رابعًا: صفات الإمام وشروط الإمامة

تبدو أحيانًا صياغة المسألة السياسية صياغةً فردية، وذلك بالتركيز على صفات الإمام، وكأن النظام السياسي كله بما في ذلك من مؤسساتٍ دستورية ونُظمٍ شعبية للرقابة تتحدد بل وتُستنبَط من صفات الإمام الفردية الطبيعية أو المكتسَبة، سواء في التعيين بالنص أو في الاختيار بالعقد والبيعة، مع اختلاف في درجة التشخيص؛ ففي التعيين بالنص تكون الصفات أكثر تشخيصًا وتأليهًا، مثل الخلود، والغيبة والرجعة، والعصمة والتقية، والعلم والتعليم، في حين أنه في الاختيار بالعقد والبيعة تكون الصفات أقل تشخيصًا وأكثر إنسانية، مثل العلم والورع والشجاعة. الأولى تكليف بما لا يُطاق، والثانية تدخل في حدود الطاقة الإنسانية. بل يستمر هذا النسق المتقابل في علم أصول الدين كله ابتداءً من موضوعه الأول، وهو الذات، حتى موضوعه الأخير، وهو الإمامة. فالتجسيم والتشبيه والتشخيص يظهر في كل موضوع، يجعل الإنسان إلهًا، والحرية جبرًا، والعقل سمعًا، والعدل ظلمًا، والخير شرًّا، والعمل نظرًا، والسياسة فردًا. وقد استمر هذا النسق موروثًا حتى الآن في وجداننا المعاصر في طبع النظام السياسي كله بشخصية القائد أو الزعيم أو الرئيس، بمزاجه وأهوائه وقدراته وطبعه. إذا حسن النظام فلحسن شخصه، وإذا ساء فلسوئها. ويظل الصراع بين القمة والقاعدة موروثًا،١ وبعد أن حُسم لصالح القمة في الإلهيات وفي الإنسانيات، في العقليات وفي السمعيات.

(١) هل هناك صفات للإمام؟

إذا كان القول بالنص والتعيين يؤدي إلى صفات للإمام تتجه نحو التأليه، وصفات فوق الطاقة البشرية تجعل من الإمام أكثر من إمام، فإن هذه الصفات في الحقيقة هي تعويض عمَّا لحِق بالأئمة من ذبح وتقتيل. وكلما زاد القهر والقمع ازدادت الصفات ألوهية، وازداد الإمام عظمة؛ كي يستأنف الكرَّة ويعود من جديدٍ أقوى مما كان، ليهزم جحافل الظلم وجند الطاغوت. وهذه الصفات هي الخلود، والغيبة والرجعة، والعصمة والتقية، والعلم والتعليم.

(١-١) الخلود والرجعة

والقول بالخلود والرجعة هو أكبر رد فعل على موت الإمام ظلمًا وقتله عدوانًا؛ إذ يتحول الفناء المطلَق إلى خلودٍ مطلَق، وينقلب الموت اللحظي إلى حياةٍ أبدية دائمة مثل حال الشهيد، وتتحول رغبة العدو من إعدام للإمام المُعارض إلى إثبات وجوده إلى الأبد، فينقلب الظالم على عقبَيه، ويُفوت الإمام على أعدائه تحقيق أغراضهم. الرغبة في الخلود إذن شيءٌ طبيعي كردِّ فِعل على الظلم ورغبةً في النصر، واستعدادًا للانتقام. فالهزيمة ليست نهائية، والحاضر ليس كل الزمان، وخسارة معركة ليست خسارة للحرب. فلا بد للعدل أن يسود على الظلم، ولا بد للحق أن يدحض الباطل، ولا بد للشرعية أن تعود لتمحق اللاشرعية. خلود الإمام إذن إحدى مقدمات نظرية الثورة على الحكم الظالم من أجل سيادة العدل، وإحقاق الحق، والعودة إلى الشرعية. الخلود تعبير عن الرغبة في الثورة، واستمرار القتال، وأمل في المستقبل، وثقة بالنصر. وتنشأ صور الخلود ابتداءً من جدل الحس والخيال، والصراع بين الواقع والحلم؛ فبعد قتل الإمام في الواقع يظل حيًّا في الخيال.٢ ولا ضير أن يقع خطأ في الحواس؛ فشدة الانفعال وفقد الاتزان من هول قتل الأئمة وذبحهم يُفقد الحواس القدرة على الإدراك السليم، ويصبح الخيال بديلًا عن الحس، والتمني سائدًا فوق الواقع، ويُخلَق الموضوع في الذات بدلًا من أن تُدرك الذات الموضوع. وفي هذه الحالة لا يهمُّ من الإمام، هذا أم ذاك، ومَن مِن الأئمة هو الحي الخالد؛ فإمام كل فرقة بعد استشهاده هو الحي الخالد. المهم هو الواقعة الحية والتجربة الإنسانية، وليس الحدث التاريخي، الشخص المعين باسمه ما دامت الظروف النفسية واحدة، والأشخاص ما هي إلا «معلقات» عليها وحوامل للدلالات. وإن الاختلاف في الإمام مات أم لم يمت يدل على الصراع بين الموقفين الحسي والخيالي، الواقعي والحالم، عقلية معتدلة أو نفسية متأزِّمة، موضوعية ومواجهة أو ذاتية وهروب. وإن اختلاف الفرقة في موت الإمام، مات أم لم يمت، لا يحتاج إلى تحققٍ تاريخي لواقعة الموت؛ لأن الأمر لا يتعلق بحادثةٍ تاريخية موضوعية، بل بموقفٍ ذاتي خالص تُعبر فيه الجماعة عن رغبتها في الانتصار على الموت، ورفض الهزيمة عن طريق التمني وبصياغة الخيال. إن كان قد هُزم الإمام بالفعل فإن إرادة الجماعة لم تنهزم، وإن كان حسه قد صُدم فإن خياله لم يتوقف؛ وبالتالي تتحول الهزيمة في الحاضر إلى انتصار في المستقبل. وتكون الصدمة عندما يموت الإمام الحي فتفترق جماعته فرقتين؛ الأولى تُنكر الموت، وأن الذي مات شخصٌ آخر؛ والثانية تُثبت الموت، وتُنكر الجماعة وتخرج عليها، وتُفيق من الخيال. لا يهمُّ إذن الاختلاف في نهاية الأئمة، فتلك ظروفٌ نسبية جزئية تكون مجرد حوامل للظروف النفسية، وأمام واقعة الموت تتهاوى كل دعاوى الخلود، وأمام أهواء البشر ينقشع الغمام، وتظهر الحيل، وتنكشف الاحتيالات، وتُفيق الجماعة. وتظل الجماعة مُتأرجحة بين الواقع والخيال، لا تقوى على مواجهة الواقع، ولا تستطيع الفكاك من الخيال، وتشتدُّ الحيرة، ويقع التشرذم، وتنشقُّ صفوف المُعارضين.٣
ويتضخم الإمام الحي الراجع، ويضمُّ مظاهر الطبيعة، ويتشخص فيها. فيصبح الإمام الحي هو السماء وبرقها ورعدها وحركتها، بجبالها وأنهارها ووديانها، بسهولها وسواحلها، بأشجارها ونباتاتها، وبحيواناتها المتوحشة. فالسماء رمز للعلو، وتعويض عن سفل الأرض، وتمسُّك بالأعلى في حالة ضياع الأدنى والاستئصال منها. فالإمام في السحاب، رمزًا للصفاء والبياض والطهارة والنصاعة والشفافية والخلفة والوفرة والخير، في المطر؛ الرعد صوته، والبرق سوطه. الإمام حي في منطقةٍ نائية في جبال رضوى، فالجبل رمز للصمود والفخامة، والضخامة والعظمة، وهي جبال «رضوى» تشخيصًا للرضا عن الإمام. أسد عن يمينه ونمر عن شماله يحفظانه، يأتيانه رزقه غدوة وعشية إلى وقت خروجه. وهي الصورة الشعبية الموجودة حول كل فارس مُمثل للإيمان تحفظه الأُسود والنمور، ويركب الخيل مُقاتلًا التنين والوحوش الكاسرة، والتي تدل على رغبةٍ جامحة في الانتصار، وعلى وجود شعور بالبؤس أو إحساس بالشقاء، وعلى ضرورة الانتصار حتى ولو كان بالتمني يصنعه الخيال، ويُمثل الحق الضائع والأمل فيه عن طريق خلق صور فنية له قد تكون لحيواناتٍ واقعية مثل الأسد والنمر، أو خيالية مثل التنين يشرب من عينَيه، عين من الماء وأخرى من العسل، صور من الجنة ومن الصحراء. إن الإيمان بإمامٍ حي مشخَّص في الطبيعة على هذا النحو تعويضٌ نفسي عن تقتيل الأئمة الذين خرجوا على الحكم الأموي، وتخيله بعيدًا في الصحراء عن وحوش المدينة، تحرسه وحوشٌ حقيقية أكثر أمانًا من وحوش بني أمية، يعيش مع نفسه، رمزًا للصفاء الخالص بعيدًا عن شرور الدنيا وآثامها. الإمام المنعزل رمز للطهارة الضائعة التي آثرت العيش في الصحراء بعد أن استحال لها العيش في المدينة. وقد تكون هذه العزلة عقابًا للإمام على رضاه عمَّن ظلموه وظلموا الأئمة من الحكام، وبيعته لبعضهم ورفضه الاستمرار في المعارضة والثورة المستمرة. تكون العزلة حينئذٍ عن البشر وعن الناس وكأنه سجين الصحراء. وكيف تكون العقوبة الخلود؟ وكيف يرتكب الإمام الذنوب وهو معصوم؟ إن الخيال الشعبي لا يعرف التناقض، ولكنه يصوغ وقائع وحوادث كتجارب حية في الشعور، ويُصورها بالخيال دون أن يوجد لها نسقًا عقليًّا مطابقًا. كل موقف له بنيته النفسية الخاصة كحالةٍ فردية.٤ ولا يخص ذلك الأئمة وحدهم، بل الصوفية كذلك، ما دامت الظروف النفسية والاجتماعية والسياسية هي التي تخلق العقائد، بل ولا يقتصر ذلك على الشيعة والصوفية وحدهم، بل يمتد إلى كل من يخضع للظروف نفسها، مثل بعض أئمة الخوارج الذين لا يستأنفون القتال فيتحولون إلى شيعة.٥ تنشأ هذه العقيدة من تضخُّم الذاتية خارج الموضوعية، والقضاء على استغلال الطبيعة، ثم تشخيصها أو السيطرة عليها بالخيال، وتصورها بالافتراض والتمني. كما تخضع الملائكة للإمام تعويضًا عن رفضه خضوع البشر له، وتُحييه وتُبايعه تعويضًا عن إنكار البشر لبيعته ورفضهم لها. يُعينه بشر، كلٌّ منهم يحمل اسمًا أعظم. له مؤمنون، سبعة عشر رجلًا بإيمانٍ صادق تعويضًا عن الآلاف بلا إيمان مُرتشين. النصر للقلة المؤمنة على الكثرة الباغية. الأرض لهم في المستقبل إن لم تكن لهم في الحاضر. ويبلغ الإمام درجة القرب من الله بحيث يتعاملان معًا حسيًّا وجسديًّا، يمسح الله بيده على رأسه تحببًا إليه. كما يبلغ درجة النبوة؛ إذ يطلب الله من الإمام التبليغ عنه في دار التبليغ. والنطقاء بالشرائع، أي الرسل، سبعة، يعين كلٌّ منهم سبعة أئمة يُتممون الشريعة. ويوجد في كل عصر سبعةٌ يُقتدى بهم؛ إمام يؤدي عن الله، وحجة يبلغ عنه، وذو مص يمص العلم، وأكبر يرفع درجات المؤمنين، ومأذون يأذن العهود على الطالبين، ومكلب يحتج إلى الداعي، ومؤمن يتبعه. ومظاهر الطبيعة أيضًا سبعة؛ السموات والأرض وأيام الأسبوع والكواكب السيارة … إلخ. وقد تحتاج الإمامة إلى الإقامة، ويتلو الإمام القائم. الإمام يعرف الحقائق العلوية والسفلية، والقائم يعرف الكليات في الجزئيات.٦
والرجعة تدل على رغبة في العودة إلى النضال والانتقام والنصر، وأن الهزيمة ليست فاصلة ولا حاسمة ولا نهائية. وما دام حيًّا لا يموت فهو أزلي من البداية، أبدي في النهاية؛ فخلود الإمام يؤدي إلى الرجعة. الإمام حيٌّ قائم خارج أرض الظلم والنفاق في أرض الطهارة والصفاء، يعود حتى يعود الحق معه ويملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا. ويكون القتل الثاني بالحق لا بالظلم. ولا يؤثر فيه السيف كرد فِعل على تقتيل الأئمة بالسيوف قبل الخلود والرجعة. ولا يتمتع الإمام وحده بالخلود والرجعة، بل أيضًا كل من يتصل به من أهله وأنصاره، بل والعالم كله من أجله، فالخلود يسري بالاتصال، وينتشر بالتبعية، ويعم بالتضامن. كل من اتصل بالخالد فهو خالدٌ مثله، وكأن الإمام يشعُّ خلوده على الآخرين، وتسري عدوى خلوده في جماعته. ليس الخلود إذن صفةً ثابتة، بل صفة مُشعة. وإن القدرة المطلَقة للإمام بعد موته رد فِعل على عجزه المطلَق في حياته، وتعويضٌ نفسي عن الإحساس بمرارة الفشل. لا بد للحياة من أن تنتصر على الموت، والأمل على اليأس، والروح على البدن. وقد يتجاوز الخلود الإمام أو الموتى إلى الدنيا كلها. وهو إحساسٌ ينتج عن تعويضٍ نفسي بعد فقد الأئمة وتابعيهم لكل شيء في الدنيا. ينقلب الضد إلى الضد، ويتحول العدم إلى وجود، وعندما يضيع الابن يخلد بالصورة. يعود الأصحاب مع الإمام، وتعود الدنيا كلها إليهم، لهم المصير نفسه والمستقبل نفسه.٧
وقد تمَّت قراءة حوادث التاريخ في النصوص حتى أصبحت النصوص تنبُّؤات بالحوادث أو توجيهات للوقائع. وإن استحال تأويل النصوص بحيث تتطابق مع حوادث التاريخ أصبحت محرَّفة مبدَّلة، أو منسوخة مرفوعة لا يمكن الحكم فيها إلا للإمام المعصوم. وقد يوحي ذلك بأن صفات الإمام الأسطوري نابعة من النصوص، وهي في الحقيقة تعبير عن الأوضاع النفسية والاجتماعية والسياسية لمجتمع الاضطهاد في مواجهة مجتمع القهر والغلبة.٨ فالتجارب الحية داخلية محلية، ثم تم نسج كثير من صور الخلود والرجعة طبقًا لنماذج في البيئات الدينية المُجاورة بعد أن تم التعرف عليها. وقد كان كثير من المُنظرين على علم بها أو ينتسبون إليها قبل الانتساب إلى الحضارة الجديدة الناشئة؛ فقد ظهر من قبلُ خِداع الحواس في رؤية الواقع، كما هو الحال في رؤية المسيح عيسى بن مريم، ولم يمت الإمام حقًّا، بل شُبِّه لجماعته أنه كذلك، أو أن شخصًا آخر قد مات بدلًا عنه، وقد يكون الشيطان قد تمثَّله. صعد الإمام إلى السماء كما صعد عيسى ودانيال وعزرا؛ مما يدل على أهمية تاريخ الأديان في الوعي الاجتماعي كأنماطٍ مثالية ينسج الخيال عليها. وقد كان أوائل المُنظرين من اليهود، وعقائد الخلود والرجعة موجودة في الكتب المقدسة السابقة. وإن اتحاد الإمام بمظاهر الطبيعة وتشخيص صفاته فيها معروف أيضًا في الأناجيل. وقد حدث ذلك للمسيح ساعة الصلب عندما اكفهرَّ الجو، وأمطرت السماء، واشتد الرعد، وسطع البرق، ووقع الزلزال، واهتزَّت الأرض، وهبَّت الريح، وطارت العواصف، تعبيرًا عن بشاعة الجُرم. وقد ظهر المسيح في رؤيا يوحنا راكبًا حِصانًا أبيض وهو يُقاتل التنين وينتصر عليه. كما صارع أيوب الشيطان تعبيرًا عن الصراع بين الخير والشر، وأملًا في النصر. وكما ينزل المسيح في آخر الزمان ليقتل المسيح الدجال رمز الشر في كل دين، ويُخلص الناس من شره، كذلك يفعل الإمام؛ فالإمام هو المُخلِّص. وقد ظهرت هذه العقيدة في كل دين، وقامت بدورٍ هائل إن لم يكن الدور الرئيسي في قيام الحركات الدينية السياسية، وقلب أنظمة الحكم وإقامة أنظمة جديدة؛ ففي اليهودية القديمة ظهرت عقيدة المخلِّص «المشيانية» الذي سيخلِّص بني إسرائيل من الأسر البابلي، كما ظهرت في المسيحية الأولى التي اعتبرت المسيح هو المخلِّص، وفي معظم الديانات التاريخية قامت عقيدة المخلِّص بأدوارٍ تحررية في تحرير الجماعات من الاضطهاد الداخلي والسيطرة الأجنبية. لا تظهر العقيدة في فترات الانتصار، ولا تظهر إلا أوقات الهزيمة وفي جماعات الاضطهاد.٩ ولا يمنع ذلك من وجود مقاصد لدى المُنظرين الأوائل الذين كانوا ينتسبون إلى هذه البيئات الدينية والحضارية المُجاورة يجعلهم يروِّجون لعقائد جديدة دخيلة لتحقيق نوع من الضياع النظري. فإذا كان هناك عجز في مواجهة الدين الجديد على مستوى الفتوح في الأرض، فيمكن الطعن فيه من الخلف، في العقائد النظرية، سبب قوَّته، في وقت لم تختفِ فيه الشعوبية بعد، وهي تصور الحكم الجديد للعرب والقديم للفُرس دونما مُغالاة في التفسير التآمري لحوادث التاريخ.١٠

(١-٢) الغيبة والانتظار

فإذا كان الإمام خالدًا وراجعًا لأنه لم يمت، أبديًّا أزليًّا، ومع ذلك فإنه غائبٌ يجب انتظاره. ومكان الغيبة في الدنيا، في الجبال أو الفيافي والقفار، إلى أن يحين وقت خروجه قادمًا من الصحراء إلى الخضر. وتظل الجماعة في التيه لحين ظهور الإمام وحضور ملكه. ولما كانت الأرض لا تخلو من إمام، فهناك القائم نائبه. وقد تكون الغيبة غيبتين؛ الغيبة الأولى يتلوها ظهوره كبشارةٍ أولى وثقةً في النصر، ثم تأتي الغيبة الثانية١١ للاختلاف التاريخي حول الغائب، هذا أو ذاك؛ لأن الأمر كله تجربةٌ شعورية لا تدل على وقائع، نشأت في بيئةٍ نفسية واجتماعيةٍ معيَّنة. ولما لم يظهر الإمام، ولم يرجع المهدي المنتظر، ولم تنتصر الجماعة، كان مصيرها جميعًا بلا استثناءٍ القتل والهزيمة. ومع ذلك تخلق عقيدة المهدية أشخاصها. وما الفائدة أمام غائب يعيش في بطون الجبال والكهوف أو في الصحراء ينتظر القوم رجوعه؟ وما الفائدة من إمامٍ حي لا يفعل ولا يؤثر ولا يتصل بالبشر؟ كيف يقودهم ويُخلصهم ويُعلمهم ويؤمهم؟ والغيبة غير محددة، قد تطول وقد تقصر، وقد تستمر بالقرون ولا يظهر الإمام المنتظر. يتغير الكون، وتتغير ظروف الجماعة، ويظل الإمام القائد لا يتغير. هل يعلم الإمام الظروف الجديدة؟ هل يظهر أثناء هذه المدة من يأخذ حقهم، مثل نائبه؟ وعقيدة انتظار المخلِّص معروفة في جميع الأديان، تنشأ من الإحساس بالاضطهاد كما حدث لدى الشيعة، ومن العجز عن استرداد الحق الضائع، يمكن قراءتها في النصوص الدينية حتى يحدث التطابق بين التجربة الحية وحجة السلطة،١٢ ولكن النموذج الذهني موجود في الديانات السابقة التي تم التعرف إليها من البيئات الدينية المُجاورة؛ فظهرت عقيدة المخلِّص في اليهودية إبَّان الأسر البابلي؛ مما ساعد على خلاص اليهود ورجوعهم إلى أرض المعاد. كما ظهرت في العصر الروماني، وأدَّت إلى ظهور المسيح، وبعد موته ظلَّت الجماعة المسيحية الأولى في انتظار عودته على قِمم التلال وعلى أسطح المنازل. وهذا معروف في التاريخ النفسي للجماعة الأولى باسم واقعة الانتظار Parousia. وفي معظم الديانات التاريخية لعقيدة المخلص دورٌ تحرُّري في الجماعات المضطهَدة.١٣ وتظل عقيدة المهدية أكبر صورة فنية للأمل في الحق بعد ضياعه، وفي الإيمان بإمكانية استرداده تعويضًا في المستقبل عن هزيمة الماضي. أما فِرق المعارضة الأخرى العلنية، سواء في الخارج أم في الداخل، فإنها تُحقق الخلاص بالفعل بوسائل أخرى، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بالثورة على الإمام. والحقيقة أنه بالرغم من بعض الجوانب الإيجابية في عقيدة المخلص، إذ إنها تُعطي أملًا مستقبليًّا في الانتصار، وثقةً فائقة بالنصر، فالحقُّ لا بد وأن يظهر في النهاية مهما طال الانتظار، وأن العدل لا بد وأن يسود حتى ولو مُلئت الدنيا ظلمًا وعدوانًا، كما أنها تُعطي طاقةً قصوى على التحرر، وعلى ملء الفراغ الذي تتركه غياب الأيديولوجية. وكثيرًا ما أدَّت العقيدة إلى ثورة بالفعل ضد المغتصِب بصرف النظر عن وقوع ظلم آخر في مرحلة ما بعد التحرر. بالرغم من ذلك، للعقيدة جوانب سلبية أخرى؛ فهي تُعبر في نهاية الأمر عن العجز عن التحرر في الحاضر، وتخلق عالمًا من الوهم على أملٍ خادع في المستقبل. تُحول الوقائع إلى عقائد، وتُحيل الموضوعية الصلبة إلى ذاتيةٍ فارغة، وتكشف عن عدم إمكانية الصمود وتقبُّل الصدمة، وتحليل الواقع عقلًا، والرغبة في انتصارٍ سريع حتى ولو بالتمنِّي. كما أن انتظار الخلاص ليس القيام به بالفعل، والعيش في المستقبل تجاوزًا لمآسي الحاضر تمامًا مثل العيش في الماضي زمن الانتصار أيام العصر الذهبي؛ فالهروب إلى الإمام تعليقًا للخلاص في المستقبل مثل الهروب إلى الوراء تنعمًا بالنصر في الماضي وتأملًا فيه. والانتظار في النهاية موقفٌ سلبي يُخالف الانتظار الذي يُصاحب الإعداد لمعركةٍ قادمة. كما تؤدي عقيدة المخلِّص إلى عبادة الفرد؛ فالمخلِّص هو فرد وليس تنظيمًا جماعيًّا. هو القائد المُلهَم والمخلِّص بلا مُنازع، هو البطل والرئيس والقِديس والمعلِّم؛ مما يتطلب من الناس التسليم المطلَق له والثقة العمياء فيه؛ لذلك تؤدي عقيدة المخلِّص إلى تأليه الفرد، وليس فقط تقبل زعامته أو تعبيره عن مطالب الجماهير. ونظرًا لسلبية الجماهير، وطاعتها العمياء للمخلص، وعدم ممارسة الرقابة عليه، ينتهي الأمر إلى أن يقود الخلاص إلى استغلال الجماهير باسم الدين، أو الانقلاب عليه بمخلصٍ آخر قد يكون ثورةً مستمرة أو ثورةً مضادَّة. وغالبًا ما تكون في البداية دعوةً سرية لا علنية، وفي جماعةٍ تقوم بنيتها النفسية على سيكلوجية الاضطهاد، ويتَّسم فكرها بطابع الجماعة السرية المغلَقة والسلوك المزدوج والتفسير الباطني للعالم. ويتم تصور قُوًى وهمية مشخَّصة تُساعد المخلِّص، حتى ولو كانت هذه القوى المشخصة مذكورة في النصوص الدينية كصورٍ فنية، وتعبير عن القوى النفسية والمعنوية التي يعتمد عليها أصحاب الحق المهضوم في مواجهة القوى المادية لأنصار الظلم والجبروت.

(١-٣) العصمة والتقية

قد يبدو بعض التناقض في هذه المفاهيم المزدوجة، مثل الخلود والرجعة، الغيبة والانتظار، العصمة والتقية؛ فكما أن الخالد لا يرجع لأنه باقٍ إلى الأبد، فكذلك الغائب لا يُنتظَر لأنه لا يعود، والمعصوم لا يخشى شيئًا؛ وبالتالي لا يُمارس التقية. ومع ذلك ما دام الإمام فوق البشر، أسطوريًّا، تكون العصمة من صفاته بصرف النظر عن تطبيقها في هذا الإمام أو ذاك؛ فالعصمة رد فِعل نفسي على الفتنة وتخبُّط الآراء. ولما كان أصوبها لم يتحقق أصبح هو الحق الضائع، ولزمت العصمة كملاذٍ أخير. ويصعب تحقُّقها التاريخي في أئمة بعينهم؛ فإذا كان هناك اعتراف بإمامة الشيخين أو الخلفاء الأربعة فإنهم غير معصومين، وإذا كانت العصمة لأحد الأئمة فإنه قد أخطأ ببيعته للإمام الظالم، وإذا كان الإمام الرابع معصومًا فمن الخطأ القول بكفره لأنه لم يُقاتل الشيخين على حقه الذي تركه. وهل قال أحد من الخلفاء الأربعة إنه معصوم؟ وهل تمتدُّ العصمة إليهم من الأئمة؟ وإذا امتدَّت، فلماذا تتوقف عليهم ولا تمتدُّ إلى التابعين وتابعي التابعين إلى ما لا نهاية؟ وإذا كان الإمام مُعاقَبًا لبيعته للإمام الظالم، محبوسًا في جبال «رضوى»، فكيف يكون معصومًا وهو على هذه الحال يلقى هذا المصير؟ وإذا كان الأئمة اثنَي عشر، فكيف يكون المعصومون أربعة عشر؟ هناك إذن معصومون غير أئمة؛ وبالتالي لا تكون العصمة أحد أوصاف الإمام. وإذا كانت العصمة وصفًا له، فكيف لا تكون وصفًا ثابتًا، بل توجد وتُعدَم، تأتي وتختفي بعد مدة معيَّنة؟ بهذا المعنى تكون العصمة مرتبطة بالأفعال وليس بالأشخاص. وإذا كانت العصمة ممتدة إلى الخلفاء والأعوان فهي ليست خاصيةً فريدة للإمام، ولأمكن استغناء الإمام عنها، أو كان الخليفة أو الوالي المعصوم إمامًا مثل الإمام المعصوم.١٤ وإذا كانت العصمة للإمام وحده، فكيف تكون لآل بيته؟ لذلك من الأفضل أن تكون العصمة مجرد وصف نظري دون تحقُّق عيني في التاريخ. وفي هذه الحالة لا تكفي وحدها على الإطلاق، بل تُصاحبها المعجزة والنبوة وتنتهي إلى الألوهية، بل قد يعصي النبي لأن الوحي يُصححه؛ وبالتالي تكون العصمة أولى بالإمام من النبي.١٥ وحجج عصمة الأئمة اثنتان؛ الأولى ضرورتها للتعليم والتشريع لما كان الإمام هو المعلِّم والمنفِّذ للشريعة بصرف النظر عن نوعية العلوم، إلهية كما هو الحال في مذهب التعليم، أو عقلية لمعرفة الواجبات وتقريب الخلق إلى الطاعات، وبصرف النظر عن نوعية الوظيفة، نظرية أم عملية. والثانية حجةٌ جدلية صرفة؛ أن كل معلِّم في حاجة إلى معلِّم، وكل إمام يحتاج إلى إمام حتى تصل إلى المعلِّم والإمام المعصوم. والحقيقة أن الدين واضحٌ بيِّن لا حاجة فيه إلى وظيفةٍ جديدة. ويمكن عن طريق علم الأول الاجتهاد واستنباط أحكام شرعية جديدة. العصمة إذن داخلة في حدود القدرة الإنسانية على الاجتهاد في التشريع وعلى استنباط الأحكام. أما من جهة ضرورة وجود معلِّم أول وإمام معصوم، فيمكن أن يُمثل الوحي بهذا الشأن نقطة بداية يقينية تُغْني عن العصمة. أما الحجج النقلية فهي قراءة للحالة النفسية في النقص وتأويل له حتى يحدث التطابق بين النص والواقع كما تشعر به جماعة الاضطهاد. وقد تُثار حجةٌ شرعية من أن الإجماع يقوم على الإمام المعصوم كأحد المجتمعين. والحقيقة أن حجة الإجماع من داخله وليست من خارجه، من التحاور وتبادل الرأي والمشورة؛ فإذا أمكن خطأ واحد فإن الآخر يقوم بالتصحيح، ولا تجتمع الأمة على ضلالة. كما أن صدق الرواية لا يعتمد على وجود إمام معصوم ضِمن الرواة؛ لأن الصحة التاريخية لها شروطها في النقل المتواتر أو في ضبط الراوي وعدالته والتطابق بين السماع والحفظ والأداء إذا كان النقل آحادًا. وإذا كان المعصوم علمًا وعملًا فإن الراوي مجرد ناقل لرواية لا يتدخل فيها بعلمه أو بعمله.١٦ إن العصمة بهذا المعنى قد تكون إحدى صفات النبوة دون الإمامة. والدليل على أن الإمام غير معصوم أن الأئمة الأوائل لم يكونوا معصومين ولم يُثبتوا عصمتهم. كما أن الإمام ليس سلطةً تشريعية، ولكنه سلطةٌ تنفيذية، ينوب عن الأمة في تنفيذ الأحكام، ويجوز خلعه إذا ما أبطل شروط عقد البيعة، ومن يجوز خلعه والثورة عليه لا يكون معصومًا. وهو بهذا المعنى لا يفترق عن عُماله ووزرائه وقضاته وجباة خراجه ومُحتسبيه وجنده. إن العصمة لا تعني أكثر من الامتناع عن الفسوق، والحرص على الصدق في القول، والعدل في الفعل.١٧
أما التقية فإنها تبدو مُتناقضة مع العصمة؛ إذ إن التقية تبدو حركة تراجع ونكوص، في حين أن العصمة ثقة بالنفس وإقدام على الفعل. وتكون التقية على مستويات عديدة؛ قد تكون عدم الظهور كليةً، والاختفاء عن الأعين والأنظار من أجل عدم التعرف على الإمام؛ فالإمام ظاهر لا غائب، ولكنه مستورٌ محجوب مخفي. وقد تكون التقية في القول، إما عدم الجهر بالإمامة أو حتى بالكذب وإنكارها. وقد تكون التقية أخيرًا في الفعل؛ أي ارتكاب المعاصي والذنوب إبعادًا لصفة الإمامة عن الإمام حتى تحيد عنه الأنظار، بل قد يُظهر الكفر والفسوق حتى تنقلب العصمة إلى ضدها. ويجوز ذلك على الرسول أيضًا باعتباره إمامًا، وليس للإمام وحده باعتباره مثل الخليفة الرابع بقبوله بيعة الخلفاء الثلاثة تقية، ومارسها أبناؤه أمام حكام الظلم. وقد تصل التقية إلى حد التظاهر بالموت طلبًا للأمان وخداعًا للسلطان.١٨ والحقيقة أنه في مجتمع الاضطهاد لا وجود إلا للانغلاق على الذات، وقراءة النفس في الآخر، وتكوين دنيا مستقلة، وتحوُّل الطهارة إلى إباحة. كفى العالم إيمانًا وظلمًا. ومع ذلك لا يخلو الزمان من إمامٍ ظاهر وإمامٍ مستور في حالة التفاؤل. وقد تخلو الأرض من الإمام ظاهرًا ومستورًا، ويظل الناس بلا حجة، وتنقلب الأمور من الضد إلى الضد، من وجوب الإمامة إلى استحالتها.١٩ وهذا لا يمنع من وجود أناس بررة صالحين أطهار في كل عصر. والحقيقة أنه يصعب التمييز في الأفعال بين ما يتم منها معصيةً وما يتم منها تقيةً. وإذا كان الإمام مُعلمًا وقدوة ونموذجًا للسلوك، فكيف يمكن الاقتداء به وأفعاله معاصٍ وذنوب؟ وماذا لو استُخدمت التقية من غير الأئمة لتبرير المعاصي أو الاختفاء من الميدان؟ في هذه الحالة تكون التقية مثل «البداء»، وتجويزه على الله لتبرير أخطاء البشر؛ لذلك تظهر التقية في حالات المُغالاة والتطرف، الحب الزائد والبغض الزائد. وقد تصل التقية في حالة البغض الزائد إلى درجة قتل النفس، أو تزويج المؤمنة من الكافر، أو القعود عن الجهاد.٢٠ إذا كانت الدعوة علنية، والجهر بالقول والفعل علنًا، فإن التقية لا تجوز. أما الانتظار والتخطيط فليس تقية، بل هو اختيار أنسب الأوقات لضمان نجاح الدعوة والقضاء على الظلم.٢١

(١-٤) العلم والتعليم٢٢

والإمام مُستودَع العلم الذي لا يعلمه غيره، وهو علمٌ قلبي يقوم على الإلهام، أو هو حاجةٌ نفسية وليس علمًا نظريًّا خالصًا. والعلم متَّحد بالشخص، والشخص متَّحد بالعلم. يُعرَف العلم بالشخص كما يُعرَف الشخص بالعلم. وهو علمٌ مُجمَل في مُقابل الوحي كعلمٍ مفصَّل، له ظهر وبطن؛ وبالتالي في حاجة إلى تأويل.٢٣ وهو فوق ذلك كله علمٌ مستور لا يعلمه إلا العالمون، علمٌ سِري، مستودَع في القلوب، لا يُكشَف إلا لأصحابه أهل العلم. وهو علمٌ موروث لا مُكتسَب، لا يتوارثه إلا الأئمة، إمام عن إمام حتى الإمام الحالي، فيكون هو العالم وغيره الجاهل، هو المُعلم وغيره المُتعلم، هو المتصل بمَنبع العلم وغيره لا يتعلمه إلا عن طريقه. قد يبزُّ فيه الإمام علم الرسول بكمه وكيفه؛ فالإمامة مُتممة للنبوة، وليس على الآخرين إلا التقليد للإمام والتبعية له كما يتبع الأعمى البصير.٢٤ النبوة مجرد حرف بلا معنًى، والولي أو الإمام هو الذي يُعطي الحرف معناه.٢٥ وهو علمٌ واحد لا اختلاف فيه؛ فالاتفاق صحة، والاختلاف بُطلان. وعلامة الحق الوحدة، وعلامة الباطل الكثرة. والوحدة مع الإمام، والكثرة مع أعدائه. والجماعة مع الإمام، والمجتمع المُضاد مع أعدائه. وهناك علم الميزان يُمايز بين الاثنين، مستقًى من الشهادة، كنفي وإثبات أو كنفي واستثناء في «لا إله إلا الله». فما يستحق النفي باطل، وما يستحق الإثبات والاستثناء حق. وعلى هذا النحو يمكن وزن الصدق والكذب والخير والشر وكل المتضادات، وقياسها به.٢٦ والإمام يعلم كل شيء، ما كان وما يكون وما سيكون، لا يند شيء عن علمه، في حين أن الرسول كان كاتبًا يعلم اللغات والحروف! ويشمل علمه الأمور النظرية والعملية على حدٍّ سواء. قد يأتي علم الإمام من الوحي مباشرةً أو قد يأتيه من قِبل الإمام السابق. فإن لم يحدث تطابق بين العلم والمعلوم تم اللجوء إلى «البداء»؛ أي حدوث تغير في العلم الإلهي! فالإمامة هنا كالولاية مُتممة للنبوة ومُكملة لها. والعلم واحد، فهو يتناسخ من شخص إلى شخص، يكون في شخصٍ نبوة، وفي شخصٍ آخر إمامة، وفي شخصٍ ثالث ولاية. والحقيقة أن وظيفة الإمام عمليةٌ صرفة في سد الثغور والدفاع عن الحدود وتجهيز الجيوش وتحصين القلاع ورد المظالم وأخذ الحقوق. وإن تهاون في التطبيق، ولم يستمع للنصح أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجب عزله؛ فالإمامة ولاية لا بمعنى الصوفية، بل بمعنى الوظيفة؛ أي تأدية الواجبات، وهي مستقلة عن شخص الإمام.٢٧ وتتمثل خطورة العلم والتعليم في اعتباره حكرًا على فئةٍ معيَّنة هي المتصلة بالإمام بعد أن كان مشاعًا للجميع، بل لا يحقُّ لأحدٍ سوى الأئمة الاطلاع عليه، ولا يجوز لأحد أن يرتفع إلى درجة الإمام حتى يمكنه الاطلاع على العلم؛ لأن الإمام من عصب الإمام الأول. فالعلم حكر على عصب. كيف وقد يخرج الابن جاهلًا أو معتوهًا من أبٍ عالم أو مُلهَم؟٢٨ كما يؤدي ذلك إلى إنكار العلم مُطلَقًا لما كان العلم متوارثًا وليس كسبًا واجبًا على كل مكلَّف. والعلم الضروري منه أيضًا ما هو شائع وموجود في كل عقل وفي كل طبيعة بشرية، ولا يمكن توريثه، والنبوة ذاتها لا تورث. العلم المتوارث مضادٌّ بطبيعته للعلم المكتسَب وقصر المعرفة على السلالة والأنساب، في حين أن مصدر المعرفة هو الواقع ذاته الذي استُمد منه الوحي محاولًا تنظيره.٢٩ وإذا كان العلم سرًّا فإنه لا يمكن لأي أحد فهمه، ولا بد من انتظار الإمام حتى يكشف له ما غمض عنه من العلم، ويظل الإنسان يجهله، فليس لديه ما يستطيع به أن يعلم أو يعرف، في حين أن الوحي مُعطًى للجميع لا سر فيه، بل إن مقولة السر مضادَّة بطبيعتها لمقولة الوضوح الذي يُعبر الوحي عن نفسه من خلالها. وعادةً ما تُروج مجتمعات القهر لمقولة السر حتى لا يتساءل الناس، ولا يكشفوا أسباب القهر والاستغلال والزيف. ويُفسَّر منع التساؤل عن الأمور النظرية التي لا تنتج عنها آثارٌ عملية من أجل إرجاع الناس إلى العالم ومنعًا للاغتراب عنه، على أنه منع للتساؤل على الإطلاق. مجتمعات السر هي مجتمعات الكبت والتحريم كما هو الحال في مجتمعاتنا المعاصرة القائمة على ثالوث محرم؛ الدين والسلطة والجنس، الكل لا يعلمه، ولا يجوز الاقتراب منه أو الحديث عنه إلا من قِبل السلطة وريثة الإمام، وكل ادعاء لعلمٍ سِري هو وسيلةٌ إنسانية لتغطية الجهل أو للتعمية، فلا تقوم ثورة على علمٍ سِري؛ لذلك كان التعليم وتثقيف الناس وتساؤلاتها حول المحرَّمات ومعارضتها للأسرار وكل طرق الاستنارة مضادَّة لنُظُم القهر، ووسيلة للقضاء عليها.٣٠ كما تؤدي صفة العلم والتعليم إلى التقليد؛ لأن الإنسان لا يستطيع بنفسه أن يعلم أو يفهم، بل لا بد من تقليد الإمام وانتظاره وسماع شرحه، في حين أن التقليد مُدان شرعًا وليس أصلًا من أصول الدين، وأن النظر أولى الواجبات على المكلَّف؛٣١ وبالتالي تغيب كل إمكانية للتحقق من صدق أقوال الإمام بإرجاعها إلى الوحي أو إلى العقل أو إلى الواقع، فتُقبَل أقوال الإمام بلا مناقشة أو اعتراض، ويؤخذ عليه العهد بالتسليم والطاعة والقبول. تغيب أية وسيلة لضبط العلم ومراجعته، فهو علم بلا برهان، في حين أن العلم هو طلب البرهان، وأن كل ما لا دليل عليه يجب نفيه، وأن الإيمان لا يكفي دون التصديق؛ فحقائق الوحي على مبادئ العقل ووقائع الحياة الإنسانية التي تكشف عنها التجارب الشعورية، الفردية والاجتماعية.٣٢ والأخطر من هذا كله هو هدم العقل وإثبات التقليد والتبعية، وتدعيم هذا الهدم بحججٍ عقلية تُثبت دور العقل في الإثبات والنفي. فإذا كان الفتى يعرف بنفسه اعتمادًا على العقل والنظر من غير حاجة إلى تعليم مُعلم أو عن طريق معُلم صادق، فإنه يسمح بالضرورة بعلم غيره الذي توصل إليه أيضًا بالعقل والنظر. فإذا ما أنكره عليه، فإن هذا الإنكار لا يحتاج إلى مُعلم، بل يمكن أيضًا أن يتم بالعقل. وإذا كان لا بد من مُعلم، وكان من الضروري قبول مُعلم الخصم، وبالتالي يتعدد المُعلمون، فإن ذلك لا يعني ضرورة وجود مُعلم صادق؛ لأن الخصم سيدَّعي أن مُعلمه هو الصادق؛ وبالتالي يتعدد المُعلمون الصادقون. فما هو مقياس صدق المُعلم إن لم تكن هناك وسائل للتحقق منها ومن ضِمنها العقل؟ وإن صدق الراوي يمكن التحقق منه بشروط الرواية إذا كان الخبر مُتواترًا، وبشروط الراوي إذا كان آحادًا. أما ضرورة تحديد العلم الصادق بشخص بعينه حتى لا يتعلم من مُعلمٍ غير محدَّد بشخصه، فإنه تشخيص للعلم بلا سبب. فالعلم لا يتحدد بشخص المعلم، والعالم كل من حمل العلم. وإن البحث عن رفيق للطريق، أي عن مُرشد للمعلم، يجعل المرشد أهم من المعلم، ومن لا مرشد له لا معلم له. أما حجة الواقع فإنها لا تكون حجة مبدأ. فإذا كان كل معلم صادقًا مُتعينًا بشخصه على حق، وكل معلم صادق غير متعين بشخصه ليس كذلك في ظرفٍ تاريخي خاص لجماعة بعينها، فإن ذلك لا يُعمَّم في كل ظرف وفي كل مجتمع.٣٣ فإذا ما ظهر العقل فإنه يبدو عقلًا أسطوريًّا غيبيًّا تعويضًا عن غياب العقل الإنساني العلمي، العقل الأول، أول ما خلقه الله، والذي منه تفيض الصور على الموجودات، والذي يدخل في حوار مع الله متشخصًا كفرد. وهل وظيفة العقل حوار خالقه أم إدراك العالم؟ وهل يعلم العقل بالفيض أم بالنظر والاستدلال؟ وهل هو مرتبط بالنفس أم بالحس؟ وهل هو وجود أم معرفة، شيء أم آلة؟ هل هو أخلاق أم طبيعة؟ هل هو متجه إلى العالم العلوي أم إلى العالم السفلي؟ وأين يعيش الإنسان ومن أين تأتي مآسيه؟ والعقل ليس مقتصرًا على النبي أو على الوحي، بل هو عام في كل إنسان، يأتي من طبيعته وفطرته وليس موهوبًا من أعلى، ينظر ويستدل دونما حاجة إلى صورٍ موهوبة تفيض عليه من عقلٍ أول. فهو عقلٌ طبيعي موجود في هذا العالم، تعبير عن الفطرة، ولا شأن له بعقلٍ أول، هو أو غيره، سابق على الخلق، لا نعلم عنه شيئًا.٣٤ لذلك يُنكَر النظر والقياس، وتُعتبر المعرفة اضطرارًا. ولا يأتي هذا الاضطرار من طبيعة العقل أو من طبيعة الإنسان، أي من الداخل، بل يأتي من الخارج، من فضل الإمام، أو من ضرورة الوحي، أو من كشف وإلهام لا حيلة للإنسان فيه. فالإنسان بطبيعته لا يقدر على النظر والمعرفة. فإذا أقرَّ بمعرفة فإنها لا تأتي عن طريق النظر الحر، بل تأتي بالإقرار بالفرض والإجبار، بل قد تُمنَع المعرفة وتُسفَّه إذا ما استقلَّت بنفسها عن الفيض أو عن الإمام.٣٥ فإذا ما سُمح بالنظر والاستدلال فإنه يكون بعد المعرفة الاضطرارية، ولا يؤدي هذا النظر إلا إلى معرفةٍ نظرية دون أية معرفة عملية. وقد يُسمَح بها اختيارًا إما اضطرارًا أو كسبًا، ولكنها تظل دون التكليف. وقد يُسمَح بها بعد مجيء الرسل لا قبلهم، ولكن يظل النظر تابعًا للنبوة لا مستقلًّا عنها.٣٦ وإن إبطال النظر في الأمور النظرية ليؤدي بالضرورة إلى إنكاره في الأمور العملية؛ وبالتالي يستحيل استنباط الشرائع والأحكام، ويبطل الاجتهاد فيها.٣٧

(٢) شروط الإمامة

إن لم تكن هناك صفات للإمام تجعل منه إمامًا فوق العادة، وقائدًا فوق مستوى البشر، فإن هناك شروطًا للإمامة تتحقق أو لا تتحقق في البشر، وتجعل من الإمام إنسانًا عاديًّا في مستوى البشر، وتجعل الاختيار لأفضلهم في حدود الإمكان والقدرات البشرية. ومع ذلك فالشروط أنواع؛ الأولى: لا دخل للإمام فيها، ولا يمكن له تغييرها؛ وبالتالي يمكن رفضها لأنها تجعل الاختيار بين الأئمة غير مُتكافئ، مثل شرط النسب والدم. والثانية: عادية؛ أي لم تجرِ العادة بخلافها، وهي أقرب إلى استقراء التاريخ، مثل الحرية والذكورة والبلوغ، وإن جاز لها بعض الاستثناءات. والثالثة: هي الشروط التي يمكن التحقق من وجودها، والتي يتكافأ فيها الأئمة، وتجعل الاختيار بينهم ممكنًا، مثل العلم والعدل والتدبير. وهي كلها شروط في حيِّز الإمكان؛ أي يمكن تحقيقها بالفعل في الواقع، وليست شروطًا مثالية يصعب تحقيقها وتكون فوق مستوى البشر.

(٢-١) هل النسب شرط؟

بالرغم من أن النسب أو الدم من الأوصاف البشرية إلا أنه ليس شرطًا للإمامة، وهو من أكثر الشروط اختلافًا فيها. فإذا كانت الإمامة عقدًا واختيارًا لمن هو أصلح للأمة، فكيف يدخل النسب كعامل للاختيار، النسب للرسول، من آل بيته، أو من قبيلته؟ وهل الإمامة وراثة للنبوة أم نيابة عن الأمة؟ وهل الأقرب إلى الرسول نسبًا هو من العوامل المرجِّحة في اختيار الإمام؟ ما الفرق إذن بين النبوة والملكية الوراثية إذا كانت الإمامة وريثة النبوة؟ لو كان الأمر كذلك لظلَّت الإمامة وراثة للنبوة ولما خرجت عنها، في حين أن النبوة تبليغ من الله، والإمامة نيابة عن الأمة. إن الاختيار على الإطلاق يُعارض التخصيص بالقرشية. فلو كان الاختيار صحيحًا كانت القرشية أقرب إلى التعيين بالنص منها إلى الاختيار؛ لأنها تحديد وتعيين بالوصف والرسم إن لم يكن بالاسم والشخص، بل العنوان القديم لا معنى له «في بيان جنس الإمام وقبيلته»؛ فالإمام لا جنس له ولا قبيلة، ولكنه مختار من القوم طبقًا للبيعة والعقد عليه.٣٨ والأخطر من ذلك أن يتحول الشرط إلى نسبة وقرابة، وإلى دم وسلالة، وكأن الإمامة في الدم والعصب، في اللحم والعظم؛ وبالتالي تصبح أسوأ من الملكية الوراثية. وما أسهل الاختلاف على الأنساب حتى يمكن إدخال الإمام في نسبٍ يسهل بعده مطالبته بحقه في الإمامة! بل قد يصعب تاريخيًّا، كلما طالت المدة وبعد الزمان، التحديدُ بدقةٍ نسب الأئمة وسلالتهم، وهو ما لا يحدث إلا في حدائق الحيوان. وتظهر العصبية في تحديد النسب تأكيدًا على بطن دون بطن، أو على فخذ دون فخذ.٣٩ ويشتدُّ الأمر ضيقًا من حيث النسب والسلالة أن يكون الدم من ناحية الأب وليس من ناحية الأم، تعبيرًا عن تفضيل القبائل العربية للذكور على الإناث، على عكس اليهودية التي يكون النسب فيها من الأم والرحم، والأم أقرب إلى علاقة الدم من الأب. ولماذا يتم استبعاد الموالي والحلفاء، وهذه بعض عادات القبائل؟ فالولي أو الحليف له الحقوق نفسها وعليه نفس الواجبات، بل كانت الحروب تُقام من أجله دفاعًا عنه وحفاظًا على العهود والمواثيق. ولماذا تُنكَر الإمامة على المولى والحليف ولا يُنكَر عليه الدم في الحرب؟ وهل الإمامة أفضل من الحياة، والسياسة أفضل من الموت؟ وإذا اعتمدت القرشية على خبر، فإن المولى والحليف يعتمد على خبرٍ آخر مُساوٍ في الصحة وله نفس الثقل، وليس نص بأولى من نصٍّ آخر، ولا يؤخذ الأول حقيقة والثاني مجازًا، فلا مجاز في الأحكام.٤٠ ويعتمد شرط القرشية على خبر آحاد مُعارَض بأخبارٍ أخرى لا تقلُّ يقينًا أو ظنًّا عنه، ولا يوجد إلا الدليل النقلي دون إمكانية قيام أدلة عقلية. وإن الأدلة النقلية كلها حتى لو تضافرت لإثبات شيء على أنه صحيحٌ ما أثبتته، ولظل ظنيًّا، ولا يتحول إلى يقين إلا بحجةٍ عقلية ولو واحدة.٤١ وقد يعني الدليل مجرد ثناء ومدح لمقدرة قوم في السياسة، مثل مقدرة قوم آخر في العلم، دون أن يعني ذلك حصر السياسة أو حصر العلم كل منهما فيه اشتهر به في قوم. وقد لا يكون قولًا مأثورًا من النبي بل من غيره، أو قولًا مأثورًا متواترًا بالمعنى لا باللفظ.٤٢ والأهم من ذلك كله هو طريقة استعماله، وظهوره في ظرفٍ نفسي خاص، وفي لحظةٍ تاريخية معيَّنة استُلَّت فيها السيوف، وكادت الفتنة أن تقع. فكان من الضروري إظهاره دون التحقق من صحته، بل كان من الممكن وضعه اتقاءً للفتنة ودفاعًا عن وحدة الجماعة؛ فالضرورات تُبيح المحظورات. لقد أُذيع الخبر من صاحب النبي وأكبرهم سنًّا وخليفته في الصلاة، سلطة معنوية تُعلن عن سلطةٍ نصية منعًا للنزاع وحقنًا للدماء كذريعة، حفاظًا على وحدة الأمة؛ فالغاية تُبرر الرواية. أثر العامل النفسي في الذاكرة درءًا للفتنة، واستعمالًا لحجة السلطة جريًا إلى السقيفة. الغاية العملية الضرورية هي التي فرضت نفسها على الأسس النظرية، والعمل يقين، في حين أن النظر ظن. وقد تم قبول الخبر للغاية نفسها، وحل مشكلة عملية حتى ولو كان الأساس النظري ظنيًّا. وقد يكون الظرف التاريخي كله وراء ذلك؛ فالقبَلية ما زالت حديثة العهد، والجاهلية ما زالت مُتبقية. كان الظرف إذن خلافًا بين قريش وغيرها، وحُسم الأمر لصالح قريش دون اعتراض أحد نظرًا لما تتمتع به من احترام في الجاهلية وسلطة في الإسلام. وأين قريش الآن؟ مَن مِن الحكام الآن يمكن أن يجد أصله في هذا النسب الطويل؟ وإذا كان الخلاف حول النسب قد وقع منذ ذلك الوقت، فكيف به الآن؟ وكل حاكم ينسب نفسه إلى قريش تثبيتًا للسلطة وطلبًا للطاعة، وكلهم إلى رسول الله مُنتسب! يستعمل الملوك والأمراء شرط النسب الآن كلٌّ منهم يُدعى أمير المؤمنين من سلالة السلف الصالحين ضد البيعة والاختيار.٤٣ وقد تضيق الحلقة أكثر فأكثر، ويتحول شرط القرشية من العام إلى الخاص، فيصبح الهاشمية أو الفاطمية أو الحُسينية تأكيدًا على أحد الأسباط. فإذا ما حدث صراعٌ سياسي تحوَّل الشرط إلى فرعٍ آخر، من العلوية إلى العباسية. وكلما ازدادت الرغبة في الاستئثار بالحكم ضاق النسب، ووُضعت روايات لتبرير النُّظم السياسية القائمة أو المُناوئة. وإذا كانت القربى من الرسول تعني البيت والتربية والتراث، فإن ذلك لا يعني بالضرورة العصب والدم. لا يوجد للرسول عصب، ولا منه إلى بنيه وراثة أو خلافة، لا في الدنيا ولا في الدين، لا في الملكية ولا في النبوة. فالأنبياء لا يورَّثون ولا يورِّثون، وما يتركونه صدقة للأمة. وحياة الرسول ليست خاصة به، إرثًا لولده من بعده، بل لعامة الناس جميعًا.٤٤ القرشية إذن ليست شرطًا للإمامة. وليس السبب في وجودها في غير القرشيين أن الإمام يسهل خلعه، فإن الخلع واجب، سواء كان قرشيًّا أم غير قرشي؛ لأن الخلع لا يقوم على العصب، بل لعصيان الشريعة. وإذا كانت الأمة قد أجمعت من قبلُ على أئمةٍ قرشيين، فإن هذا الإجماع لم يتم بسبب القرشية، بل لتوفُّر شروط الإمامة الواجبة فيهم، سواء كانوا قرشيين أم غير قرشيين، بل قد يكون غير القرشي أولى اتِّقاءً للفتنة، أو مراعاةً لمن هو أقل عشيرة، وحتى لا يشعر بالأقلية أمام أغلبية قرشية. إن شرط الإمامة هو العلم بالشريعة، وهو شرطٌ مثالي لا يتعلق بنسب أو عصب أو قرابة، وهو مبدأٌ عام لا يتغير تحت ضغط الظروف العملية.٤٥ ولا مجال لقياس الإمامة الكبرى على الإمامة الصغرى؛ فالأولى نيابة عن الأمة، في حين أن الثانية فرضٌ شرعي. شرط الأولى يمكن معرفته بالعقل، في حين أن شرط الثانية سمعيٌّ خالص يمكن فهمه بعد ذلك بالعقل. وليس كل من يستحق الصلاة في الإمامة الصغرى يستحق الخلافة في الإمامة الكبرى؛ فشرط الأول أن يكون أقرأ القوم دون بيعة وعقد، في حين أن شرط الثاني البيعة والعقد.٤٦

(٢-٢) الشروط العادية (الإسلام والحرية والذكورة والبلوغ)

تعني الشروط العادية الشروط التي جرت العادة على التسليم بها وتحقُّقها بالفعل في التاريخ، ويؤيدها استقراء الحوادث وصفات الأئمة في كل العصور، وعدم شيوع الاستثناء إلا في أقل الحالات. وهي بهذا المعنى شروطٌ ممكنة؛ أي يجوز أن تكون على خلاف ما هي عليه، ولكن الواقع هو الذي يضعها، والواقع أساس الوحي، ولكنها شروط ليست نظرية بمعنى لا تُعبر عن مبدأٍ نظري عام مثل الشروط الواجبة. ويأتي في مقدمتها شرط الإسلام؛ فالحكم شرعي، والإمامة تطبيق لأحكام الشريعة، وأهل الحل والعقد مسلمون، والبيعة تتم لواحد منهم؛ فهذا حكمٌ واقع وليس حكم مبدأ. وليس هناك مانعٌ نظري من أن يكون كتابيًّا عالمًا بالشريعة وحريصًا على الأمة وعلى مصالحها حرص المسلم تمامًا، مع توافر الشروط الضرورية فيه. ولكن الواقع شيء والمبدأ شيءٌ آخر، والضرورة العملية غير الضرورة النظرية. تأخذ الضرورة العملية أهواء الناس وانفعالاتهم وكل مُكونات الوجود الإنساني؛ لذلك يجوز أن يكون العمال والولاة من أهل الكتاب نظرًا للطبيعة العملية التنفيذية للمنصب. ويؤيد ذلك استقراء حوادث التاريخ.٤٧
أما الحرية فهي قضيةٌ تاريخية صرفة، وليست قضيةً نظرية. فليس هناك عبوديةٌ اليوم بعد انتهاء الرِّق من تاريخ البشرية. كل البشر أحرار بمعنى أنه لا يمتلكهم أحد. وإذا كانت هناك أمم أو أنظمة أو حكام من العبيد، فإن ذلك يكون مجازًا لا حقيقة؛ أي فقدان الاستقلال والوقوع في التبعية. فالحرية لا تعني الآن التحرر من الرق، فلا يوجد سوق نخاسة، ولكن هناك الرق السياسي، وهو تبعية الحاكم إلى معسكر أو نظام أو حلف أو الاستسلام للضغوط الخارجية.٤٨ وطالما قامت ثورات للعبيد يقودهم عبيد. فليس العبد مستحقَرًا لخدمة سيده يؤمر فيُعصى، ولكنه إذا كان ثائرًا على الظلم عاملًا على تحرير العبيد فهو حر. وطالما هناك أحرار لا يملكهم أحد، وهم عبيد المال والجاه والسلطان والغريب.
أما الذكورة، كون الإمام رجلًا، فقد جرت العادة بذلك باستقراء حوادث التاريخ، وقلما يوجد حاكم اختاره الناس بيعةً وعقدًا وكان امرأة. وهذا لا يمنع من وجود علماء وقُواد عظام من النساء. ربما أن البشرية كلها تمرُّ الآن بهذه المرحلة منذ آلاف أخرى من السنين، وليس السبب في ذلك أن النساء ناقصات عقل ودين، فقد يكون السبب في هذين الشرطين، الحرية والذكورة، القدرة على اتخاذ القرار المستقل؛ فطالما أن العبد مُطيع لسيده، والمرأة تحت إمرة زوجها، يصعب إيجاد استقلال للقرار السياسي. وما دامت الغاية، وهي استقلالية هذا القرار، قد تحقَّقت، فلا يهمُّ بأية وسيلة كانت.٤٩
أما البلوغ فلأن العقل شرط التكليف. ولما كانت الإمامة فرضًا شرعيًّا فإن العقل أو البلوغ شرط التكليف فيها؛ ومن ثَم لا تجوز إمامة صبي حتى ولو كان هناك أوصياء عليه. كما لا تجوز إمامة المجنون؛ لأنه فاقد للعقل شرط التكليف. وما دام الصبي أو المجنون لا يلي أمر نفسه، فكيف يكون واليًا على غيره؟٥٠ وتُذكَر هذه الشروط العادية الأربعة في العقائد المتأخرة معًا؛ مما يدل على وجودها في نوعٍ واحد، وتضم في العدل بعد أن يفقد معناه الاجتماعي. فيُفسَّر العدل تفسيرًا أخلاقيًّا؛ أي المسلم الحر الذكر العاقل البالغ، كما هو الحال في القضاء والشهادة، والمعنى الشامل لذلك عدم الفسق. وتكفي في العدالة الظاهرة دون الباطنة؛ فالإمامة ولايةٌ عامة تتعلق بمصالح الأمة وبظواهر الأفعال دون بواطنها.٥١

(٢-٣) الشروط الواجبة (العلم والعدل والتدبير)

والشروط الواجبة هي الشروط الضرورية عقلًا والتي لا يكون عليها خلاف، هي الشروط المبدئية التي لا تخضع لضرورة الواقع بقدر ما تُعبر عن ضرورة العقل نفسه، على عكس الشروط العادية التي تُعبر عن ضرورة الواقع لا عن ضرورة العقل. وأولها شرط العلم، فالعلم كمال العقل، والعقل أداة العلم. ولا يعني العلم الأمور الغيبية، أو العلم بجميع مسائل الدين، أو أن يكون الإمام أعلم أهل زمانه، بل المقصود بالعلم ما يتعلق بتدبير شئون الأمة؛ أي علم الفتيا والاجتهاد كما هو الحال في القضاء.٥٢ والعدل يتلو العلم في صفات الإمامة، فلا عدل عن جهل، ولا علم ينتهي إلى ظلم. والعدل صفةٌ ظاهرية تتعلق بمعاملات الناس، الحَيد عنها يؤدي إلى خلع الإمام أو إلى الثورة عليه.٥٣ أما الصفة الباطنية للعدل فهي الورع؛ أي العدل مع النفس. وقد يكون الورع صفةً مستقلة عن العدل، ولكنه في الحقيقة جانبه الباطني. وقد يُسمَّى الورع بأسماءٍ أخرى، مثل العفة والأمانة والثقة، ولكنها في الحقيقة كلها مظاهر للعدل، أو الأسس الباطنية التي يقوم عليها العدل أساسًا بردِّ الحقوق لأصحابها في الحياة وفي الأموال.٥٤ ويؤدي العدل في الظاهر والورع في الباطن إلى تطابق السلوك الشخصي للإمام مع مُقتضيات العدل والورع، فيكون مُؤديًا للفرائض مُجتنبًا جميع الكبائر مُستترًا بالصغائر. كما يتَّصف بصفات القائد والزعيم الذي يألف إليه الناس، فيأخذهم بالرقة والرفق دون عنف أو غلظة حتى لا ينفضُّوا من حوله. ويكون يقظًا عالمًا بمُجرَيات الأمور. ويكون صباح الوجه مُبتسمًا دون ابتذال حتى يُحبه الناس.٥٥ ولا يعيبه أن يكون فيه عيبٌ خلقي جسمي، أن يكون أعمى أو أصم أو أجذم أو أحدب أو مبتور اليدين والرجلين أو هرمًا ما دام يعقل، أو ينتابه الصرع ثم يُفيق، فكلهما أعراضٌ بشرية، والإمام بشر. الإمامة وظيفة، وما دامت قائمة فلا تهمُّ أوصاف الإمام التي لا تؤثر في الأداء.٥٦ أما الصفة الثالثة وهي التدبير، فإنها تتعلق بتجهيز الجيوش وسد الثغور وحماية الحدود دفاعًا عن البلاد وردًّا للاعتداء. وتتطلب شجاعة وإقدامًا في الحرب، وجرأة مراسًا فيها دونما لين أو هوادة أو صلح واستسلام وموالاة للأعداء بدعوى السلم أو طلبًا للسلام.٥٧ وكما يتعلق التدبير بالخارج يتعلق بالداخل كذلك؛ أي عدم التهاون في تنفيذ أحكام الشريعة، وإنصاف المظلوم، ورد الحقوق. فإذا ما أخذ الناس حقوقهم طالبهم الإمام بواجباتهم، طبق الحدود وقطع الرقاب. ومن التدبير أن يكون عالمًا بشئون الأمة وأحوالها، وألا يُولي في الأعمال الكبار العمال الصغار؛ حتى لا يطمعوا ويصبحوا عبيدًا للوظائف يسهل شراء ذِممهم حفاظًا على مناصبهم.٥٨

(٢-٤) هل تجوز إمامة المفضول مع وجود الأفضل؟

وهو نفس السؤال: هل يجب أن يكون الإمام أفضل الناس؟ ومسألة الأفضل والمفضول ليست مسألة صفات فردية يتمتع بها الإمام، ولكنها مسألة تُشير إلى بعض المواقف السياسية التي يتحتَّم فيها الاختيار بين قائدين، أحدهما يمثل الأقلية المثلى، والآخر يُمثل الأغلبية الأقل مثالية. وهو الموقف السياسي المعروف باسم الجذرية والوسطية، أو التشدد واللين، أو المبدئية والعملية، أو الحق النظري والإمكانية الواقعية. فالأفضل في هذه الحالة حقٌّ نظري؛ أي تمسُّك بالمبدأ، ورفض لجميع الحلول الوسطية أو المساومة على الحق. ويسهل إيجاد أخبار ظاهرة مُتواترة المعنى لتأييد ذلك. وإذا كانت الإمامة من أعظم الأمور فإنه لا يليها إلا الأفضل، وولاية المفضول في هذه الحالة قبحٌ عقلي. ويتفق ذلك مع إجماع الأمة في الصدر الأول على طلب الأفضل، فالإمامة لا تنعقد للمفضول مع وجود من هو أفضل منه. فإن عُقدت للمفضول كان أقرب إلى الملوك منه للأئمة.٥٩ وهي حال اختيار تاريخي وُجدت بالفعل في شخصٍ معيَّن كان أفضل الناس، وكان الأئمة أيضًا مُمثَّلين في الخلفاء الأربعة كذلك.٦٠ إمامة الأفضل إذن حقٌّ نظري وواقعٌ تاريخي في آنٍ واحد. ومع ذلك قد تجوز إمامة المفضول في حال التعارض بين الحق النظري والواقع العملي، وصعوبة تحويل الأول إلى الثاني. وفي هذه الحال يلزم رضاء الأفضل وقبوله عن طيب خاطر توليةَ المفضول. وقد يُستنَد في ذلك أيضًا إلى حججٍ عقلية وواقعية إن غابت الحجج النقلية؛ فالأفضل لا يُعرَف إلا بالظن في ظاهر أمره، ولا يمكن معرفته يقينًا في باطنه، ولا يمكن معرفته إلا بنص أو إجماع أو معجزة، وهو مستحيل الحدوث، وقد تفرَّق الفضلاء في البلاد بحيث لم يعد يحصرهم مكان أو يحدُّهم زمان، وإن اختلاف الناس وتباينهم في الفضل يجعل من الصعب إيجاد مقاييس لاختيار الأفضل بالرغم من وجود البعض منها، مثل الأزهد والأورع والأسوس والأشجع والأعلم، وهو في النهاية تكليف ما لا يُطاق. وإذا كانت الإمامة وظيفةً تشريعية عملية وليست نظرية، فيكفي المفضول إذا كانت له القدرة على الممارسة العملية وإن كان أقل علمًا. وإذا كان النبي أفضل الأمة، وكان لا بد للإمام أن يكون الأفضل، فإن الإمامة تستحيل بعده لعدم وجود من هو أفضل من النبي. وإذا ما وقع الإجماع على المفضول فهو الإمام؛ لأن الأمة لا تجتمع على خطأ.٦١ وهناك واقعٌ تاريخي آخر يؤيد ذلك ويُحقق إمامة المفضول مع وجود الأفضل، قد يكون السؤال نفسه واختيار المفضول أحد التبريرات النظرية له،٦٢ ولكن الحجة الأكثر حسمًا في ذلك هي حجة الواقع؛ أي تحقيق المصلحة ودرء المفسدة على مستوى وحدة الأمة. فلو كانت مبايعة الأفضل تؤدي إلى الفتنة والشقاق في وقتٍ قلَّ فيه الفضلاء وكثُر فيه الأقل فضلًا، فإنه في هذه الحالة تجوز مبايعة المفضول. هذا بالإضافة إلى أنه لا توجد حجةٌ نقلية أصلًا من كتاب أو سنة أو إجماع أو عقل أو قياس أو قول صاحب من أجل مبايعة الأفضل في كل الظروف والأحوال.٦٣ ويمكن وضع مقاييس للفضل حتى لا يُترَك اختيار الأفضل ومبايعة المفضول للتقدير الذاتي، بحيث يتدخل الهوى في الحكم؛ فقد يكون في الأفضل علة تُخرجه من كونه إمامًا، مثل نقصه لبعض الشرائط، وقد يكون فيه علةٌ بدنية أو نفسية تجعل المفضول أرجح منه. ولا يدخل عامل النسب، القرشية أو الهاشمية أو العلوية أو العباسية، عاملًا مُرجحًا للمفضول على الأفضل. وقد يكون الأول أكثر شهرة في الفضل وسلامة الحال، تسكن النفس إليه ويُحبه الناس. وقد يكون بعيدًا عن عهد الكفر لا تنفر منه النفوس. وقد يكون انقياد الناس له أكثر، وقبوله أعظم. الأفضل إذن ليس شرطًا على الإطلاق، بل هو شرط ترجيح يخضع للمرجِّحات التي تكون في المفضول أقوى. وقد يكون في لحظة العقد عارضٌ يقتضي تقديم المفضول على الأفضل، مثل كونه في البلد الذي مات فيه الإمام مع غياب الأفضل في بلدٍ بعيد.٦٤ ومع ذلك فإن جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل هو بداية السقوط في التاريخ، وبداية التخلِّي عن المثال من أجل الواقع، وهو تنازل لا يمكن التنبؤ بنهايته ومداه.
١  طريق العلم بتعيين الإمام النص دون الاختيار؛ لأن الإمام يجب أن يكون على صفاتٍ مخصوصة، منها العصمة … ولا مجال إلى الاجتهاد وغلبات الظنون في معرفتها ومعرفة مقاديرها، بل لا يُعلَم ذلك إلا بالنص من الرسول مستندًا إلى وحي من الله. قيل: صفات الإمامة يجوز أن يُستدل عليها بالأمارات والأقوال مثل العلم والفضل، وحسن الأفعال تدل على العفة، والمهارة في الحرب تدل على السياسة والشجاعة، فكما يُستدل بالأفعال على الشهادة والقضاء كذلك يُستدل على الصفات التي تشترك في الأئمة. وإن ظهر بعد ذلك جهل أو جور أو ضلال أو كفر، انخلع منها أو خلعناه، وما يُنقَل عن الأموية فهو صحيح، إلا أنه لا يُنافي الإمامة عندهم وعند من يجوِّز ذلك (النهاية، ص٤٩٥-٤٩٦). ليس الاختيار لعقد الإمامة جائزًا على التشهي والإيثار، بل ولا بد أن يكون للمعقود صفات وخصوصيات (الغاية، ص٣٨٣). قيل: لا يشترط هذه الصفات لأنها لا توجد، فيكون اشتراطها عبثًا أو تكليفًا بما لا يُطاق، ومُستلزمًا للمفاسد التي يمكن دفعها بنصب فاقدها (المواقف، ص٣٩٨). بعد الأئمة المستورين ظهور المهدي القائم بأمر الله وأولادهم نصًّا بعد نص على إمام بعد إمام (المِلل، ج٢، ص١٤٥).
٢  عند السبئية، علي لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة، فيملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا (مقالات، ج١، ص٨٥). وقال ابن سبأ: لو جئتمونا بدمائه في صُرة لم نُصدق موته حتى ينزل من السماء ويملك الأرض بحذافيرها. وعودته للانتقام من أعدائه. فالمقتول برأيهم لم يكن عليًّا، بل شيطان تصوره الناس في صورة علي (الفرق، ص٢٣٤). لو أتيتم بدمائه في سبعين قارورة لم نُصدق بموته (التنبيه، ص٢٨؛ الفصل، ج٥، ص٢٠). ويقول بشار بن برد برجعة علي إلى الدنيا يوم القيامة (الفرق، ص٥٤). وعند المنصورية، علي لم يمت، بل مبعوث قبل يوم القيامة، فيرجع هو وأصحابه أجمعون إلى الدنيا بعد الموت قبل القيامة، ويرون قتل الناس بالحق (التنبيه، ص١٥٩). عند الجارودية (الزيدية الرافضة)، محمد بن عبد الله بن الحسن لم يمت، وأنه يخرج ويغلب. مثل المحمدية (الفصل، ج٥، ص٢٠؛ الفرق، ص٣١-٣٢). وتزعم فرقةٌ أخرى من الجارودية أنه هو يحيى بن عمر صاحب الكوفة (الفصل، ج٥، ص٢٠؛ الفرق، ص٣١-٣٢). وافترقت الرزامية والأبو مسلمية في أمر أبي مسلم. قُتل عند الرزامية، وهو لم يمت عند الأبي مسلمية (مقالات، ج١، ص٩٤). حي لم يمت، وسيظهر (الفصل، ج٥، ص٢٠). إن الذي قتله المنصور شيطان في صورة أبي مسلم (الفرق، ص٢٥٧؛ المواقف، ص٤٢١). وعند الحربية (الكيسانية الرافضة)، عبد الله بن معاوية حي بجبال أصفهان لم يمت، ولن يموت حتى يقود بنواصي الخيال إلى رجال من بني هاشم. لا يموت حتى يلي أمور الناس، وهو المهدي الذي بشَّر به النبي (مقالات، ج١، ص٩٥). وعند الناوسية لم يمت جعفر بن محمد حتى يظهر أمره، وهو القائم المهدي (مقالات، ج١، ص٩٧)، وأن الذي كان يتبدى للناس صورته (الفرق، ص٦١؛ الفصل، ج٥، ص٢٠؛ ج٢، ص١١٢؛ المِلل، ج٢، ص١٠٣). قال: لو رأيتم رأسي قد صعدت عليكم من الجبل فلا تُصدقوا، وإني صاحبكم صاحب السيف. لم يمت وإن أولياءه يرونه في بعض الأوقات، وإنه بعدهم سيرجع إلى الدنيا فيملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا (المحصل، ص١٧٧). وعند الحلَّاجية، الحلَّاج لم يُقتَل، قُتل من يُشبهه (الفرق، ص٢٦٣). وقيل مثل ذلك في الخضر وإلياس، وإن البعض يلقاهما في الفلوات، والخضر في المروج والرياض (الفصل، ج٥، ص٢١). وعند الإسماعيلية، إسماعيل بن جعفر لم يمت، ولا يموت حتى يملك. أخبره أبوه أنه وصيُّه والإمام من بعده. مات الأب ولم يمت الابن (مقالات، ج١، ص٩٨؛ المِلل، ج٢، ص١٠٦؛ الفصل، ج٥، ص٢٠). وعند القرامطة، محمد بن إسماعيل لم يمت (الفرق، ص٦٣). كان إسماعيل مجرد واسطة لمحمد، لا يموت حتى يمتلك الأرض، وهو المهدي الذي تقدَّمت البشارة به، سابع الأئمة (مقالات، ج١، ص٩٨؛ الفرق، ص٦٤). وعند الموسوية، موسى بن جعفر حي لم يمت، وهو المهدي المنتظر، دخل دار الرشيد ولم يخرج منها (الفرق، ص٦٣). وعند الممطورية لم يمت، بل هو غائب (اعتقادات، ص٥٤). لا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا (الفصل، ج٥، ص٢٠). لا يموت إلا في الوقت المعلوم (المحصل، ص١٧٧). وعند الواقفة، موسى بن جعفر لم يمت، ولا يموت حتى يملك الأرض شرقها وغربها، وحتى يملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا (مقالات، ج١، ص١٠٠؛ ج٢، ص١٠٦). البزيغية لا يموتون، والواحد منهم إذا بلغ النهاية في دينه رُفع إلى الملكوت، وزعموا أنهم يرون المرفوعين منهم غدوةً وعشية (الفرق، ص٢٤٨).
٣  عند المختارية أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي، الإمام محمد ابن الحنفية والمختار نائب محمد دعا الخلق إلى الضلالة، وأراد محمد أن يمنعه فصعد المختار إلى المنبر وقال: يا قوم! قد ذُكر أن إمامكم قد قصد نحوكم، ومن أمارات الإمام ألا يؤثر فيه السيف، فإذا أتى فجرِّبوا هذا. فهرب محمد (اعتقادات، ص٦٢). واعتبر أصحاب المغيرة بكرًا الأعور الهجري القتات حيًّا لا يموت. وهو الذي ادَّعى الإمامة بعد جابر الجعفي الذي ادَّعى الإمامة بعد المغيرة. وانتهى بأكل أموال الجماعة فلعنوه (مقالات، ج١، ص٧٣؛ الفرق، ص٢٤٢). وكان عبد الله بن معاوية، وهو عند أصحابه المهدي الذي بشَّر به النبي، رديء الدين معطلًا مستصحبًا الدهرية (الفصل، ج٥، ص٢٠-٢١). وقالت الحميرية بتكذيب الذين قالوا منهم إنهم لا يموتون، وقالوا إنَّا نموت، ولكن لا يزال خلق مِنا في الأرض أئمةً أنبياء (الفرق، ص٢٤٩). وهو ما حدث أيضًا بعد موت عبد الله بن الحسن (الفرق، ص٥٧–٥٩).
٤  عند السبئية، عليٌّ لم يمت، بل في السحاب. إذا مرَّت سحابةٌ بيضاء صافية مُنيرة مبرقة رعدة، قاموا إليها يبتهلون ويتضرعون، ويقولون قد مر بنا علي في السحاب. والسحاب عمامة كما قال الرسول. فقد قيل علي في السحاب (التنبيه، ص١٨–٢٠). لم يمت علي وإنه في السموات، الرعد صوته، والبرق سوطه. ينزل إلى الأرض بعد حين فيقتل أعداءه. فإذا سمعوا صوت الرعد يقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين (المحصل، ص١٧٧؛ المواقف ص٤١٩). وعند السبئية أيضًا، محمد بن علي حي في جبال رضوى لم يمت، يحرسه على باب الغار الذي هو فيه تنين وأسد (التنبيه، ص١٩). وعند الكربية (الكيسانية الرافضة) أصحاب أبي بكر العزيز، محمد ابن الحنفية حي بجبال رضوى، عنده عين من الماء وعين من العسل، يأخذ منها رزقه، أسد عن يمينه ونمر عن شماله يحفظانه من أعدائه، يأتيه رزقه غدوة وعشية إلى وقت خروجه، وهو المهدي المنتظر. وقد صبر على هذه الحال التي غُيب فيها الخلق لأن لله فيه تدبيرًا لا يعلمه غيره (الفرق، ص٢٣، ص٣٨–٤١؛ مقالات، ج١، ص٩٠؛ المِلل، ج٢، ص٧٤). وكان السيد حمير الشاعر على هذا الرأي (اعتقادات، ص٦٢؛ الفصل، ج٤، ص١٢). النمر عنده عينان نضاحتان يجريان بماء وعسل، عُوقب بالحبس لخروجه إلى عبد الملك بن مروان وبيعته له (مقالات، ج١، ص٩٢؛ الفرق، ص٢٣). وهو حي إلى أن يؤذن له بالخروج. هناك خلاف في سبب حبسه: (أ) سر لا يعلمه إلا الله. (ب) عقابًا لخروجه بعد قتل الحسين إلى يزيد طالبًا الأمان. (ﺟ) عصى الله لعدم مقاتلته ابن الزبير. (د) ذنوب أخرى (الفرق، ص٥٢-٥٣).
٥  انهزم رئيس الخلفية (الخوارج) مسعد بن قيس، وعبر في هزيمته واديًا غرق فيه، وشك أتباعه في موته، وهم ينتظرونه اليوم (هزمه حمزة الخارجي) (الفرق، ص٩٩).
٦  عند المنصورية صارت الإمامة لمحمد بن علي بن الحسن. عرج إلى السماء، ومسح الله رأسه بيده، وقال: يا بني، اذهب فبلِّغْ عني. وهو الكسف (المواقف، ص٤٣٠). والنطقاء بالشرائع، أي الرسل، سبعة؛ آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ومحمد المهدي. ويعين كل منهم سبعة أئمة يُتممون شريعته. ولا بد في كل عصر من سبعة يقتدى بهم؛ إمام يؤدي عن الله، وحجة يؤدي عنه، وذو مص يمص العلم، وأكبر يرفع درجات المؤمنين، ومأذون يأخذ العهود على الطالبين، ومكلب يحتج ويرغب إلى الداعي ككلب الصائد، ومؤمن يتبعه. السموات والأرض وأيام الأسبوع والكواكب السيارة كلها سبعة (المواقف، ص٤٢١-٤٢٢). وادَّعى أحمد بن كيال الإمامة، وأنه القائم. كل من قدر الآفاق على الأنفس، وأمكنه أن يُبين مناهج العالمين، أي عالم الآفاق، وهو العالم العلوي؛ وعالم الأنفس، وهو العالم السفلي، كان الإمام. وإن من قرَّر الكل في ذاته، وأمكنه أن يُبين كل كلي في شخصه العيني الجزئي، كان هو القائم. ولم يوجد في الزمان أحد لذلك إلا هو (المِلل، ج٢، ص١٢٧-١٢٨). وعند المغيرية (الرافضة)، المهدي هو محمد بن عبد الله بن الحسن، حي مُقيم بجبال رضوى ناحية الحجاز من ناحية نجد إلى أوان خروجه (مقالات، ج١، ص٩٦). بايعه جبريل وميكائيل بين الركن والمقام، يُحْيي له سبعة عشر رجلًا، يُعطي كل رجل منهم حرفًا من الاسم الأعظم، فيهزمون الجيوش ويملكون الأرض. فلما خرج وقُتل ادَّعى البعض أن الخارج لم يكن محمدًا، بل شيطان تمثَّل في صورته، وأن محمدًا سيخرج ويملك (مقالات، ج١، ص٧٣، ص٩٦؛ الفرق، ص٥٧–٥٩، ص٢٤١-٢٤٢؛ المِلل، ج٢، ص١٢٠–١٢٢).
٧  عند السبئية، المهدي المنتظر هو علي دون غيره (الفرق، ص٢٣٤). مات علي، ولكن يُبعَث يوم القيامة ومعه أهل القبور حتى يُقاتل الدجال، ويُقيم العدل والقسط في العباد والبلاد (التنبيه، ص١٨-١٩). سينزل على الأرض فيملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا. وهي أول فرقة قالت بالتوقف والغيبة والرجعة والتناسخ (المِلل، ج٢، ص١١٧). وعند السبئية، محمد بن علي هو صاحب الزمن، يخرج ويقتل الدجال، ويهدي الناس من الضلالة، ويُصلح الأرض بعد فسادها (التنبيه، ص١٩). وزعم المغيرة أن الأرض تنشقُّ عن الموتى فيرجعون إلى الدنيا (مقالات، ج١، ص٨٣). ويقول معظم أئمة الشيعة بالرجعة (الانتصار، ص١٠٣-١٠٤). وعند الشيعة، الرجعة لا تنقص توحيدًا ولا عدلًا، ولا تستحيل في القدرة، ولا يفسد فعلها في الحكمة، ولا تبطل عقلًا ولا تبطل إلا بالسمع. الإيمان بالرجعة إلى الدنيا قبل القيامة (الانتصار، ص١٣٠-١٣١، ص١٥٦).
٨  ذلك عند الشيعة تعبيرًا عن حيرتهم بين خلود الأئمة وموتهم؛ لأن الكتاب والسنة وقع فيهما تحريف وتبديل، ولا تُعرَف منهما شريعة، ولا بد من المعصوم الإمام. وهم في التيه الآن (الأصول، ص٣٧٣-٣٧٤).
٩  فصار هؤلاء في سبيل اليهود القائلين بأن ملكصدق بن عامر بن أرفخشذ بن سام بن نوح، والعبد الذي وجَّهه إبراهيم ليخطب ربقة بنت نبؤال بن ناضور بن تارخ على إسحاق ابنه إلياس فنخاس بن العازار بن فاره أحياء إلى اليوم (الفصل، ج٥، ص٢١).
١٠  مالت الباطنية إلى دين المجوس، وظهرت مودة المجوس لهم، يظنون أن المُلك إليهم لرواية المجوس عن زرادشت لكشتاسف: «يزول الملك عن الفرس إلى الروم واليونانية، ثم يعود إلى الفرس، ثم يزول عن الفرس إلى العرب، ثم يعود إلى الفرس.» وساعده جاماسب المنجم؛ فالملك يعود إلى العجم لتمام ألف وخمسمائة سنة من وقت ظهور زرادشت (الفرق، ص٢٨). ويتعصب أبو عبد الله المنجم من الباطنيين للمجوس، وصنَّف كتابًا ذكر فيه أن القرن الثامن عشر مولد محمد يُوافق الألف العاشر، وهي نوبة المشتري والقوس. عند ذلك يخرج إنسان يُعيد الدولة المجوسية، ويستولي على الأرض كلها، يملك مدة سبع قرانات. وقد تحقَّق حكم زرادشت وجاماسب في زوال ملك العجم إلى الروم واليونانية أيام الإسكندر، ثم عاد إليهم بعد ثلاثمائة سنة، ثم زوال إلى العرب، وسيعود لتمام المدة التي ذكرها جاماسب أيام المكتفي والمقتدر. فلم يرجع ملكهم. وكانت القرامطة تدَّعي ظهور المنتظر في القرن السابع في الثلث الثانية (الفرق، ص٢٨٦-٢٨٧). وعند الباطنية، الإمامة في المستورين ثم في الظاهرين (المِلل، ج٢، ص١٠٧). والأصل في أكثر خروج هذه الطوائف من ديانة الإسلام أن الفرس كانوا من سنة الملك وعلى اليد على جميع الأمم وجلاله الخطير في أنفسهم، حتى إنهم كانوا يُسمون أنفسهم الأمراء والأبناء، وكانوا يعدُّون سائر الناس عبيدًا لهم، وامتُحنوا بزوال الدولة منهم على أيدي العرب، وكانت العرب أقل الأمم عند الفرس خطرًا. تَعاظَمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقاتٍ شتى؛ ففي كل ذلك يُظهر الله الحق، وكان من قائميهم ستقادة وأستاسيس والمقنع وبابك وغيرهم وعمار الملقب بخداش وأبو مسلم الراج، رأوا أن كيده على الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة آل البيت، واستشناع ظلم علي، ثم سلكوا بهم مسالك حتى أخرجوهم من الإسلام، وأدخلوهم إلى القول بأن رجلًا يُنتظَر يُدعى المهدي عنده حقيقة الدين؛ لأنه لا يجوز أخذ الدين من الكفار؛ أي صحابة الرسول (الفصل، ج٢، ص١٠٨-١٠٩).
١١  تقول معظم فِرق الشيعة بالغيبة والانتظار. تنتظر المحمدية محمد بن عبد الله بن الحسن (الفرق، ص٣١-٣٢، ص٥٧–٥٩، ص٢٤١-٢٤٢). وعند أخرى، الإمام المنتظر هو زكريا بن محمد بن الحسين، وهو حي في جبل حاجر (المواقف، ص٤١٩). وعند فرقة ثالثة (الكيسانية)، علي بن الحسن لم يُعقِب، وهلك، وتنتظر رجعة محمد ابن الحنفية ليملك. فهم اليوم في التيه لا إمام لهم (مقالات، ج١، ص٩٢). وعند الباقرية محمد بن الباقر لم يمت، ولكنه غائب (اعتقادات، ص٥٣؛ المحصل، ص٧٧). وعند الناوسية (الرافضة) أصحاب ناووس، جعفر بن محمد هو المهدي (مقالات، ج١، ص٩٦-٩٧). لم يمت حتى يظهر أمره، وهو القائم، وأن الذي كان يتبدى للناس صورته (الفرق، ص٦١؛ الفصل، ج٥، ص٢٠؛ ج٤، ص١١٢؛ المِلل، ج٢، ص١٠٣). غاب ولم يمت، وأن أولياءه يرونه في بعض الأوقات، وأنه بعدهم سيرجع إلى الدنيا (المحصل، ص١٧٧). وعند القطعية، الإمام محمد بن الحسن بن علي الإمام الثاني عشر الغائب المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلئت جورًا وظلمًا (مقالات، ج١، ص٨٩). أما أصحاب الانتظار فالإمام لديهم محمد بن الحسن العسكري، غائب سيحضر (اعتقادات، ص٥٥-٥٦؛ المحصل، ص١٨١). الحسن لم يمت، وهو القائم، ولا يجوز أن يموت، ولا وُلد له ظاهرًا؛ لأن الأرض لا تخلو من إمام. وقد يثبت أن القائم له غيبتان، وهذه إحدى الغيبتين. وسيظهر ويُعرَف، ثم يغيب غيبةً أخرى. علي المتقي هو المنتظر، مات ثم سيجيء. الأرض لا تخلو من حجة، وهو الخلف الغائب (المِلل، ج٢، ص١٠٦–١١٤).
١٢  تُحاول الشيعة إثبات العقيدة بالقرآن والحديث والإجماع، مثل: رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ، مع أن ذلك يعني خلق آدم ثم إحياءه ثم إماتته ثم إحياءه يوم القيامة. ومثل: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وهذا ليس رجعة بل قدرة الله. ومثل الإجماع على إحياء عيسى الموتى. وهذه أيضًا تشير إلى قدرة الله. وهناك أخبارٌ أخرى يُنكرها الأمويون لأنها موجَّهة ضد نظامهم السياسي. وتُنكر الخوارج والمرجئة والمعتزلة والحشوية والزيدية والجارودية هذه الأخبار وعقيدة المهدية (الانتصار، ص١٣٠-١٣١). وقد رفض الخياط القول بالرجعة، واعتبر النظَّام أحد القائلين بها (الانتصار، ص١٣٢-١٣٣).
١٣  في الدين اليوناني تنتظر بنولوب عودة أوليس، وفي الديانات الأفريقية والآسيوية حاليًّا، وفي أمريكا اللاتينية تظهر العقيدة وراء كثير من حركات التحرر المعاصرة. ويُقال ذلك على كل زعيم بما في ذلك هتلر بعد هزيمة النازية.
١٤  تقول الشيعة بوجوب عصمة الأئمة في الجملة، ولكنهم يتناقضون في التفاصيل لأنهم ثلاث فِرق؛ زيدية وإمامية وغلاة. (أ) الزيدية (الجارودية)، علي والحسن والحسين أئمةٌ معصومون من الخطأ والمعصية. وعند البترية (الزيدية)، إمامة عثمان ست سنين فقط كان فيها معصومًا. أما السليمانية (الزيدية) فتُكفر عثمان بعد الأحداث، ويخرج من العصمة. (ب) الإمامية، وكلها تدَّعي عصمة الإمام. الكاملية منها تُكفر عليًّا بقعوده عن قتال أبي بكر وعمر. والكيسانية ترى أن الإمام محبوس في جبل رضوى عقابًا. (ﺟ) الغلاة تقول بالعصمة كقولها بالتشبيه وبألوهية الأئمة. وعصمة الأئمة توجب عصمة خلفائه وأعوانه؛ وبالتالي يستغنون عن الإمام المعصوم (الأصول، ص٢٧٧–٢٧٩). وتزعم الإمامية أن الأئمة اثنا عشر، وأن المعصومين أربعة عشر (الرسول، وفاطمة، وخديجة). عند الرافضة، علي مُصيب في جميع أحواله، لم يُخطئ في شيء من أمور الدين، ولكن أكفرت الكاملية بترك الاقتداء به، وأكفروا عليًّا بترك الطلب (مقالات، ج١، ص٨٨، ص٢٨).
١٥  عند جمهور الرافضة لا بد من إمامٍ معصوم مأمون الظاهر والباطن ليأمنوا من تغيير الدين وتضييع السنن، وأن يحفظ عليهم دينهم (الانتصار، ص١٣٦). وعند جمهور الشيعة والاثني عشرية، وجوب العصمة شرط لصحة الإمامة (المعالم، ص١٥٧-١٥٨). وعند سليمان بن جرير (الزيدية الإمامية)، علي لا يضل، ولا تقوم عليه شهادةٌ عادلة بضلالة، ولا يجب على العامة علم ذلك، بل عن طريق الروايات الصحيحة (مقالات، ج١، ص١٣٦). وعند هشام بن الحكم لا يجوز على عليٍّ السهو ولا الغفلة ولا العجز، وأنه معصوم. والرسول يجوز أن يعصي لأن الوحي يُصحح (المِلل، ج٢، ص١٣٥). وعند البعض الآخر لا يجوز على الرسول ولا على الأئمة العصيان لأنهم معصومون من الزلل، من الكبائر يرجون لهم ذلك (مقالات، ج١، ص١٢٨). وعند الغلاة تظهر المعجزة على يد الإمام؛ إذ بها يُعلَم صِدقه في دعوى الإمامة والعصمة (الأصول، ص٢٧٧). وربما يجعلونه ليس فقط معصومًا، بل صاحب معجزة (الإمامة، ص١١١–١١٥؛ الشرح، ص١٤-١٥).
١٦  العصمة من ضِمن الشروط التي عليها خلاف. شرطتها الإمامية والإسماعيلية، ولهم حجتان: (أ) الإمام للتعليم. (ب) افتقار الرعية لفعل الإمام لجواز فعل القبيح عليهم. فلو لم يكن الإمام معصومًا للزم احتياجه إلى إمامٍ آخر إلى ما لا نهاية أو الوقوع في الدَّور (المعالم، ص١٥٧-١٥٨؛ المواقف، ص٣٩٩). وحجة الإمامية أنه لا بد من أن يكون إمامٌ معصوم عنده جميع علم الشريعة، ترجع الناس إليه في أحكام الدين ليكونوا مما تعبَّدوا به على يقين. وهذا هو الرسول ببراهينه الواضحة وأعلامه المعجزة وآياته الباهرة. وقد طلب عليٌّ التحاكم إلى القرآن (الفصل، ج٤، ص١١٣-١١٤). حجتان: (أ) وجه الحاجة إليه المعارف الإلهية، وهو مذهب أصحاب التعليم أو تعليم الواجبات العقلية وتقريب الخلق إلى الطاعات، وهو مذهب الاثني عشرية. (ب) احتياج الإمام إلى إمام، والثاني إلى إمام، فلا بد من الوصول إلى إمامٍ معصوم (الطوالع، ص٢٣٠). ومن الحجج النقلية: لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، وغير المعصوم ظالم، مع أن ليس غير الظالم بالضرورة معصومًا (المواقف، ص٢٩٩). حجتان: (أ) إمكان صدور القبيح عن الخلق مُحوِج إلى الإمام المعصوم، وإلا تسلسل الأمر إلى ما لا نهاية. (ب) للإجماع حجة؛ لأنه يكشف عن الحاجة إلى المعصوم. إن حجية الاجتماع لا تتوقف على الرسول، بل على المعصوم. علي بن أبي طالب معصوم (المحصل، ص١٨١-١٨٢).
١٧  عند أهل السنة ليس من شرط الإمام العصمة من الذنوب كلها خلافًا للإمامية بضرورة كونه معصومًا من الذنوب كلها (الفرق، ٣٤٩-٣٥٠). ولا يُشترط أن يكون معصومًا (النسفية، ص١٤٤؛ التفتازاني، ص١٤٤-١٤٥؛ الخيالي، ص١٤٤-١٤٥؛ الإسفراييني، ص١٤٤-١٤٥). ليس من صفاته العصمة (التمهيد، ص١٨٢؛ الغاية، ص٣٨–٣٨٥). قال الأصحاب: العصمة من شروط النبوة والرسالة، وليست من شروط الإمامة (الأصول، ص٢٧٧–٢٧٩). لا يُشترط فيهم العصمة خلافًا للإسماعيلية والاثني عشرية، فقد أجمعت إمامة أبي بكر والأمة على كونه غير واجب العصمة (الطوالع، ص٢٣٠). دليلان على أنه غير معصوم: (أ) يُنصب الإمام لإقامة الأحكام، وقد تقدَّم علم الأمة بها، وهو نائب عن الأمة فيها يجوز خلعه؛ وبالتالي فهو غير معصوم مثل عماله وامرأته وقضاته وجباة خراجه وأصحاب مسائله وحرسه. (ب) اعتراف الخلفاء الراشدين بأنهم غير معصومين، يجتهدون ويطلبون الروايات مثل التحكيم وبيعة السبي وقسمة المال وتولية العمال (التمهيد، ص١٨٤-١٨٥). لو وجبت العصمة في الإمام لوجب اشتراطها في القضاة والولاة. والخلفاء الراشدون أئمة ليست لهم العصمة، بل يُناقشون الرأي ويقعون في الخطأ (الغاية، ص٣٨٤-٣٨٥؛ النهاية، ص٤٩٥-٤٩٦). لا تعني العصمة إلا الصدق في جميع الأقوال (النهاية، ص٤٨٥). العصمة هي مجرد عدم الفسق والعدالة، فالفاسق لا يصلح لأمر الدين (الخيالي، ص١٤٥-١٤٦؛ الإسفراييني، ص١٤٥).
١٨  اختلفوا في التقية؛ فعند الروافض جائزٌ أن يُظهر الإمام الكفر والرضا به والفسق على طريق التقية، وجوَّزوا ذلك على الرسول؛ وعند البعض لا يجوز (مقالات، ج٢، ص١٤٤-١٤٥). أجمعت الروافض أنه يجوز للإمام في حال التقية أن يقول إنه ليس بإمام (مقالات، ج١، ص٨٧). فأباحوا الكذب له، وهم يدَّعون العصمة (الفرق، ص٣٤٩-٣٥٠). القول بالتولِّي والتبرِّي قولًا وفعلًا وعقدًا لا في حال التقية، ويُخالفهم بعض الزيدية (المِلل، ج٢، ص٦٩). وعند هشام بن الحكم ليس لله حجة على خلقه في الدين والشريعة في كتاب ولا سنة ولا إجماع، إلا من قِبل الإمام الذي اختصَّه الله لدينه على كتمان وتقية وإخفاء، لا يتكلم لله بحق ولا يقوم لله بحجة مخافةً على نفسه أن يُقتَل، وخشيةً على الإسلام أن يُنتهَك (التنبيه، ص٢٦). وقد رضي علي بالصحابة تقيةً خوفًا من القتل، وخوفًا على الأمة من أن تقع في الاختلاف. أظهر ذلك خفية في معاني كلامه حتى لا يفهمه الناس (التنبيه، ص٣١). وعند الاثني عشرية كان الحسن يتستر خوفًا من جعفر وغيره من الأعداء (المِلل، ج٢، ص١١١). وعند الإسماعيلية، إسماعيل بن جعفر لم يمت، ولكنه أظهر موته تقيةً حتى لا يُقصَد بالقتل (المِلل، ج٢، ص١٤٤-١٤٥).
١٩  من اختلافات الاثني عشرية بعد موت الحسن أنه لا إمام بعد الحسن. وجائز في العقول أن يرفع الله الحجة عن أهل الأرض لمعاصيهم، وهي فترة وزمان لا إمام فيه، والأرض اليوم بلا حجة كما كانت الفترة قبل بعث النبي. وقد تكون هناك حجة؛ فالأرض لا تخلو من حجة، وهو الغائب الحاضر (المِلل، ج٢، ص١١٠–١١٣). وعند الكيالية أتباع أحمد بن الكيالي، من دعاة البيت بعد جعفر بن محمد الصادق من الأئمة المستورين (المِلل، ج٢، ص١٢٧). وعند الإسماعيلية دون السبعة ابتداءً من الأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد. ولن تخلو الأرض من إمامٍ حي قاهر، إما ظاهر مكشوف وإما باطن مستور. إذا كان الإمام ظاهرًا فحجته مستورة، وإذا كان الإمام مستورًا فحجته ودعاته ظاهرون (المِلل، ج٢، ص١٤٤-١٤٥). وفرَّق بين قول الشيعة لا تخلو الأرض في كل عصر من رجلٍ معصوم لا يُخطئ ولا يزال، وقول المعتزلة مثل أبي الهذيل وهشام الفوطي إن الأمة لا تخلو من أبرارٍ صالحين للرواية والتصديق (الانتصار، ص١٦١–١٦٣).
٢٠  عند الخوارج، التقية بمعنًى آخر. فعند النجدات (رواية الكعبي)، التقية جائزة في القول والعمل كله، وإن كان حتى في قتل النفس (المِلل، ج٢، ص٣٧). والقعود عن الجهاد جائز إذا أمكنه أفضل (المِلل، ج٢، ص٣٨). وعند الصفرية، التقية جائزة في القول دون العمل (المِلل، ج٢، ص٥٦؛ اعتقادات، ص٥١؛ المواقف، ص٤٢٤). وتزوج المؤمنة من الكافر في دار التقية دون العلانية (المواقف، ص٤٢٤).
٢١  أما الأزارقة فقد برئت من أهل التقية (مقالات، ج١، ص١٦٢). وهي غير جائزة لا في القول ولا في العمل (المِلل ج٢، ص٣٣). قال نافع: التقية لا تحل، والقعود عن القتال كفر (المِلل، ج٢، ص٣٨). أصحاب النبي حين كانوا مقهورين جائز، وأما في غيرهم مع الإمكان فالقعود كفر (المِلل، ج٢، ص٣٨-٣٩). تُحرم الخوارج التقية (المواقف، ص٤٢٤). كما يعترض أهل السنة بأن عليًّا حارب ولم يكن تقيًّا. ولا يُقاس على جواز اختفاء النبي في الغار (المحصل، ص١٨١-١٨٢). ينبغي أن يكون الإمام ظاهرًا لا مُختفيًا (النسفية، ص١٤٣) لتحصل به المصالح (التفتازاني، ص١٤٣-١٤٤؛ الإسفراييني، ص١٤٣-١٤٤). كما طعن سليمان بن جرير في الرافضة لقولهم بالتقية، فكلما قيل لهم «هذا باطل»، قالوا: هذه تقية قولًا وفعلًا (المِلل، ج٢، ص٩٠).
٢٢  كان يمكن أن يدخل هذا الجزء في «نظرية العلم» في المقدمات النظرية الأولى، ولكننا آثرنا إدخاله في «الإمامة» لتعلُّقه بها على وجهٍ خاص.
٢٣  يخلق الله في الإمام كل العلوم أصولًا وفروعًا، وإن كان صغيرًا مثل عيسى. إذا سُئلوا عن الجنة قالوا الإلهام، ومن خالف ليس رشيدًا (الفصل، ج٥، ص٤٤). وعند البعض الآخر لا يجوز أن يكون إمامًا في الصلوات أو مُفتيًا، ويُستحسن انتظاره إلى سن البلوغ (المحصل، ص١٧٨-١٧٩). أخذ كيسان مولى علي علم التأويل والباطن والآفاق والأنفس عن محمد ابن الحنفية، فرفضوا الشرائع، وأنكروا القيامة، وقالوا بالحلول والتناسخ (المحصل، ص١٧٨). وإنما عنى بالحق هنا الاحتياج، وبالحق المحتاج إليه. بالاحتياج عرفنا الإمام، وبالإمام عرفنا مقادير الاحتياج (المِلل، ص١٥٥). وهذه الطريقة التي عرفنا المُحق بالحق معرفةً جملة، ثم نعرف بعد ذلك الحق بالمُحق معرفةً مفصَّلة حتى لا يلزم دوران (المسائل، المِلل، ج٢، ص١٥٤-١٥٥). الباطنية لزمهم هذا القلب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنًا، ولكل تنزيل تأويلًا (المِلل، ج٢، ص١٤٦).
٢٤  كان أبو مسلم كيسانيًّا. اقتبس ما عادتهم العلوم المستودعة في أهل البيت (المحصل، ص١٧٩). والكيسانية أصحاب كيسان مولى علي، وقيل تلميذ لمحمد ابن الحنفية، يعتقدون فيه اعتقادًا بالغًا من إحاطته بالعلوم كلها، واقتباسه من السيدين الأسرار بجملتها من علم التأويل والباطن وعلم الآفاق والأنفس (المِلل، ج٢، ص٦٩). وعند القرامطة الديلم، الأنبياء الأئمة بخلاف طبائع الناس يعلمون الغيب، ويقدرون كل شيء، ولا يُعجزهم شيء، ويقهرون ولا يُقهرون، ويعلمون ولا يُعلمون، ولهم علامات ومعجزات وأمارات ومقدمات قبل مجيئهم وظهورهم وبعد ظهورهم يُعرَفون بها، وهم مُباينون لسائر الناس في صورهم وطباعهم وأخلاقهم وأعمالهم (التنبيه، ص٢٠). وقالت السبئية إن جعفر الصادق كان عالمًا بجميع معالم الدين من العقليات والشرعيات. فإذا قيل للواحد منهم: ماذا تقول في القرآن أو في الرؤية أو في غير ذلك من أصول الدين أو في فروعه؟ يقول: أقول فيها ما كان يقوله جعفر الصادق. فقلَّدوه (الفرق، ص٦١). وقالت الخطابية إن جعفر الصادق قد أودعهم جلدًا فيه كل ما يحتاجون إليه من الغيب، وسمَّوا ذلك الجلد «جعفرًا»، وقالوا إنه لا يقرأ فيه إلا من كان منهم (الفرق، ص٢٥٢). ومنهم صنفٌ زعموا أن عليًّا قد علم ما علمه الرسول من علم الدنيا والآخرة، وما كان وما هو كائن، وعلم علي بعد الرسول علمًا لم يكن الرسول يعلمه، وأن عليًّا أعلم من الرسول. وجعلوا الأئمة بعده يرثون ذلك منه إلى يومنا هذا، الأكبر فالأكبر، وأن العلم يولد معه لا يحتاج إلى تعليم (التنبيه، ص١٥٩-١٦٠). وإنما حمله (المختار) إلى الانتساب إلى محمد ابن الحنفية حسن اعتقاد الناس فيه، وامتلاء القلوب بحبه، والسيد كان كثير العلم غزير المعرفة، وقَّاد الفكر مُصيب الخاطر في العواقب. أخبره أمير المؤمنين عن أحوال الملاحم، وأطلعه على مدارج المعالم. اختار العزلة، وآثر الخمول على الشهرة. وقد قيل إنه كان مستودع علم الإمامة حتى سلَّم الأمانة إلى أهلها، وما فارق الدنيا حتى أقرَّها في مستقرها (المِلل، ج٢، ص٧٣-٧٤).
٢٥  ادعى سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون ديصان القداح من الباطنية أنه هو عبد الله بن الحسين بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق المهدي المنتظر (الفرق، ص٢٨٣).
٢٦  والاستدلال بالاختلاف على البُطلان وبالاتفاق على الحق أن في العالم حقًّا وباطلًا، وأن علامة الحق هي الوحدة، وعلامة الباطل هي الكثرة، وأن الوحدة مع التعليم، والكثرة مع الرأي، والتعليم مع الجماعة، والجماعة مع الإمام، والرأي مع الفِرق المختلفة، وهي مع رؤسائهم. وجعل الحق والباطل والتشابه بينهما من وجه، التمايز بينهما من وجه، التضاد في الطرفين، والترتب في أحد الطرفين ميزان يزن به جميع ما يتكلم فيه. وإنما أنشأ هذا الميزان من كلمة الشهادة وتركيبها من النفي والإثبات أو النفي والاستثناء. فيما هو مستحق النفي باطل، وما هو مستحق الإثبات حق، ووزن بذلك الخير والشر، والصدق والكذب، وسائر المتضادات (المِلل، ج٢، ص١٥٥-١٥٦).
٢٧  اختلفت الروافض في الإمام، هل يعلم كل شيء أم لا، وهم فرقتان: (أ) يعلم كل ما كان وكل ما يكون ولا يخرج شيء منه. أما الرسول فكان كاتبًا يعلم سائر اللغات والكتابة (مقالات، ج١، ص١١٧). وعند المختارية أصحاب المختار بن عبيد، كان يدَّعي علم ما يحدث من الأحوال، إما بوحيٍ يوحى إليه، وإما برسالة من قِبل الإمام، فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء وحدوث حادثة، فإن وافق كونه قوله جعله دليلًا على صدق دعواه، وإن لم يُوافق قال: قد بدا لربكم (المِلل، ج٢، ص٧٢). وكان أبو كامل (الكاملية) يقول: الإمامة نورٌ يُتناسخ من شخص إلى شخص، وذلك النور في شخصٍ يكون نبوة، وفي شخصٍ يكون إمامة، وربما تُتناسخ الإمامة فتصير نبوة (المِلل، ج٢، ص١١٨). (ب) يعلم كل الأحكام والشريعة، وإن لم يُحطْ بكل شيء علمًا؛ لأنه القيِّم على الشرائع والحافظ لها ولما يحتاج الناس. أما ما لا يحتاجونه فيجوز ألا يعلمه الإمام (مقالات، ج١، ص١١٧). ما أقيم الإمام لأجله. فإن قالوا: فهل تحتاج الأمة إلى علم الإمام، وبيان شيء خُصَّ به بدونهم، وكشف ما ذهب علمه عنهم؟ قيل: لا؛ لأنه هو وهم في علم الشريعة، وكلها سيان. فإن قالوا: فلماذا يُقام الإمام؟ قيل لأجل ما ذكرناه من قبلُ من تدبير الجيوش وسد الثغور ورد المظالم والأخذ للمظلوم وإقامة الحدود وقسم الفيء بين المسلمين والدفع بهم في حجهم وغزوهم؛ فهذا الذي يليه ويُقام لأجله. فإن غلط في شيء منه أو عدل به عن موضعه كانت الإمامة من ورائه، والأخذ له بواجبه (التمهيد، ص١٨٥-١٨٦).
٢٨  عند الهاشمية أتباع محمد ابن الحنفية، قالوا بانتقال محمد ابن الحنفية إلى رحمة الله ورضوانه، وانتقال الإمامة منه إلى ابنه أبي هاشم. أفضى إليه الأسرار والعلوم، وأطلعه على مناهج تطبيق الآفاق على الأنفس، وتقدير التنزيل على التأويل، وتصوير الظاهر على الباطن. فلكل ظاهر باطن، ولكل شخص روح، ولكل تنزيل تأويل، ولكل مثال في هذا العالم حقيقة في ذلك العالم، والمنتشر في الآفاق من الحكم والأسرار مجتمع في الشخص الإنساني، وهو العلم الذي استأثر علي به ابنه محمد ابن الحنفية، وهو أفضى ذلك السر إلى ابنه أبي هاشم، وكل من اجتمع فيه هذا العلم فهو الإمام حقًّا (المِلل، ج١، ص٧٥).
٢٩  ومن أصحاب أبي الجارود فضيل الرسان وأبو خالد الواسطي، وهم مختلفون في الأحكام والسير، فزعم بعضهم أن علم ولد الحسن والحسين كعلم النبي، فيحصل لهم العلم قبل التعلم فطرةً وضرورة، وبعضهم يزعم أن العلم مشترك فيهم وفي غيرهم، وجائز أن يؤخذ عنهم وعن غيرهم ومن العامة (المِلل، ج٢، ص٨٩). وحُكي عن الزرارية أن المعرفة ضرورية، وأنه لا يسع جهل الأئمة، فإن معارفهم كلها ضرورية، وكل ما يعرفه غيرهم بالنظر فهو عندهم أوَّلي ضروري، ونظرياتهم لا يدركها غيرهم (المِلل، ج٢، ص١٣٦-١٣٧).
٣٠  وقد دعت الباطنية الناس إلى إمام في كل زمان يعرف موازنات هذه العلوم، ويهتدي إلى مدارج هذه الأوضاع والرسوم (المِلل، ج٢، ص١٥١). وقد مُنع العوام من الخوض في العلوم، وكذلك الخواص عن مطالعة الكتب المتقدمة إلا من عرف كيفية الحال في كل كتاب، ودرجة الرجال في كل علم (المِلل، ج٢، ص١٥٦). ويحتجُّون ببعض آيات، مثل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.
٣١  وأما إيمان الباطنية فإن داعيهم يقول للحالف: جعلت على نفسك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسله، وما أخذ الله على النبيين من عهد وميثاق، أنك تستر ما تسمعه مني، وما تعلمه من أمري، ومن أمر الإمام الذي هو صاحب زمانك، وأمر أشياعه وأتباعه في هذا البلد وفي سائر البلدان، وأمر المُطيعين له من الذكور والإناث؛ فلا تُظهر من ذلك قليلًا ولا كثيرًا، ولا تُظهر شيئًا يدل عليه من كتابة أو إشارة إلا ما أذن لك فيه الإمام صاحب الزمان، أو أذن لك في إظهاره المأذون له في دعوته، فتعمل حينئذٍ بمقدار ما يؤذن فيه. وقد جعلت على نفسك الوفاء بذلك، وألزمته نفسك في حالتَي الرضا والغضب، والرغبة والرهبة. وجعلت على نفسك أن تمنعني وجميع من أُسميه لك مما تمنع منه نفسك بعهد الله وميثاقه عليك وذمته وذمة رسله، وتنصحهم نصحًا ظاهرًا وباطنًا، وألا تخون الإمام وأولياءه وأهل دعوته في أنفسهم ولا في أموالهم، وأنك تتأول في هذه الأيمان تأويلًا، ولا تعتقد ما يُحلها، وأنك إن فعلت شيئًا من ذلك فأنت بريء من الله ورسوله وملائكته ومن جميع ما أنزل الله من كتبه، وأنك إن خالفت في شيءٍ مما ذكرناه لك فلله عليك أن تحج إلى بيته مائة حجة ماشيًا نذرًا واجبًا، وكل ما تملكه في الوقت الذي أنت فيه صدقة على الفقراء والمساكين، وكل مملوك يكون في ملكك يوم تخالف فيه أو بعده يكون حرًّا، وكل امرأة لك الآن أو يوم مخالفتك أو تتزوجها بعد ذلك تكون طالقًا منك ثلاث طلقات، والله الشاهد على نيتك وعقد ضميرك فيما حلفت به … فإن حلف ألغى بهذه الأيمان ظن أنه لا يمكن حلها … (الفرق، ص٣٠٣-٣٠٤). ونكتته أن يرجع في كل مقالة وكلمة إلى إثبات العلم (المِلل، ج٢، ص١٥٦). وقد سددتم باب العلم وفتحتم باب التسليم والتقليد. وليس يرضى عاقل بأن يعتقد مذهبًا على غير بصيرة، وأن يسلك طريقًا من غير بينة، فكانت مبادئ الكلام تحكيمات، وعواقبها تسليمات (المِلل، ج٢، ص١٥٧).
٣٢  كان أحمد بن الكيال من دعاة واحد من أهل البيت بعد جعفر بن محمد الصادق، وأظنه من الأئمة المستورين، ولعله سمع كلماتٍ عملية، فخلطها برأيه القائل وفكره العاطل، وأبدع مقالة في كل باب علمي على قاعدةٍ غير مسموعة ولا معقولة، وربما عاند الحسن في بعض المواضع … وبقيت من مقالته في العالم تصانيف عربية وأعجمية كلها مزخرفة مردودة شرعًا وعقلًا (المِلل، ج٢، ص١٢٧-١٢٨).
٣٣  تقوم دعوى الباطنية على فصولٍ أربعة لهدم العقل: (أ) للمُفتي في معرفة الباري أحد قولين؛ إما أن يقول أعرف الباري بمجرد العقل والنظر من غير احتياج إلى تعليم معلم، وإما أن يقول لا طريق إلى المعرفة مع العقل والنظر إلا بتعليم معلم صادق. ومن أفتى بالأول فليس له الإنكار على عقل غيره ونظره، فإنه متى أنكر فقد علم، والإنكار تعليم ودليل على أن المُنكَر عليه يحتاج إلى غيره. والقسمان ضروريان؛ فإن الإنسان إذا أفتى بفتوى أو قولًا فإما أن يقول من نفسه أو من غيره، وكذلك إذا اعتقد عقدًا فإما أن يعتقده من نفسه أو من غيره. هذا هو الفصل الأول، وهو كسر على أصحاب الرأي والعقل. (ب) إذا ثبت الاحتياج إلى معلم، أفيصلح كل معلم على الإطلاق أم لا بد من معلمٍ صادق؟ من قال إنه يصلح كل معلم ما ساغ له الإنكار على معلم خصمه، وإذا أنكر فقد سلَّم أنه لا بد من معلمٍ معتمد صادق. وهذا كسر على أصحاب الحديث. (ﺟ) إذا ثبت الاحتياج إلى معلمٍ صادق، أفلا بد من معرفة العلم أولًا والظفر به ثم التعلم منه، أم جاز التعلم من كل معلم من غير تعيين شخصه وتبيين صدقه؟ والثاني رجوع إلى الأول، ومن لم يمكنه سلوك الطريق إلا بمقدم ورفيق، فالرفيق ثم الطريق. وهو كسر على الشيعة. (د) الناس فرقتان؛ فرقةٌ قالت يُحتاج في معرفة الباري إلى معلمٍ صادق، ويجب تعيينه وتشخيصه أولًا ثم التعلم منه. وفرقةٌ أخذت في كل علم من معلم وغير معلم، وقد تبيَّن بالمقدمات السابقة أن الحق مع الفرقة الأولى؛ فرئيسهم يجب أن يكون رأس المُحققين. وإذا تبيَّن أن الباطل مع الفرقة الثانية فرؤساؤهم يجب أن يكونوا رؤساء المُبطلين (المِلل، ج٢، ص١٥٣-١٥٤). وعند الصباحية، العقل إن كان كافيًا فليس لأحدٍ أن يعترض الآخر، وإن لم يكن كافيًا فلا بد من إمام. والجواب إن كان العقل غير محتاج إليه، فكيف يميز المُحق من المُبطل بينهم؟ وإن كان محتاجًا إليه فلا بد من حاجة إلى الإمام. هَبْ أن الإمام محتاج إليه، فأين ذلك الإمام، ومن هو؟ لأن الذي ينصُّون عليه بالإمامة في غاية الجهل، ولأن أمراء مصر الذي كانت دعوة الباطنية فيهم كان أكثرهم جهالًا فساقًا (اعتقادات، ص٧٨).
٣٤  حمل أحمد بن حابط كل ما ورد في الخبر من رؤية الباري على رؤية العقل الأول الذي هو أول مبدع، وهو العقل الفعَّال الذي منه تفيض الصور على الموجودات، وإياه عنى النبي بقوله: «أول ما خلق الله تعالى خلق العقل، فقال له أقبل، فأقبل، ثم قال له أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أحسن منك، بك أُعز وبك أُذل، وبك أمنع.» فهو الذي يظهر يوم القيامة، وترتفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه، فيرونه كمِثل القمر ليلة البدر. فأما واهب العقل فلا يُرى البتة، ولا يُشبَّه إلا مبدع بمبدع (المِلل، ج١، ص٩٤-٩٥). كلام الله ما يفيض على النفوس من المعاني، إما من العقل الفعَّال عند بعضهم أو من غيره، وهو قول الصائبة المتفلسفة (شرح الفقه، ص٣١). وعند الباطنية، أبدع القديم بالأمر العقل الأول، والذي هو تام بالفعل، ثم بتوسطه أبدع النفس، الذي هو غير تام. ونسبة النفس إلى العقل إما نسبة النطفة إلى تمام الخلقة والبيض إلى الطير، وإما نسبة الولد إلى الوالد، والنتيجة إلى المنتِج، وإما نسبة الأنثى إلى الذكر والزوج إلى الزوجة. وقالوا: لما اشتاقت النفس إلى كمال العقل، واحتاجت الحركة إلى آلة الحركة، حدثت الأفلاك السماوية … وفي العالم العلوي عقل ونفس كلي، وجب أن يكون في هذا العالم عقلٌ مشخص هو كل، وحكمه حكم الشخص الكامل البالغ، ويُسمونه الناطق، وهو النبي؛ ونفسٌ مشخصة هي كل أيضًا، وحكمها حكم الطفل الناقص المتوجه إلى الكمال، أو حكم النطفة المتوجهة إلى التمام، أو حكم الأنثى المتزوجة بالذكر، ويُسمونه الأساس، وهو الوحي. وقالوا: وكما تحرَّكت الأفلاك بتحريك النفس والعقل والطبائع، كذلك تحرَّكت النفوس والأشخاص بالشرائع بتحريك النبي والموصي في كل زمان دائرًا على سبعة حتى ينتهي إلى الدور الأخير، ويدخل زمان القيامة، وترتفع التكاليف، وتضمحل السنن والشرائع. وإنما هذه الحركات الفلكية والسنن الشرعية لتبلغ النفس إلى حال كمالها، وكمالها بلوغها إلى درجة العقل واتحادها به، ووصولها إلى مرتبته فعلًا، وتلك هي القيامة الكبرى (المِلل، ج٢، ص١٤٦–١٤٩). عند أحمد بن حابط أن الله أبدع خلقه أصحَّاء سالمين عقلاء بالغين في دارٍ سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم، وخلق فيهم معرفته والعلم به، وأسبغ عليهم نعمه، ولا يجوز أن يكون أول ما يخلقه إلا عاقلًا ناظرًا معتبرًا (المِلل، ج١، ص٩١-٩٢). إلهنا إله العقول؛ أي ما هدى إليه عقل كل عاقل (الملل، ج٢، ص٥٧).
٣٥  اختلفت الروافض في النظر والقياس، أربعة منها تُنكر النظر: (أ) وهم جمهورهم، المعارف كلها اضطرار، والخلق جميعًا مُضطرون، والنظر والقياس لا يؤديان إلى علم، وما تعبد الله بهما. (ب) أصحاب شيطان الطاق، المعارف كلها اضطرار، وقد يجوز أن يمنعها الله بعض الخلق، فإذا منعها الله بعض الخلق وأعطاهم بعضهم كلَّفهم الإقرار من منعه إياهم المعرفة. (ﺟ) أصحاب مالك الحضرمي، المعارف كلها اضطرار، وقد يجوز أن يمنعها الله بعض الخلق، فإذا منعها الله بعض الخلق وأعطاها بعضهم كلَّفهم الإقرار مع سعة إياهم المعرفة. (د) العقول لا تدل على شيءٍ قبل مجيء الرسل، ولا بعد مجيئهم، وأنه لا يُعلَم شيء من الدين، ولا يلزم فرض إلا بقول الرسل والأئمة، وأن الإمام هو الحجة بعد الرسول، لا حجة على الخلق غيره (مقالات، ج١، ص١١٨-١١٩).
٣٦  وهي الفرقة الرابعة الأخرى من الروافض التي تسمح نسبيًّا بالنظر، وهي: (أ) أصحاب هشام بن الحكم، المعرفة كلها اضطرار بإيجاب الخلقة، ولا تقع إلا بعد النظر والاستدلال. يعنون بما لا يقع منها إلا بعد النظر والاستدلال العلم بالله. (ب) الحسن بن موسى، المعارف كلها اضطرارًا، والمعرفة بالله يجوز أن تكون كسبًا ويجوز أن تكون اضطرارًا. وإن كانت كسبًا أو اضطرارًا فليس يجوز الأمر بها على وجه من الوجوه. (ﺟ) النظر والقياس يؤديان إلى العلم بالله، والعقل حجة إذا جاءت الرسل. فأما قبل مجيئهم فليست للعقول دلالة ما لم يكن سنة بينة. واعتلُّوا بقول الله: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٧ : ١٥). (د) يقولون بتصحيح النظر والقياس، وأنهما يؤديان إلى العلم، وأن العقول حجة في التوحيد قبل مجيء الرسل وبعد مجيئهم (مقالات، ج١، ص١١٨-١١٩).
٣٧  قالت جميع الروافض بأجمعها بنفي الرأي في الأحكام وإنكاره، وأبطلوا الاجتهاد فيها (مقالات، ج١، ص١٩). أما الزيدية فقد اختلفت في اجتهاد الرأي إلى فرقتين؛ الأولى تُنكر الاجتهاد في الأحكام، والثانية تُجيزه (مقالات، ج١، ص١٤١). وقال أهل السنة أصولُ أحكام الشريعة الكتاب والسنة وإجماع السلف، وأكفروا من لم يرَ إجماع الصحابة حجة، وأكفروا الخوارج في ردهم حجج الإجماع والسنن، وأكفروا من قال من الروافض لا حجة في شيء من ذلك، وإنما الحجة في قول الإمام الذي ينتظرونه. هؤلاء اليوم حيارى في التيه (الفرق، ص٣٤٦).
٣٨  في بيان جنس الإمام وقبيلته. اختلفوا في هذه المسألة. فعند أهل السنة الأشاعرة، تخصيص قريش بالإمامة؛ فقد دلَّت الشريعة على أن قريشًا لا تخلو ممن يصلح للإمامة، فلا يجوز إقامة الإمامة للكافة من غيرهم. نص الشافعي في هذا في بعض كتبه، وكذلك رواه زرقان عن أبي حنيفة، في بيان جنس الإمام وقبيلته (الأصول، ص٢٧٥-٢٧٦).
٣٩  بنو قريش هم بنو النضر بن كنانة بن خديجة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (الفرق، ص٣٤٩). كل ما كان من ولد النضر فهو قريشي (عبيدة عمر بن المثني، أبو عبيد القاسم بن سلام، الشافعي). وعند التميمية، قريش من ولد إلياس بن مضر (التمهيد، ص١٨١-١٨٢؛ الاقتصاد، ص٦٩؛ اللمع، ص١١٦؛ الإرشاد، ص٤٢١–٤٢٧؛ الغاية، ص٣٨٣-٣٨٤؛ الطوالع، ص٢٢٩-٢٣٠؛ النهاية، ص٤٩٦). ودخلوا أنفسهم في جملة قريش لأنهم من ولد إلياس بن مضر (أبو عمر، أبو الحسن الأخفش، عمار بن سلمة الفقيه، عبد الله بن الحسن القاضي، سوار بن عبد الله، أبو الأسود الدؤلي). وقالت القيسية: قريشٌ هم جمع ولد مضر بن نزار، فأدخلت قيس غيلان في هذه الجملة (الفقهاء، مسعد بن كرام، حذيفة بن اليمان). والأول أصح (الأصول، ص٢٧٦-٢٧٧؛ التفتازاني، ص١٤٤).
٤٠  اختلف الذين قالوا بوجوب الإمامة في قريش. مذهب أهل السنة وجميع الشيعة وبعض المعتزلة وجمهور المرجئة، الإمامة لا تجوز إلا في قريش، خاصةً من كان من ولد فهد بن مالك، وأنها لا تجوز فيمن كان أبوه من غير فهد بن مالك وإن كانت أمه من قريش، ولا في حليف ولا في مولًى (الفصل، ج٤، ص١٠٨-١٠٩). وجوب الإمامة في ولد فهد بنص الرسول على أن الأئمة من قريش. ترك الأنصار في اجتهادهم لقيام الحجة عليهم، إخراج الحليف والمولى بالرغم من قول الرسول «مولى القوم منهم ومن أنفسهم، وابن أخت القوم منهم» (الفصل، ج٤، ص١٠٨-١٠٩، ص١٢٠، ص١٢٧-١٢٨؛ التمهيد، ص١٨٤).
٤١  هناك صياغات عديدة للخبر، مثل: «الأئمة في قريش»، «ولا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منكم اثنان» (النهاية، ص٤٩٤-٤٩٥؛ الشرح، ص٧٥١–٧٥٣). وعمل الصحابة بالحديث، وأجمعوا عليه، فصار شرطًا (المواقف، ص٣٩٨). إذعان الأنصار ليوم السقيفة عندما رُوي الحديث (الفرق، ص١٥). وهو مُعارَض بحججٍ نقلية أخرى، مثل: «لا تأتوني بأنسابكم.»
٤٢  وذلك مثل: «العلم في فارس»، القرشية خاصة كغيره. وهي شرطٌ سمعي يميزه عن أكثر الخلق (الاقتصاد، ص١٢٠).
٤٣  التمهيد، ص١٨٢؛ الإمامة، ص١٩٩–٢٠٣، ص٢٣٤–٢٣٨. يجب أن يكون مقدمًا في الأفضل، وأن يكون من قريش (الإمامة، ص١٩٨).
٤٤  اختلف القائلون بأن الإمامة لا تجوز إلا في صلب قريش: (أ) أهل السنة وجمهور المرجئة وبعض المعتزلة، جائزة في جميع ولد فهد بن مالك فقط. (ب) الراوندية، جائزة في ولد العباس بن عبد المطلب (لأن الخلفاء من ولده، ولأن العباس عصب الرسول) (مقالات، ج٢، ص١٣٥). أولى الناس عمه العباس وفاطمة وعلي والحسن والحسين (مقالات، ج١، ص٨٧). (ﺟ) ولد علي بن أبي طالب، ثم قصروها على عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (مقالات، ج٢، ص١٣٥). (د) الحارث بن عبد المطلب، لا تجوز إلا في بني عبد المطلب في جميع ولده، وهم أبو طالب وأبو لهب والحارث والعباس. (ﻫ) رجل بالأردن، تجوز في بني أمية بن عبد شمس، وله في ذلك تأليف. (و) رجل من ولد عمر بن الخطاب، لا تجوز إلا لولد أبي بكر وعمر. والفِرق الأربعة الأخيرة ليس لها شبهة إلا دعاوى كاذبة، وإنما الكلام على الذين يرون الإمامة لولد العباس أو لولد علي ولكثرة عددهم (الفصل، ج٤، ص١٠٩–١١١؛ الإمامة، ص٢٣٤–٢٣٨). وعند جمهور الشيعة الرافضة لا بد أن يكون هاشميًّا (المواقف، ص٣٩٨؛ مقالات، ج٢، ص١٣٥؛ التمهيد، ص١٨٢). ليس بالضرورة من بني هاشم أو علويًّا لخلافة أبي بكر وعمر وعثمان؛ فهم ليسوا من بني هاشم. العلوية والعباسية من بني هاشم (التفتازاني، ص١٤٤؛ مقالات، ج٢، ص١٣٥؛ التمهيد، ص١٨٢–١٨٤). وعند الزيدية الروافض لا تكون من قريش إلا في ولد علي، ومن خرج من ولد الحسن أو الحسين شاهرًا سيفه (الأصول، ص٢٧٥-٢٧٦). أجمعت الروافض على أن الإمامة قرابة (مقالات، ج١، ص٨٧). وعند الإمامية، الإمامة اليوم في واحد بعينه من أولاد علي، ثم اختلفوا في الذي ينتظرون خروجه (الأصول، ص٢٧٥-٢٧٦). الإمام لا بد أن يكون من منصبٍ مخصوص، ولا يكون ذلك حتى يكون فاطميًّا أو حسينيًّا أو حسنيًّا، بل من أحد البطنين (الشرح، ص٧٥١-٧٥٢). وعند الغلاة، الإمامة في الأصل في علي وولده، ثم أخرجوها إلى جماعة من غير قريش، إما بدعواهم وصية بعض الأئمة إليه، وإما بدعواهم تناسخ الروح من الإمام إلى من زعموا أن الإمامة انتقلت إليه كالبيانية، حيث انتقلت روح الإله من أبي هاشم بن محمد بن الحنفية إلى بيان أو إلى أبي الخطاب الأسدي، ودعوى المنصورية لنبوة أبي منصور العجلي وإمامته (الأصول، ص٢٧٥-٢٧٦).
٤٥  عند الضرارية، صلاح الإمامة في غير قريش مع وجود من يصلح لها في قريش. وعند غيلان تصلح الإمامة في غير قريش، وكل من كان قائمًا بالكتاب والسنة كان مُستحقًّا لها بالرغم من إجماع الأمة على القرشية (المِلل، ج٢، ص٦٣). وعند أبي علي إذا لم يوجد واحد من قريش جاز تنصيب غيره، مثل العدول من الأفضل إلى المفضول. والخبر «الأئمة من قريش» لا ينفي وجود الإمام في غيرهم، ولا يسقط التكليف إن لم يوجد؛ فالتكليف قائم لإقامة الحدود والقيام بالأحكام (الإمامة، ج٢٠، ص٢٣٩–٢٤٢). ومنع جمهور المعتزلة شرط القرشية (المواقف، ص٣٩٨). وجوَّزوا وجودها في غير قريش (مقالات، ج٢، ص١٣٤-١٣٥). ولفظ «الأئمة» للجميع، ولا عهد للعموم، والولاة هم كذلك ما أطاعوا الله واستقام الأمر (الطوالع، ص٢٢٩-٢٣٠). منع الخوارج شرط القرشية (المواقف، ص٣٩٨). جائزٌ أن تكون الإمامة في غير قريش (مقالات، ج٢، ص١٣٤-١٣٥؛ المِلل، ج٢، ص٢٦). وعند الكعبي، القرشي أولى بها من غير القرشي، فإن خافوا الفتنة جاز عقدها على غيره (الأصول، ص٢٧٥-٢٧٦). أما عند ضرار إذا استوى الحال في القرشي والأعجمي، فالأعجمي أولى بها، والمولى أولى بها من الصميم. يولَّى الأعجمي لأنه أقلها عشيرة. إذا اجتمع قرشي ونبطي قُدم النبطي؛ إذ هو أقل عددًا وأضعف وسيلة، فيمكن خلعه إذا خالف الشريعة (المِلل، ج١، ص١٣٤-١٣٥). غير القرشيين أولى بها من القرشيين (اعتقادات، ص٦٩؛ الأصول، ص٢٧٥-٢٧٦؛ الفرق، ص٣٤٩؛ الفصل، ج٤، ص١٠٨-١٠٩؛ مقالات، ج٢، ص٢٣٥-٢٣٦).
٤٦  ليس كل من استحقَّ الإمامة في الصلاة يستحقُّ الإمامة في الخلافة؛ إذ يستحق الإمامةَ في الصلاة أقرأُ القوم وإن كان أعجميًّا أو عربيًّا، ولا يستحق الخلافة إلا قرشي، والخيار باطل (الفصل، ج٤، ص١٢٦). شرط الإمامة مثل شرط الصلاة، تجب معرفته بالشرع أولًا، وتجوز معرفته بالعقل (الإمامة، ص١٩٨).
٤٧  ولا خفاء في اشترط إسلامه (الإرشاد، ص٤٢٧؛ الغاية، ص٣٨٣-٣٨٤). أن يكون مسلمًا (الطوالع، ص٢٢٩-٢٣٠؛ النهاية، ٤٩٦).
٤٨  عند المُحكمة الأولى، يجوز أن يكون عبدًا أو حرًّا (المِلل، ج٢، ص٢٦). وعند الخوارج تجوز إمامة كل من قام بالكتاب والسنة، حتى ولو كان عبدًا ابن عبد (الفصل، ج٤، ص١٠٨-١٠٩). ويكون حرًّا (الإنصاف، ص٢٩؛ اللمع، ص١١٦). ولا خفاء في اشتراط حرية المرأة (الإرشاد، ص١٢٦-١٢٧؛ الغاية، ص٣٨٣-٣٨٤). الحرية لأن العبد محتقر بين الناس بخدمة السيد (الطوالع، ص٢٢٩-٢٣٠). حر لئلا يشغله خدمة السيد، ولئلا يُحتقر فيُعصى (المواقف، ص٣٩٨).
٤٩  عند أهل السنة لا تجوز إمامة المرأة. فلا خلاف بين أحد في أنه لا تجوز إمامة المرأة (الفصل، ج٥، ص٧). جميع أهل القِبلة ليس منهم أحدٌ يُجيز إمامة المرأة، ولا إمامة صبي لم يبلغ إلا الرافضة، فإنها تُجيز إمامة الصغير الذي لم يبلغ والحمل في بطن أمه. وهذا خطأ؛ لأن من لم يبلغ فهو غير مُخاطَب، والإمام مخاطب بإقامة الدين (الفصل، ج٤، ص١٢٧). ويُذكَر حديث «النساء ناقصات عقل ودين» (المواقف، ص٣٩٨). وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إمامًا، وإن اختلفوا في كونها قاضية فيما يُجيز شهادتها فيه (الإرشاد، ص٤٢٦-٤٢٧). شرط الذكورة (الغاية، ص٣٨٣-٣٨٤). الذكورة؛ فإنهن ناقصات عقل ودين (الطوالع، ص٢٢٩-٢٣٠). أما الشبيبية من الخوارج فقد أجازت إمامة المرأة إذا قامت بأمورهم وخرجت على مُخالفيهم، وزعموا أن غزالة أم شبيب كانت الإمام بعد قتل شبيب إلى أن قُتلت، واستدلوا على ذلك بأن شبيبًا لما دخل الكوفة أقام أمه على منبر الكوفة حتى خطبت (الفرق، ص١١٠-١١١).
٥٠  عاقل يصلح للتصرفات، بالغ لقصور عقل الصبي (المواقف، ص٣٩٨).
٥١  أوجبوا في عدالة من يُجيز حكم الحاكم بشهادته، عدلًا في دينه، مصلحًا لماله وحاله، غير مرتكب لكبيرة ولا مُصر على صغيرة، ولا تارك للمروءة في جل أسبابه (الفرق، ص٣٤٩). يكون مسلمًا حرًّا ذكرًا عاقلًا بالغًا؛ إذ ما جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا، والعبد مشغول بخدمة الولي، محتقَر في أعين الناس، والنساء ناقصات عقل ودين، والصبي والمجنون قاصران عن تدبير الأمور، والتصرف في مصالح الجمهور (التفتازاني، ص١٤٥). أن يكون رجلًا بالغًا (الطوالع، ص٢٢٩-٢٣٠). العقل والبلوغ، ذو كمال في الدين والعقل، وأن يكون ذكرًا مسلمًا بالغًا عاقلًا حرًّا (المطيعي، ص٩٩). أن يكون حرًّا عاقلًا مُتدينًا أو مُتمكنًّا من القيام بالحدود، حرًّا يصحُّ أن يتصرف فيما يُفوَّض إليه دون أن يمنعه أحد، عاقلًا، مسلمًا، عارفًا بالعادات (الإمامة، ص١٩٩–٢٠٣). المراد بالعدل هنا عدل الشهادة. ولا تتحقق إلا بشروطٍ خمسة؛ الإسلام، البلوغ، العقل، لأن الصبي والمجنون لا يليان أمر نفسيهما فلا يليان أمر غيرهما، الحرية لأن الرقيق مشغول بخدمة سيده، ولأنه محتقَر في أعين الناس فلا يُهاب ولا يُمتثَل أمره، عدم الفسق لأن الفاسق لا يوثق به في أمره ونهيه، عدلًا ظاهرًا دون اشتراط العدالة الباطنة (البيجوري، ج٢، ص٢٠٠). عدل لا يميل به الهوى فيجور في الحكم. عدالة الشهادة المركَّب من خمسة أشياء … الصبي والمعتوه قاصران عن القيام بأمور الحكم. العبد مشغول بخدمة السيد … ذكرًا فلا يكون امرأة ولا مخنَّثًا؛ لأنه أشبه بالنساء الناقصات العقل والدين، الممنوعات من الخروج. والفاسق لا ثقة له بأوامره، والظالم لا يقوم به أمر الدين (عبد السلام، ص١٥٣).
٥٢  عند الإمامية يجب أن يكون عالمًا بالغيب (التمهيد، ص١٨٢؛ الغاية، ص٣٨٤-٣٨٥)، وأن يكون عالمًا بجميع مسائل الدين (المواقف، ص٣٩٨؛ النهاية، ص٤٨٧). ولكن عند جمهور أهل السنة أن يكون من العلم بمنزلة من يصلح أن يكون من قضاة المسلمين، أن يكون من أمثلهم في العلم (التمهيد، ص١٨١-١٨٢). العلم، وأقل ما يكفيه أن يبلغ فيه مبلغ المجتهدين في الحلال والحرام وسائر الأحكام (الأصول، ص٢٧٧). أن يكون من العلم بمنزلة قاضي قضاة المسلمين (الغاية، ص٣٨٣-٣٨٤). أن يكون عالمًا بما يلزمه من فرائض الدين (الطوالع، ص٢٢٩-٢٣٠). أن يكون عالمًا بما يخص أمور الدين من العبادات والسياسة والأحكام (الفصل، ج٥، ص٦-٧). أن يكون مجتهدًا في أصول الدين وفروعه ليتمكن من إيراد الدلائل وحل الشكوك والحكم والفتوى في الوقائع (الطوالع، ص٢٢٩-٢٣٠). في قدر ما يختص به من العلم من يصلح للإمامة، أن يكون مجتهدًا في الأصول والفروع ليقوم بأمور الدين (المواقف، ص٣٩٨؛ الفرق، ص٣٤٩). العلم له مقدار ما يصير به من أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية. ما يجب أن يدل على العلم: (أ) إجماع الأمة ممن قال بالنص والاختيار. (ب) شرط القضاة والحكام. (ﺟ) هو الذي يُولي القضاة. يُباشر القضاء والأحكام بنفسه ولا يستخلف قاضيًا، ولا يصلح للحكم إلا من صلح أن يكون قاضيًا (التمهيد، ص١٨٣). يجب أن يكون مبرِّزًا في العلم مجتهدًا (الشرح، ص٧٥٢-٧٥٣). يجب أن يكون عالمًا بكيفية ما فُوض إليه ليفعله (الإمامة، ص١٩٨؛ الاقتصاد، ص١٢٠-١٢١). أن يكون مجتهدًا من أهل الفتوى؛ لأن القاضي لا يكون من قبله يفتقر إلى ذلك، فالإمام أولى (الإنصاف، ص٦٩). أن يكون مجتهدًا من أهل الفتوى (اللمع، ص١١٩). أن يكون من أهل الاجتهاد لا يحتاج إلى استفتاء غيره من الحوادث (الإرشاد، ص٤٢٦-٤٢٧). مجتهدًا في العلم (النهاية، ص٤٩٦).
٥٣  عند الخوارج يُجمِع الناس في كل زمان ومكان على واحد منهم بشرط أن يبقى على مقتضى اعتقادهم، ويجري على سنن العدل في معاملاتهم، وإلا قتلوه وخلعوه (المِلل، ج١، ص٣٥-٣٦). فالإمامة صالحة في كل صنف من الناس، وإنما هي للصالح الذي يُحسِن القيام بها. وعند الخوارج وجمهور المعتزلة وبعض المرجئة، الإمامة جائزة في كل من قام بالكتاب والسنة قرشيًّا كان أو نبطيًّا أو ابن عبد (الفصل، ج٤، ص١٠٨-١٠٩؛ الشرح، ص٧٥١–٧٥٣). أن يكون عدلًا لأنه مُتصرف في رقاب الناس وأموالهم وأبضاعهم (الطوالع، ص٢٢٩). يُشترط فيها عدالةٌ ظاهرة؛ فمن أقام في الظاهر على موافقة الشريعة كان أمره في الإمامة مُنتظمًا، ومن زاغ عن ذلك كانت الأمة خيارًا في العدول به من خطئه على صواب، أو في العدول عنه إلى غيره. وسبيلهم معه فيها كسبيله مع خلفائه وقضاته وعماله وسعاته؛ إن زاغوا عن سنته عدل بهم أو عدل عنهم (الأصول، ص٢٧٧–٢٧٩). يجب أن يكون عدلًا لا يجور (المواقف، ص٣٩٨). يُشترط أن يكون المُبايع أو المعهود إليه عدلًا (المطيعي، ص٩٩). وعند المُحكمة الخوارج، من نُصب وعدل هو الإمام (المواقف، ص٤٢٤). كل من ينصبونه برأيهم، وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور، كان إمامًا (المِلل، ج٢، ص٢٦). عدلًا ثقة فيما يقول (الغاية، ص٣٨٣-٣٨٤). العدل على الرعية (النهاية، ص٤٩٥-٤٩٦). يجب أن يكون عدلًا، وأن إقامة الفاسق لا تجوز (الإمامة، ص١٩٩–٢٠٣). وقد قيل شعرًا:
من يكون سابقًا مولى
لن يكون ذا كمال وعدلا
الوسيلة، ص٩٨
٥٤  أن يكون ورعًا في دينه (الإنصاف، ص٦٩؛ اللمع، ص١١٦). العدالة والورع، أو قل ما يجب له من هذه الخصلة، أن يكون ممن تُقبَل شهادته تحملًا وأداءً (الأصول، ص٢٧٧). الكفاية والعلم والورع (الاقتصاد، ص١٢٠). أن يكون مُتورعًا لأمره مُتقيًا لله (الطوالع، ص٢٢٩-٢٣٠). وبالجملة غير مُعلِن بالفساد في الأرض. وعند الزيدية، العفة تُقرَن بالعلم (النهاية، ص٤٨٧). ولا بد أن يكون ورعًا شديدًا، يوثق بقوله ويُعتمد عليه (المحصل، ص١٨٠)؛ لأنه دون ذلك لا تجوز له تولية القضاة ولا تعديل الشهود وإقامة الحدود والثغور؛ لذلك مُنع جواز التولية لقُطاع الطُّرق (الشرح، ص٧٥٢-٧٥٣). يجب أن يختص بالأمانة والفضل (الإمامة، ص١٩٨).
٥٥  أن يكون مُؤديًا للفرائض كلها لا يُخلُّ منها بشيء، مُجتنبًا جميع الكبائر سرًّا وجهرًا، مُستترًا بالصغائر، رفيقًا بالناس في غير ضعف، شديدًا في إنكار المنكر بغير عنف ولا تجاوز للواجب، مُستيقظًا غير غافل، شجاع النفس، غير مانع للمال في حقه، لا مبذرًا له في غير حقه، قائمًا بأحكام القرآن والسنة (الفصل، ج٥، ص٦-٧). غير فاسق ولو ظاهرًا (المطيعي، ص٩٩).
٥٦  شرط بعض الصالحية الأبترية صباحة الوجه (المِلل، ج٢، ص٩٣-٩٤). لا يُغير الإمامَ أن يكون في خلقه عيب كالأعمى والأصم والأجدع والأجذم والأحدب والذي لا يدان له ولا رجلان، ومن بلغ الهرم ما دام يعقل ولو أنه ابن مائة عام، ومن يعرض له الصرع ثم يُفيق، ومن بويع إثر بلوغه الحلم وهو مُستوفٍ لشروط الإمامة (الفصل، ج٥، ص٦-٧).
٥٧  أن يكون ذا بصيرة بأمر الحرب وتدبير الجيوش والسرايا وسد الثغور وحماية البَيضة وحفظ الأمة والانتقام من ظالمها والأخذ من مظلومها وما يتعلق به من مصالحها (التمهيد، ص١٨١-١٨٢). أن يكون ذا نجدة وكفاية وتعهُّد لسياسة الأمور (الإنصاف، ص٦٩). أن يكون مُتصديًا إلى مصالح الأمور وضبطها، ذا نجدة في تجهيز الجيوش وسد الثغور، ذا رأي حصيف في النظر للمسلمين (الإرشاد، ص٤٢٦-٤٢٧). أن يكون عارفًا بتدبير الحروب (الأصول، ص٢٧٧). أن يكون بصيرًا بأمور الحرب وترتيب الجيوش وحفظ الثغور (الغاية، ص٣٨٣-٣٨٤). أن يكون ذا رأي وتدبير يُدير الحرب والسلم وسائر الأمور السياسية (الطوالع، ص٢٢٩-٢٣٠). ومما يدل على وجوب كونه عالمًا بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة وما يتصل بذلك، فإنه إذا لم يكن عالمًا بذلك لحق الخلل في جميعه، وتعدَّى الضرر بجهله بذلك إلى الأمة، وطمع في المسلمين عدوُّهم، وكثُر تغالبهم، ووقفت أحكامهم، وأدَّى ذلك إلى إبطال ما أقيم لأجله (التمهيد، ص١٨٣). شجاع ليقوى على الذب عن الحدود (المواقف، ص٣٩٨؛ النهاية، ص٤٨٧، ٤٩٥-٤٩٦؛ المحصل، ص١٨٠). أن يكون أفرس الأمة وأشجعهم (التمهيد، ص١٨٢). شجاعة الإمام كونه قويَّ القلب بحيث يُمكنه رياسة المعسكر وإقامة المقابلة مع العدو، وإن لم يقدر بنفسه على الحرب (الإسفراييني، ص١٤٥؛ الفرق، ص٣٤٩). يجب أن يكون مُتمكنًا في القيام بما فوض إليه، مع السلامة فيما يتصل بالقدرة والتمكين وزوال وثبات القلوب (الإمامة، ص١٩٨). وأن يكون في البأس والشدة وقوة القلب وثبات الأمور؛ فلأنه لو لم يكن كذلك لم يُمكنه من تجهيز الجيوش وسد الثغور والغزو إلى ديار الكفرة (الشرح، ص٧٥٢-٧٥٣).
٥٨  لا تنزعه هوادة نفس عن ضرب الرقاب والتنكيل بمُستوجبي الحدود (الإرشاد، ص٤٢٦-٤٢٧). الاهتداء إلى وجوه السياسة وحسن التدبير بأن يعرف مراتب الناس فيحفظهم عليها، ولا يستعين على الأعمال الكبار بالعمال الصغار (الأصول، ص٢٧٧). أن يكون أهلًا لتدبير الخلق وحملهم على مراشدهم (الانتصار، ص١٢٠). أن يكون له القوة والبأس وشدة المراس قدر ما يهوله إقامة الحدود، وضرب الرقاب، وإنصاف المظلوم من الظالم. أن يكون شجاعًا لا يجبن عن القيام بالحرب، ولا يضيق قلبه عن إقامة الحد (الطوالع، ص٢٢٩-٢٣٠). أن يكون ممن لا تلحقه رأفة ولا هوادة في إقامة الحدود، ولا جزع لضرب الرقاب (التمهيد، ص١٨١-١٨٢). ما يدل على أنه لا بد أن يكون من الصرامة وسكون الجأش وقوة النفس والقلب بحيث لا تروعه إقامة الحدود، ولا يهوله ضرب الرقاب وتناول النفوس، فهو إن لم يكن بهذه الصفة قصَّر فيما لأجله أقيم من إقامة الحد واستخراج الحق، وأضرَّ فشله هذا الأمر بما نُصب له (التمهيد، ص١٨٣). بصيرًا بسياسة الرعية، ذا نجدة وكفاية (النهاية، ص٤٠٦).
٥٩  عند الرافضة، الإمام أفضل الناس (مقالات، ج١، ص٨٨). لا يكون الإمام إلا أفضل الناس (مقالات، ج١، ص٥٨). لا تجوز إمامة المفضول، وهو موقف جميع الرافضة من الشيعة وطوائف من الخوارج والمعتزلة والمرجئة (الفصل، ج٥، ص٣). منع قومٌ جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل لأنه قبيح عقلًا (المواقف، ص٤١٢-٤١٣). ورفض الأشعري إمامة المفضول (الفرق، ص٣٥٢). يجب أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه في شرط الإمامة، ولا تنعقد الإمامة لأحد مع وجود من هو أفضل منه فيها. فإن عقدها قوم للمفضول كان المعقود له من الملوك دون الأئمة (الأصول، ص٢٩٣-٢٩٤). وعند الجاحظ والنظَّام، الإمامة لا يستحقُّها إلا الأفضل، ولا يجوز صرفها إلى المفضول (الأصول، ص٢٩٣-٢٩٤). وتُقدَّم ثلاث حجج: (أ) الأخبار الظاهرة الواردة من النبي في وجوب تقديم الأفضل متواترة المعنى. (ب) اتفاق المسلمين على أن الإمامة الكبرى من أعظم الأمور؛ وبالتالي وجب أن يكون أفضلهم. (ﺟ) إجماع الأمة في الصدر الأول على طلب الأفضل، وتخييرهم بين أهل الشورى (التمهيد، ص١٨٥-١٨٦).
٦٠  يتحقق الواقع التاريخي عند الشيعة في علي باعتباره الأفضل. فعند الحسينية من الرافضة، عليٌّ أفضل الناس كلهم، وطعنوا في أبي بكر وعثمان، وعليٌّ مقدَّم في الخلافة (التنبيه، ص١٦٤). وعند الزيدية، عليٌّ أفضل الناس كلهم دون طعن في أبي بكر وعمر، ولكنهم يطعنون في عثمان لأنه نكث وغيَّر (التنبيه، ص١٦٤). وعند هشام بن الحكم، عليٌّ أفضل الأمة وأعلم أفرادها (التنبيه، ص١٢٥). أما سليمان بن جرير فإنه يُكفر عليًّا، ويقول إن عليًّا لا يضل، ولا تقوم عليه شهادة عادلة بضلالة، وهذا ثابت بالروايات الصحيحة لا من العامة (مقالات، ج١، ص١٣٦). وعند النعيمية (الزيدية) أصحاب نعيم بن البيان، استحقَّ عليٌّ الإمامة لأنه أفضل الناس بعد الرسول، وأن الأمة ليست بمُخطئةٍ خطأ إثم في بيعة أبي بكر وعمر، ولكنها مُخطئة خطأً بيِّنًا في ترك الأفضل. برِئوا من عثمان ومن مُحارب علي، وشهدوا عليه بالكفر (مقالات، ج١، ص١٣٧). أما الزيدية فإنها تُفضل عليًّا على سائر الصحابة، وأنه ليس بعد النبي من هو أفضل منه (مقالات، ج١، ص١٤١). أما بالنسبة للخلفاء الأربعة فهم الأفضل عند أهل السنة، ولم يمنع عن إمامة المفضول إلا أخبار آحاد في غير الإمامة، مثل: «يؤمكم أقرؤكم» (الإرشاد، ص٤٣٠-٤٣١). وعند أبي علي وأبي هاشم تمَّت مبايعة أبي بكر لأنه الأفضل (الإمامة، ص٢٢٤).
٦١  هذا هو موقف جمهور السنة؛ فقد أجمعت الصحابة على جواز إمامة المفضول، الإجماع على إمامة معاوية. وعند كثير النوي، وهو من أصحاب الحديث، تجوز إمامة المفضول (المِلل، ج٢، ص٩٠). وعند سليمان بن جرير الزيدي تجوز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، وتُجوز جمهور الزيدية إمامة المفضول مع قيام الفاضل (النهاية ص٤٨٧). وتُجوز الصالحية البترية إمامة المفضول وتأخير الفاضل والأفضل إذا كان الفاضل راضيًا بذلك (المِلل، ج٢، ص٩٢-٩٣). وعند طائفة من الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجعفرية (جعفر بن المبشر الثقفي، وجعفر بن حرب الهمذاني، وجعفر بن محمد بن عبد الله الإسكافي)، تجوز إمامة المفضول على الفاضل (الفصل، ج٥، ص٣؛ التنبيه، ص٣٤-٣٥). ولا توجد حجة أصلًا من قرآن أو سنة أو إجماع أو عقل أو قياس أو قول صاحب على ضرورة إمامة الأفضل، صعوبة معرفة الأفضل نظرًا لتفرُّق قريش في البلاد. ولا يمكن معرفة الأفضل إلا بنص أو إجماع أو معجزة، وهو ممتنع. تباين الناس في الفضائل. قالوا الأزهد الأورع فالأسوس فالأشجع فالأعلم، وهم مُتقاربون في التفاضل. وهو تكليف ما لا يُطاق. الوظائف تنفيذيةٌ لا تشريعية (الفصل، ج٥، ص٣–٦). الإمامة ليست مستحَقَّة بعمل، وليست في حاجة إلى أن يكون أفضل أهل الزمان، أو أنه لا يصلح لها إلا واحد كما قال عباد. الإمامة غير النبوة. النبي أفضل من في الأمة بعد البعثة لا قبلها (الإمامة، ص٢١٥–٢٢٤).
٦٢  أثبت سليمان بن جرير الزيدي إمامة أبي بكر، والأمة تركت الأصلح في البيعة لها لأن عليًّا كان أولى بالإمامة، إلا أن الخطأ في البيعة ليس كفرًا ولا فسقًا (الفرق، ص٣٢-٣٣؛ المِلل، ج٢، ص٨٩). إمامة عثمان ست سنين مع كون علي أفضل (الأصول، ص٢٩٣-٢٩٤). وكذلك قوم من المعتزلة منهم جعفر بن بشر وجعفر بن حرب (المِلل، ج٢، ص٩٠؛ مقالات، ج١، ص٣٥، ص٢٣٧؛ التنبيه، ص٣٤). طعن بعض الزيدية في الصحابة مثل الإمامية (المِلل، ج٢، ص٨٦؛ مقالات، ج٢، ص١٣٤). عند الزيدية ومعتزلة بغداد والجعفرية، عليٌّ أفضل الذين بعد الرسول، لا يسبقه بالفضل أحد، ولَّى الرسول عمرو بن العاص على فضلاء المهاجرين والأنصار في غزوة ذات السلاسل، مبايعة المفضول على الفاضل إذا عُلم أنه يقوم بالإمامة، ويؤدي حقها، ويعلم علمها. ولَّى الرسول أبا بكر وكان عليٌّ أفضل. أزواج النبي كلهم في الجنة، وعلي أفضل منهم. يتبرَّءون من أبي موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة وطوائف مالَئوا على عداوة علي مع معاوية، وركنوا إلى الدنيا وآثروها على الآخرة. ويتبرَّءون ممن تبرَّأ من الشيخين والعشرة المبشرين بالجنة، ويعتبرونهم فساقًا عصاة. علي أفضل الأمة بعد الرسول، يأخذون قوله في العدل والتوحيد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بإحباط الأعمال، والقول بالفرض، ويقتدون به في قتال أهل الصلاة، هو العلم والإمام وحجة الله بعد الرسول، وهم الشيعة الخُلَّص (التنبيه، ص٣٤-٣٥).
٦٣  عند أهل السنة يتعين إمامة أفضل أهل العصر إلا أن يكون في نصبه هرج ومرج وهيجان وفتنة، فيجوز نصب المفضول (الإرشاد، ص٤٣٠-٤٣١). جوَّزه آخرون لعله أصلح للإمامة من الفاضل؛ إذ المعتبَر في ولاية كل أمر معرفةُ مصالحه ومفاسده، وقوة القيام بلوازمه، ورُبَّ مفضول في علمه وعمله هو بالزعامة أعرف، وبشرائطها أقوم. وفصَّل قوم وقالوا: نصب الأفضل إن أثار فتنة لم يجب، كما إذا فُرض أن العسكر والرعايا لا ينقادون للفاضل بل للمفضول (المواقف، ص٤١٢-٤١٣). أجازها القلانسي (الفرق، ص٣٥٢). إذا كانت فيه شرط الإمامة. وبه قال الحسين بن الفضل ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأكثر أصحاب الشافعي. وقال الباقون من المعتزلة: الأفضلُ أولى بها، فإن عرض للأمة خوف فتنة من عقدها للأفضل جاز لهم عقدها للمفضول (الأصول، ص٢٩٣-٢٩٤). إذا منع عارض من قيام الأفضل يسوغ نصب المفضول (التمهيد، ص١٨٢؛ النسفية، ص١٤٥). لأن المُساوي في الفضيلة بل المفضول أقلُّ علمًا، وربما كان أعرف الناس بمصالح الإمامة ومفاسدها، وأقدر على القيام بواجبها، خصوصًا إذا كان نصب المفضول أدفع للشر وأبعد عن إثارة الفتنة (التفتازاني، ص١٤٥؛ الإسفراييني، ص١٤٥).
٦٤  ما لأجله يقوم المفضول على الفاضل: (أ) أن يكون في الأفضل علة تُخرجه عن كونه إمامًا، أو تنقصه بعض الشرائط كالعلم أو المعرفة أو السياسة على عكس المفضول. (٢) لو كان الأفضل عبدًا أو ضريرًا أو زمِنًا، أو مشغولًا بمرضٍ يبعد بُرءه، أو مُختل الرأي، أو لجزعه من تطبيق الحدود. (٣) لو كان الأفضل من غير قريش، والمفضول من قريش (وهذا مرتبط بشرط القرشية ورفضه). (٤) لو كان المفضول أحق، مثل سلامة الحال، وشهرة الفضل والصلاح، وسكون النفس إليه. (٥) لو كان المفضول ليس قريب عهد بالكفر، لا تنفر منه النفوس. (٦) لو كان المفضول انقيادُ الناس له أكثر. (٧) الأفضل ليس شرطًا على الإطلاق، بل مرجِّح لو كان في المفضول مرجِّح أقوى. (٨) إذا كان في حال العقد عارضٌ يقتضي تقديم المفضول، مثل أن يكون في البلد الذي مات فيه الإمام، أو معرفة المفضول دون الأفضل، أو خشية الفتنة (الإمامة، ص٣٢٧–٢٣٣).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١