نقد أدبي [٣١–٤٠ من ٨٠ كتاب]

جميل بثينة

عباس محمود العقاد

لم يَعدَم تاريخُ العرب قصصَ الحب الأسطورية التي يفنى فيها المحبوبان ليكونا جسدًا واحدًا، فتواترت إلينا قصص العشاق المتيمين الذين وهبوا قلوبهم لحبيب واحد وإن جفا أو عز اللقاء به، فسمعنا عن «قيس وليلى» و«عنترة وعبلة» و«جميل بثينة»، وقد كان الأخير إمام العشاق العذريين، فلم ينظم الغزل إلا في محبوبة واحدة هي بثينة، فأنشد قصائد غاية في الروعة والإتقان، حتى قيل: إنه أشعر أهل الإسلام والجاهلية. وكعادة العقاد في دراسة الأعلام فإنه لا يقدم مجرد سيرة جافة لعَلَمٍ ما، بل يقدم دراسة لجوانبه النفسية، وهو هنا يقدم شخصية الشاعر «جميل بن معمر العذري» الشهير بـ«جميل بثينة» موردًا ما يمكن اعتباره شهادات تاريخية تكشف جوانب نفسيته والبيئة التي نشأ فيها وأنضجت موهبته.

مراجعات في الآداب والفنون

عباس محمود العقاد

غَلَبَ على «العقاد» أسلوب «المراجعة» في معظم أبحاثه ومقالاته؛ وأسلوب المراجعة يعتمد على الرجوع لظروف وأجواء نشأة الفكرة عند الكاتب فيقوِّمها ويُقيمها، ويعضدها بأدلتها الحديثة، فتصبح النظرة شاملة جامعة لكل تفاصيل الفكرة؛ فيُزيل ما اعتراها من غموضٍ أو لَبس. وهنا وبين دفتي هذا الكتاب « مراجعات في الآداب والفنون» مجموعة من المقالات التي نُشِرَ معظمها بجريدة «البلاغ»، وقَفَها الكاتب على الفنون والآداب دون غيرها، مراعيًا فيها منهجه البحثي المعتمد على تأصيل الفكرة ومراجعتها، هادمًا لأقاويل منتقديه بأنه يجافي الواقع ويبتعد عنه؛ إذ يؤكد على أن هذا المنهج يجعل الواقع يمتد لآفاق أبعد من بعض القِيَم التي تتعمد حصر الواقع في أشخاص وأقدار زمنية محدودة المقاصد والغايات.

أشتات مجتمعات في اللغة والأدب

عباس محمود العقاد

ينبري العقاد للدفاع عن اللغة العربية ضد بعض التخرُّصات والشُّبُهات التي نسجها بعض المستشرقين؛ حيث ادَّعوا عدم كفايتها لأداء رسالة نقل العلم والثقافة؛ وذلك لا لضعف هذه اللغة كما يؤكد المُؤلِّف، بل لأخطاء وقع فيها الناظر للعربية، فيشير إلى نقص استعداد المترجمين الأوائل الذين تصدوا للترجمة، وكذلك يشير لأخطاء وقع فيها المستشرقون (ما عدا القليل النادر منهم)، كان سببها التعجُّل في النظر للغة الضاد دون معايشتها. فيتناول في هذا الكتاب عراقة اللغة العربية وقِدَم الكتابة بها، كما يشير إلى صلاحية حروفها لكتابة اللغات، ويعقد أيضًا العديد من المقارنات بين العربية وباقي اللغات في بناء وتركيب الجمل، واستخدام القواعد، وغير هذه من موضوعات يُبزر فيها العقاد جماليات لغة الضاد وصلاحيتها لكل زمان ومكان.

نقد كتاب الشعر الجاهلي

محمد فريد وجدي

يوجه «محمد فريد وجدي» في هذا الكتاب النقد لكتاب الشعر الجاهلي للدكتور طه حسين، ذلك الكتابُ الذي أثارَ جدلًا واسع النطاقِ في الأوساط الفكرية والأدبية، واُتهم الدكتور طه حسين على إثره بالكفر، والإلحاد، وطمس معالم ثورةٍ اجتماعية أفصحت عن تفرُّدٍ عقلي وأدبي جسده الشعر الجاهلي، حيث تناول طه حسين في كتابه معالم الشخصية العربية أدبيًّا، وتاريخيًّا، وسياسيًّا، وعقديًّا مبينًا أن المرآة الحقيقية للحياة الجاهلية يجبُ أن تُلتمسَ في القرآن لا في الشعر الجاهلي، وقد عُنِيَ الكاتب بإيراد ملخصٍ لكل فصل بعباراتٍ قالها الدكتور طه حسين، ثم يُتْبِعُهَا برأيه الخاص فيها، منتهجًا نهج النقد البناء، فهو يتناول العبارة مبينًا أوجه اتفاقه واختلافه معها دون مغالاةٍ أو انحياز.

تجديد ذكرى أبي العلاء

طه حسين

أسس «طه حسين» مدرسة نقدية مميزة، تعتمد الموضوعية أسلوبًا، والمنهج العلمي طريقةً وأداة؛ حيث رأى أن أي قراءة نقدية للنصوص يلزمها أن يطَّلع الناقد على حياة المؤلف مَحَل الدراسة، وتفاصيل بيئته التي عاش فيها، والظروف السياسية والاقتصادية والثقافية التي سادت العصر الذي عاش فيه؛ فالإنسان ليس منفصلًا عما حوله، بل هو متكامل مع ظروفه، يتأثر بجماعته ويؤثر فيها. وقد طبَّق المؤلف هذا المنهج في دراسته للشاعر الكبير «أبي العلاء المعري»، فلم يكتفِ بالسرد الجاف لمولده، وتفاصيل نشأته وحياته، وما ترك من آثار أدبية، بل قدَّم دراسة وافية عن زمنه وما كان فيه من أحداث مختلفة انعكست على أدبه، فجاء هذا الكتاب تأريخًا أدبيًا شاملًا لزمن المعري وحياته وإنتاجه الأدبي.

لحظات

طه حسين

في خِضَمِّ الحياة وأحداثها المضطربة، ثمَّة أشخاص تكون قراءاتهم هي الحدث الرئيس؛ يعيشون ما يقرءون، ويخرجون عن رتابة الحياة اليومية إلى حيوات لا تعرف حدودًا للزمان ولا للمكان، فلكأنهم ينفصلون عن الواقع ويندمجون معه في اللحظة عينها. وما يفعله «طه حسين» في هذا الكتاب هو مشاركتنا لحظاته التي قضاها بصحبة عيون الأدب السرديِّ الغربيِّ، صانعًا من خلال عُروضه البديعة لآثار «بول جرالدي»، و«فكتور هوجو»، و«ألكساندر دوماس الابن»، و«هنري بتايل»، و«جان جاك برنار»، و«موريس دونيه»، وغيرهم، قنطرةً أدبيَّةً راقيةً تصل بين الشرق والغرب، وتفتح العقول على آفاق فكرية أرحب، وتجارب إنسانية أكثر عمقًا. والمؤلِّف هنا لا يعمد إلى نقل نصوصهم مترجمةً ترجمةً جامدةً، بل ينقلها نقلًا حيًّا، مُفعمًا بما انطوت عليه اللحظة، وما تراكم في حافظته اللغوية والنقدية والمعرفية من فوائد وفرائد.

خصام ونقد

طه حسين

دائمًا ما يستشعر المثقف الحقيقي المسئولية تجاه أُمَّته وقضاياها، فيعمل على عرض مشكلاتها والتنبيه لخطورتها ثم اقتراح الحلول اللازمة لإزالتها، وهو الأمر الذي فعله الأديب الكبير «طه حسين» طوال حياته، حيث أوقف قلمه على خدمة الأدب العربي بالدراسة والتحقيق؛ لأنه أدرك أن الأدب هو الحاضن لتراث الأمة ومصدر هام لدراسة تاريخها، كما يعبر عن روحها وفلسفة أبنائها، بل ويعكس أذواقهم. وهو في هذا الكتاب ينبِّهنا إلى العقبات التي تواجه الأدب العربي؛ كغياب الحريات، وما أصاب التعليم — في المراحل المختلفة — من تدهور؛ فضعُفَ إنتاجنا الأدبي وظهرت أجيال قليلًا ما تقرأ، وإن قرأت فإنها غالبًا ما تبحث عن النص السهل الخفيف ذي اللغة البسيطة التي تقترب من العامية، فكان لزامًا أن يجهر عميد الأدب بخصومته ونقده لهؤلاء الكُتَّاب الذين لم يحفظوا لثقافتنا مكانتها الملائمة.

أدبنا الحديث ما له وما عليه

طه حسين

بعد الحرب العالمية الأولى وعقب الثورة المصرية عام ١٩١٩م؛ ظهرت ألوان من الحرية لم تعرفها الأمة العربية منذ انقضاء عهود ازدهارها الغابرة، فكان أول من سابقوا لنيل تلك الحرية هم الكُتاب والأدباء بشكل عام؛ نشروا بين طيات الصحف كتابات تعمد إلى طرق مواضيع لم تكن متاحة من ذي قبل، ومارسوا حرية تكاد تكون مُطلقة، فأظهروا نزعة التجديد في المنتج الأدبي الحديث بمجمله؛ ابتكروا مذاهبهم في نظم الشعر والقصة والمقال، وأقاموا ثورة على كل ما هو قديم، نتج عنها خصومة أدبية واسعة بين أنصار الحديث والقديم في كل نوع أدبي. حالة أدبية كانت الشغل الشاغل للوسط الثقافي في تلك المرحلة، يعرض لها عميد الأدب العربي «طه حسين» في كتابه الذي بين أيدينا، ملتزمًا الحياد ما أمكن، رغم كونه أحد أنصار التجديد وروَّاده.

في الأدب الجاهلي

طه حسين

مما لا شك فيه أن هذا الكتاب أثار من الجدل ما جعله يُعدُّ من أشهر كتب القرن العشرين؛ ففيه قال المؤلف بعدم شرعية بنوة «الشعر الجاهلي» إلى عصره، وأنه منتحل من عصر صدر الإسلام. ومثلت هذه الآراء الجديدة صدمة قوية لمعاصريه، ولا زال صداها حتى اليوم مستمرًّا؛ فاشتعلت المعارك القلمية بين الدكتور ومعارضيه سواء على صفحات الجرائد والمجلات أو بتأليف كتب بأكملها للرد عليه. وتعدى الأمر ذلك وأحيل الدكتور للنيابة بتهمة الإلحاد وإهانة الإسلام، غير أنه بُرئ منها. كل هذا لمجرد آراء حرة في الأدب كتبها «عميد الأدب العربي». وقد اتبع المؤلف «منهج البحث العلمي» في تشريحه للشعر الجاهلي، متخذًا من منهج الشك ﻟ «ديكارت» أساسًا لبناء نقده.

حافظ وشوقي

طه حسين

كان القرن العشرين إيذانًا ببدء نهضة أدبيَّة كبرى من أبرز مظاهرها الشعر، وقد اضطلع شاعران من أبناء مصر بتلك النهضة؛ فكان «أحمد شوقي» أميرًا للشعر والشعراء، واستطاع «حافظ إبراهيم» أن يتبوَّأ موقعًا متميِّزًا بين شعراء عصره حتى لُقِّب ﺑ «شاعر النيل»، وكلا الشاعرين قد أحييا الشعر العربي، وردَّا إليه نشاطه ونضرته. وقد تصدَّى «طه حسين» لنقد شعرهما، وإنزاله المنزلة التي يستحقها، وعلى الرغم من أن علاقته مع «أحمد شوقي» لم تكن جيدة، إلا أنه حاول التزام الحَيْدة والإنصاف؛ فجاء كتابه نقدًا أمينًا لهذين العَلمين من أعلام الأدب العربي، راصدًا الأخطاء التي وقعا فيها، وإن لم ينكر مكانتهما ودورهما في الشعر العربي.