةَ دولار، وأمسكت بذراعه، بل وضعت يدها الأخرى أمام فوَّهة مسدسها.

قالت في منتصف خطاب سكارث: «دعْه يُكمل كلامه؛ ربما نعلم ماذا لديه بشأننا.» ثم سألته عن عرْضه كأنها تستفسر عن سعرِ رداءٍ بودٍّ مضاعَف من باب التنازل مع شخصٍ أدنى مرتبة.

أجاب: «لقد قدَّمت لكِ عرْضي. وليس عرْضًا يمكن أن أكرره أمام طرف ثالث.»

قالت الليدي فيرا وهي تحاول حلَّ ذراعها من ذراع دولار؛ لكنه أحبط محاولتها وأحاط بها بيده اليسرى مثل الكماشة: «ربما أتصل بالشرطة.»

قال وهو يجزُّ على أسنانه: «لن تفعلي. الأمر محض خداع لا أكثر. فلا تملك الشرطة دليلًا.»

أجابت: «سأخبرهم بكلِّ ما أعرفه بكل سرور. لطالما ندِمت على أنني لم أقدِّم المعلومات التي أعرفها منذ البداية. لكن الظروف التي حالت دون ذلك لم تَعُد قائمة، ولن أسمح بإفلات شخص سيئ من قبضة العدالة مرة أخرى.»

لكنها لم توجِّه كلامَها هذا لموستن سكارث؛ إذ كان مستحيلًا أن تخاطب مثيلات فيرا مويل أسوأ شخص في العالم. كانت توجِّه كلامها هذا إلى مسامعِ دولار فحسب. لكن أمثال موستن سكارث مستمعون خبراء؛ فليس من الممكن أن يفلت مقطعٌ صوتي واحد من أذن القائد البارع لتك الفئة السيئة؛ لذا ابتسم في بهجة للفراغ على مدِّ البصر الذي كشف عنه الباب المفتوح.

سأل: «أتعترفين إذن أنكِ وجَّهتِ الضربةَ التي أودت بحياة العريف الراحل المأسوف عليه سيمبكن؟»

لكن هذه المرة لم تكن سهام نظرات موستن سكارث الثاقبة الحادة مصوبة نحوهما. إذ تجاوزتهما نظرته الفرحة بسرعة إلى بسطة الدَّرج.

أجابت: «لم أنكر هذا الأمرَ قَط.»

هتف سكارث: «أتسمع يا كروتشر؟ هذا اعترافٌ كامل من الليدي فيرا مويل … اعتراف خاص جدًّا.»

اقترب الاثنان بعضهما من بعض بينما استدار أحدهما صوب الباب؛ بالفعل كان ألفريد كروتشر واقفًا على عتبة الباب بجسده الضخم، في منظرٍ مهيب، مرتديًا رداءَ الحمَّام الأبيض الذي بدا عليه أفضل من ملابسه الفاقعة الألوان. بدا وجهه المعتل أقلَّ شحوبًا بقليل من لون ردائه الأبيض، باستثناء عينيه الحمراوين المحرومتين من النوم، اللتين ركَّزتا على موستن سكارث، الذي كان لا يزال يحظى بتركيز طبيب الجريمة الكامل.

سأل كروتشر بصوتٍ مبحوح: «كيف دخلت إلى هنا بحق الجحيم؟»

أجاب: «يسعدني أنكَ سألت هذا السؤال. لجأ صديقانا العفيفان على الفور إلى افتراضِ أنني جئت لارتكاب جناية، حتى إنه لم يخطر ببالهما على الإطلاق أنني دخلت من الباب، من ناحية لكي أراك، والسبب الرئيسي أنني أردتُ مفاجأتهما.» ابتسمت الليدي فيرا رغمًا عنها من قوله بأنه لم يخطر ببالها على الإطلاق؛ ولم يترك أيُّ شيء آخرُ مما قاله أثرًا عليها، لكن كان له وقعه على جون دولار، الذي كان سكارث يصوِّب إليه الآن ابتسامته الكاشفة عن أسنانه. تابع: «أسوأ ما في أقفال يِيل، أيها الطبيب، أن جميعَ المفاتيح مُرقَّمة؛ وأسوأ ما في الحمَّام التركي أنه يمكن أن يشاركك فيه عدوُّك، ويتفقد إن كنت ستترك مفتاحك في سلسلته في جيبك أم لا. قد تكون جادَّة نورثمبرلاند المكانَ الأمثل لينعَم فيها المرء ببعض الراحة بعد قضاء ليلة سيئة، لكن هناك وجدتُ سبيلًا إلى الدخول إلى منزلك. لم تَرَني لأنني كان لديَّ ذوق رديء جعلني أفضِّل غرفةَ الكهرباء بدلًا من الغرف الساخنة العامة ورفقتك المبجَّلة.»

تكلَّف سكارث هذه النبرةَ المتغطرسة لأجل كروتشر، وأسهب في نصِّه الأوبرالي للتأثير على عقله البسيط، ولجأ إليه لتلقي الاستحسان منه تحديدًا. ربما استدعى ذلك أن يكون أكثرَ إفصاحًا؛ إذ كانت ضحكةُ كروتشر المتحشرجة استجابة سطحية قسرية؛ ولم تكن نظرات عينيه الحمراوين الصغيرتين إلى الطبيب الصامت، الذي كانت تُوَجَّه إليه هذه الإهانات، توحي بسخرية صريحة، وإن لم تنطوِ على أي دلائلَ لاحترام ظاهر.

التقت عينا دولار للحظة بعينيه في نظرةٍ جانبية قصيرة؛ فلم تكن العينان الحمراوان تطيقان إطالةَ النظر إليه. وأطلق سكارث نظراته الغاضبة نحوه، لكن السيد كروتشر لم يرفع ناظريه مجددًا. وبين هذين الرجلين القويين، اللذين كان أحدهما يكيل الإهاناتِ بلسانه، والآخر يقذف سهام الأسئلة بعينيه، اكتفى كروتشر الضعيف بأن أخذ يتفحَّص مقدمةَ خُفِّ نومه. لكن سرَت رِعدة في يده اليمنى في أعماق جيب رداء الحمَّام الفضفاض. لم يلحظ أحدٌ ذلك، باستثناء موستن سكارث، الذي ملأه هذا بشعورِ بثقة بادية.

قال: «هيَّا، يا ألفريد، ارتدِ ثيابَك الاعتيادية، إن لم يكونوا قد أخذوها منك. وإن كانوا قد فعلوا، فانزل إلى الأسفل بما ترتديه في الوقت الحالي، واستدعِ سيارةَ أجرة. سأخرجك من هذه الحفرة. فأنت تبدو ميتًا لا حيًّا. هذا ما تصوَّرت أنه سيحدُث لك؛ وكان ذلك من أسباب قدومي إلى هنا.»

قال طبيب الجريمة: «سيُسدي كروتشر إليَّ خدمة أولًا. وبعدها يمكنه أن يفعل ما يحلو له.»

قال سكارث: «يؤسفني أنك لا تتمتَّع بإرادة حرة، يا ألفريد.»

سأل كروتشر: «ومن قال ذلك؟»

أجاب: «الطبيب دولار. ألم تسمعه؟»

قال: «لو كان يقصد ذلك، فهو …»

قال الطبيب: «كروتشر! كروتشر! لا أريد منك إلا أن تناولني علبةَ شفرات الحلاقة من طاولة الزينة. في الحقيقة لستَ بحاجة إلى فعلِ كلِّ ذلك؛ فقط سَلِّح نفسَك بالسلاح الذي ستجِده فيها. حينها ستكون أكثرَ من ندٍّ لي. وستلاحظ أن السيد سكارث لن يثير أيَّ اعتراضات أخرى.»

ما لاحظه كروتشر، عندما رفع عينيه الحمراوين أخيرًا، أن موستن سكارث كان قد فقدَ فجأةً بعضًا من اسمراره المشرق المعتاد؛ ومع ذلك لم يتحرك كروتشر قيد أنملة.

ثم، دون أن تنبِس ببنت شفة، تركت الليدي فيرا جانبَ الطبيب، وحملت عُلبة شفرات الحلاقة بين يديها وفتحتها على مصراعيها لتجدها فارغة.

سأل جون دولار: «من منكما استعارَ شفرة حلاقتي؟»

هتف كروتشر مذعورًا: «لست أنا!» لكن يده اليمنى كانت لا تزال في أعماق جيبه، الأمر الذي لاحظه موستن سكارث وحدَه؛ لذا استعاد بعضًا من ذلك الإشراق في بشرته الداكنة.

سأل دولار: «لست أنت، يا كروتشر؟»

أجاب: «لا، لست أنا، أقسم لك.»

قال: «ومع ذلك أعتقد أن مهمتك الأصلية في هذا المنزل كانت الحصول على شفرة الحلاقة تلك واستخدامها، أليس كذلك؟»

لم ينهِ دولار الجملةَ إلا بعد أن بحث عن يد الليدي فيرا الصغيرة بيده اليسرى؛ وعانقت يدُها يدَه في منتصف الطريق وبادرت ببث الطمأنينة في قلبه بأن اعتصرت يده.

سأل دولار: «أعتقد أنه كان من المفترض أن تُجهِز عليَّ بها، وتتركها في يدي لتُظهِر أنني انتحرت، أليس كذلك؟»

عندئذٍ، خضع كروتشر تحت وطأة نظرة دولار الجانبية، التي قصدت تدميرَ إرادته بثباتها، وتفوَّه بذلك التصريح المرعب.

قال بصوت مبحوح: «أنْ أرشدَ يدك إلى الطريق!»

قال دولار: «أن ترشد يدي! بالضبط! لكنها لم تكن فكرتك في الأصل، أم إنها كانت كذلك؟»

أجاب: «لا. كانت …»

لكنَّ عينيه التقتا بعينَي موستن سكارث، فأطرق برأسه من جديد.

كرَّر دولار: «بالضبط. لكنك لم تشأ أن تفعلها؛ لذا اضطُر سيدك في نهاية المطاف إلى التدخُّل كي يفعلها نيابةً عنك، أليس كذلك؟»

أجاب: «لم يعُد سيدي، اللعنة عليه!»

هتف دولار: «اهدأ يا كروتشر. هلَّا تخبرني بما تحمِله في يدك اليمنى؟»

كان خطابًا. في نهاية المطاف لم يُخرج سوى خطابٍ من ذلك الجيب العميق! بدا الذهول في عينَي سكارث، ووجدت الكلمات سبيلها إلى لسانه مرةً أخرى.

قال: «أعطني … هذا … يا كروتشر!»

تردَّد كروتشر عندما سمع صوته؛ كان ينطوي على تهديدٍ سافر، وبدت كلُّ كلمة من كلماته الحادة كشوكةٍ مسمومة.

سأل: «وماذا سيحدُث إن لم أفعل؟»

أجاب: «أنتَ تعرف بلا شك!»

قال طبيب الجريمة: «اللعبة تحتدم»؛ ولم يدرك أن يدَه اليسرى أفلتت اليد التي تغنيه عمَّا عداها.

هتف سكارث لكروتشر الذي ولَّاه ظهرَه العريض: «إن تركته يقرأ الخطاب، فستكون نهايتك!»

استهل كروتشر كلامَه، قائلًا: «أيمكن أن يُحاكم المرءُ مرتين على الأمر نفسه، أيها الطبيب؟» لكنه لم يتوقَّف لالتقاط أنفاسه وأضاف يائسًا: «لا أبالي إن كان ذلك ممكنًا أم لا! اقرأ الخطاب على أي حال!»

كان الخطاب موضوعًا في ظرفٍ، وموجَّهًا «إلى مُحقق الوفيات»، بخطٍّ هو تزييف رائع لخط دولار؛ لكن الخطاب نفسه، المكتوب على ورق الرسائل الخاص به، فاق تزويرَ الخط المكتوب على المظروف في إتقانه، وفيه يودِّع طبيبُ الجريمة العالَم قبل أن يُحبِط ما أنجزه في حياته بإقدامه على قتلِ نفسه.

قال دولار في إيماءةٍ للرجل المهتاج الواقف بين الستائر: «تلك أفضلُ من أيٍّ من محاولاتك الأخرى في سويسرا.»

هتف كروتشر: «لكنها ليست أفضلَ ما أنجزه»، وتوقَّف بينما درات عيناه في مَحجِريهما قبل أن يستكملَ حديثه بشماتة. قال: «أفضلُ محاولات هذا الوغد كانت بالضغط على شخصين في مسألةٍ واحدة — المذنب والبريء — المرأة لأنها ظنَّت أنها لا بد أن تكون هي من ارتكبت الجريمة، والرجل لأنه كان يعرف طوال الوقت أنه من ارتكبها!»

قال سكارث برضًا متَّسم بالتهكم: «في قولك هذا نهايتك.»

قال طبيب الجريمة بنبرةٍ غريبة على أسماعهم: «بل فيه البداية لنا جميعًا! هل … هل تقصد بالرجل والمرأة أنت وهذه السيدة؟»

هزَّت تلك السيدة رأسَها وابتسمت.

قال ألفريد كروتشر، مؤكِّدًا: «أجل، ولو كان هذا يعني أن يضعوا حبلَ المشنقة حول رقبتي غدًا!» أضاف وهو يطأطئ برأسه المدبَّب للأمام: «أخبرته بالأمر في ليلةٍ كنتُ فيها مخمورًا؛ في البداية بدأ يضغط على المرأة لتقبلَ الزواج به، ثم ضغط عليَّ كي أتخلصَ منك قبل أن تُحْبِطَ مخططاته! إنه مجنون، صدِّقني، كان يتلاعب بنا ويستغل نقاط ضعفنا!»

امتُقع وجهُ الليدي فيرا بشدة؛ إذ كانت لا تزال عاجزةً عن تصديقِ ما سمعته أذناها، وحدَّقت في الفراغ كأنها تعاني مشكلةً في عينيها الواسعتين الزرقاوين الرائعتين.

لكن الطبيب مارس مهنتَه حتى آخرِ لحظة. وامتدَّت يده اليسرى لمريضه أولًا.

قال: «ستنام الليلة! سأعطيك يدي الأخرى متى تصبح فارغة»، إذ كان لا يزال مواجهًا للرجل الذي كان يضع يديه في جيبه، والستائر تحيط به من كلا الجانبين، والنافذة الخلفية وراء ظهره.

ثم وقع حدثان متتاليان بسرعة؛ لكن الأول أعاد العاشقَ إلى الواقع بصوتِ ارتجاج، فلم يلحظ الحدثَ الثاني.

قال كروتشر: «أخشى أنني سأجعل من نفسي أضحوكة»؛ إذ كان كلُّ ما أحبَّه على وجهِ الأرض ينهار عند قدميه. كان الطبيب جاثيًا على ركبتيه بجوار الفتاة، ويحتضنها بين ذراعيه. أما السيد كروتشر فلم يلحظ هو نفسه انغلاقَ الستائر، أو يسمع أيَّ شيء مما حدث خلفهم؛ إذ كان هو الآخر جالسًا على ركبتيه، ممسكًا بإسفنجة يتقاطر منها الماء، يغمغم بكلماتٍ أسرعَ من القطرات التي تنهمر على الأرض.

قال: «هذا صحيح! لقد فعلتُها … أنا من قتلت الشرطي وسط الضباب! أفقدته هي توازنَه وجعلته يترنَّح، بين يدي، وتوليتُ أنا بقيةَ الأمر. لم أتعمَّد قتله قَط، لا تُسِئ فهْمي، لكن ذلك لا يهم في شيء الآن. كنتُ على استعداد للذهاب إلى حبل المشنقة في الماضي، ولا أبالي إن ذهبت إليه الآن! لقد أنْقَذَتني، هذه الفتاة المغمَى عليها، وانظر كيف جازيتها على صنيعها! … يا إلهي، كم كنتُ لئيمًا وضيعًا، أيها الطبيب!»

لكن طبيب الجريمة لم يكن متفرغًا للإنصات إليه؛ إذ فتحت محبوبته عينيها التي تغنيه عن العالَم بأسرِه، ورفعت ناظريها إليه بنظرةٍ طويلة؛ ولم ينتبِه أيٌّ منهم إلى صوت النافذة وهي تُفتَح خلف الستائر، ولا الارتطام المُجَلْجِل لقدمٍ على الدَّرَجِ الحديدي بالأسفل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤