• خيوط واهية

    «وهكذا بدأ شهاب رحلته الدراسية في غير إقبال ولا جنوح، وكان ترتيبه في الدراسة متوسطًا، لا هو متقدم ولا هو الأخير، ولكن المؤكد أنه لم يحس بفضل الباشا عليه مهما تقدمت به السن؛ فقد كان كلما مرت عليه السنون، يزداد حقدًا على الباشا وجحودًا ونكرانًا.»

    بفضل عمل والده لدى الباشا أصبح ﻟ «شهاب» مكان بمكتب وزير الزراعة عقب تخرُّجه، وبخُبثٍ نجح «شهاب» في أن يحتفظ بمكانه بالرغم من إقالة الوزير عقب ثورة يوليو وتغيير الوزارة عدة مرات، وكان قد احترف السُّحت والنفاق، فكوَّن ثروة كبيرة وتزوَّج من ابنة أحد كبار الموظفين القدامى، ولسوء سريرته فُتن براقصة وتزوَّجها وطلَّق زوجته وهجر أبناءه، واستحال رضا والده إلى غضب حتى حرمه من إرثه، ولم يُفِق إلا حين خانته زوجته ووُضِعت أمواله تحت الحراسة؛ فرجع إلى أمه نادمًا، لكن بعد موت أبيه غاضبًا عليه. صورة من صور المجتمع المصري كما رآها «ثروت أباظة» قبل ثورة يوليو، وما أعقبها من إجراءات سياسية كان لها تأثيرها الكبير على الحياة الاجتماعية للمصريين بكافة طبقاتهم.

  • فيينا ٦٠

    «كان درش إذَن قد انتهى من النساء في مصر، وذهب وفي نيَّته أن يغزو أوروبا المرأة، ومن لحظة أن وضع قدميه على سُلم الباخرة بدأت عيناه تزوغان هنا وهناك كمن فقد لتوِّه شيئًا، راح يُفتِّش في وجه كل امرأةٍ يراها أو يلمحها.»

    ربما تستهوي المرءَ بعضُ الأماني، ويأخذه الشوق لأحلام بعيدة المنال، ويلمع في عينه الهدف البعيد ذو الطُّرق الصعبة، لكنه حين يصل إلى مبتغاه ويحقق هدفه كاملًا تتضح له حقائق الأمور ودقائق المعاني؛ ﻓ «مصطفى»، ذلك الشاب المصري ذو المغامرات النسائية، تحايل حتى يحصل على مهمة عملٍ في أوروبا؛ لتسنح له فرصة تجربة النساء الأوروبيات الشقراوات، وبعد معاناةٍ كبيرة كاد فيها يفقد الأمل في خوض هذه التجربة، تعرَّف على سيدة نمساوية واصطحبته إلى منزلها مستغلةً غياب زوجها، وقضى معها ليلة ليكتشف أنها أيضًا كانت تحلم بالرجل الشرقي الأفريقي، لكنه مع شروق الشمس واستعداده لمغادرة المنزل يكتشف أنه كان معها بجسده فقط لكن عقله كان مع زوجته «أنيسة»، وكذلك كانت هي مع زوجها «ألفريد» الذي اكتشفت أنه هو رجلها الشرقي الأفريقي الذي كانت تحلم به.

  • السباحة في الرمال

    «أنا لا أُجيد السباحة، لو حاولتُ أن أنقذه متُّ أنا وهو لا محالة، نظرتُ حولي فوجدت شابًّا فتيًّا يجلس في زورق على الرمال ويُحرك مجدافَين فيمسَّان الرمال في رفق ثم يرتفعان إلى الهواء، والفتى ماضٍ في عمله هذا وكأنما يُجدف في الماء.»

    نجحت القصة القصيرة منذ ظهروها في القرن التاسع عشر في أن تُعبِّر عما يجول في خاطر الكاتب، وقد نجح رُوَّادها منذ ذلك الحين في أن يُجسِّدوا أفكارهم في بضع كلمات، وأن يستفزوا القارئ ليُعيد قراءتها عدة مرات، سواءٌ لاستخراج ما خفي فيها من معانٍ، أو لإعادة لحظةِ انتشاءِ العقل بوصول الفكرة. وفي هذه المجموعة القصصية يمدنا «ثروت أباظة» بدفعات من الومضات المضيئة التي تكشف لنا مشكلات مجتمعنا، كالكذب والخيانة والبخل والسلبية؛ ففي قصة «السباحة في الرمال» عمد إلى ترك القارئ أمام صراع نفسي وكأنه داخل القصة، أما في «حكايات رجل بخيل» وعَبْر لقطات طريفة أوصل إلينا كم يعاني البخيل ومَن حوله من شُحِّه، وفي «النابغة» أظهر لنا وجهَ المجتمع القبيح في نظرته للمرأة كنَزوةِ ساعة وتجارةٍ رابحة.

  • جنات وإبليس

    «جنَّات! اسمها يرن في أذنَيها غريبًا، كأنما تسمعه لأول مرة. مَن عساه يناديها؟ مَن عساه يعرف اسمها من ملايين الأسماء في الكون؟ تشد جفونها لتفتح عينَيها. حزام من الجلد كأنه مشدود حول رأسها. تحاول أن تنهض بجسمها متَّكلة على كوعها، تدور بها الأرض والصوت لا يزال يناديها.»

    عبْرَ عالَم بين اليقظة والنوم، تتداخل فيه عوالم وفضاءات عديدة من الواقع والخيال، ومن الدين والتقاليد، ومن الأسماء والمسمَّيات، ترسم لنا الدكتورة «نوال السعداوي» روايتها بجرأتها المعهودة. ﻓ «جنَّات»، تلك البنت التي نشأت تعاني من القهر والتهميش والاضطهاد، تحاول أن تجد إجابات عن أسئلتها حول الدين والمرأة والحياة. و«إبليس»، ذلك الشاب الذي يعاني من وصمة الشر، يتمرَّد بين الحين والآخر — عبْرَ أسئلته الخاصة أيضًا — على والده الذي هو شيخه وجنراله وربه، إلى أن يموت ويعلم والده أنه بريء من كل شر، ومن وسوسةٍ خُيِّل للجميع أنه صاحبها. كل هذا بحبكة درامية تُشبِه اللوحات التجريدية التي من الممكن فكُّ رموزها كل يوم بشكل جديد.

  • ذكريات بعيدة

    «وكنت أرى جَدتي في كل يوم تمسك به وتفتحه، فينفرج عن كراسةٍ ذات شريط جديد دائمًا، يعلو الكراسةَ الكثيرُ من غبار السنين أحال بياضَ أوراقها إلى غُبْشة كتلك التي تغشى نظرةَ الناظرة إلى التاريخ البعيد.»

    جسَّد الكاتب الكبير «ثروت أباظة» عبر أعماله، سواءٌ الروائية أو القصصية، مشكلات المجتمع المصري وصراعاته، مُصوِّرًا المَشاهد وكأنها عرض تلفزيوني لا يُمَل. وفي مجموعته القصصية تلك — ذات الأربع عشرة قصة — يمارس هوايته المفضلة بكتابة هذا اللون الأدبي، مُوغِلًا عبرَه في نفوس الشخوص، ومتقنًا عرضَ فكرتهم؛ ففي قصة «ذكريات بعيدة» يأخذك من أولها إلى آخِرها في رحلةٍ داخل نفس الجَدة الكبيرة التي تستعيد ذكرياتها البعيدة مع زوجها، وتريد أن تموت مُغرَمة به. وفي قصة «زواج»، وعبر واقعية الأحداث، عرَضَ إحدى المُعضلات؛ وهي الزواج دون حب. أما قصته «طوق حول العنق»، فنجد فيها خيانة الزوج لزوجته بعد شعوره بأن عينها التي وهبته إياها طوقٌ يُقيده كالكلب.

  • الحرب والسلم (الكتاب الثاني): إلياذة العصور الحديثة

    لا عجب أن يُطلق عليها «إلياذة العصور الحديثة»؛ فهذه الرواية الملحمية التي كتبها الروائي الروسي الشهير «ليو تولستوي» في ستينيات القرن التاسع عشر، تُعَد واحدة من عيون الأدب العالمي الحديث، وهي من التركيب بمكانٍ يجعلها أكثر من مجرد سردية؛ فهي إلى جانب الخيط السردي الذي يربط بين شخوصها العديدة والشديدة الثراء، تحمل مباحث اجتماعية وسياسية جمع فيها «تولستوي» بين المقالية واللغة الأدبية، ليَخرج لنا بسِفرٍ قيِّم وممتع، يعطي صورة عن تحوُّلات المجتمع الروسي إبَّان الغزو الفرنسي؛ وهو الحدث الذي أوقعَ أبطالَه الحقيقيين في دوَّامات من «الحرب والسِّلم»، فنعيش معهم صراعاتهم وحواراتهم، ونبحث عن الإنسان الذي ضيَّعته الحروب والتفرقة الطبقية، في نسخةٍ عربية نقلَها عن الترجمتَين الفرنسية والإنجليزية للرواية نخبةٌ من المترجمين العرب، ونُشرت أول مرة عام ١٩٥٣م.

  • الوعاء المرمري

    تحوَّل فن الرواية على يد العديد من رُوَّاده إلى لون أدبي إبداعي يكسر احتكار الشعر هذا المجالَ لقرون. وقد ظهرت الرواية في العالم العربي على استحياءٍ في القرن التاسع عشر بفضل الجهود الطموحة التي بذلها الأدباء العرب لتعريب هذا الفن وتقديمه للجمهور، فأصبح لدينا خلال سنواتٍ قليلة روايةٌ عربية ناضجة تُنافس الروايات العالمية وتُترجَم إلى لغات مختلفة. والعمل الذي بين يديك هو إحدى هذه المحاولات الروائية الرائدة التي استلهم فيها شيخ الروائيين «محمد فريد أبو حديد» السيرةَ الشعبية للبطل الأسطوري «سيف بن ذي يزن» الذي حارب الأحباش المحتلين، وسعى لطردهم من بلاده؛ اليمن السعيد. ويبدو أن «أبو حديد» كان متأثرًا باحتلال البريطانيين مصر، ويحلم بظهور بطل شعبي يلتفُّ حوله الناس ليطرد المستعمر بلا رجعة.

  • الحرب والسلم (الكتاب الأول): إلياذة العصور الحديثة

    لا عجب أن يُطلق عليها «إلياذة العصور الحديثة»؛ فهذه الرواية الملحمية التي كتبها الروائي الروسي الشهير «ليو تولستوي» في ستينيات القرن التاسع عشر، تُعَد واحدة من عيون الأدب العالمي الحديث، وهي من التركيب بمكانٍ يجعلها أكثر من مجرد سردية؛ فهي إلى جانب الخيط السردي الذي يربط بين شخوصها العديدة والشديدة الثراء، تحمل مباحث اجتماعية وسياسية جمع فيها «تولستوي» بين المقالية واللغة الأدبية، ليَخرج لنا بسِفرٍ قيِّم وممتع، يعطي صورة عن تحوُّلات المجتمع الروسي إبَّان الغزو الفرنسي؛ وهو الحدث الذي أوقعَ أبطالَه الحقيقيين في دوَّامات من «الحرب والسِّلم»، فنعيش معهم صراعاتهم وحواراتهم، ونبحث عن الإنسان الذي ضيَّعته الحروب والتفرقة الطبقية، في نسخةٍ عربية نقلَها عن الترجمتَين الفرنسية والإنجليزية للرواية نخبةٌ من المترجمين العرب.‎

  • ذكريات لا مذكرات

    «وبعدُ، فهذه نِثارٌ من ذِكرياتي، ما رَجوتُ منها إلا أن أُنادمَك إذا قرأتَها في نهار، أو أُسامرَك إن قرأتَها في مساء، وقد أطلقتُ نفسي تَمتَحُ من مَعينِ الأيامِ ما يَحلو لها، فهي تختارُ ولا تُؤلِّف، والاختيارُ عسيرٌ ولكنَّه ممتعٌ إذا أحسَّ الإنسانُ أنه قالَ ما يجبُ أن يقول.»

    حين اقتربَت سنُّ «ثروت أباظة» من السِّتين، رأى أن في أيامِه الماضيةِ ما يَستحقُّ أن يُسجَّلَ على سبيلِ الذِّكرى؛ فنشأتُه في بيتِ أحدِ رِجالاتِ السياسةِ المصرية، والدِه «إبراهيم أباظة باشا»، سَمحَت له بالاختلاطِ بعامةِ الناسِ من جهة، وبنُخبةِ المجتمعِ من جهةٍ أخرى. يبدأُ «ثروت أباظة» سَردَ ذكرياتِه من قريتِه «غزالة» حيثُ المراحلُ الأولى من تعليمِه، ثُم يَروي ذكرياتٍ عن أبيه وأمِّه، وعن علاقتِه بالكتابةِ والكُتابِ منذُ سنِّه الصغيرة، ومَدْحِ «العقاد» لهُ وإعجابِ «طه حسين» بهِ، وقضاءِ سهرتِه الأسبوعيةِ مع «نجيب محفوظ»، وصُحبتِه ﻟ «محمد حسين هيكل» في جولاتِه الطويلةِ مشيًا حولَ رأسِ البر؛ فهي مُقتطَفاتٌ لا تُمثِّلُ ذكرياتٍ فرديةً فحسب، بل هي صَفحاتٌ من تاريخِ مِصر.

  • آمال وأقدار

    «وفي لمحِ البصر، أمسكَ عبد الحميد بيدِه يدَ أبي سريع، وتمكَّنَ منها، وأخرجَ المسدسَ من جيبِ الكاكولة، وأطلقَ النارَ على أبي سريع، ولم يكتفِ بطلقةٍ ولا اثنتَين، وإنما أفرغَ الرصاصاتِ الستَّ في جسمِ أبي سريع.»

    يظلُّ الإنسانُ يُصارعُ شهواتِه ونزواتِه وخُلقَه، فهو حين يمتنعُ عن فعلٍ شائنٍ يأتي غيرَه، وحين يتخلَّقُ بخَصلةٍ حميدةٍ يُجهِزُ عليها بخَصلةٍ دنيئةٍ تأتي على ما قدَّم من فضائل. نجحَ «ثروت أباظة» في رسمِ شخصياتِ هذه الروايةِ الكلاسيكيةِ بدقَّة، وكأنها مسرحيةٌ تُؤدَّى على خشبةِ المسرحِ أمامَك، وعبرَ صراعاتٍ مُتشعِّبةٍ ومَصالحَ مختلِطة، تبدَّدَت آمالُ أبطالِ الروايةِ على أعتابِ الأقدارِ العادلةِ التي أبَتْ إلا أن تنتقمَ من فسادِهم وتجرُّئِهم على حقوقِ الناس، وإنْ كان هذا الانتقامُ لم يأتِ إلا من أعمَى سُلبَ حقَّه في الحياةِ والعيشِ كبقيةِ البشر، إلا أنه كان شرارةً ألهمَت مَن ضاعَت حقوقُهم جُرأةَ المُطالبةِ بها والسعيَ للحصولِ عليها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠