• أمير قصر الذهب

    من بينِ العصورِ العربية، تَميَّزَ العصرُ العباسيُّ الأولُ بازدهارٍ في شتَّى نواحي الحياة، وخاصَّةً في الأدبِ والعِلم، والفلسفةِ والفِقه، والمُوسيقى والفن؛ وهذا ما جعلَه بيئةً خصبةً للإبداع، ومصدرَ وَحيٍ وإلهامٍ لأُدباءِ العصرِ الحديث. وفي هذه الرِّواية الخياليَّة، يعودُ الكاتبُ بالزَّمنِ إلى العصرِ العباسي، مُستخدِمًا شخصياتٍ حقيقيةً كالخليفةِ «أبي جعفر المنصور»، وحفيدِه الأميرِ «إبراهيم بن المهدي». في هذا الإطارِ التاريخي، ووسطَ جوٍّ عربيٍّ ساحر، يعيشُ القارئُ أحداثَ الرِّواية، التي تُوضِّحُ مدى حُبِّ الأميرِ للفنِّ والطرَب، والشِّعرِ والجَمال؛ فينتقِلُ إلى عصرٍ كانت فيه «بغداد» عاصمةَ التقدُّم، ومنارةَ الفنون.

  • العسكري الأسود

    «دَعِ الضاربَ يَضرب؛ فيَدُه التي تَضربُ تمتدُّ أيضًا إلى ذاتِ نفسِه.»

    روايةٌ يَختلطُ فيها الواقعُ بالخيال، تدورُ أحداثُها عن «شوقي»؛ الشابِّ المُثقَّفِ الذي يَسعى حثيثًا إلى تغييرِ واقعِه، غيرَ أنَّه يُعتقلُ فجأةً دونَ سابقِ إنذار، وفي المُعتقَلِ لم يُغيِّرْ كرباجُ الجلادِ معالمَ جسدِه فقط، بل غيَّرَ شخصيتَه وفِكرَه وثوابتَه؛ فخرجَ ليَكذبَ ويَسرقَ ويُنافقَ حتى استطاعَ العملَ طبيبًا في عُقرِ دارِهم، في المكتبِ الطِّبي للمُحافظة، وتدورُ الأيامُ ليأتيَ تحتَ يدِه أوَّلُ مُعذِّبيه، عباس الزنفلي «العسكري الأسود»، مريضًا طريحَ الفِراش، يَنهشُ المرضُ في لحمِه، وقد جارَ عليه رُؤساؤُه، بعدَ أن كان مِن أبرزِ أدواتِ النظامِ للبطشِ بالسِّياسيِّين، ومِن أيقوناتِ السُّجون، ومعروفًا بين المُعتقَلِين باستغلالِه لجسدِه الضخمِ في التلذُّذِ بتعذيبِ المساجينِ بكلِّ الوسائل. فهَل يتحوَّلُ الجلادُ إلى ضحيةِ سادتِه وطبيبِه، أم إنَّ للطبيبِ المُعذَّبِ رأيًا آخَر؟

  • البيضاء

    «وأنني رغْمَ هذا كلِّهِ لمْ أكفَّ عنْ حُبِّها ولنْ أَكُف، وأني قطعًا وبالتأكيدِ هالِك، وقدْ بدأتُ أتناولُ الحبوبَ المهدِّئةَ وأنامُ بالمنوِّماتِ وأستيقظُ بالمُنبِّهات، وعقلي كلُّهُ أراهُ رأْيَ العَينِ ينفصلُ شيئًا فشيئًا عنْ واقعِ الحياة، ويتصاعدُ مُتصوِّفًا في عبادتِها، وكأنها تجرَّدتْ هي الأُخرى ووصلتْ إلى معنَى الله.»

    الاعترافُ طَقسٌ سحريٌّ يمارسهُ مَن يشعرُ بالذنْب، طامعًا في الغفران، غيرَ أنَّ «يحيى» الذي قرَّرَ يوسف إدريس أنْ يجعلَهُ يعترفُ لقرَّاءِ روايتِه، لم يطلبِ الصَّفحَ مِن قرَّائِه، بل أرادَ أنْ يشاركَهم قصَّةَ التناقضِ الذي يكادُ يمزِّقُ عقلَهُ وقلبَه؛ إذْ يتشكَّلُ الصِّراعُ بينَ أُصولِهِ الرِّيفيَّةِ وحياتِهِ المدنيَّة، بينَ ضغوطِ الحياةِ وزحامِها في حيٍّ شعبي ورفاهيةِ الحيِّ الأرستقراطي، بينَ انتمائِه إلى الفكرِ اليساريِّ وانتقادهِ له. يَحملُ «يحيى» في نفْسِه كلَّ المُتناقِضات، غيرَ أنَّ التناقضَ الأكبرَ هو قصَّةُ حبِّهِ لهذهِ المرأةِ اليونانيةِ البيضاءِ «سانتي»؛ فعلى الرَّغمِ مِن تطرُّفِ «يحيى» في حبِّها حتى أصبحَ مًتصوِّفًا في عبادتِها، فإنَّها لم تُبادِلْه يومًا الحب، وإنْ حرَصتْ على وصلِهِ دومًا؛ فالعلاقةُ بينَهما مُعقَّدةٌ إلى أبعدِ حد، فهلْ ينجحُ «يحيى» في إنهاءِ التردُّدِ المُسيطِرِ على حياتِه؟

  • بيت من لحم: وقصص أخرى

    «الخاتمُ بجوارِ المِصباح. الصَّمتُ يَحُلُّ فتَعمى الآذان. في الصَّمتِ يتسللُ الأُصبُع. يضعُ الخاتم. في صمتٍ أيضًا يُطفأُ المِصباح. والظَّلام يَعُم. في الظَّلام، أيضًا تَعمى العيون. الأرملةُ وبناتُها الثلاث. والبيتُ حُجرة. والبدايةُ صمت.»

    الشَّيخُ يقرأُ وصوتُه يُجلجِلُ في البيتِ الذي افتقدَ الرجلَ منذُ مُدة؛ ففي صوتِه وجدَتِ الأمُّ وبناتُها ظِلًّا يَلجأنَ إليهِ ولو مرةً كلَّ عصرِ جمعة، وزواجُه بالأمِّ لم يكنْ صُدفة؛ فقدْ قرَّرَتْ معَ بناتِها منذُ أنْ ماتَ أبوهُنَّ أنهُنَّ في حاجةٍ إلى رجل، والرجلُ شيخٌ وكفيف، والبناتُ لا تَخفى عليهِنَّ مداعبةُ الأزواج، والغرفةُ تتَّسعُ لهُنَّ ولزوجِ أمِّهِن، فما المانعُ من أنْ يُشاركْنَ الأمَّ مُتعتَها برجلٍ كفيفٍ لا يقدرُ على تمييزِ أيِّ امرأةٍ يَلتقي على فراشِه كلَّ ليلة، ليكونَ زعيمَ بيتٍ من لحم. مجموعةٌ قصصيةٌ ليوسف إدريس يُشَرِّحُ فيها المجتمعَ المصريَّ بكلِّ طبقاتِه، تجمعُ بين الفُكاهةِ والتراجيديا والبؤسِ والقهر، ولا تبخلُ علينا بجُرأةِ الكاتبِ المعهودةِ في وصفِ ما تَعِجُّ به النفسُّ البشرية.

  • حادثة شرف

    «مَا فائِدَةُ البَنادِقِ والرَّصاص؟! أَلِكَي تُخضِعَ هَؤلاءِ الناسَ بِقَتلِ بَعضِهم؟! ومَا فَائدَةُ القَتلِ فِي قَومٍ يُحيُونَ قَتلاهُمْ ومَوتاهُم؟! فِي قَومٍ يَخلُقُونَ مِنَ المَيِّتِ الواحِدِ مِئاتِ الأَحيَاء، ويَخلُقُونَ لِكلِّ حَيٍّ بَعدَ هَذا آلافَ الأَولَاد؟!»

    هَلْ يُمكِنُ لحادِثةٍ بَسِيطةٍ أَن تُغيِّرَ مَجرَى حَياتِها وحَياةِ مَن حَولَها؟! ولِمَ لا؟! لا سِيَّما أنَّها «حَادِثة شرَف»! فِي قَريَةٍ رِيفِيَّةٍ بَسِيطةٍ تَعِيشُ فَاطِمةُ، أَجمَلُ بَناتِ القَريَةِ وأَرَقُّهنَّ، حَياتَها مُطمَئِنَّةً هَادِئة، ولكِنَّ جَمَالَها الذِي رَفَعَها إِلى هذه المَرتَبة، هُو نَفسُهُ الذِي جَعلَ مِنهَا مَحَلَّ حِقدِ كُلِّ بَنات القَريَةِ لأَنَّ جَمَالَها طَاغٍ عَليهِن، وجَعلَ الشَّبابَ يَتَنافَسُونَ للفَوزِ بِها. لكِنَّ حَادِثَ اعتِداءٍ بَسِيطٍ مِن شَابٍّ مُتهوِّرٍ يُفقِدُ البِنتَ حَياتَها المُستقِرَّة، ويُلوِّثُ سُمعَتَها، ويَجعَلُها حَدِيثَ القَريَة؛ لا لِجَمالِها هذِهِ المَرَّة، ولكِنْ لضَياعِ شَرَفِها. فَمَا حَقِيقةُ الِاعتِداءِ الذِي َتعَرَّضت لَهُ فَاطِمة؟ وهَل يُمكِنُ لحَادِثٍ كهَذا أَن يُغيِّرَ حَياتَها تَمامًا؟ فِي هَذِهِ المَجمُوعةِ القَصَصِيَّةِ نَتعرَّفُ عَلى قِصَّةِ هذه الحادثة، وقصصٍ أُخرَى.

  • المكاري والكاهن

    «اذْكُرْني فِي صَلاتِكَ وسَأَذكُرُكَ فِي صَلَاتي.» رِسالةٌ هَذا مُؤَدَّاها، يَتلَقَّاها كاهِنٌ مِن رَجُلٍ يَبغُضُ الكَهَنةَ ورِجالَ الكَهَنُوت؛ رَجُلٍ مِهْنتُه الخاصَّةُ هِي غَيرُ الفِلاحةِ والزِّرَاعة، هُوَ مِن تِلكَ الطَّبَقةِ الَّتي يَحْتقِرُها النَّاس، بالرَّغْمِ مِن أنَّ البِلادَ لا تَستغنِي عَنْها؛ هُوَ أَحدُ المُكَارِينَ الَّذِينَ يَقضُونَ فِي الفَلاةِ مُعْظمَ أَوْقاتِهم، وفِي خِدْمةِ اللبنانيِّينَ يَجِدُّونَ وَراءَ البِغَال. أَحدَثَتْ تِلكَ الرِّسالةُ فِي نَفْسِ الكاهِنِ زِلْزالًا، وأَضْرمَتْ فِي عَقْلِه نِيرانَ الصِّراع، وحوَّلَتْه مِن خادِمٍ لِلأكليروس إِلى خادِمٍ لِلإِنْسان. فِي هذِهِ الرِّوايةِ القَصِيرةِ يُعالِجُ «أمين الريحاني» فِي إِطارٍ سَرْديٍّ دِرامِيٍّ وَضْعًا مِنَ الأَوْضاعِ الاجْتِماعيَّةِ الَّتِي سادَتْ بَعْضَ البَلْداتِ الشَّاميَّةِ فِي مَطْلعِ القَرْنِ العِشْرِين، حَيثُ يَنغلِقُ الجَبلُ عَلى نَفْسِه مِن جِهة، ومِن جِهةٍ أُخْرى يَنقسِمُ عَلى نفْسِه إِلى كَهَنةٍ يَدَّعُونَ الفَضِيلةَ وخِدْمةَ الرَّبِّ والرَّعِيَّة، وعامَّةٍ مِنَ الفُقَراءِ يَزدادُونَ فَقْرًا، وأَفْقرُهم المُكَارُونَ الَّذِينَ هُم بالإِضَافةِ إِلى فَقْرِهم مَحَلُّ احْتِقار. أمَّا المُكَارِي بَطلُ رِوايَتِنا فَلَه شَأْنٌ آخَر، فهُوَ وإِنْ كانَ فَقِيرًا حَقِيرًا إلَّا أنَّ لَه وَعْيًا مُغايِرًا، نَتعرَّفُ عَلَيْه بَينَ دَفَّتَيِ الكِتاب، ونَعرِفُ كَيفَ سيَخترِقُ بوَعْيِه وَعْيَ كاهِنِ قَرْيتِه.

  • الجزيرة

    يُقدِّمُ لنَا «أولدس هكسلي» صُورةً فَرِيدةً مِن أَدَبِ المَدِينةِ الفاضِلةِ أو اليُوتُوبيا؛ صُورةً يَجعَلُ فِيها مَدِينتَهُ — أَو بالأَحْرَى جَزِيرَتَهُ — غَيرَ مُنعَزِلَةٍ عَنِ العَالَم، ولَا أَبَدِيَّةَ النَّعِيم، لا تُلِينُها الرَّفَاهِيَة، ولا تُلهِيها المَادِّية، ولا يَنقُصُها الشَّغَف … هيَ جَنَّةٌ أَرضِيَّةٌ وَفِيرةُ الثَّروة، مَحكُومَةٌ بِوَعيٍ وَضَمِيرٍ وَفِكرٍ مُستَنِير. وكالعَادَةِ يَكُونُ الجَمَالُ مَحَلَّ أَطْماعِ الرِّجَال؛ فَهُناكَ مَن يَستَكثِرُ النِّعَمَ عَلى غَيرِه، ويَرَى نَفسَهُ أَحَقَّ بِها مِنه، فَيَسطُو ويَحتَلُّ ويَظُنُّ أَنَّهُ بِتَدمِيرِهِ للمَظَاهِرِ المَادِّيةِ قَد تَملَّكَ جَوهَرَ الحَضارةِ ومَلَكَ ناصِيةَ المَدَنِية، ولَكنْ مَن أَدرَكَ حِكمةَ الحياةِ لا تَهزِمُهُ دَواعِي المَوت؛ فَالخَيرُ فِيهِ مُتأصِّل، والنُّورُ فِيهِ كامِنٌ يَنتَظِرُ وَقتَهُ المُناسِبَ للنُّهوضِ مِن جَدِيد.

  • جمهورية فرحات

    «مَا كِدتُ أَدلِفُ إِلى القِسمِ ومَعِي الحَرسُ حتَّى أَحسَستُ بِانقِباضٍ مُفاجِئ، لَمْ تَكنْ تِلكَ أَوَّلَ مَرةٍ أَدخُلُه، ولَكِنَّها كَانَتِ المَرةَ الأُولَى التِي أَرَى القِسمَ فِيها فِي اللَّيل.»

    لكلٍّ مِنَّا عالَمُه الذِي يَعِيشُ فِيه، عالَمٌ تَستَحِيلُ فِيهِ مُعاناتُنا إلَى قَضَايا كُبْرى وتُصبِحُ مِحوَرًا للكَوْن، عالَمٌ نَرى مِن خِلالِه، ولا نُرَى إلَّا بِه، وكَذلِكَ اسْتَطاعَ الصول فَرَحات أنْ يَصنَعَ جُمهُورِيتَه/إمْبِراطُورِيتَه الخاصَّةَ التِي يُسَيطِرُ فِيها — ولَوْ لِوَقتٍ قَصِير — عَلى مَجْرَياتِ الأُمُور؛ يَسألُ فيُجَاب، يَأمُرُ فيُطاع، صوْتُه مَصدَرُ الخَوْف، نَظْرَتُه تَحمِلُ في كَنَفِها الرَّهبَةَ والرَّغبَةَ فِي آنٍ واحِد. عَبْرَ عِبارةٍ جَزْلَةٍ وسَلاسَةٍ فِي الحَكْي، جَمَعَ يوسف إدريس فِي مَجمُوعَتِه هَذهِ قِصَصَ: «الطَّابُور»، وَ«رَمضَان»، وَ«قِصَّة حُب»، و«جُمْهُورِيَّة فَرَحات»، الَّتي عَنوَنَ بِها كِتابَه.

  • نيويورك ٨٠

    «مَتَى يا إلَهي تُعْطِي بَعضَ الرِّجالِ شَجاعَةَ بَعْضِ البَغايا؟»

    الفَضِيلَةُ والرَّذِيلةُ أَمْرانِ نِسْبيَّانِ لَدَى كلٍّ مِنَّا، وَلَدَى الكَثيرِ مِنَّا مَبادِئُهُم التِي يَنْطلِقُونَ مِنها فَيَصْبِغُ أحَدُهُم أَمرًا ما بصِفَةِ الفَضيلَةِ بَينَما يُنْكِرُها عَلَيْه شَخصٌ آخَر. وفِي القِصَّةِ الأُولَى مِن هَذا الكِتابِ «نيويورك ٨٠» يَأْخُذُنا يوسف إدريس إِلى حِوارٍ بَينَ الدُّكتُورةِ العاهِرةِ والرَّجُلِ المُثَقَّف؛ حَيثُ تَتأَرجَحُ الحُجَجُ حَولَ مَشْرُوعِيَّةِ العِهْر، فبَينَما تُحاوِلُ الدُّكتُورَةُ أنْ تُؤَكِّدَ أنَّ العِهْرَ بَيعٌ للجَسَدِ لِلَيلَةٍ واحِدَةٍ كَمَا أنَّ الزَّواجَ هُوَ بَيْعٌ للجَسَدِ مَرةً واحِدَةً لِكُلِّ يَوْم، يُحاوِلُ المُثَقَّفُ أنْ يُنكِرَ عَلَيها أَفْكارَها مُؤَكِّدًا أنَّ العِهْرَ هُوَ فِي ذاتِهِ جَرِيمَة؛ فمَنْ يَنتَصِر؟ وفِي قِصَّتِه الثَّانِيةِ «فيينا ٦٠» يَرسُمُ الأَديبُ العَلاقَةَ بَينَ الشَّرقِ والغَربِ مِن مَنْظورٍ أَدَبيٍّ فَيُصَوِّرُها تَتأَرجَحُ بَينَ الرَّفضِ والقَبُول، فَكلُّ أَدِيبٍ يَرسُمُ الشَّرقَ الذِي يَعِيشُهُ والغَربَ الذِي يَرَاه. فيَكتُبُ عَنْ «هُوَ» الشَّرْقيِّ الَّذِي يَرغَبُ في مُمارَسةِ الجِنسِ معَ «هِيَ» الغَربِيَّة؛ غَيرَ أنَّه لا يَستَطِيعُ أَنْ يُتِمَّ العَلاقَةَ مَعَها إلَّا حِينَما يَتَصوَّرُها زَوْجَتَهُ الشَّرقِيَّة، وَكَذلكَ فَعلَتْ هِي.

  • وصرتُ إلهًا بعد التاسعة

    «أهَكذَا يَعيشُ المُلوك؛ مُنعَّمِينَ بِما لَذَّ وطَابَ مِنَ العَسلِ والخَمرِ واللَّبنِ والحِسانِ فِي سِجنٍ مُذهَبٍ وتَحتَ إِمرَةِ كَبِيرِ الكَهَنة؟ أتَعجَّبُ مِن تِلكَ العَلاقة؛ فمَلِكٌ يَجيءُ بكَبِيرِ الكَهَنةِ ويُنصِّبُهُ فِي المَعبَدِ وكَبِيرُ الكَهَنةِ يَجيءُ بالمَلِكِ ويُنصِّبُهُ بالمَعبَدِ. النَّاسُ تَرى المَلِكَ الرَّجُلَ الأوَّلَ وكَبِيرَ الكَهَنةِ هُو الرَّجُلَ الثَّانِي، وكِلاهُما يَعرِفُ أنَّ كَبِيرَ الكَهَنةِ هُوَ الرَّجُلُ الأَوَّل. يَزِيدُ الدُّوارُ كُلمَا حَاوَلتُ الفَهْم، الجَمِيعُ يَمتثِلُ للمَلِكِ لأَنَّهُ ابنُ الإِلَه، والمَلِكُ يَمتثِلُ للكَاهِنِ الأَعظَمِ لأَنَّهُ مُتَحدِّثُ الإِلَه … لَكِنْ هُناكَ مُلوكٌ ذَبَحوا كَاهِنَهُم الأَعظَمَ الذِي وَرِثُوهُ مَعَ العَرشِ؛ فلِماذَا لَم يَأتِ وَقتَها بكَلامٍ مِن آمون يَنفِى فِيهِ نَسَبَ المَلِكِ ويَقلِبُ الجَمِيعَ ضِدَّ المَلِك؟»

    اقتَرنَ الحُكمُ فِي مِصرَ القَدِيمةِ بالقَداسَة؛ فَكانَ فِرعَونُ مِصرَ إِلهًا مُقدَّسًا مُحتَجِبًا عَنِ النَّاسِ بسُلطانِهِ وقُدسيَّتِه، يَحكُمُ مِن وَراءِ سِتارٍ يَعلُوهُ سِتارٌ آخَرُ لِكَبيرِ الكُهَّانِ (كاهن آمون)، والشَّعبُ يُسبِّحُ بحَمدِهِما. وفِي هَذِهِ الرِّوايةِ الرَّمزِيةِ استَطاعَ المُؤلِّفُ أنْ يَخلُقَ نَصًّا مُكثَّفًا يَجمعُ بَينَ السِّياسَةِ والتَّاريخِ والحُلم، وأنْ يَدمُجَ على مَسارِها السَّرديِّ أَحدَاثًا تَنتَمي إِلى أَزمِنةٍ مُختَلِفةٍ يُوحِّدُها المَكان؛ إذ تَجرِي الأَحداثُ جَميعُها عَلى أَرضِ مِصرَ فِرعَونيَّةً كانَتْ أم حَدِيثة، وتَدورُ في فَلَكِ عالَمَينِ مُختَلِفَينِ يَتَغازَلان؛ عالَمِ الحُلمِ وعالَمِ الوَاقِع، تُؤلِّفُ بَينَهُما الرَّمزيةُ كأدَاةٍ أدَبيَّةٍ فِي استِعراضٍ رَشِيقٍ لمُشكِلةِ السُّلطةِ والحُكمِ فِي مِصرَ مُنذُ القِدَم.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.