• ابن عمار

    «وتنغلق الطُّرق على ابن عمار، فيَبلغ الغيظُ أقصاه بالمعتمد، فيُمسِك بقطعةٍ من حديد ذات مقبض كان قد أعدَّها، ويَهوِي بها على رأس ابن عمار، ثم لا يزال يضرب ويضرب حتى يموت ابن عمار بيدِ المعتمد، بيدِ صداقةِ خمسة وعشرين عامًا، بيدِ المَجد الذي اقتعده، بيدِ القمة التي ساوَرَها.»

    عاش «أبو محمد ابن عمار» حياتَه طولًا وعرضًا مُنافقًا مادحًا كاذبًا، يأكل بكلمته، ويعيش على فُتاتٍ يأخذه جزاءَ ما يلفظه شعرًا، يمدح التجارَ ليجد قُوتَ يومه، ثم ينتقل إلى الأندلس، فيقصد «المعتضد» بعد أن علم حُبه للشعر، ويصادِق ولدَه «المعتمد بن عباد» فيُقربه حتى يصبح في منزلة أخيه، يُنشِده «ابن عمار» شعره مادحًا، ويُغدِق عليه «المعتمد» من عطاياه أموالًا وعزًّا ومكانة، حتى صار وزيرًا له بعد تنصيبه مَلكًا على الأندلس، ثم خانه واستقلَّ بمرسية؛ إحدى ولايات الأندلس، بعد تخطيطٍ ودهاء وخداع لصديقه «المعتمد»، فانتهى أمره بالسجن جزاءَ ما فعل، حتى حنَّ «المعتمد» إلى مجلسه، لكنها الخيانةُ تَسري فيه مَسرى الدم، فقتله «المعتمد» بعد أن أفشى سرَّ حنينه إليه.

  • خيوط السماء

    «كان فرغلي قد تعلَّم في معاملته لمن يُمسِك برقابهم أن يجعل ضغط يده يتوقَّف قبل أن يُزهِق الروح، وكان قد تعلَّم أنه حين يجعل واحدًا منهم ينحني ويُعفِّر رأسه في حَمأة الذل، عليه بعد أن يجعله يُنفذ ما يريد، أن يفتح له بابًا يعود عليه بكسبٍ يُخفف الذل الذي أصابه، فإذا لم يُضمد جراح الآدمي فيه، أتاح لشِرَّة المال أن تجعله يهدأ إلى بعض راحة.»

    لم تكن مصر وحدها في حاجةٍ إلى ثورة تُجدِّد دماءها، وترفع عنها وجوهًا اعتادت أن تحكم الشعب باسم السلطة لا باسم الشعب، بل كان المجتمع نفسه في حاجةٍ إلى تغيير أفكاره ومعتقداته؛ ذلك هو المجتمع المصري في ثلاثينيات القرن الماضي. وقد كان «فهيم» يعرف ذلك جيدًا، إلا أن هذا لم يمنعه من الزواج ﺑ «غزيَّة» في أحد الموالد؛ وهو ما جعله يفرض على نفسه عُزلةً اجتماعية يعرف جيدًا أنه لا مناصَ منها، فلو لم يبادر بها، لَعاجَله بها أهل قريته. مرَّت سنوات و«تحية» تعيش مع «فهيم» في منزله، أثمر زواجُهما ابنَهما الوحيد «فرغلي»، ولكن تُرى هل تنسى «تحية» عملها القديم؟ وماذا عن «فرغلي»؟ هل يتأثَّر بنظرة المجتمع له؟ إننا لا نحيا معزولين عن المجتمع، وحينما تختلط الأنساب يختلط معها الدمُ والتاريخ والمستقبل.

  • الطلسم

    «هنالك شهدتُ ملكة إنجلترا، وهي بحُسنها الفاتن جديرةٌ بأن تكون ملكة على العالَم بأسره؛ أيُّ رقَّةٍ تلك التي تشعُّ من عينها الزرقاء؟! وأيُّ بريقٍ ذلك الذي يتألَّق في فرعها الذهبي المتهدِّل؟! أقسمتُ بالرحمن ما أحسب الحوراء التي سوف تُقدِّم لي كأس الخلود اللؤلُئِي بأحقَّ من هذي بأحَرِّ العناق.»

    تُعَد الحرب الصليبية الثالثة واحدةً من أكثر الحروب إلهامًا للمؤرخين والأدباء على حدٍّ سواء؛ حيث حفَلت بالكثير من الأحداث التي جعلت منها مادةً غنية لخيال الأدباء. وفي هذه الرواية يُسلِّط «والتر سكوت» الضوءَ على مراحل مختلفة ومتباينة في نظرةِ الشرقي المسلم والغربي المسيحي كلٍّ منهما إلى الآخر؛ فكلٌّ منهما يُدافع عن بيت المَقدس الذي يحمل قداسةً لديه. وبينما يَستعدُّ الملك «ريتشارد قلب الأسد» للاستيلاء على بيت المَقدس، إذا بالمرض يشلُّ تفكيره ويُوهِن جسده حتى كاد يهلك، وفي هذه الأثناء يظهر القائد المسلم «صلاح الدين الأيوبي» ليُعالجه بالطلسم، الذي قدَّمه هديةً لأحد رجال «ريتشارد»، فصار بعد انتهاء الحرب مَقصدًا لشفاء المجانين ومَن يُعانون من النزيف، حتى أَوقفت الكنيسة العملَ به باعتباره سحرًا.

  • العتب على النظر

    «وعاث الحمار في أرض القرية بنظارته فسادًا، فلم يترك أنثى على حالها، بل أحيانًا كان يناوش حتى الذكور من الحمير، وأشاعوا أن حسن أرسل حماره لكُتَّاب الشيخ حسنين، وأنه تعلَّم القراءة بسهولة تامة؛ إذ على رأي عم ناجي: أنا مركب له نضارة تقرأ لوحدها.»

    هل يُمكن لحمار أن يرتدي نظارة؟! وإن كان ممكنًا، فكيف نعرف أنه يرى بواسطتها، وأنها تصلح أن تكون عينه التي يرى بها؟ افتتح يوسف إدريس مجموعته القصصية «العتب على النظر» بقصة حمار يريد صاحبه أن يصنع له نظارة ليرى، فيقوده عقله إلى حيلة تنتهي به إلى صُنع نظارة للحمار، وتكون مصدرًا للرزق أيضًا. وتحتوي المجموعة على قصص أخرى كقصة «أمُّه» حين يجد الولد في شجرة أمًّا له، تعوضه عن حنان واحتضان لم يجده من أمه التي أنجبته وتركته لتتزوج، وتحتوي المجموعة على قصص أخرى مثل «الرجل والنملة»، و«أبو الرجال»، و«الخروج»، و«الختان».

  • حين يميل الميزان

    «لم أكتفِ بأن آخذ من عمي الآلاف الثلاثة والمئات الخمس والعشرات الست والقروش الخمسة والأربعين، أخذتُ من عمي كلَّ ما حلا لي أن آخذه؛ فلقد مال الميزان ولم يعُد من الممكن أن يستقيم.»

    بزاوية مختلفة يخوض ثروت أباظة غمار تجربة فنية جديدة بالبُعد عن السرد الطويل، حين استعاض عن كل ذلك باختصار اللقطة، وسرعة تطور الأحداث للوصول للمعنى؛ ففي تلك المجموعة القصصية يربط شخصياتها خيط لا ينفصل، يظهر في صورة الصراعات النفسية التي تعتري كلٌّ على حدته، وتتوزع في كل قصة لتشكل روحًا مختلفة؛ ففي «حين يميل الميزان» يجد الشاب الصغير عمه وقد اغتصب ميراثه فلا يجد حلًّا سوى التحول ليكون الطرف الأقوى ويأخذ حقه ويتعدى على حقوق الآخرين؛ حتى اختل ميزانه الذي طالما حرص على ضبطه، وفي «ولكني سعيد» يعاني شابٌّ من القلق من المستقبل ويقصد المنجمين ليعرفه، فلا يصدقون حتى يقابل هذا الهندي الذي يخبره عن كل شيء سيفعله ويصدُق، ثم يجد نفسه أمام كتاب مفتوح يعرف نهايته فيستعجل النهاية وينتحر.

  • أمواج ولا شاطئ

    «أصبح لا يُصادِق إلا الخدم والقوَّادين، وتردَّى في طريق لم يتصور أنه سيسير فيه، أصبح يضحك ضحكته الشهيرة، ولكنه كان كلما ضحكها أحسَّ أنه يضحك من نفسه، وأحسَّ أن العالَم أجمعه يَضحكها منه معه.»

    أيُمكِن للسلطة والجاه أن يُحوِّلا الإنسان إلى ذئب في ثوب حَمَل؟ أيُمكِن أن يعيش الإنسان حياتَين، يؤدي في إحداهما دورًا غير الذي يؤديه في الأخرى؟ أيُمكِن أن يمتد العهر والفساد عبر أجيال بالوراثة جبرًا أو اختيارًا؟ هكذا صوَّر «ثروت أباظة» حياةَ الباشوات وأصحاب السلطة؛ حياةً لا معنى لها كأمواجٍ عاصفة بكل شيء، وحين تبحث عن شاطئ لتهدأ عليه وتستجمع قُواها، لا تجد غير جزاء صنيعها وسوء تدبيرها وجنايات يدها، فمن «نامق بك» إلى «نازك هانم»، وحتى «نادر بك» و«منيرة هانم»؛ كلٌّ يتلذَّذ بخيانة الآخر، فلا أحد يتزوج مَن يُحب، ولا أحد يفعل ما يريد، كلٌّ مجبور على ركوب أمواج الخيانة بغير شِراع.

  • خيوط واهية

    «وهكذا بدأ شهاب رحلته الدراسية في غير إقبال ولا جنوح، وكان ترتيبه في الدراسة متوسطًا، لا هو متقدم ولا هو الأخير، ولكن المؤكد أنه لم يحس بفضل الباشا عليه مهما تقدمت به السن؛ فقد كان كلما مرت عليه السنون، يزداد حقدًا على الباشا وجحودًا ونكرانًا.»

    بفضل عمل والده لدى الباشا أصبح ﻟ «شهاب» مكان بمكتب وزير الزراعة عقب تخرُّجه، وبخُبثٍ نجح «شهاب» في أن يحتفظ بمكانه بالرغم من إقالة الوزير عقب ثورة يوليو وتغيير الوزارة عدة مرات، وكان قد احترف السُّحت والنفاق، فكوَّن ثروة كبيرة وتزوَّج من ابنة أحد كبار الموظفين القدامى، ولسوء سريرته فُتن براقصة وتزوَّجها وطلَّق زوجته وهجر أبناءه، واستحال رضا والده إلى غضب حتى حرمه من إرثه، ولم يُفِق إلا حين خانته زوجته ووُضِعت أمواله تحت الحراسة؛ فرجع إلى أمه نادمًا، لكن بعد موت أبيه غاضبًا عليه. صورة من صور المجتمع المصري كما رآها «ثروت أباظة» قبل ثورة يوليو، وما أعقبها من إجراءات سياسية كان لها تأثيرها الكبير على الحياة الاجتماعية للمصريين بكافة طبقاتهم.

  • فيينا ٦٠

    «كان درش إذَن قد انتهى من النساء في مصر، وذهب وفي نيَّته أن يغزو أوروبا المرأة، ومن لحظة أن وضع قدميه على سُلم الباخرة بدأت عيناه تزوغان هنا وهناك كمن فقد لتوِّه شيئًا، راح يُفتِّش في وجه كل امرأةٍ يراها أو يلمحها.»

    ربما تستهوي المرءَ بعضُ الأماني، ويأخذه الشوق لأحلام بعيدة المنال، ويلمع في عينه الهدف البعيد ذو الطُّرق الصعبة، لكنه حين يصل إلى مبتغاه ويحقق هدفه كاملًا تتضح له حقائق الأمور ودقائق المعاني؛ ﻓ «مصطفى»، ذلك الشاب المصري ذو المغامرات النسائية، تحايل حتى يحصل على مهمة عملٍ في أوروبا؛ لتسنح له فرصة تجربة النساء الأوروبيات الشقراوات، وبعد معاناةٍ كبيرة كاد فيها يفقد الأمل في خوض هذه التجربة، تعرَّف على سيدة نمساوية واصطحبته إلى منزلها مستغلةً غياب زوجها، وقضى معها ليلة ليكتشف أنها أيضًا كانت تحلم بالرجل الشرقي الأفريقي، لكنه مع شروق الشمس واستعداده لمغادرة المنزل يكتشف أنه كان معها بجسده فقط لكن عقله كان مع زوجته «أنيسة»، وكذلك كانت هي مع زوجها «ألفريد» الذي اكتشفت أنه هو رجلها الشرقي الأفريقي الذي كانت تحلم به.

  • السباحة في الرمال

    «أنا لا أُجيد السباحة، لو حاولتُ أن أنقذه متُّ أنا وهو لا محالة، نظرتُ حولي فوجدت شابًّا فتيًّا يجلس في زورق على الرمال ويُحرك مجدافَين فيمسَّان الرمال في رفق ثم يرتفعان إلى الهواء، والفتى ماضٍ في عمله هذا وكأنما يُجدف في الماء.»

    نجحت القصة القصيرة منذ ظهروها في القرن التاسع عشر في أن تُعبِّر عما يجول في خاطر الكاتب، وقد نجح رُوَّادها منذ ذلك الحين في أن يُجسِّدوا أفكارهم في بضع كلمات، وأن يستفزوا القارئ ليُعيد قراءتها عدة مرات، سواءٌ لاستخراج ما خفي فيها من معانٍ، أو لإعادة لحظةِ انتشاءِ العقل بوصول الفكرة. وفي هذه المجموعة القصصية يمدنا «ثروت أباظة» بدفعات من الومضات المضيئة التي تكشف لنا مشكلات مجتمعنا، كالكذب والخيانة والبخل والسلبية؛ ففي قصة «السباحة في الرمال» عمد إلى ترك القارئ أمام صراع نفسي وكأنه داخل القصة، أما في «حكايات رجل بخيل» وعَبْر لقطات طريفة أوصل إلينا كم يعاني البخيل ومَن حوله من شُحِّه، وفي «النابغة» أظهر لنا وجهَ المجتمع القبيح في نظرته للمرأة كنَزوةِ ساعة وتجارةٍ رابحة.

  • جنات وإبليس

    «جنَّات! اسمها يرن في أذنَيها غريبًا، كأنما تسمعه لأول مرة. مَن عساه يناديها؟ مَن عساه يعرف اسمها من ملايين الأسماء في الكون؟ تشد جفونها لتفتح عينَيها. حزام من الجلد كأنه مشدود حول رأسها. تحاول أن تنهض بجسمها متَّكلة على كوعها، تدور بها الأرض والصوت لا يزال يناديها.»

    عبْرَ عالَم بين اليقظة والنوم، تتداخل فيه عوالم وفضاءات عديدة من الواقع والخيال، ومن الدين والتقاليد، ومن الأسماء والمسمَّيات، ترسم لنا الدكتورة «نوال السعداوي» روايتها بجرأتها المعهودة. ﻓ «جنَّات»، تلك البنت التي نشأت تعاني من القهر والتهميش والاضطهاد، تحاول أن تجد إجابات عن أسئلتها حول الدين والمرأة والحياة. و«إبليس»، ذلك الشاب الذي يعاني من وصمة الشر، يتمرَّد بين الحين والآخر — عبْرَ أسئلته الخاصة أيضًا — على والده الذي هو شيخه وجنراله وربه، إلى أن يموت ويعلم والده أنه بريء من كل شر، ومن وسوسةٍ خُيِّل للجميع أنه صاحبها. كل هذا بحبكة درامية تُشبِه اللوحات التجريدية التي من الممكن فكُّ رموزها كل يوم بشكل جديد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠