• أولاد حارتنا

    «ولستُ أول مَن اختار المتاعبَ في حارتنا، كان بوُسع جبل أن يبقى في وظيفته عند الناظر، وكان بوُسع رفاعة أن يصير نجارَ الحارة الأول، وكان في وُسع قاسم أن يهنأ بقمر وأملاكها، وأن يعيش عيشةَ الأعيان، ولكنهم اختاروا الطريقَ الآخَر.»

    روايةٌ اجتمعَت فيها كلُّ عناصر العمل الأدبي المتميز؛ الرمز، والحبكة، والتصوير، والخيال، قدَّم عبرها «نجيب محفوظ» ببساطته المعهودة، وصنعته التي لا تُخطِئها عين، رؤيةً فريدة للصراع بين الخير والشر عبر التاريخ البشري، مستخدمًا الرمزَ الذي يُعطي الروايةَ تفسيراتٍ أوسعَ وأشمل، مانحًا القارئَ سُلطة التفسير والتأويل والإسقاط، وقد تمثَّلت عبقرية صاحب نوبل في أنه يُقدِّم ذلك كله عبر الحارة المصرية بوصفها نموذجًا مُصغَّرًا للعالَم، فراح يَنسج فيها شخصياتِ روايته؛ بدايةً من «الجبلاوي» الشخصية المتَّصفة بالعظَمة والقداسة والأزلية، مرورًا ﺑ «إدريس» و«أدهم» اللذين طردهما «الجبلاوي» خارج البيت، ثم «جبل» أحد أبناء «بني حمدان» الذي قام بالدعوة ضد ناظر الوَقْف بتكليفٍ من «الجبلاوي»، و«رفاعة» الذي قتَله فتواتُ الحارة، وأشاع أتباعُه أن «الجبلاوي» رفَعه ودفَنه في حديقة منزله، و«قاسم» الذي وحَّد بين أبناء الحارة، وسيطر عليها وأرسى قِيَم الحق والعدل، ثم «عرفة» صاحب التجارب العجيبة الذي لا يؤمن ﺑ «الجبلاوي» ولا بأبنائه.

  • ثرثرة فوق النيل

    «لأننا نخاف البوليس والجيش والإنجليز والأمريكان والظاهر والباطن؛ فقد انتهى بنا الأمر إلى ألَّا نخاف شيئًا.

    – ولكن الباب مفتوح!

    – في الخارج عم عبده، وهو كفيل برَدِّ أي اعتداء.»

    قبل عامٍ واحد من النكسة، وبينما الكلُّ يُردِّد الحديثَ عن التقدُّم العظيم الذي يعيشه المجتمع المصري في الخمسينيات والستينيات، خرج «نجيب محفوظ» بالحقيقة الكاشفة التي صفَعت وجوهَ الأبواق الكاذبة؛ ليؤكِّد على حالة الضياع والتمزُّق التي يُعانيها الشارع المصري، وأن مجتمعًا كهذا مُقبِل على كارثة لا مَحالة. قدَّم «محفوظ» ثرثرتَه التي حوَت الكثيرَ من الرمزيات؛ فكل جملة فيها حقيقة مؤكَّدة، وخلف كلِّ هَزْل جِد، وخلف كلِّ عَبَث فلسفةٌ مُحكَمة، ورؤيةٌ صائبة؛ ففي عوَّامة على شاطئ النيل اجتمعت مجموعةٌ من الأشخاص من شرائحَ مختلفةٍ من المجتمع المصري، كلٌّ منهم له عالَمه الذي هرب منه؛ ليُمارِسوا في العوَّامة حياةَ اللاشيء، الخاليةَ من المعنى، ولكن وراء اللاشيء تجد المعنى الحقيقيَّ للمرحلة وللحياة. روايةٌ مُكثَّفة تَسبر أغوارَ الحياة، لتكشف لنا عن المعنى الحقيقي للوجود.

  • اللص والكلاب

    «هذا هو رءوف علوان، الحقيقة العارية، جثة عَفِنة لا يُواريها تراب، أما الآخَر فقد مضى كأمس، أو كأول يوم في التاريخ، أو كحُب نبوية، أو كوَلاء عليش! أنت لا تنخدع بالمظاهر؛ فالكلام الطيِّب مَكر، والابتسامة شَفة تتقلَّص، والجُود حركةُ دفاعٍ من أنامل اليد، ولولا الحياءُ ما أذِنَ لك بتجاوز العتبة.»

    تَتجلَّى الواقعية النقدية عند «نجيب محفوظ» في هذه الرواية، كما أنها تُعد البداية في الفلسفة العبثية التي قدَّمَها في العديد من أعماله التالية؛ فهي من ناحيةٍ انعكاسٌ للواقع المجتمعي الذي لا يقف عند نقطة الرصد، بل يَتجاوزها إلى النظرة النقدية لهذا الواقع، ومن ناحيةٍ أخرى تُثير العديدَ من الأسئلة حول عبثيةِ الحياة التي يَحياها بطلُ الرواية «سعيد مهران»، ومُحاوَلتِه خلْقَ قيمةٍ لهذه الحياة، لكنه يفشل في كل مرة، وهو ما يجعله يستسلم في النهاية لمصيره مُعلِنًا اليأس، وعدم جدوى البقاء أو المقاوَمة في هذا العالم الذي أصبح مَرتعًا للكلاب أمثال صاحبه «عليش» وزوجته «نبوية» والصحفي «رءوف». كما لا تخلو الرواية من إسقاطاتٍ متعدِّدة حول الواقع السياسي والاجتماعي الذي عاشَته مصر بعد ثورة يوليو ١٩٥٢م، والآمال التي كانت مُعلَّقة عليها، والحال التي وصلت إليها.

  • السكرية

    «إني أُومِن بالحياة والناس، وأرى نفسي مُلزَمًا باتِّباع مُثلِهم العليا ما دمت أعتقد أنها الحق؛ إذ النكوصُ على ذلك جبنٌ وهروب. كما أرى نفسي مُلزَمًا بالثورة على مُثلهم ما اعتقدتُ أنها باطل؛ إذ النكوص عن ذلك خيانة! وهذا هو معنى الثورة الأبدية.»

    «السكرية» هي الجزء الثالث والأخير من «الثلاثية»، تقع معظم أحداثها في حارة «السكرية»، وفيها يبدأ ظهورُ الجيلِ الثالث، جيلِ الأحفاد، ويُقدِّم «نجيب محفوظ» من خلال هذا الجيل الحَراكَ السياسي والحالة الفكرية التي كانت عليها البلاد في الحرب العالمية الثانية وما تبعها، ويَتجلَّى ذلك من خلال الأخوَين «أحمد» و«عبد المنعم» ابنَي «خديجة»، فبينما يَتبنَّى «أحمد» الفكرَ الشيوعي، ينتمي «عبد المنعم» إلى جماعة الإخوان المسلمين. أما الحفيد الثالث «رضوان»، فتقوده الظروف إلى التعرُّف على أحد رجال السياسة الفاسدين، الذي تتوطد علاقته به، ويُعيِّنه بعد تَخرُّجه سكرتيرًا للوزير. وفي هذا الجزء يستمر الدور الرئيسي ﻟ «كمال»، الذي يدخل في حالةٍ من الحيرة وإثارة الكثير من الأسئلة الفلسفية والوجودية. أما «عائشة» فهي الصورة الحية لتقلُّبات القَدَر؛ فيَقلب الموتُ حالَها من البهجة والجمال إلى الضَّعف وشحوب الوجه.

  • قصر الشوق

    «كأنما أحبَّ ليَتفقَّه في معجم الألم، ولكنه على التِماع الشرر المُتطاير من ارتطام آلامه، يرى نفسَه ويعرف أشياء، ليس الله والروح والمادة — فحسب — ما يجب أن تَعرفه، ما الحب؟ … ما البُغض؟ … ما الجمال؟ … ما القُبح؟ … ما المرأة؟ … ما الرجل؟ … كل أولئك يجب أن تعرف أيضًا، أقصى درجاتِ الهلاك تَماسُّ أولى درجات النجاة.»

    يَتجاوز «نجيب محفوظ» في هذا الجزء أحداثَ الحزن على استشهاد «فهمي»، لكنه لم يَتجاوز تأثيرَه على الأسرة، وخاصةً على السيد «أحمد عبد الجواد»، فتَجلَّت فيه علاماتُ الحزن والانكسار الداخلي، وهدأت سَطوتُه التي ظلت موجودةً ولكن بدرجةٍ أقل. ويبدأ الجيل الثاني، جيل الأبناء، في البزوغ والتأثير أكثرَ من ذي قبل، ويُفرِد «محفوظ» لهم مساحاتٍ أوسع، وخاصةً «ياسين» الابن البِكر الذي ورث عن أمه بيتًا في قصر الشوق حيث يدور فيه الكثير من الأحداث. والشخصيةُ الرئيسية في هذا الجزء هي «كمال»، المُحِب للوفد، والذي يتَّسم بالرومانسية، ويَهوى الأدبَ والكتابة، ويقع في حبِّ «عايدة»، وتَطرأ عليه تحوُّلاتٌ كبيرة في أفكاره ومبادئه. كما يبدأ عالَم الأسرة يتَّسع، وخاصةً بعد زواج «عائشة» و«خديجة»، ودخولِ شخصياتٍ جديدة في إطار الأحداث التي تتصاعد حتى تنتهي بوفاةِ «سعد زغلول».

  • بين القصرين

    «ومع أنه كان يُعاقِر الخمر كلَّ ليلة إلى إفراطٍ في الشرب حتى السُّكْر، إلا أنه لم يكن ليُقرِّر العودةَ إلى بيته حتى تُزايِله سَوْرةُ الخمر، ويستعيدَ سيطرتَه على نفسه؛ حرصًا منه على وقاره، والمظهرِ الذي يجب أن يبدوَ به في بيته.»

    «بين القصرين» هو الجزء الأول من ثُلاثيَّة «نجيب محفوظ»، التي جمع فيها بين التأريخَين السياسي والاجتماعي، من خلال سردِ حياةِ أسرةٍ مصرية متوسطة؛ هي أسرة «السيد أحمد عبد الجواد»، بدايةً من نهايات العقد الثاني من القرن العشرين حتَّى منتصف أربعينياته، وراح يُبرِز فيها الأبعادَ النفسية والاجتماعية لكل شخصيةٍ بإتقانٍ فريد. وتدور أحداثُ الثلاثية في حي الجمالية، الذي سُمِّي هذا الجزء على اسم أحد شوارعه، وهو شارع «بين القصرين». وفي هذا الجزء يَسرُد «محفوظ» الحياةَ اليومية للأسرة، والتناقُضات المتناغِمة التي شكَّلتها الظروف الاجتماعية وغذَّتها التركيبة النفسية، والدورَ الذي تلعبه كلُّ شخصية، وخاصَّة شخصيةَ «السيد أحمد عبد الجواد» العَصِية على التصنيف؛ لكثرةِ ما تَتضمَّنه من تناقُضات. وتبدأ أحداث الرواية بإيقاعٍ هادئٍ يرتفع تدريجيًّا حتى يصل إلى مَداه مع أحداثِ ثورة ١٩١٩م، واستشهادِ «فهمي» الابنِ الثاني للأسرة.

  • الحرافيش

    «عاد إلى دنيا النجوم والأناشيد والليل والسور العتيق. قبَض على أهدابِ الرؤية فغاصَت قبضتُه في أمواج الظلام الجليل، وانتفض ناهضًا ثمِلًا بالإلهام والقدرة، فقال له قلبُه لا تجزعْ فقد ينفتح البابُ ذاتَ يومٍ تحيةً لمَن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطُموح الملائكة.»

    تُعَد مَلحمة «الحرافيش» دُرةَ أدب «نجيب محفوظ»، وأكثرَ أعماله قدرةً على تجسيد الخير والشر، والحق والباطل، والظلم والعدل؛ ففي الحارةِ المصرية، النموذجِ المُصغَّرِ للكون كله، راح «محفوظ» — عبرَ عشرِ حكايات، كل حكاية منها تمثِّل جيلًا من الحرافيش — يُصوِّر مسيرةَ الحياة وتقلُّبات الزمن. فتبدأ الحكاية الأولى ﺑ «عاشور الناجي» الكبير الذي يرى في أحلامه وباءً يجتاح القاهرة، فيلجأ إلى الصحراء مع زوجته وابنه، ثم يعود إلى الحارة بعد انتهاء الوباء ويجدها مُدمَّرة، فيبدأ في تأسيسها من جديد، ويُعيد تقسيمَ الثروة، وتُصبح له الزعامةُ فيحرص على العدل وحماية حقوق الضعفاء، محافظًا على حياة الزُّهد والتديُّن حتى لا يَغترَّ بالسلطة. وتَتوالى الحكايات بين الظلم والعدل، وجنون العظَمة والخلود، حتى يظهر «عاشور الناجي» الحفيدُ الذي يُعيد سيرةَ جدِّه الأكبر في العدل، ويُعيد للحارة عصرَها الذهبي.

  • القبلة الأخيرة

    «وأنا الذي طرتُ في السماء ليَتعلَّموا مني الطيران، حلَّقتُ بجناحَيَّ فوق كل السجون لكي يَسخروا من كل السجون، أردتُ أن أثبت لهم أن الإنسان يُمكِن أن يَتحوَّل إلى نَسر أو صقر، أو حتى عصفور يعلو فوق الطُّغاة والمعذِّبين والجلَّادين، يُبدِّل أرضًا بأرض، وسماءً بسماء، ويُرفرِف فوق القرى والمدن والغابات.»

    عبر مجموعةٍ قصصية بلغَت اثنتين وعشرين قصةً قصيرة، راح الفيلسوفُ والقاصُّ «عبد الغفار مكاوي» يرسم لنا عوالمَ مختلفة في أزمنةٍ متعددة، مُستخدمًا التصريحَ حينًا والرمزيةَ أحيانًا، ليُشكِّل لوحةً مُتجانِسة عن حياةِ بُسطاء الناس وطرق تفكيرهم، في المدينة والريف، وينتقل بخِفة بين قصةٍ وأخرى؛ فمن «عتريس» القزم الذي يلجأ دائمًا إلى «أم العواجز»، إلى مُحاوَلاتِ رجلٍ من العامة يريد أن يرفع شكوى إلى قيصر روما في عصورِ ما قبل الميلاد، ومن ممثِّل مسرحي في فرقةٍ شعبية تدور في الموالد، إلى عالِم ذَرة يعود أخيرًا إلى وطنه ليجد بيته قد تَهدَّم، ومن ابن السلطان الذي راح ينتظر عودةَ أبيه من الحروب منذ ألف عام، إلى العالِم الفلكي «محمود نجم»، وغيرها من القصص الغنية بالشخصيات والأفكار الحريصة على إظهار الجانب الإنساني في مجتمعاتنا.

  • قصر على النيل

    «إنه يُحبها، يُحبها، يُحب فيها شبابَه البِكر، ويُحب فيها إرضاءَها لغرور الشباب، ويُحب فيها أُمسياتِها الناعمة في ضوء القمر، أو في ضوء المصباح المُعلَّق على القارب. يُحب فيها استيقاظةَ القلب الأولى، وصَحْوةَ النبضات الناغمة. يُحبها ولكن إلى أين؟ أزَواجًا؟»

    إنها رائعةُ «ثروت أباظة»، التي جسَّد فيها الحبَّ والصداقة والقرابة والوفاء تماثيلَ منصوبةً دقيقةَ الصنع، واضحةَ الملامح، فمِن «قصر على النيل» يملكه «أحمد باشا شكري» السياسيُّ المُخضرَم، والناقد المُمحِّص أحوالَ عصره، وربُّ عائلته الكبيرة التي تَنعم في خيره وفضله، والأبُ الحنون على ابنتَيه «سهير» و«سميحة»؛ إلى بيتِ ابن أخيه ووريث حكمته «وصفي باشا شكري»، الرفيع أدبًا ومَقامًا؛ وإلى قلب «سليمان» المُوحِش ابن الأخ الآخَر، المهندس العِربيد الطمَّاع؛ من هنا وهناك يروي لنا الأديبُ الكبير — في سيمفونية مُطرِبة — كيف كان قرارٌ واحد اتَّخذه «وصفي» و«سهير» في شبابهما وهما غِرَّان صغيران مدفوعان بشكِّ نفسِه وانفطارِ قلبها، قد قلبَ حياتَهما وحياةَ العائلة كلها، كبيرِها وصغيرها، انقلابَ مركبٍ مُهترئ في بحرٍ مُتلاطِم الأمواج.

  • رجال وثيران

    «انطلق الثور هائجًا كزوبعةٍ حيوانية هبَّت على الدائرة الرملية، واندفعَت تَعصف بكل اتجاه عصفًا بعَث الرعبَ في قلوب المشاهِدين الذين تفصلهم عن الثور الهائج مسافاتٌ وحواجز، ولكنَّ الغضبَ الوحشي الذي كان يجتاح الثورَ ويوشك معه أن يحطِّم الأرض ويخرق السماء، ولا يُبقي أو يَذر شيئًا بينهما؛ حالةٌ كانت الحواجزُ والمسافات فيها لا يُمكِن أن تؤدِّي إلى أي اطمئنان.»

    في إسبانيا حيث «الأرينا» الإسبانية التي يَفِد إليها آلافُ البشر من بِقاع الأرض كافةً لمشاهَدة رياضة مصارعة الثيران، التي ينفقون في سبيلها أموالًا طائلة؛ يُطلِعنا «يوسف إدريس» على هذه الرياضة، ولكن برؤيةٍ موازية لِمَا هو شائع حولها، رؤيةِ أديبٍ يقف على الجانبِ الآخر، ذلك الجانبِ الإنساني الذي يصف مشاعرَ وأحاسيسَ كلِّ مَن في «الأرينا»؛ المتفرِّجين، والثيران، والمصارِعين. ويُقدِّم «إدريس» وصفًا تفصيليًّا غنيًّا بالتشبيهات البليغة لأحداث المصارعة وقواعدها، الظاهر منها والخفي، ننتبه من خلاله إلى معانٍ إنسانية كثيرة حاضرة في المشهد، ولكنها غائبة عن أعيُننا. كما يضع هذه اللعبةَ المتوحِّشة في ميزان الإنسانية فيُعرِّي الغرائزَ الدفينة في نفوس المتفرِّجين، ويَفضح أحدَ وجوهِ الرأسمالية المتوحِّشة التي لا تَتورَّع عن التضحية بروح إنسان أو التلذُّذ بالموت البَشِع للثور من أجل جَنْي المزيد من الأموال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢