• خائنة الأعين

    «فحين تَكلَّم عن عُودِها لم يكن هو الذي يَتكلم، وإنما كان الإعدادَ الذي أعدَّتْه هي؛ فهي تعرفُ تمامًا أن عُودَها جميل، وهي تعرفُ تمامًا كيف تجعلُه أعظمَ جمالًا، فلها وسيلتُها أن يسطعَ النهدان منها، ولها وسيلتُها أن يدقَّ الخصرُ وينفر ما دونه.»

    لا تُصنَّف الخيانةُ كنوعٍ من الجريمةِ إلا إذا عُرفت، ويَزدادُ الأمرُ تعقيدًا إذا كانت الخيانةُ متبادلةً بين كلِّ الأطراف، وكلُّهم يَدَّعون الفضيلةَ والوفاء، هكذا هو المجتمعُ داخلَ القصةِ القصيرةِ التي شكَّلَ الكاتبُ الكبيرُ «ثروت أباظة» مَلامحَها بدِقَّة، وبلمحاتٍ سريعةٍ ولقطاتٍ خاطفةٍ كشفَ عن عددٍ كبيرٍ من الخياناتِ التي تَسري في المجتمعِ مع كلِّ نَفَسٍ يُخرِجُه أفرادُه؛ فزوجةٌ لا مكانَ لزوجِها في حياتِها، تخونُ أختَها، وزوجُ أختِها يُقيم علاقةً مع ابنتِها، وابنُها يَتمردُ ويخرجُ من تحتِ عباءتِها التي قيَّدتْه بها طوالَ حياتِه، وزوجُها يخونُها مع عاملةِ المنزل، خياناتٌ متعددةُ الصور، بعضُها واضح، ومُعظمُها يَخفى على الجميعِ لا يَعلمُه أحد؛ إنها «خائنة الأعين».

  • دموع البلياتشو: مجموعة قصصية تُنشر لأول مرة

    «كان قد شَرب فنجانَ القهوةِ حتى آخرِه، ويَئِس — كما يقولون — حتى الثُّمالةِ من تجميعِ أشلاءِ البلياتشو ولحمِها بالصمغ، فبقيَتْ مُتناثرةً أمامَهُ كأطلالِ بيتٍ مُنهار.»

    هذهِ المجموعةُ القصصيةُ، التي تُنشرُ لأولِ مرة، جمعَتْها الدكتورةُ «عطيات أبو السعود» من أوراقِ الدكتور «عبد الغفار مكاوي» الخاصة؛ لتَضعَها أمامَ القارئ، بعدَ أنْ رتبَتْها وقدَّمتْها بعنوانِ «دموع البلياتشو». وتحتوي المجموعةُ على ثلاثَ عشرةَ قصةً قصيرة، يغوصُ بعضُها في أعماقِ النَّفسِ لتُجلِّيَ ما خَفيَ بداخلِها؛ ويأخذُ البعضُ الآخرُ من حِكمِ الشرقِ ما يكفي لصناعةِ مَلحمةٍ من طرازٍ فريد. وفي قصةِ «دموع البلياتشو» يُحدثُنا الكاتبُ عن مرايا الإنسانِ الداخليةِ التي لا بدَّ أنْ يَرى فيها حقيقةَ نفسِه وغايتَها.

  • امرأتان في امرأة

    «أدواتُ المرأةِ في حياتِها الزوجيةِ كلها أدواتٌ جنسية. تنتقلُ الفتاةُ مِن بيتِ أبيها إلى بيتِ زوجِها فتتحوَّلُ بقدرةِ قادرٍ من مخلوقٍ لا جنسيٍّ … إلى مخلوقٍ جنسي.»

    تعيشُ المرأةُ في عالمِنا العربيِّ في صراعٍ نفسيٍّ عميق؛ صراعٍ بين شخصيةٍ تريدُها متحرِّرةً من قيودِ المجتمع، وأخرى تريدُها مُنصاعةً لقيودِهِ وراضخةً لسَطوتِه؛ فهي تارةً تَتمرَّد، وتارةً تستسلم، وبينَ هذه وتلك تتأرجحُ منذُ ولادتِها، مرورًا بدراستِها وزواجِها وممارسةِ حياتِها الاجتماعية. «بهية شاهين»، بطلةُ الرواية، نراها في كلِّ نساءِ المجتمع؛ فهي المُتمرِّدة، الثائرةُ على مجتمعٍ ذكوريٍّ أَبَوي. هي الشخصيةُ التي قد ترى فيها كلُّ فتاةٍ جزءًا مِنها. فهل تقبلُ «بهيةُ» ما يفرضُهُ المجتمعُ من قيود؟ وهل يُمكنُها أن تثورَ عليها إن أرادت؟ هكذا يُخالجُ نصُّ هذه الروايةِ ذهنَ قارئها، ويدفعُه لمماثلةِ واقعِهِ المَعيشِ بالحكاية.‎

  • الغائب

    «ولكنْ لم يكنْ بينَها وبينَ فريدٍ شيءٌ اسمُهُ آخَرون، أو شيءٌ اسمُهُ نفسُها ضدَّ نفسِه، كانا يتبادلانِ كلَّ شيءٍ في الحُبِّ حتى نفسَيْهما، فتُصبحُ هي نفسَه ويُصبحُ هو نفسَها، ويُدافِعُ هو عن حقوقِها، وتتولَّى هي الدفاعَ عن حقوقِه.»

    الغائبُ شبح، وكأنه ظِلٌّ وتلاشَى، ننتظرُه بكلِّ شوق، ورجوعُه محضُ خيال، يُداعِبُنا بذكرياتِنا، ويَخلقُ أملًا يائسًا، نحن نعرفُ ذلك، وأملُنا في الانتظار. على الرغمِ من عدمِ خروجِ الدكتورة « نوال السعداوي» عن أفكارِها المعتادةِ الخاصةِ بحقوقِ المرأةِ والمعاناةِ التي تَلْقاها منذ ولادتِها وحتى موتِها، فإنها في روايةِ «الغائب» استطاعَتْ أنْ تأسِرَنا من جديدٍ في تفاصيلِ شخصياتِها المثيرة؛ «فريدة» تلك الفتاةُ التي تُعاني منذ صغرِها معَ مجتمعِها الذي يُحرِّمُ تفكيرَها، ويُقيِّدُ حرِّيتَها، ويُكبِّلُها بتقاليدِه، الكيميائيةُ الحالمةُ بكسرِ قيودِ عملِها التقليدي، وافتتاحِ معملِها الخاص، والعيشِ بجوارِ حبيبِها «فريد» الذي يهجرُها فجأةً دونَ إبداءِ أسباب، حتى كادَ المرضُ يأكلُها إلى أنْ تأتيَ رسالةُ النجاةِ من الغائب.

  • المهلهل سيد ربيعة

    ينتقِلُ القارئُ في هذه الرِوايةِ التاريخيةِ إلى عصرٍ بائد، تختلفُ فيه العاداتُ والتقاليدُ وأسبابُ الحروب؛ حيث يَسردُ المؤلف، في إطارٍ رِوائي، قصةَ أحدِ فرسانِ قبيلةِ «تغلب» العربية، وأحدِ أهمِّ أبطالِ العصرِ الجاهِلي، وهو «عُديِّ بنِ ربيعة»، المُلقَّبِ ﺑ «المُهلهِل» أو «الزِّير». وتدورُ الروايةُ حولَ «حربِ البَسوس»، التي قامتْ بينَ قبيلةِ «تغلب» وقبيلةِ «بَكر» واستمرَّتْ قُرابةَ الأربعينَ عامًا؛ فتبدأُ أحداثُها التي يَشُوبُها الخيال، بأجواءٍ هادئةٍ قبلَ بدايةِ الحرب وعقِبَ مَقتلِ «كُليب بن ربيعة التغلبي»، وتستمرُّ الأحداثُ في فصولِ الكتابِ المُتعاقِبةِ بمزيدٍ مِنَ التشويقِ حتى النهاية؛ حيثُ وفاةُ البطلِ الذي اشتُهرَ بقصائدِهِ الرَّنَّانةِ في الفخرِ والثَّأْر.

  • زينة

    «تمدَّدتْ بُدور الدَّامهيري فوقَ الرَّصيف، أصبحَ جسدُها ممدودًا فوقَ الأَسفلت، تحتَ لهيبِ الشَّمسِ وصقيعِ البرد، جفونُها نصفُ مغلَقةٍ نصفُ مفتوحة، صدرُها لا يعلُو ولا يهبِط، لا شيءَ فيها يتحرَّكُ إلا ثوبُها القُطنيُّ الأبيضُ الخفيف، يُحركُه الهواء، ترفعُه الريحُ عن جسدِها الرَّاقدِ فوقَ الرَّصيف، من حولِها أطفالُ الشَّوارع يُغنُّون: ماما زمانها جايه، جايه ومعاها هديه …»

    ليسَ غريبًا أن يحاسَبَ الإنسانُ على ذنبٍ لم يَفعلْه، أو على خطيئةٍ اقترفَها غيرُه؛ فهكذا تدورُ رَحى الدُّنيا على الإنسانِ فلا يجدُ غيرَ مصيرِه المحتومِ أمامَه، ما دام يعيشُ في مجتمعٍ يسيطرُ عليه الأخُ الأكبر، الذي لا بدَّ أن يُنصِتَ له الجميع. مأساةٌ جديدةٌ تُجسِّدُها الكاتبةُ «نوال السعداوي» في روايتِها «زينة». تلكَ الطفلةُ التي وُلدتْ لأبٍ مجهولٍ في أوراقِ الحكومةِ الرَّسمية، معروفٍ بفعلِه؛ وأوضحُ دليلٍ عليه طفلةٌ بريئةٌ موهوبة، يُشارُ إليها بالبَنان، أصابعُها تتحرَّكُ فتُخرجُ أجملَ الأَلحان، وأعذبَ الأصوات؛ لكنَّها الدُّنيا لا تستقيمُ على حالٍ فتواجِهُ مجتمعًا يَحوي أرخصَ الأَساليبِ تجاهَ مجهُولِي النَسَب، وبيروقراطيةً قاتلة، وشيوخًا يعيشونَ في صحراءِ الفكرِ والجهل، وصحافةً لا تهتمُّ لغيرِ الفضيحة، ولا تجيدُ غيرَ نفاقِ السُّلطة.

  • أرخص ليالي

    «والحكايةُ أنَّ عبدَ الكريمِ ما كادَ يَخطفُ الأربعَ ركعاتٍ حتى تسلَّلَ منَ الجامعِ ومضى في الزُّقاقِ الضيِّقِ وقد لفَّ يدَهُ وراءَ ظهرِهِ وجعلَها تُطبِقُ على شقيقتِها في ضِيقٍ وتبرُّم، وأَحْنى صدرَهُ في تزمُّتٍ شديدٍ وكأنَّ أكتافَهُ تنوءُ بحملِ «البِشْتِ» الثقيلِ الذي غزَلَه بيدِهِ من صوفِ النعجة.»

    انتهي اليومُ في القريةِ عندَ صلاةِ العشاء، فبالكادِ ينتظرُ الناسُ الانتهاءَ من ركعاتِها سريعًا حتى يَغِطُّوا في نومٍ عميق، بعدَ يومِ عملٍ شاقٍّ وطويلٍ في الحُقول، لا مانعَ فيه من قضاءِ بعضِ الوقتِ في شُربِ الدُّخان، والسَّمَرِ في غُرزةِ القريةِ التي تَجمعُ مَن ليسَ لهم عملٌ ومعَهم فضْلٌ من أَمْوال. وعبدُ الكريمِ حائرٌ بينَ رغبةِ السهرِ وفراغِ جيبِهِ من قرشٍ واحدٍ يتطفلُ به على صاحبِ الغرزة. لياليهِ رخيصةٌ لا تساوي حتى كوبَ شايٍ مخلوطٍ بالترابِ على ناصيةِ أحدِهم، ولا يَجدُ في النهايةِ إلا ما اعتادَ على فعلِهِ في مثلِ تلكَ اللَّيالي الرخيصة؛ إيقاظَ امرأتِهِ وطقطقةَ أصابعِها حتى يُفرِغَ فيها ما بقِيَ في جسدِهِ من تَعَب، ليأتيَ بطفلٍ سابعٍ يُزاحِمُه الطعامَ والشراب. يجمعُ يوسف إدريس في هذهِ المجموعةِ القصصيةِ نماذج لشرائحِ المجتمعِ المِصْري، الذي تَجمعُهُ الهمومُ والمشكلاتُ ذاتُها.‎

  • العالم الطريف

    «البِناءُ منخفِضٌ متِينٌ رماديُّ اللَّون، يتكوَّنُ من أربعةٍ وثلاثينَ طابقًا فحَسْب، وقد كُتِبتْ على مَدخلِه الرئيسيِّ هذهِ العِبارة: «مَركزُ لندنَ للتَّفريخِ والتَّكييف»، كما كُتِبَ على إحدى اللَّوحاتِ شعارُ الحكومةِ العالميَّة، وهُو: «الجَماعة، والتشابُه، والاستقرار».»‎

    هل تخيَّلتُم يَومًا أنْ يتوقَّفَ البَشرُ عنِ الزواج، ويكوِّنوا الأجِنَّةَ عن طريقِ القواريرِ الحاضِنةِ بطريقةٍ عِلميَّةٍ بحتةٍ بدَلًا من تكوينِهم بالأرحام؟! بلْ يتَحكمَّونَ أيضًا في تَصنيفِهم طِبقًا لاحتياجاتِ المجتمع، وطِبقًا لخطَّةٍ مُسبَقةٍ وتصوُّرٍ لشكلِ المجتمعِ ككُل، وتُجهَّزُ كلُّ طبقةٍ بشكلٍ خاصٍّ لتُؤدِّيَ عملًا مُعيَّنًا بشكلٍ منتظمٍ لا تَحِيدُ عنه، ويتشابهُ أبناءُ كلِّ طبقةٍ لدَرجةِ صعوبةِ التفريقِ بينَهم لتنعدمَ شخصيَّاتُهم تمامًا. كلُّ ذلكَ لخلقِ مجتمعٍ آلي، كلُّ ما تريدُه فيه تحصُلُ عليه بضَغطةِ زِرٍّ لا تتكبَّدُ أيَّ تعبٍ في سبيلِه، إلى أن يأتيَ شخصٌ «همجيٌّ» نشأَ بشكلٍ سرِّيٍّ بعيدًا عن هذا النظامِ ليَصطدمَ بالواقعِ ويبدأَ في التفاعُلِ معَه. هذا هو ما سمَّاهُ «أولدس هكسلي» العالمَ الطَّرِيف.

  • سر الاعتراف

    عَن وَقائعَ حقيقيةٍ يَنقلُ لنا المترجمُ «صالح أفندي جودت» رِوايةَ الكاتبِ الفَرَنسيِّ الشهيرِ «ألكسندر ديماس الكبير»؛ «سِر الاعتراف». تَمتزجُ في تلك الروايةِ عدةُ مَشاعرَ إنسانية؛ العشقِ وتوابعِه التي من المُمكنِ أنْ تُغيِّرَ مِنَ الإنسان، واليأسِ وعذاباتِ الضميرِ حينَ يقترفُ المرءُ ما يندَمُ عليه، وما يؤدِّي إلى بُغْضِه الحياة. وتَظهرُ تلك الصراعاتُ من خلالِ وقائعَ تاريخيةٍ حقيقيةٍ جديرةٍ بالذِّكْر، تمتزجُ بأحداثٍ شخصيةٍ لبطلَيِ الرِّواية: «فيدور» و«فاننكا». بأسلوبٍ سرديٍّ أدبيٍّ نقَلَ الكاتبُ حكايتَهما الأقربَ للمَأْساة، والتي تَعكسُ ظروفَ المجتمعِ الروسيِّ في حِقْبةٍ مِنَ التاريخ، كانَ الظلمُ فيها هو الأساسَ الأولَ في الحُكْم، وكانَ الشريفُ لا يُعاقَبُ وإنْ كانَ مُجرمًا، بينَما يُهانُ الفقيرُ وإنْ كانَ بريئًا. فهل تَنْجو «فاننكا» بفَعْلتِها الشَّنْعاء، أمْ يَفضحُها «سِرُّ الاعترافِ» الذي لم يحافِظْ عليه الكاهِن؟ ذلك ما تَتناولُه الرِّوايةُ في إطارٍ مِنَ التشويقِ المَشُوبِ بالأَحْداثِ التي كانَتْ يومًا ما حَياةَ أشخاصٍ واقعيِّين.

  • اقتلها

    «قانِعٌ هو بما هو فِيه، راضٍ بفُتاتِ ما يُلقَى إليه، وفي نفسِ الوقتِ متذمِّرٌ ثائِر، ولكنْ في ثَناياتِ نفسِه.»

    في سبعِ قِصصٍ قصيرةٍ مختلِفةِ المَشاربِ والاتِّجاهات، يَتجوَّلُ بنا «يوسف إدريس» بينَ جَنَباتِ المجتمَعِ المِصريِّ مُعلِنًا نماذِجَ مختلِفةً من فَلسفتِه في الحَياة؛ فمَثلًا يُناقشُ في إِحْدى قِصصِه فكرةَ المَوت، من حيثُ نظرةُ المجتمَعِ إليه، وكيفيَّةُ التعامُلِ معَه، مُتسائِلًا: لماذا يبدَأُ التكريمُ والاحتفاءُ بالإنجازاتِ بعدَ وفاةِ الشخص؟ وكأنَّه عاشَ طوالَ حياتِه كائنًا لا مَرْئيًّا. وفي قصةٍ أُخرى بعنوان «يموتُ الزمَّار» يَبْدو «إدريس» وكأنَّما يَكتبُ عن نفسِه وكيفَ أنَّه عادَ للكِتابةِ مرَّةً أُخْرى بعدَما توقَّفَ عَنْها، وكأنَّه يُؤكِّدُ على المثَلِ المِصريِّ الدَّارِج: «يموت الزمَّار وأصابعه تلعب.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠