الفصل الثاني

في دير طور سيناء

fig44
شكل ٢-١: دير طور سيناء.
أشهر ما في الجزيرة الآن من بناء أو أثر «دير طور سيناء» للروم الأرثوذكس، بناه الإمبراطور يوستينيانوس نحو سنة ٥٤٥م معقلًا لرهبان سيناء، وهو واقع في سفح قمة من قمم طور سيناء على أحد فروع وادي الشيخ كما مرَّ، ويعلو نحو ٥٠١٢ قدمًا عن سطح البحر، حيث العرض ٥٥ ٣٢° شمالًا، والطول ١٨ ٥٨ ٣٣° شرقًا، وعلى نحو ثمانية أيام من السويس، وستة أيام من العقبة، ويومين من مدينة الطور.
وقد بُني على اسم القديسة كاترينا؛ لذلك يُدْعَى أيضًا «دير القديسة كاترينا»، وله راية بيضاء تُرْفَع على قبة كنيسته الكبرى في أيام المواسم والأعياد، وقد رُسِمَ عليها باللون الأحمر صليبٌ وحرفا A. K.، وهما مختصر اسم القديسة كاترينا باللاتينية.

وللدير سور عظيم غُصَّ داخله بالأبنية القائمة بعضها فوق بعض طبقة واحدة أو طبقتين أو ثلاثًا أو أربعًا على غير نظام، وتخترقها ممرات ودهاليز معوجة ضيقة، حتى يرى المتجول نفسه تارة في صعود، وتارة في هبوط، وتارة في ظلمة، وتارة في نور، ويرى من اختلاف حال الأبنية وأشكالها أنها قامت في أعصر مختلفة وأحوال مختلفة، وقد تداعى بعضها إلى الخراب، وخُرِّب البعض الآخر، وهُدِّم البعض بقصد تجديد بنائه.

وقد ضم هذا السور «العليقة المشتعلة»، وبرجًا من برجين بنتهما القديسة هيلانة في تلك الجهة قبل بناء الدير، أمَّا البرجان، فقد تهدما الآن ولم يبقَ لهما أثر، وكان أحدهما عند العليقة، والآخر خارج السور إلى الشرق منه.

وأهم الأبنية القائمة في داخل السور إلى الآن:

الكنيسة الكبرى التي بُنِيَت عند بناء السور، وكنيسة العليقة، وعدة كنائس أخرى بُنِيَت بعدها في أعصر مختلفة، وجامع بمنارة، ومكتبة نفيسة، ومنازل للرهبان وزوار الدير، ومخازن للحبوب والمؤن والأثاث والأخشاب، ومطابخ، وفرنان: فرن للقربان وفرن للخبز، وطاحونتان تداران بالبغال، ومعصرة زيتون تدار بالبغال أيضًا، ومعمل للخمر والسبرتو من البلح والعنب، وآبار تختلف في العمق والقدم، وخارج السور إلى جهة العرب عرصة فسيحة مسوَّرة، وحديقة متسعة فيها أنواع الشجر والفاكهة.

(١) سور الدير

أمَّا سور الدير، فقريبٌ من المربع المستطيل، ومساحته نحو ٨٥ مترًا في ٧٥ مترًا، ومتوسط علوِّه نحو ١١ مترًا، وسمك حائطه نحو مترين وربع متر، حتى إنهم جعلوا داخل الحائط كنائس صغيرة للعبادة، وبناء السور بالحجر الغرانيت المنحوت متين جدًّا، وقد أُخذت حجارته من جبل الدير الجنوبي، وترى إلى الآن في منحدر هذا الجبل على نحو ٢٠٠ متر من السور صخرة غرانيتية عظيمة، قد قُطِعَ منها بعض الحجارة، وبُدئ بقطع غيرها، ثم ترك العمل قبل إتمامه.

وفي أعلى السور مزاغل، رُكِّب عليها مدافع صغيرة من أقدم طرز، طولها نحو ٣ أشبار قائمة على عجل صغير، والمشهور أنها من عهد السلطان سليم العثماني الأول، وهي الآن ستة، تُطلق في أيام الأعياد والمواسم إعلانًا لها.

وقد هدَّمَت الزلازل الجزء الجنوبي من الحائط الغربي، والزاوية الجنوبية الشرقية من السور، فرُمِّمت ودُعمت، وتهدَّم جانب من الحائط الشمالي في أواخر القرن الثامن عشر، فانكشفت الكنيسة لجبل الدير الشمالي، فأطلق بعض البدو رصاصة على راهب وهو يصلي فقتله، وكانت مصر إذ ذاك بيد الفرنساويين وعليهم الجنرال كليبر، وهو من أصل يوناني كأصل رهبان الدير، فرفعوا إليه شكواهم، فأرسل البنائين والأدوات اللازمة، فرمَّموا الحائط، وأعادوه كما كان، وفي هذا الحائط رُخامى عليها كتابة باليونانية الحديثة تشير إلى ذلك، قالوا: وكان الفراغ من ترميمه في ١ مايو سنة ١٨٠١، وقد أُنفق عليه ٣٢٫٠٢٨ غرشًا عثمانيًّا.

وفي هذا الحائط نفسه في أعلى الجانب الغربي منه حجر رخامي صغير، قد نقش عليه كتابة بالعربية، لم أتمكن من قراءتها بالعين المجردة لعلو الحجر، فاستعنت بالنظارة المكبرة، وقرأت فيه هذه العبارة بحرفها: «قد حضروا هذه الجهة المباركة المقدسة المعلمين من بلاد الشام نقولا وهبة موسى سليمان، وهبة إبراهيم جرجس جرجس سنة ١٦٧٥ مسيحية»، وفي هذا الحائط من داخل السور بقرب هذا الحجر حجر رملي أبيض عليه كتابة بالعربية هذا نصها: «من طرابلس الشام سنة ١٨٤٠ مسيحية، الحقير إلى الله المعلم يوسف كانون، اغفر له يا رب.»

(٢) أبواب الدير

fig45
شكل ٢-٢: باب الدير.

وقد كان للدير في حائطه الغربي في الجهة الشمالية منه باب كبير بقنطرة سعتها ٧ أقدام، وهو باب الدير الأصلي، ولكن المخاوف التي مرَّت على الدير في الأجيال الوسطى، اضطرت الرهبان إلى سدِّه بالحجارة، وقد فتحوا بابًا ضيقًا في وسط هذا الحائط، طوله نحو متر ونصف وعرضه نحو متر، وصفَّحوه بالحديد والمسامير الضخمة على الطرز القديم، ويمر الداخل منه بدهليز ضيق طوله نحو مترين، فيأتي على باب آخر بحجم الباب الخارجي ومتانته، يفتح إلى الشمال، ويؤدي إلى داخل الدير.

ثم في سنة ١٨٨٠ اضطر الرهبان إلى زيادة التحفظ على ديرهم، فحجبوا باب الدير الخارجي بدهليز بنوه أمامه، طوله نحو مترين، وجعلوا له بابًا كباب الدير شكلًا ومتانةً، فأصبح للدير ثلاثة أبواب: اثنان يفتحان للغرب، وباب يفتح للشمال، وهذه الأبواب لا تُفْتَح إلَّا بإذن «أقلوم» الدير، وفي أيام المخاوف لا تُفْتَح إلَّا عند الضرورة الشديدة.

(٣) حجران تاريخيَّان

وفوق باب الدير الحالي حجران من الرخام، قد نُقِشَ عليهما اسم باني الدير وتاريخ بنائه الواحد بالعربية والثاني باليونانية، وهذا ما نقش على الحجر العربي:

أنشأ دير طور سيناء وكنيسة جبل المناجاة الفقير لله الراجي عفو مولاه الملك المهذب الرومي المذهب يوستينيانوس تذكارًا له ولزوجته تاوضورة على مرور الزمان، حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، وتم بناؤه بعد ثلاثين سنة من ملكه، ونصب له رئيسًا اسمه ضولاس، جرى ذلك سنة ٦٠٢١ لآدم، الموافق لتاريخ السيد المسيح سنة ٥٢٧. ا.ﻫ.

fig46
شكل ٢-٣: باب الدير المعلق.

ولكن هذين الحجرين وُضعا هناك في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر عند فتح باب الدير الجديد في الأرجح، وفيهما غلطتان تاريخيتان: الأولى أنَّ أول رئيس سُمِّي للدير هو الأب لونجينيوس وليس ضولاس، والثانية أنَّ الملك يوستينيانوس لا يمكن أن يكون قد أتمَّ بناء الدير سنة ٥٢٧م؛ لأن هذه السنة هي بدء ملكه، وكان إذ ذاك مشغولًا بالحروب كما هو ثابت في التاريخ، وإذا صحَّ أنه أتمه بعد ٣٠ سنة من ملكه — كما في هذا الأثر — فيكون قد تمَّ بناؤه سنة ٥٥٧م، ولكن مؤرخي الدير يرجِّحون لاعتبارات شتى أنَّ الدير قد تمَّ بناؤه في السنة الأربعين إلى الخمسين بعد الخمسمائة؛ لذلك قدَّرنا بناءه في نحو سنة ٥٤٥م كما مرَّ، وسنعود إلى هذا الموضوع في ما بعد.

(٤) باب الدير المعلَّق والدوَّار

وللدير كوَّة في أعلى الحائط، مستورة بقفص من خشب — سمتيها الباب المعلق — وبجانبه لولب كبير من خشب لُفَّ عليه حبل متين ضخم يعرف «بالدوَّار»، تُرْفَع به الأثقال من خارج الدير في زمن المخاوف، فيغني عن فتح باب الدير، حتى كان الزوَّار قديمًا يدخلون إلى الدير من باب الدوَّار هذا، ومنه يوزع الخبز على فقراء البدو، ولنتقدم الآن إلى ذكر أهمِّ الأبنية داخل السور:

(٤-١) الكنيسة الكبرى

أمَّا الكنيسة الكبرى — وتعرف بكنيسة الاستحالة — ففي زاوية السور الشمالية الشرقية، وهي مبنية بالحجر الغرانيتي المنحوت كبناء السور أو أجمل، طولها ٣٨٫٤٠ مترًا وعرضها ١٩٫٢٠ مترًا، ومتوسط علو جدرانها — ما عدا السقف والقبة — ٥ أمتار، ولها باب كبير يُفتح للغرب، وفي داخلها صفَّان من العمد الغرانيتية، في كل صف سبعة عمد ضخمة، كل عمود منها حجر واحد، وينقسم بها صحن الكنيسة إلى ثلاثة أقسام: فسحة في الوسط ورواق إلى اليمين ورواق إلى الشمال، ويحف بالعمد الأمامية عن يمين الداخل وشماله صفَّان من المقاعد الخشبية لجلوس الناس عليها في أثناء الصلاة، وفي وسط الصف عن شمال الداخل منبر من الرخام، جميل الصنع، يُصْعد إليه بسلم أُهدي إلى الكنيسة سنة ١٧٨٧م، لا يرتقي إليه إلَّا شماس الكنيسة لقراءة الإنجيل أو الواعظ من الرهبان.

وفي آخر صف المقاعد التي عن يمين الداخل منبر لمطران الدير، قد رُسِم عليه الدير وضواحيه، رسمه الأب كُرنارس الكريتي من مصوري القرن الثامن عشر المشهورين.

والكنيسة مبلطة بالرخام، ومزدانة بالأيقونات القديمة والثريات والقناديل النفيسة كسائر الكنائس الشرقية، وأقدم الأيقونات القديمة فيها أيقونة مريم العذراء والمسيح الطفل على يدها، قيل إنها من صنع لوقا الإنجيلي، وأيقونة العذراء وسمعان وعلى يده المسيح بعد ولادته بثمانية أيام يزوِّره الهيكل، قيل إنها من اختراع الملك يوستينيانوس، وقد أهداها إلى الكنيسة عند إنشائها. وأيقونة القديسة كاترينا.

(أ) هيكل الكنيسة

على أنَّ أجمل ما في الكنيسة هيكلها، وأبدع ما في الهيكل حنيَّته المصوَّرة، وهي نصف قبة في صدر الهيكل، قد رُسِم عليها صورة السيد المسيح، وصور الرسل والأنبياء ومؤسسي الكنيسة، وكلها مصوَّرة بالفسيفساء ببراعة عظيمة وإتقان بديع، حتى تخال الرسوم قد صُورت بالفوتوغرافية لا بحجارة الفسيفساء، ترى في جوف الحنيَّة صورة السيد المسيح ناظرًا إلى السماء، وعن يمينه إيليا النبي وعن شماله موسى النبي، ثم يوحنا الرسول في صف ثانٍ تحت الصف الأول بين المسيح وإيليا ويعقوب الرسول في الصف الثاني هذا بين المسيح وموسى، ثم بطرس الرسول في صف ثالث تحت قدمي المسيح، هذا في جوف الحنيَّة، وترى على دائرة قوسها السمتية صور الرسل الاثني عشر، وعلى دائرة قوسها الأفقية صور الأنبياء السبعة عشر، أولهم حزقيال عن يمين الداخل، وآخرهم دانيال عن يسار الداخل وداود في الوسط، وفي الدائرة نفسها عن يسار حزقيال ويمين الداخل الأب لونجينيوس أول رئيس للدير، وعن يمين دانيال ويسار الداخل الشماس يوحنا المشهور بالأقليمقوس تلميذ لونجينيوس ورئيس الدير بعده.

هذا، وفي جبهة الحنيَّة فوق تجويفها يرى الداخل عن يمينه صورة موسى يتناول الوصايا العشر من يدٍ مُدَّت إليه من فوق، وتحته ملاك، وتحت الملاك صورة الملكة ثيودورة، ويرى عن شماله العليقة وموسى يخلع حذاءه بجانبها، ويد تشير إليه من فوق، وتحته ملاك، وتحت الملاك صورة الملك يوستينيانوس.

وفي أسفل حنيَّة الفسيفساء ترى حائط الهيكل مرصوفًا بقطع الرخام المتموِّج الجميل، قيل إنه رخام قديم أتي به عند بناء الهيكل من معبد وثني في إفسس.

هذا، وفي صحن الهيكل على وُجهة المذبح كتابة باليونانية مؤدَّاها أنَّ هذا المذبح جُدِّد في عهد المطران إيوانيكيوس سنة ١٦٧٥م.

وإلى يمين المذبح عند بابه الجنوبي صندوق جميل من الرخام، حُفظت فيه يد القديسة كاترينا وجمجمتها، واليد محلاة بالخواتم النفيسة من هدايا الزوَّار.

وتحت هذا الصندوق بلاطة مكتوب عليها بالعربية ما نصه: «جدد بلاط هذه الكنيسة المقدسة إثناسيوس رئيس أساقفة طور سيناء، وهو عمل نصر الله الشاغوري الدمشقي، وكان التمام يوم عيد الرسل سنة ١٧١٥ مسيحية.»

وفي الهيكل إلى يسار الداخل من بابه الشمالي رُخامى قد كُتِبَ عليها بالعربية: «هنا وُضع جسد أبينا القديس أفتيموس بطريرك أورشليم يوم الأربعاء ثالث عشر كانون الأول سنة ستة آلاف وسبعمائة واثنتين وثلاثين على عهد أبينا البارمقاريوس الدمشقي أسقف طور سيناء، يا أبونا! اذكرنا نحن تلاميذك، واذكرني أنا الكاتب.»

والداخل في باب الهيكل الوسطي يرى عن يمينه وشماله صندوقين من الفضة، قد رُسم على غطاء كل منهما صورة القديسة كاترينا، فأمَّا الذي عن الشمال فعليه كتابة باليونانية مفادها «أنَّ الأرشمندريني كيرلُّس القبرصي جمع مالًا من النصارى، وصنع تابوتًا للقديسة كاترينا سنة ١٦٩١م في عهد المطران يوانيكيوس.»

وأمَّا الذي عن اليمين، فقد أُهديَ للدير من حكومة اليونان سنة ١٨٦٠م، وقد رُصعت صورة القديسة كاترينا فيه بالحجارة الكريمة المختلفة الألوان والحجم، وبينها زمردة خضراء كبيرة غالية الثمن، وفي سنة ١٧٦٥ رممت الكنيسة، وجعل فوق بابها رخامى نُقش عليها باليونانية تاريخ ترميمها واسم مرممها.

(ب) قبة الكنيسة

وفي سنة ١٨٧٠ في عهد المطران كاليستراتس جعل للكنيسة قبة جميلة، وعُلِّق فيها: عارضة من خشب وهي ناقوسها قبل استعمال الحديد، وعارضة من حديد وهي ناقوسها قبل استعمال الأجراس، و١٥ جرسًا نحاسيًّا أكثرها صغيرة الحجم، تستخدم لأغراض شتى، وفي أيام الأعياد تدقُّ كلها معًا.

وفي هذه الكنيسة، كنيسة الدير الكبرى، صلاة الرهبان اليومية والعمومية.

وفي تاريخ الدير أنَّ الملك يوستينيانوس لما بنى هذه الكنيسة بنى كنيسة بيت لحم، وكنيسة مارسابا قرب القدس، وكلها على هندسة واحدة.

(ﺟ) سقف الكنيسة

وسقف الكنيسة ذو سطحين منحنيين، كظهر الثور، وقد كان يُغطَّى منذ بنيت الكنيسة بصفائح الرصاص، فلما كانت سنة ١٩١١ أشار بعض المهندسين على الرهبان بأن يضعوا بدل الرصاص اللامارين، وهي صفائح رقيقة من «الحديد المزيبق»، ففعلوا وندموا؛ لأنهم استعملوا اللامارين لخفته رفقًا بالسقف، ثم علموا من أمهر المهندسين أنما الرفق بالسقف هو في استعمال صفائح الرصاص فإنه أفضل واقٍ من المطر والحرِّ، أما صفائح اللامارين فإنها لا تلبث أن تصدأ وتُثقَب فتتسرَّب مياه الأمطار في الجسور وتتلفها.

(د) جسور الكنيسة

وللسقف ثمانية جسور عظيمة من خشب الصنوبر، اكتشف الرهبان حديثًا على بعضها كتابة باليونانية، فيها اسم باني الكنيسة ومهندسها وهذه ترجمتها:

على الجسر الأول: «اللهم أنت الذي أظهرت نفسك في هذا المكان، احفظ وارحم عبدك إسطفانوس مارتيريوس المهندس وإليسيون ونوناس ونيح نفس ولده جرجس.»

وعلى الجسر السابع: «تذكارًا ونياحًا للمطوية الذكر ملكتنا ثيودورة.»

وعلى الجسر الثامن: «من أجل خلاص المؤمن ملكنا يوستينيانوس.»

(٤-٢) كنيسة العليقة

وبلصق الكنيسة الكبرى إلى الشرق منها وراء الهيكل «كنيسة العليقة»، وهي غرفة صغيرة بلطت جدرانها بالصيني. قيل وهي قائمة في مكان العليقة المقدسة التي ظهر الرب لموسى عندها (خروج ص٣ عد٢: ٥)، بل قيل إنَّ باني الدير إنما بناه في هذا الموضع تبركًا بالعليقة، والآن ترى هناك عليقة أصلها داخل الكنيسة، وأغصانها خارجة من طاقة في جدارها الشرقي، هذا وفي قمة جبل المناجاة شرقي الدير نافذة طبيعية، ففي صباح ٢٣ مارس من كل سنة تدخل الشمس من هذه النافذة، فطاقة الكنيسة في آن واحد وتنير العليقة، ولا يدخل هذه الكنيسة أحد إلَّا يخلع نعليه خارج بابها تمثلًا بموسى النبي عند اقترابه من العليقة.

وفي هذه الكنيسة منبر من خشب متين، يجلس عليه مطران الدير، وقد كُتِب على ذراعي المنبر بأحرف من صدف نُزِّلت في الخشب اسم واقف المنبر وتاريخ وقفه له هكذا: «وقف الفقير إبراهيم مسعد الحلبي لدير طور سيناء المعمور سنة ١٧١٣.»

ورأيت في الكنيسة عدة أيقونات جميلة الصنع، منها أيقونة نحو شبر في شبر، جمعت على صغر حجمها صور مريم العذراء والمسيح وجميع الأنبياء والرسل والقديسين الشهداء وكلها واضحة جلية، وهي رسم كاهن من كريت يدعى أنتيموس، رسمها سنة ١٧٦٠م.

وفي جانبي الكنيسة الكبرى عن اليمين والشمال عدة كنائس صغيرة للرسل والأنبياء والقديسين، تفتح أبوابها إلى الكنيسة، ففي جانبها الأيمن إلى يسار الداخل أربع كنائس، منها كنيسة القديسين قسطنطين وهيلانة، وفي جانبها الأيسر خمس كنائس منها كنيسة الشهداء في طريق كنيسة العليقة من هيكل الكنيسة الكبرى.

وفي داخل السُّور — عدا هذه الكنائس — عدة كنائس صغيرة أكثرها متداعية إلى الخراب، وأهمها كنيسة الأرمن إلى الشرق من الكنيسة الكبرى.

وترى الكنيسة الكبرى بما تراكم حولها من الأبنية التي قامت بعضها على أنقاض البعض، كأنها في منخفض من الأرض، وهذا يفقدها كثيرًا من رونقها وجمال بنائها.

(٥) جامع الدير

أمَّا جامع الدير، فهو جامع صغير بمنارة غربي الكنيسة الكبرى، على نحو عشرة أمتار منها، وتعلو أرضه نحو عشرة أمتار عن أرض الكنيسة المذكورة، ومع ذلك فمنارته أقل ارتفاعًا من قبة الكنيسة، وبناؤه بالطوب النيء والحجر الغرانيتي الغشيم.

وفي الجامع أثران تاريخيان نفيسان وهما: كرسي ومنبر من الخشب الصلب.

أمَّا الكرسي، فعلى شكل هرم مقطوع، نُقِش على جوانبه الأربعة سطران بالخط الكوفي، سطر من أعلى وسطر من أسفل، وفيهما اسم باني الجامع وما له في سيناء من المآثر، وترى صورة جوانب الكرسي الأربعة بالفوتوغرافية، وما كتب عليها (انظر شكل ٢-٣).

وقد زالت هذه المآثر كلها، ولم يبقَ منها الآن إلَّا هذا الكرسي والجامع الذي نحن بصدده، والمسجد على قمة جبل موسى المار ذكره.

fig47
شكل ٢-٤: كرسي الجامع التاريخي.
أمَّا منبر الجامع، فقد حُفِرَ على جبهته ستة أسطر بالخط الكوفي، فيها اسم واقف المنبر وتاريخ وقفه له، وقد أخذت رسم الكتابة على ورق نشاف عند زيارتي للدير سنة ١٩٠٥، وأخبرني الرهبان أنَّ المؤرخ المحقق أحمد زكي باشا سكرتير مجلس النظار زار الدير سنة ١٩٠٠، وطبعها على قوالب من الجبس، فلما عدت إلى مصر وجدت زكي باشا محتفظًا بالقوالب وراغبًا في حلها، وقد دلني على الشيخ مصطفى القباني الدمشقي، وهو من كبار الثقات في الخطوط الكوفية في مصر والشام، فقرأها لي، وترى صورتها بالفوتوغرافيا وقراءتها (شكل ٢-٤).

بسم الله الرحمن الرحيم، مما أمر بعمل هذا الشمع، والكراسي المباركة، والجامع المبارك الذي بالدير الأعلى، والثلاث مساجد الذي فوق مناجاة موسى — عليه السلام — والجامع الذي فوق جبل دير فاران، والمسجد الذي تحت فاران الجديدة، والمنارة التي بحضر الساحل، الأمير الموفق المنتخب منير الدولة وفارسها أبي المنصور أنوشتكين الآمري. ا.ﻫ.

fig48
شكل ٢-٥: الكتابة الكوفية على منبر الجامع.

بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، نصر من الله وفتح قريب لعبد الله ووليِّه أبي علي المنصور الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين — صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المنتصرين — أمر بإنشاء هذا المنبر السيد الأجل الأفضل أمير الحرمين سيف الإسلام ناصر الإمام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين أبو القاسم شاهنشاه، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته وأعلى كلمته، وذلك في شهر ربيع الأول سنة خمسمائة أثق بالله. ا.ﻫ.

أمَّا الإمام الآمر بأحكام الله أبو علي المنصور، والأفضل أبو القاسم شاهنشاه، المذكوران في لوحة المنبر، فالأول هو السابع من خلفاء الدولة الفاطمية الذي تولَّى الخلافة من سنة ٤٩٥–٥٢٤ﻫ/١١٠١–١١٣٠م، والثاني وزيره صاحب المنبر، وتاريخ إنشائه المنبر ربيع أول سنة خمسمائة ﻫ يوافق نوفمبر ١١٠٦م.

وأمَّا أبو المنصور أنوشتكين الآمري باني الجامع المذكور في لوحة الكرسي، فتدلُّ نسبته إلى «الآمري» على أنه كان أحد أمراء الآمر بأحكام الله المذكور آنفًا، وسنعود إلى ذكر الجامع وآثاره وبانيه في باب التاريخ.

وفي محراب الجامع حجر من المرمر الصقيل، مكتوب عليه بالحبر بعض أسماء الزوار المسلمين، ومنهم: «مفتاح عبد الله في ٢٨ رمضان سنة ٩٢٥ﻫ/٢٥ سبتمبر سنة ١٥١٩، سليم بن محمد الخطيب — ومعه جماعة من عسكر الباشبوزق — في ١٨ رجب سنة ١٠٢١ﻫ/١٤ سبتمبر ١٦١٢م.»

وبدنة الرزنة من قبيل أولاد سعيد هم المخصصون لخدمة الجامع، فلا يُسمح لأحد بهذه الخدمة غيرهم، والظاهر أنهم أرسلوا من مصر بعد بناء الجامع ليكونوا في خدمته، فتناسلوا بين العرب، وانضموا إلى أولاد سعيد بطريق الأخوَّة، فعاشوا معهم إلى اليوم، ويبلغ عددهم الآن نحو عشرين رجلًا، كلٌّ منهم يخدم الجامع أسبوعًا، وهم لا يصلون فيه ولا يؤذنون، ولكنهم يكنسونه، ويعتنون بنظافته، وفي شهر رمضان ينيرونه كل ليلة، وإذا زار الدير مسلم وجيه فرشوا له الجامع بحصيرتين وسجادة ليصلي فيه.

ويُلقَّب خادم الجامع «بالخوجة»، وله جراية من الدير يومية وأسبوعية، أمَّا اليومية فعشرة أرغفة وطعام الظهر والمساء مما يأكله الرهبان، وإذا صام الرهبان أخذ بدل طعامه قدحًا من القمح، وأمَّا جرايته الأسبوعية فإنه يتناولها عند انتهاء الأسبوع قبل الانصراف وهي خمسة أقداح مصرية من القمح ونصف قدح من العدس وثلاثة أرغفة وأقة بلح. هذا وفي الوقت نفسه يأخذ جراية عائلته وهي في كل يومين ٣ أرغفة للمرأة و٤ أرغفة للبالغ من أولاده و٣ أرغفة لغير البالغ منهم، ومعدل وزن رغيف الدير ٣٥ درهمًا.

(٦) مكتبة الدير

أمَّا مكتبة الدير، ففي الطبقة الثالثة من بناء قديم جنوبي الكنيسة الكبرى، وهي ثلاث غرف في صف واحد، الوسطى منها مبلطة بالرخام، وكانت قبلًا مجلسًا للرهبان، وفيها الآن صور بعض مطارنة الدير تصوير يد؛ كالمطران حنانيا سنة ١٦٥٨–١٦٦٨، والمطران كيرلُّس الأول سنة ١٧٥٩–١٧٩٠، والمطران قسطنديوس الثاني سنة ١٨٠٤–١٨٥٩، والمطران كالستراتس سنة ١٨٦٧–١٨٨٥، والمطران بورفيريوس الأول سنة ١٨٩٧، وغوريغوريس خزندار الدير في أيام كالستراتس وبورفيريوس الأول، وفيها جرة كبيرة من الرخام الأصفر الصافي مثقوبة من أسفلها، وقد نقش عليها:

يا وارد الماء الزلال الصافي
اشرب هنيئًا صحةً وعوافي
وأمَّا الكتب في الغرفتين الأخريين مرصوصة على رفوف من خشب، قيل تبلغ نحو ٣٠٠٠ كتاب، وهي مجموعة نفيسة من الكتب الدينية والأدبية والتاريخية من صدر النصرانية إلى هذا العهد، وهذه الكتب إمَّا خطية أو مطبوعة باللغات اليونانية والعربية والسريانية والعبرانية والأرمنية والحبشية والقبطية والفارسية والروسية واللاتينية، وأكثر كتبها باليونانية والعربية، وأهم هذه الكتب وأقدمها:
  • الإنجيل السرياني: المعروف باسم «بالمِسست» وهي نسخة خطية غير تامة من الإنجيل باللغة السريانية مكتوبة على رق غزال، قيل هي أقدم نسخة معروفة للإنجيل باللغة السريانية، ويُظن أنها مترجمة عن أصل يوناني في القرن الثاني للمسيح.
    fig49
    شكل ٢-٦: صندوق الإنجيل السرياني يفتحه الأب بوليكربوس.
    fig50
    شكل ٢-٧: الأب بنيامين أقلوم الدير سابقًا بثياب الشغل، وأحد الجبالية.

    أمَّا لفظة «بالمِسست» فتدل على أنها مكتوبة على الرق ثالث مرة، فسميت كذلك؛ لأنه ظاهر على الرق أن قد كتب عليه مرتين من قبل، ثم مُحيت الكتابة عنه، وكتب عليه ثالث مرة هذه النسخة من الإنجيل.

    وأوَّل من اكتشف هذه النسخة ودلَّ عليها سيدتان شقيقتان إنكليزيتان، وهما مسس سمث ومسس جبسن، وذلك في سنة ١٨٩٣م، وهي محفوظة الآن في مكتبة الدير، في صندوق جميل من الخشب الثمين، له غطاء من زجاج، وعليه كتابة باليونانية هذا مؤدَّاها:

    «نحن أغنس سمث ومرغريت جبسن اعترافًا بجميل الدير؛ نرسل إليه هذا الصندوق؛ ليحفظ فيه النسخة السريانية للكتاب المقدس المسماة بالمِسست.»

  • والتوراة اليونانية: المعروفة باسم «كودَكس سيناتيكوس»، وهي نسخة خطية غير تامة من التوراة اليونانية، قيل إنها من القرن الرابع للمسيح، اكتشفها في الدير العلَّامة الروسي تيشندُرف سنة ١٨٦٩ في عهد المطران كالِستراتس، وحملها إلى بطرسبورج، وعرضها على إسكندر الثاني قيصر روسيا، فاشتراها القيصر من الدير بثمانية آلاف فرنك! وقد طُبع منها عدَّة نسخ بالفوتوغرافية، وأُرْسِل إلى الدير نسخة منها، وحُفِظَ الأصل عنده، قيل وفي مكتبة لِبْسك أوراق من النسخة الأصلية.
  • والإنجيل مكتوبًا بماء الذهب: قيل إنه خط يد الإمبراطور ثيودوسيوس أهداه للدير سنة ٧١٦، ولكن رأى أكثر المحققين أنه ليس أقدم من القرن العاشر للمسيح.
  • ومزامير داود مكتوبة بحروف مكروسكوبية: قيل إنها مكتوبة بخط الراهبة كاسياني، وقيل إنه خط كاتب في بدءِ القرن الخامس عشر بدء النهضة العلمية في أوروبا.
  • والعهدة النبوية: وهي في تقاليد الرهبان كتاب العهد الذي كتبه لهم النبي محمد، قالوا: وقد كان الأصل محفوظًا في الدير إلى أن فتح السلطان سليم مصر سنة ١٥١٧م، فأخذ الأصل، وأعطاهم نسخة منه مع ترجمتها التركية، وفي المكتبة الآن عدة نسخ منها، بعضها على رق غزال، وبعضها على ورق متين، وبعضها في دفتر خاص، وسنأتي على هذه العهدة وما قيل في شأنها بالتفصيل في باب التاريخ.
  • فهارس المكتبة: وللمكتبة فهارس، أنشأها أهل الفضل غيرة على الدير والعلم، وهي:
    • فهرس الكتب اليونانية الخطية: أنشأه الأستاذ جردثوسن من لِبسك، وطبعه في أكسفورد سنة ١٨٨٦.
    • وفهرس الكتب اليونانية المطبوعة: للراهب بولس، من رهبان الدير النجباء.
    • وفهرس الكتب السريانية الخطية: للفاضلة إجنس سمث لويس المار ذكرها.
    • وفهرس الكتب العربية الخطية: للفاضلة مارغريت جبسن سنة ١٨٩٤.

    وأمَّا الكتب التي بباقي اللغات، فليس لها فهارس بعد، ثم إنَّ أهمَّ الكتب العربية: نُسَخٌ من التوراة، وتفاسير الكتب المقدسة، والمزامير، والأناجيل، وقراءات من الأناجيل (تقرأ على طول السنة)، وأخبار القديسين، واستشهاد القديسة كاترينا، ومقالات لباسيليوس الكبير، والقديس غوريغوريوس الثاولوغس، والقديس غوريغوريوس، والقديس يوحنا فم الذهب، ومار إسحاق السرياني، ومار إفرام السرياني، وقصة عبد المسيح الذي استشهد بالرملة، وقصة القديسة تقلة، وقصة جهاد القديسة بربارة، وقصة القديسين المقتولين في طور سيناء، وذكر مريم المصرية، وقصة أرسانيوس السليح في برية مصر، ورجعة الصليب بعد ما ردَّه هرقل من بابل على بيت المقدس، وقصة الملك إسكندر ذي القرنين، وخبر وجود الصليب على يد الملكة هيلانة أم الملك قسطنطين، وشهادة الأبهات الذين قُتِلوا بطور سيناء، وقصة القديس إنسطاسيوس رئيس طور سيناء، وكتاب الأقليمقوس، تأليف يوحنا رابع رئيس للدير، وهو من أشهر كتب الدير، وسيأتي ذكره في باب التاريخ.

(٧) سائر أبنية الدير

وأمَّا بقية الأبنية داخل السور، فالتي إلى غربي الكنيسة الكبرى ما عدا الجامع: معصرة الزيتون، ومعمل الخمر، ومخازن الغلال في الطبقة الأولى، ومنازل للرهبان، وزوَّار الدير في الثانية والثالثة، ومنزل المطران والضيوف في الرابعة.

وإلى شرقي الكنيسة: مخازن للمؤنة، ومنازل للرهبان طبقة واحدة وطبقتان وثلاث طبقات، والطاحونتان، والفرنان، والمطبخ العام، وكنيسة الأرمن، وقد جعلوها الآن غرفة الطعام وخشب مائدتها ومقاعدها متين وعليه رسوم جميلة قديمة العهد.

وإلى شمالي الكنيسة: مجلس الرهبان في طبقة ثانية، والدوَّار المار ذكره طبقة ثالثة، ويصعد منه بسلم قصير إلى مكتب الدير وغرفة الاستقبال.

وإلى جنوبي الكنيسة — ما عدا المكتبة — منازل للرهبان، وكانت أكثر الأبنية التي بلصق الحائط الجنوبي متداعية، فهدمها المطران الحالي، وسيشرع قريبًا في بناء مركز جديد له ومنازل للرهبان وكنائس في مكانها.

(٨) آبار الدير

وللدير عدة آبار حية داخل السور، وهي:
  • بئر موسى: شمالي الكنيسة الكبرى قرب الدوَّار ومجلس الرهبان، وهي بئر قديمة مطوية بالحجر، قيل هي أقدم من الدير، وإنها البئر التي سقى منها موسى النبي غنم بنات يثرون (خروج ص٢ عد١٧)، ومن ذلك اسمها.
  • وبئر العليقة: بجانب العليقة والطاحونتين، وهي بئر عميقة مطوية بالحجر. قيل وهي أيضًا أقدم من الدير.
  • وبئر إسطفانوس: إلى الجنوب الغربي من الكنيسة الكبرى، بجانب كنيسة إسطفانوس، وماؤها عذب، وهي التي يشرب منها الرهبان، وفي تقاليدهم أنها البئر التي احتفرها إسطفانوس مهندس الدير، وبجانبها سروة وهي الشجرة الوحيدة داخل السور.

(٩) عرصة الدير

أمَّا عرصة الدير، ففناء مسوَّر غربيه، فيه منزل للضيوف، ولسور العرصة بوابة تفتح للشمال وهي بابها العمومي، وفوق عتبتها رخامى نُقِشَ عليها باليونانية كتابة مؤداها أنَّ البوابة بُنِيَت في عهد المطران كيرلُّس سنة ١٨٥٩–١٨٦٧، وباب صغير يفتح إلى الجنوب، ويصعد منه إلى جبل موسى، وآخر يفتح إلى الغرب يؤدي إلى حديقة الدير.

(١٠) حديقة الدير

أمَّا حديقة الدير، فهي جنينة متسعة مسوَّرة في أرض متحدرة، فيها ١٢ جلًّا، ولسورها من جهة الغرب باب معلق، يدلي منه خدام الحديقة الطعام إلى أهلهم في الخارج.

وفي الحديقة من أشجار الخشب: السرو، والصفصاف، والحور.

ومن أشجار الفاكهة: التين، والعنب وهو أكثر أشجارها، والخوخ، والتفاح، والمشمش، والجوز، والسفرجل، والكمثرى، والبرتقال، واللوز، والتوت الأسود.

ومن أشجار الغلة: الزيتون، والخروب، ونخلة واحدة.

وفيها من الأزهار: الورد، والقرنفل، والمنثور، والريحان، والآس.

ومن الخضر والبقول: الأرنبيط، والسلق، والخيار، والكوسة، والفول، والسبانخ، والخرشوف، والبقدونس، والخس، والفجل، والبصل، والثوم، والبقلة، والنعنع.

(١٠-١) آبار الحديقة

وفي هذه الحديقة ثلاث آبار وثلاثة ينابيع، وأمَّا الآبار فهي:

«بئر مكاريوس» في أعلى الحديقة، عمقها نحو ١٥ مترًا، وماؤها في الصيف بارد كالثلج، قيل إنها أقدم آبار الحديقة، وأن قد احتفرها مهندس الدير. «وبئر اللوزة» تحتها عند لوزة قديمة العهد، والبئر الثالث مهجورة في جل منخفض عنها.

وأمَّا الثلاثة ينابيع، ففي أسفل الحديقة، وقد جروا ماءً أسفلها إلى جنينة صغيرة غربي الحديقة الكبرى، بينهما الطريق المؤدية إلى الدير.

وإلى شرقي الحديقة وشمالي الدير على يسار الداخل في بوَّابة العرصة نبع غزير يُدْعى «بركة الدوَّار» يجري ماؤه بقناة تحت الأرض، فيسقي الجهة الشرقية من الحديقة.

(١٠-٢) معرض الجماجم

هذا وفي وسط الحديقة مدافن الرهبان ومعرض الجماجم، فهم يدفنون موتاهم في هذا المدفن، ويتركون الجثث حتى تبلى، فينبشونها ويأخذون عظامها، ويجعلونها في معرض خاص قرب المدفن يسمى «كنيسة الموتى».

ترى في مدخل المعرض غرفة صغيرة، فيها رفات الموتى من زوَّار الروس وأهل الطور، وترى صورة القديس أونوفربوس من نُسَّاك طور سيناء المشهورين، وله لِحْيةٌ تكاد تلمس الأرض، والمعرض قبو متسع تعلوه كنيسة، وقد رُصَّت الجماجم بعضها فوق بعض كآنية الفخار في جهة منه، وباقي العظام في جهة أخرى، وترى بعض هياكل العظام متماسكة من الرأس إلى القدم، وبينها هيكل غريب في الطول.

هذه هي عظام الرهبان، وأمَّا المطارنة فإن هياكل عظامهم قد جُعل كلٌّ منها في صندوق خاص أو في عين في الحائط، ومن ذلك: رفات المطران حنانيا، الذي سعى ليكون بطريركًا للآستانة ولم يفلح، وتوفي سنة ١٦٦٨، ورفات المطران إثناسيوس المتوفى سنة ١٧١٨م، ورفات المطران دوروسيوس المتوفى سنة ١٧٩٧م، ورفات المطران قسطنديوس الثاني الذي صار بطريركًا في الآستانة وتوفي سنة ١٨٥٩م، ورفات المطران كالستراتس المتوفى سنة ١٨٨٥، ورفات المطران بوفيريوس الأول.

وترى عند باب هذه القاعة عن شمالك هيكل رجل مُسِنٍّ، قد أجلسوه على كرسي، وألبسوه ثيابًا رثَّة، وجعلوا في يده سبحه حتى تخاله حيًّا حارسًا للباب، قيل إنه هيكل القديس إسطفانوس أوَّل بوَّاب للدير في أيام يوحنا أقليمقوس المذكور آنفًا.

وترى معلقًا في الحائط رفات ناسك، وبجانبه سكينه ولباسه وحزام من حديد كان يتحزَّم به، قيل توفي سنة ١٦٩٦، وقد أخرجت عظامه من مدفنها في عهد المطران إثناسيوس المار ذكره.

(١١) ضواحي الدير

أمَّا ضواحي الدير التي تستحق الزيارة لما عليها، وعلى الطرق المؤدية إليها من قديم الآثار فهي: «قمم جبل موسى، والصفصافة، والمناجاة، وكاترينا».

أمَّا «قمة جبل موسى» فلها من الدير طريقان: «طريق سيدنا موسى، وطريق عباس باشا.»

أمَّا «طريق سيدنا موسى» فهي طريق مختصرة إلَّا أنها متحدِّرة شاقة، مهدها الرهبان منذ عهد بعيد جدًّا، وجعلوا لها سُلمًا من الحجر الغشيم، فيه نحو ٣٠٠٠ درجة، وقد رمَّمه المطران الحالي سنة ١٩١١.

fig51
شكل ٢-٨: الجامع الصغير على قمة جبل موسى.
fig52
شكل ٢-٩: القنطرة الأولى في طريق سيدنا موسى.

ومسافة هذه الطريق نحو ساعتين ونصف ساعة للشاب النشيط المتعوِّد تسلق الجبال، تصعد فيها نحو ثلث ساعة، فتأتي «نبع ماء»، كان يعيش عليه قديمًا ناسك إسكافي، فربع ساعة تأتي «كنيسة الأقلوم»، وفي تقاليد الرهبان الروائية أنه في إحدى السنين اشتد الجوع في الجزيرة، وانقطع الزاد عن الرهبان، فأقرُّوا على ترك الدير والالتجاء إلى مدينة الطور فرارًا من الجوع، فصعدوا إلى قمة جبل موسى لأداء الزيارة قبل الرحيل، وتأخر الأقلوم في الدير، فأقفل الأبواب وسلَّم المفاتيح إلى شيخ أولاد سعيد بحضور مشايخ الجزيرة كلهم، وسار في طريق قمة جبل موسى لاحقًا بإخوانه، فلما وصل هذا المكان تجلَّت له مريم العذراء وابنها الطفل على يدها، وقالت له: «اذهب وتمم زيارتك لقمة الجبل، وعد بإخوانك إلى الدير، فإن الفرج قد جاءكم»، قالت ذلك وغابت عن نظره، فعاد بإخوانه إلى الدير، فوجدوا إبلًا كثيرة محملة حبوبًا، فسألوا أصحاب الإبل عمَّنْ أتى بهذه الحبوب، فقالوا: أتى بها شيخ جليل علاهُ الشيب، وفتاة في منتهى الجمال، وقد رافقانا إلى هذا المكان ثم اختفيا عن الأبصار، قال الرهبان: إنَّ الشيخ والفتاة هما موسى النبي والقديسة كاترينا، وقد شادوا هذه الكنيسة على اسم مريم العذراء تذكارًا لتلك الحادثة العجيبة!

تصعد من كنيسة الأقلوم عشر دقائق تجد «القنطرة الأولى» مبنية بالحجر المقصوب، فعشر دقائق أخرى تجد «القنطرة الثانية»، قالوا: كان يجلس عند كل قنطرة راهب أو أكثر يتقبل الاعتراف من الزوار ويكتب أسماءهم.

تسير من القنطرة الثانية نصف ساعة في منخفض بين الجبال يدعى «الفَرش»، فتأتي «كنيسة موسى النبي» وبجانبها «كنيسة إيليا النبي»، وفي هذه الكنيسة مغارة متسعة، قيل إنها المغارة التي سكنها إيليا النبي عند مجيئه إلى حوريب (ملوك١ ص١٩).

ومن الفرش طريق تتجه شمالًا بغرب إلى «قمة جبل الصفصافة» مسيرة ساعة ونصف ساعة مارَّة بمغارة القديس إسطفان المار ذكره عن اليسار، ثم كنيسة مار يوحنا عن اليمين، وهذه القمة هي في رأي أكثر المحققين القمة التي وقف عليها موسى، وألقى على شعبه الوصايا العشر، وهم تجاهه في سهل الراحة كما مرَّ. ولنعد إلى طريق سيدنا موسى.

تصعد من كنيسة النبي إيليا خمس دقائق، فتأتي سفح «شاهق» عظيم، أتينا على رسمه عند ذكر جبل موسى (شكل ٣-١)، ومنه تصعد في درج يكاد يكون عموديًّا نحو ساعة، فتصل قمة جبل موسى، تجد هناك كنيسة صغيرة، وجامعًا صغيرًا، وينكشف لك منظر من أجمل مناظر الطبيعة كما قدمنا، وقبل وصولك إلى قمة الجبل بنحو ٥ دقائق تجد على الطريق أثرًا في صخرة كأثر قدم الجمل، يدل البدو عليه أنه الأثر الذي تركه جمل النبي لما زار الجبل! قيل سميت هذه الطريق طريق موسى؛ لأن موسى كان يتخذها إلى قمة الجبل من العليقة.

وأمَّا «طريق عباس باشا» فإنها تسير من الدير شرقًا إلى رأس جبل المناجاة، ثم تنحرف جنوبًا إلى سفح «الشاهق» المار ذكره، وإلى هنا يمكن الزائر أن يركب جوادًا أو هجينًا أربعين دقيقة من الدير، ثم يترجَّل ويسير في «طريق سيدنا موسى» إلى قمة الجبل نحو ساعة، فتكون مسافة هذه الطريق ساعة وثلثي الساعة، وقد مهَّدها من الدير إلى الشاهق المغفور له عباس باشا الأول فسميت باسمه.

وأهمُّ ما في هذه الطريق «جبل المناجاة»، وعلى قمته كنيسة صغيرة، قيل إنها قائمة على أطلال دير قديم للراهبات.

أمَّا «قمة جبل كاترينا» فلها من الدير طريق واحد، تنحدر غربًا بوادي الدير إلى مقام النبي هارون، فتلتقي وادي اللجاة، فتصعد معه جنوبًا إلى رأسه، ومنه صعودًا في الجبل إلى قمته، ومسافة هذه الطريق من الدير إلى رأس وادي اللجاة ساعة للراكب وساعة وثلث للماشي، ومن رأس وادي اللجاة إلى قمة الجبل ساعتان للراكب، وثلاث ساعات للماشي النشيط في طريق لولبية مهدها سنة ١٩٠٥ الأب كالستو أحد رهبان الدير، وهذا الراهب هو باني الكنيسة، وصهريج الماء المار ذكرهما على قمة جبل كاترينا، ومما يستحق الذكر في طريق الدير إلى رأس وادي اللجاة:
  • جبانة للجبالية: على وادي الدير، قبيل مقام النبي هارون، وفيها قبر يزار للشيخ نَهمَة من الجبالية، مات منذ نحو مائة سنة.
  • فنُقرة البَقَرة: على نحو خمس دقائق جنوبي مقام النبي هارون، قيل إنها البقعة التي صنع عليها النبي هارون العجل لبني إسرائيل عند تغربهم في جبل سيناء.
  • فالبستان: من أهمِّ بساتين الدير على يمين وادي اللجاة، وفيه أنواع الفاكهة والخضر، ومنزل صغير طبقتين، وكنيسة قديمة العهد على اسم مار جرجس.
  • فالرَّبة: على يسار وادي اللجاة في منتصف الطريق، بين رأس الوادي والدير، وهناك بستان متسع حوى أنواع الفاكهة والخضر، وفيه كنيسة جميلة تدعى كنيسة الرُّسل، ومنزل صغير في طبقتين، ونبعان غزيران، وأقدم ما فيه ثلاث صخرات نبطية كبيرة، وبجانب الربة إلى جهة الغرب منازل من حجر غشيم وطين للجبالية يسكنون فيها أيام الصيف، وعلى نحو ساعة غربيها الجبل الذي اختاره ساكن الجنان عباس باشا الأول مصيفًا له، وشرع في بناء قصر عليه فلم يتمه.
  • فاللجاة السفلى: وهي بستان من الزيتون والرمان بين الربة ورأس الوادي. وفي أسفله نبع غزير يسقي «البستان» المار ذكره «والحواويط والقنطرة» بينهما.
  • فاللجاة العليا: في رأس الوادي، وهناك بستان عظيم من شجر الزيتون، وبعض أشجار الفاكهة، وخمس عيون ماء، ومنزل قديم للرهبان، وكنيسة «الأربعين شاهد»، وهم الشهداء الأربعون الذين قُتِلُوا لأجل إيمانهم بالمسيح في سبسطية بكبدوكية في ٩ آذار سنة ٣٢٠م.
  • وصخرة موسى: بين اللجاة السفلى واللجاة العليا، وهي صخرة غرانيتية علوها نحو ١٢ قدمًا، وطولها وعرضها نصف ذلك، يدلُّ عليها الرهبان أنها الصخرة التي أخرج منها موسى النبي الماء لبني إسرائيل (سفر العدد ص١٩ عدد ٨: ١١).

(١٢) زوَّار الدير

هذا، ولما كان المأثور واعتقاد الجمهور أنَّ الدير قائم على «طور سيناء» الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى، وقد قدَّسه القرآن والإنجيل والتوراة على السواء؛ لذلك كان الدير محجًّا لزوار اليهود والنصارى والمسلمين من الشرق والغرب منذ أول عهده إلى هذا اليوم، ولكن قلَّ من زار الدير في هذا العهد زيارة دينية غير الروس المعروفين بالمسكوب، يزورونه رجالًا ونساءً كل سنة، ومتوسط عدد الزوار منهم في السنة ٢٠٠ أو أكثر، وتدوم زيارتهم للدير ثمانية أيام، يزورون في أثنائها جميع الضواحي المتقدم ذكرها.

وهم يأتونه في الغالب بعد زيارة القدس في عيد الميلاد وعيد الغطاس، أو يأتونه رأسًا من بلادهم لحضور عيد القديسة كاترينا الواقع في ٢٥ نوفمبر من كل سنة حسابًا شرقيًّا؛ إذ يحتفل الرهبان بهذا العيد احتفالًا بالغًا منتهى الأبَّهة؛ لأن ديرهم مسمَّى بربَّة العيد كما قدمنا، يأتي هؤلاء الزوار أولًا مدينة السويس، ومنها يأخذون طريق البحر إلى مدينة الطور فالدير، أو يذهبون رأسًا من السويس بطريق البرِّ، ويرجعون كلهم بمدينة الطور، فيزورون حمام موسى وجبل الناقوس، ثم يأتون القاهرة ويزورون الأهرام، وبئر يوسف في القلعة، وشجرة العذراء في المطرية.

هذا، وفي مدة إقامتهم في الدير ومراكزه في السويس والطور والقاهرة يأكلون ويشربون وينامون على نفقة الدير، ولكن بعضهم يُقَدِّمون نذورًا للدير من نقود وحُلِيٍّ.

(١٣) أملاك الدير

(١٣-١) في جزيرة سيناء

يملك رهبان سيناء الدير وضواحيه، ولهم بستان في وادي طلاح غربي الربَّة، وبستان كبير في جبل الفُرَيع غربي الدير، وبستان كبير ونخيل وخرائب دير قديم في فيران، ومركز وكنيسة ومدرسة في مدينة الطور، وبستان نخيل ومنزل كبير في حمام موسى، وخرائب دير وكنيسة في وادي الطور، وكان لهم قديمًا عين النصب وبستانها، فوهبوهما للنفيعات، وعين حُدْرة وبستانها فوهبوهما للعليقات كما قدمنا.

وإذا سألت الرهبان عن أملاكهم في سيناء، قالوا: «لنا الدير ودائرة من الأرض طول قطرها ثلاثة أيام!» وأمَّا أملاكهم وأوقافهم خارج سيناء فهي:

(١٣-٢) في مصر وسوريا وآسيا الصغرى

  • مركز في القاهرة: تجاه جامع الظاهر، وفيه كنيسة ومنازل ثلاث طبقات للمطران والرهبان والزوَّار، وحديقة متسعة، وبجانبه منزل كبير ذو ثلاث طبقات للإيجار، وكان مركزهم قبلًا في الجوَّانية بقسم الجمَّالية، أقاموا فيه زمانًا طويلًا إلى سنة ١٨٩٠، ثم غيَّروه لتقادم عهده وازدحام السكان حوله وعدم ملائمته للصحة، قالوا: وكان لهم قديمًا قبل الجوانية مركز في مصر العتيقة، فنقلوه إلى الجوانية للسبب عينه.

    وفي مركز القاهرة يقضي مطران سيناء معظم الشتاء والربيع، ومعه بعض الرهبان للنظر في علائق الدير مع حكومة مصر والسياح والزُّوَّار، وتدبير المؤن والمعدات اللازمة للدير.

  • ومنزلان للإيجار في الإسكندرية: كل منزل ٣ طبقات.
  • ومركز في السويس: وهو منزل للرهبان، وبقربه منزل للإيجار ذو ثلاث طبقات، وهنا يقيم على الدوام راهب منهم؛ لتسهيل وسائط السفر للرهبان وزوار الدير.
  • وأبعدية في سرياقوس: قرب القاهرة، وهي مائة فدان من الأطيان الزراعية، قالوا: وهبها لهم ساكن الجنان عباس باشا الأول، بدل عيد وبستان كانا لهم في الجبل الذي اختاره مصيفًا قرب الدير.

    وللدير مركز في طرابلس الشام، ومركز في دمشق الشام، ومركز في أزمير.

(١٣-٣) في جزائر الأرخبيل الرومي وشرق أوروبا

ومركز في جزيرة صاقس، وكنيستان في جزيرة زَنتي، وثلاث كنائس وأربعة مراكز في جزيرة قبرص، وأربع كنائس في جزيرة كريت، ومركز وكنيستان في المورة، ومركز في كلامس من بلاد اليونان على ٨ ساعات بالسكة الحديد جنوبي أثينا، وكنيسة في الآستانة، وكنيسة في بيتوليا بمكدونية، ومركز في مناستير، وكنيسة في يانينا جنوبي ألبانيا، وكنيسة في تفليس في روسيا، ومركز في كِيَف في روسيا، وكان لهم أوقاف متسعة في كيف استولت عليها الحكومة الروسية، وهي تعطيهم من ريعها من ٢٥٠٠–٣٠٠٠ جنيه في السنة.

هذا، وكان للدير قديمًا مركز في ضواحي غزة يمدُّه بالحبوب بطريق المويلح فالثمد فوادي شعيرة الدبس، وكان الرهبان يدفعون مرتبات سنوية للمشايخ الذين تمر القوافل في بلادهم، ثم أهمل مركز غزة بعد استتباب الأمن في مصر في أيام المغفور له محمد علي باشا، واكتفى بمركز مصر، أخبرني الأب أفيانوس — وكيل الدير سابقًا — أنه في سنة ١٨٧٠ حضر إلى مركز الدير بمصر بعض مشايخ السواركة، وطلبوا المتأخر من مرتباتهم لعدة سنين، مع أنَّ الدير كان قد ألغى مركز غزة، ولم يخفروا له قافلة في كل تلك المدة، فرفض طلبهم، ولكنه نقدهم شيئًا من المطلوب كهدية تطييبًا لخواطرهم.

(١٤) دخل الدير ونفقاته

إنَّ متوسط «دخل الدير» في سيناء وحدها: من الزيت نحو ٣٥٠٠ أقة، ومن النبيذ نحو ١٥٠٠ أقة يستخرجونه من العنب، ومن العرق نحو ١٥٠٠ أقة يستخرجونه من البلح، ومن السبرتو نحو ٥٠٠ أقة يستخرجونه من البلح في مركزهم بمدينة الطور، ومن البلح نحو ٢٠٠٠٠ أقة، وله دخل سنوي من أبعديته في سرياقوس وأملاكه في مصر القاهرة والإسكندرية والسويس، ومن مراكزه في الشام وآسيا الصغرى وأوروبا.

أخبرني مطران سيناء الحالي أنَّ متوسط دخل الدير في السنة نحو ستة آلاف جنيه، تُنْفَق كلها أو معظمها على العرب والرهبان وترميم الدير ولوازمه.

أمَّا «نفقات الدير» فمعظمها على العربان وحجاج الروس، قال الأقلوم السابق: «وربما بلغت نفقات الدير على العربان وحدهم ألفي جنيه في السنة أو أكثر، يرد إلى الدير من مركزه بمصر كل سنة ١٥٠ كيس تبن، ونحو ٥٠٠ إردب من الحبوب، منها ١٠٠ إردب فول، و٧٠ إردب شعير، و٥٠ إردب ذرة، و١٠ أرادب عدس، والباقي قمح، فلا ينوب الرهبان من هذه الحبوب كلها سوى خمسين إردبًّا، وما بقي يُنْفَق على العربان وزوَّارِ الدير من المسكوب وغيرهم»، وسألت الأقلوم زيادة الإيضاح، فقال:

يوزع الرهبان مرتبًا يوميًّا من الخبز على الجبالية القاطنين في جوار الدير، وعلى فقراء سائر القبائل إذا مرُّوا بالدير، فهم يفتحون باب الدوَّار كل يوم من الساعة ١٠ صباحًا إلى الساعة ١ بعد الظهر، فمن حضر من الجبالية وغيرهم أنزلوا له الراتب من الباب المذكور، وهو في كل يومين ٥ أرغفة للرجل، و٤ أرغفة للبالغ أو البالغة، و٣ أرغفة للمرأة، و٣ أرغفة للطفل، ويوزعون أيضًا عليهم البن والسمن والأرز والزيت والخل والسبرتو بمقادير قليلة، ويوزعون على مرضاهم الكينا وأنواع الشربات واللزق وغيرها من الأدوية المتعارفة.

وإذا مات أحد الجبالية أو الرزنة، ونعاه أهله إلى الدير، أعطاهم الدير الكفن والقطن ولوح صابون لغسل الميت وتكفينه، وقدحي قمح وقدح عدس وقليلًا من البن، وأعطاهم فوقها ٣ أقات تمر للتوزيع على الفقراء عن روح فقيدهم.

وإذا ضاف الرهبان شيخٌ من العرب في الدير أو في الطور أو في مصر ذبحوا له وأكرموه، وقدموا العلف لبهائمه.

(١٥) رهبان الدير

fig53
شكل ٢-١٠: المرحوم الأب أفيانوس وكيل الدير سابقًا.
fig54
شكل ٢-١١: الأرشمندريت نيقوديموس.

(١٥-١) عددهم وجنسيتهم

أمَّا رهبان الدير، فعددهم الآن ٦٠ راهبًا، موزعين كما يأتي:

عدد
٦٠ المجموع
٢٧ في الدير وضواحيه
١ في مركز فيران
٧ في مركز مدينة الطور
١ في مركز السويس
٧ في مركز القاهرة
١ في مركز طرابلس الشام
٠ في مركز أزمير
٣ في مراكز جزيرة قبرص
١ في مركز صاقس
١ في مركز زانتي
٣ في جزيرة مراكز كريت
٢ في مركز الآستانة
١ في مركز مناستير
١ في مركز يانينا
١ في مركز تفليس
٣ في مركز كيف

وكان قد بلغ عددهم في الأجيال الوسطى ٣٠٠ إلى ٤٠٠ راهب، وكانوا خليطًا من سوريين وأروام وأرمن ولاتين وأحباش ومصريين وغيرهم، وساد الأرمن في القرن الثامن أو التاسع، وساد اللاتين بعدهم مدة، ثم عادت السيادة إلى الأروام، والآن جميع رهبان الدير يونانيو الجنس على مذهب الروم الأرثوذكس، وأكثرهم يتكلمون العربية وبعضهم يجيدونها، وكان بينهم في أوائل هذا الجيل راهب روسي، فتُوفي سنة ١٨٧٤.

(١٥-٢) مِهَنهم وإجمال حالهم

وفيهم: النجار، والطحان، والخباز، والطباخ، والبنَّاء، والبواب، والإسكافي، والخيَّاط، والقندلفت.

ولبسهم قماش خشن من الشعر الرمادي اللون في الشتاء، وجوخ أسود رفيع في الصيف، ولكل راهب سبحة يجدلها من شعر رأسه يستخدمها في الصلاة.

وطعامهم بسيط إلى الغاية، وقد رأيتهم على المائدة في الصوم الكبير يأكلون الخبز بآدام من بطارخ وعدس وفاصوليا وبصل.

ومن عاداتهم الحميدة أنَّ واحدًا منهم يقرأ لهم وهم يأكلون، ففي الصيام الكبير يقرءون فصلًا من الأقليمقس، وأمَّا في باقي أيام السنة فيقرءون تاريخ قديس ذلك اليوم، ما عدا السبت فإنهم يقرءون فيه تفسير الرسائل، والأحد فإنهم يقرءون فيه تفسير الإنجيل، وأكثر الرهبان غير متعلم، ولكن كلهم أهل تقوى وورع ويحبون الضيف، وقد زرتهم في ديرهم مرتين: مرة في يناير سنة ١٩٠٠، ومرة في أبريل سنة ١٩٠٧، فلقيت من مطرانهم إلى أصغر راهب فيهم كل أُنس وضيافة، ورأيت جميع الزوار الذين وضعوا أسماءهم في دفتر الدير قد شهدوا لهم بهذه الشهادة، وحضرت صلواتهم في الكنيسة، فإذا هي مثال العبادة الصادقة والقلب الخاشع.

(١٥-٣) عيشتهم اليومية

وقد سألت الأقلوم: كيف يقضي الراهب يومه في الدير؟ فقال: يستيقظ الساعة ٢ بعد نصف الليل في الشتاء والساعة ١ في الصيف، فما تمضي نصف ساعة حتى يكون قد أعد نفسه، فيأتي الكنيسة، ويبقى إلى الساعة ٧، وفي أيام الأعياد إلى الساعة ٨ منعكفًا على الصلاة، ثم يعود إلى غرفته فيفطر بها، ويباشر شغله الخاص إلى الساعة ١٠ في الأيام الاعتيادية، وإلى الساعة ١١ في أيام الصوم، ثم يذهب إلى غرفة الطعام فيأكل طعام الظهر، ويعود إلى غرفته، فيطالع الكتب الدينية أو ينام إلى العصر، فينزل إلى الكنيسة، ويصلي صلاة العصر، ثم يذهب إلى «الوسط» قرب المائدة، فيأخذ عشاءه إلى غرفته، «وهو رغيف وقليل من الزيتون أو الجبن أو السردين»، ويذهب إلى الجنينة للعمل فيها إلى الغروب، ثم يعود إلى الكنيسة، فيصلي صلاة الغروب، ويرجع إلى غرفته، فيتعشى وينام إلى الساعة ٢ بعد نصف الليل، فيعود إلى العمل وهكذا.

(١٥-٤) مجلسهم

وللرهبان مجلس خاص، يحكم بأكثرية الأصوات، وهو ينتخب الرئيس أو المطران، ويكرسه بطريرك القدس. وإذا وقع بين المجلس والمطران خلاف فصله بطريرك القدس، فإذا لم يرضوا بحكمه رفعوا أمرهم إلى بطريرك القسطنطينية وحكمه نافذ، ولقب مطران الدير الرسمي: «مطران جبل طور سيناء وفيران والطور».

هذا، ومطران سيناء هو رئيس مجلس إدارة المدرسة العبيدية بموجب قانونها منذ سنة ١٨٦١، وسيأتي ذكر هذه المدرسة وقانونها بالتفصيل في الفصل التالي:

أمَّا مجلس رهبان الدير الحالي، فمؤلف في الآتي ذكرهم:

الرئيس المطران بورفيريوس الثاني
نائب الرئيس نائب المطران في الدير الأرشمندريت بروكوبيوس
الأعضاء أمين خزانة الدير الأرشمندريت بوليكربوس
أقلوم الدير الأرشمندريت أنثيموس
وكيل الدير العام الأرشمندريت ثيودوسيوس
كاتب المجلس الأب يناديوس
أعضاء الشورى الأرشمندريت بورفيريوس أستاذ العلوم الدينية بالمدرسة العبيدية
الأرشمندريت يعقوب وكيل الدير بمدينة الطور
الأرشمندريت بنيامين أقلوم الدير السابق
الأب بوليكربوس أمين خزانة الدير سابقًا

وهم نخبة الرهبان الحاليين، وأقدمهم عهدًا وأوسعهم خبرةً، وكان بينهم وكيل الدير العام سابقًا الأب أفيانوس، من خيرة الرهبان وأشدهم غيرةً على العربان والدير، توفاه الله في ١٥ نوفمبر سنة ١٩١٠ عن نحو ٦٥ عامًا، فأسف لفقده الدير والعربان معًا.

(أ) المطران بورفيريوس الثاني مطران الدير الحالي

أما المطران بورفيريوس الثاني، مطران سيناء الحالي، فإنه من أفضل المطارنة الذين تولوا رئاسة الدير، وأغزرهم علمًا وأعظمهم شأنًا، وهو يتقن اللغات اليونانية والفرنساوية والألمانية كتابةً وتكلمًا، ويتكلم اللغات العربية والإنكليزية والروسية، وله أصدقاء ومريدون كثيرون من كبار الأقوام في مصر وغيرها من الأقطار؛ لذلك نأتي على طرف من تاريخ حياته، كما أخذناها عنه وعن أصدقائه الأخصاء فنقول:

وُلِد في جزيرة القديس أفستراتيوس قرب جزيرة لمنوس سنة ١٨٥٩م، وحضر إلى مصر وهو في الثانية عشرة من العمر لمشاهدة شقيق له في السويس، فأدخله شقيقه في المدرسة العبيدية بالجوانية بالقاهرة؛ لتلقي مبادئ العلوم فيها تحت رعاية رهبان دير سيناء، فرأى الرهبان منه فتى ذكي الفؤاد رضي الخلق متوقد الذهن فأحبوه وحببوا إليه الرهبنة، وبعد درس سنتين في المدرسة العبيدية أنهى فيهما دروس القسم الابتدائي أرسلوه إلى جامعة أثينا، فدرس فيها اللغة اليونانية سنتين، ثم عاد إلى مصر، فأتمَّ دروس القسم التجهيزي الفصل الأول بسنة، وكان قد بلغ الثامنة عشرة من عمره، فأرسله رهبان الدير إلى كلية خالكي اللاهوتية الشهيرة في الآستانة، فدرس فيها سبع سنوات ونال شهادتها، وقد كُرِّس راهبًا وشماسًا في يوم واحد في كلية خالكي وسنُّه إذ ذاك ٢٣ سنة، ثم عاد إلى مصر، فعُيِّن سكرتيرًا للدير ومدرِّسًا للعلوم الدينية في المدرسة العبيدية، وكان على دير سيناء في ذلك العهد المطران كالستراتس، تُوفي سنة ١٨٨٥، وسمي على الدير المطران بورفيريوس الأول، وكان من قبل أرشمندريتًا في الآستانة، وقد عرف المترجَم هناك، وأحبه محبة شديدة حتى كان يدعوه ابنه، فلما تولَّى رئاسة الدير عُنِي به عناية خاصة، فأرسله إلى أكاديمية كيَف في روسيا، فدرس فيها اللغة الروسية سنة، ثم أرسله إلى كلية لبْسِك الشهيرة بألمانيا، فدرس فيها الفلسفة واللغة الألمانية أربع سنين، وعاد إلى مصر سكرتيرًا للدير ومدرِّسا للعلوم الدينية في المدرسة العبيدية كما كان قبلًا، وبقي إلى سنة ١٨٩٥، فسُمِّي أرشمندريتًا للجالية اليونانية في باريز، فأقام فيها ٩ سنين، واعترى المطران بورفيريوس الأول مطران سيناء مرض أقعده عن العمل، فاستعفى من رئاسة الدير، وأشار بتعيين المترجَم في مكانه، فسُمِّي مطرانًا على سيناء بإجماع الآراء، وذلك في ٢٣ أبريل سنة ١٩٠٤.

وتوفي المطران بورفيريوس الأول في ١٥ يوليو سنة ١٩٠٩ في جزيرة صاقس ودُفِنَ فيها، فذهب المطران الحالي في صيف سنة ١٩١٣ وحمل عظامه إلى مصر في صندوق. وفي نوفمبر من السنة المذكورة حملها إلى الدير ووضعها في معرض الجماجم المار ذكره لتحفظ فيه. وقد فعل ذلك جريًا على عادة الرهبان من حفظ رفاتهم وتكريمًا لروح صديق محب غيور.

وأشهر صفات المطران الحالي الإخلاص والوفاء والشمم ومحبة الحق والعدل والحرية، وله غيرة مُرَّةٌ على قومه وبلاده، وهو يدأب الليل والنهار لترقية دير سيناء والمدرسة العبيدية اللذين تحت رئاسته، ويحب عربان سيناء، ويسعى لراحتهم كما يسعى لراحة الرهبان، وهو محبوب جدًّا من الجميع، ومما أتاه من الإصلاح في الدير ومراكزه:
  • (١)

    تنظيم مكتبة الدير، وتأسيس مكتبة نفيسة في مركز القاهرة.

  • (٢)

    ترميم بعض المنازل داخل سور الدير.

  • (٣)

    بناء منزل طبقة ثالثة في مركز الدير بالقاهرة.

  • (٤)

    بناء منزل للإيجار ثلاث طبقات قرب مركز الدير بالقاهرة.

  • (٥)

    بناء منزل للإيجار في السويس قرب مركز الدير فيها.

  • (٦)

    تعديل الشروط بين العربان والرهبان وزُوَّار الدير بشأن تأجير الإبل.

  • (٧)

    إنشاء مدرسة للصبيان في مدينة الطور سنة ١٨٩٧.

  • (٨)

    الحصول على مساعدة سنوية للدير من الحكومة قدرها ١٠٠ جنيه، ووعدٍ بزيادتها إلى ٤٠٠ جنيه.

  • (٩)

    ضبط مالية الدير والمدرسة العبيدية، وتحسين موارد دخلهما.

fig55
شكل ٢-١٢: المحسن الشهير روفائيل عبيد أحد مؤسسي المدرسة العبيدية في مصر.

وهو الآن شارع في إتمام الإصلاحات الآتية:

تأسيس مدرسة للبنات، ومطبع لطبع كتب الدير، ومكتبة، ومدرسة لاهوتية للرهبان في مركز الدير بمدينة الطور، وبناء منازل له وللرهبان وكنائس داخل سور الدير في القسم الجنوبي منه، وبناء فندق كبير للزوار في عرصة الدير، وبناء كنيسة جميلة على قمة جبل موسى بدل الكنيسة الحالية، وكنيسة على تل المحرد في وادي فيران.

ولعلَّ أفضل ما يستطيع الرهبان إجراءه من الإصلاح في الدير أن يحوِّلوه تدريجًا إلى مدرسة لاهوتية راقية؛ ليكون مصدرًا تنبعث منه أنوار العلم والحكمة والعرفان إلى جميع البلدان، كما هو الآن مصدر عون وإسعاف لمن هم حوله من العربان.

(١٦) أسباب بقاء الدير

fig56
شكل ٢-١٣: وطنيُّنا الكبير حبيب لطف الله باشا.
ولقد قوي الدير على البقاء في تلك البادية النائية عن العالم المتمدن كل هذه الأجيال، مع اختلاف أهلها عن رهبانه دينًا وجنسًا وعاداتٍ:
  • (١)

    لأنه معقل حصين بالنسبة لاستعداد البدو القاطنين حوله.

  • (٢)

    لأنه قائم على جبل يُقَدِّسه اليهود والنصارى والمسلمون على السواء.

  • (٣)

    لأنه أظهر عهدًا من النبي صدَّقه سلاطين المسلمين من قديم العهد إلى اليوم.

  • (٤)

    لأن رهبانه بنوا جامعًا داخل سوره، وأظهروا من التسامح الديني ما لم يعد معه محلٌّ للاضطهاد.

  • (٥)

    لأنه يعول فقراء البدو، ويحسن معاملة الزائرين من كل جنس ودين.

  • (٦)

    لأنه مصدر رزق كبير للبدو؛ لانتفاعهم من تأجير إبلهم للسياح والحجاج الذين يزورونه والرهبان الذين يسكنونه.

(١٧) طرق الدير

وللدير عدة طرق من مصر والشام والحجاز، وأشهرها:

طريق من السويس تمر بفيران، طولها ثمانية أيام، وطريق من السويس تمر بالرملة، طولها سبعة أيام، وطريق من الطور تمر بوادي حبران وهي يومان طويلان، وطريق من الطور تمر بوادي إسلا طولها يومان، وطريق من نخل تمر بنقب الراكنة ستة أيام، وطريق من العقبة تمر بالنويبع ووادي العين ٧ أيام، وطريق من غزة تمر بالمويلح والثمد ووادي شعيرة الدبس، وسيأتي الكلام عليها كلها في باب الطرق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤