• أنا سلطان قانون الوجود

    «وحين سقط الرجل، حين سقطت الهيبة الضخمة وضاع الصولجان، حين لم يَعُد باقيًا أمام سلطان إلا أن يحس بالشفقة على صاحبه فيطبطب عليه ويأخذ بيده وخاطره، لم يستطِع للأسف أن يفعل.»

    حين وقعت حادثة مقتل مُروِّض الأسود محمد الحلو على يد أحد الأسود بالسيرك، لم ينتبه أحدٌ إلى دوافع الأسد «سلطان»، فعلى الرغم من كونه هاجم سيدَه وقتله فإنه لم يكن يريد قتله في حقيقة الأمر، إنما أراد استفزازه واللعب معه، هذا ما أراد الدكتور «يوسف إدريس» أن يقوله في قصته القصيرة «أنا سلطان قانون الوجود» التي جاءت على رأس المجموعة القصصية تلك، وهي مُعالَجة نفسية لما يراود الحيوانَ من خواطر نحو مَن حوله، وتضم المجموعة سبع قصص أخرى تتنوع موضوعاتها بين الاجتماعية والرومانسية، وهي: «جيوكوندا مصرية»، و«البراءة»، و«لحظة قمر»، و«حوار خاص»، و«سيف يد»، و«حكاية مصرية جدًّا»، و«عن الرجل والنملة».

  • القيصر الأصفر: ومسرحيات أخرى شرقية

    «وليست المسرحيات التي تلتقي بها في هذا الكتاب مجردَ «مسرَحةٍ» لمجموعة من الحكايات والنصوص التي اطلعتُ عليها عن اختيارٍ أو اضطرار — بحكم عملي في تدريس الفلسفة الشرقية — ولا هي محاكاة لأشكالٍ ونماذجَ من الشعر والحكمة المأثورة عن عالَم غامض بعيد (على طريقة ريكرت وبلاتين مثلًا في الأدب الألماني)، وإنما هي أحاسيس وأفكار وقِيَم ومواقف جرَّبتُها وعايشتُها خلال سِباحتي المتواضعة في بحر الشرق.»

    اقتفى الدكتور «عبد الغفار مكاوي» آثارَ «جوته» أثناء السير بحثًا عن الكنوز الشرقية، باعتباره أول من بدأ حركة الاستلهام الأدبي منها، لكنه بمِصريَّته التي تظهر في كلِّ كتاباته، جعل بين أسطُرِها همومَ العربيِّ الحامل لقضايا أمَّته وآمالَه، عَبْر أربعِ مسرحيات مستلهَمة من قصصٍ شرقية، صينية وبابلية وسومرية؛ بطلُ الأولى منها هو الشابُّ الناسك تلميذُ المعلم «لاو تزو» الذي يحمل بين جنبَيه طموحَ تغيير العالم، فيصطدم بجبروت «القيصر الأصفر»؛ وفي الثانية استلهامٌ من إحدى الحكايات الصينية التي تقوم على النقد الذاتي للفلسفة الطاويَّة الانعزالية؛ أمَّا الثالثة فهي تقوم على أحد النصوص البابلية، غير أن «مكاوي» أجرى قلمَ الأديب فيها، فاستحالت إلى حكايةٍ يَكسوها الأمل؛ والمسرحيةُ الأخيرة عبارة عن ترتيلةٍ طويلة لمجمع الآلهة السومريِّين، تنتهي بانتفاضةِ شعب المملكة، القابعِ تحت وطأة الظلم.

  • أحلام في الظهيرة

    «وانقطع الحوار، وهوَّم الصمت الذاهل؛ فقد انطلقَت في أسماع الحاضرين ثلاثُ رصاصات. أرَصاص والمحافظ والمدير والمأمور ورجال الأمن جميعًا هنا؟! ما هذا؟ ما هذا؟ ما هذا؟»

    تَميز «ثروت أباظة» بأسلوبه القصصي الأخَّاذ الذي يَأسِر القارئ من أول حرفٍ حتى آخِر حرفٍ في روايته، فالحوارُ الجذَّاب والشخصياتُ التي يُفصِّلها تفصيلًا والإكثارُ من الدراما تجعل من العمل عرضًا سينمائيًّا مُسليًا. وكعادته يُعالِج «ثروت أباظة» هنا إحدى مشكلات المجتمع المصري عقب ثورة يوليو، وهي الجشع والطمع وحُب التملك الذي يرتقي إلى الإجرام؛ حيث تنتهي الأمور ﺑ «سباعي» الوُصوليِّ الكاذب إلى القتل، ولإضفاء صِبغةٍ أكثرَ تراجيديةً على القصة، يتصدَّى المحامي ابنُ القتيل للدفاع عن القاتل؛ لاقتناعه أن والدَه استحقَّ القتل، جزاءَ جرائمِه في حقِّ أهل قريته.

  • الرجل الذي لا يمكن تحريكه

    «إنَّ غرابتي لَجزءٌ من غرابةِ تلك القصة؛ قصة أوجدها لي قدَرٌ غريب، والبقية من البشر يجهلون ذلك، حتى أولئك الذين شارَكوني جزءًا منها. كلُّ مَن ضحك عليَّ يجهل ذلك. أنا لا ألومهم؛ فالبشر يجهلون البشر، ولا يعلمون مثلما أعلم؛ أن خلفَ كل إنسانٍ قصة، وأن خلفَ كل قصةٍ قدَرًا، وأن خلفَ كل قدَرٍ إنسانًا، إنسانًا يؤمن بذلك القدر، أو إنسانًا أشبه بي؛ رجلًا لا يمكن تحريكه.»

    عاش الطبيب الفرنسي «أنطوان شيلون» طوالَ حياته في صراعٍ نفسيٍّ وعقليٍّ كبير، حاوَل أن يُخضِع كلَّ ما يحدث حوله من أمور حياتية لنظرياته العلمية، غيرَ مؤمنٍ بأن هناك سلطةً عليا فوق كل البشر؛ قوةً خفية تتحكَّم في حيواتنا وتكتب لها بدايتها ونهايتها، قوةً تَفُوق قدراتنا البشرية؛ ألا وهي القدَر. ولإثبات صِدق نظريته بأن الإنسان هو من يتحكم في حياته ومصيره، قرَّر «أنطوان» أن يخوض حربًا مع القدَر، ولم يكن يعلم أن حربه تلك ومن دونِ قصدٍ منه كانت إيمانًا بهذا القدَر، فلا يمكن أن نحارب عدمًا إلا إذا صدَّقنا واعترفنا بوجوده، لكن هل هذه الحرب ستقوده إلى الإيمان بالقدَر والتخلي عن فلسفته العقلية في الحياة، أم سيظل الرجل الذي لا يمكن تحريكه؟

  • نسيج

    «لا يوجد خطأ أبدًا، ولا مُصادفة، حين ترتمي في أمواج الأقدار الإلهية لن ترى إلا خيوطًا مُعقدة مُتشابكة، ستغضب وتشعر بالظلم. أمَّا حين تنتهي اللوحة، فابتعِد قليلًا وستجد أن هذه الأقدار صَنعَت لك خصوصًا أجملَ لوحة، وأن خيوطها غَزلَت لروحك أروعَ نسيج.»

    ربما تحمل لنا الأقدار مفاجآتٍ لا تكون سارَّة، وربما تفيض منها المتاعب والعذابات، لكنها تحيك وراء ستائرها نسيجًا مُكتملًا لأحلامنا، حين يُرفع عنه الحجاب نتعجَّب من اكتمال تفاصيله، وزهو ألوانه، ودقة صُنعه. وفي رواية «نسيج» تُقدِّم لنا الكاتبة «مُزنة كمال» حكاياتٍ تبدو متفرِّقة لا علاقةَ تربط بعضَها ببعض، تسير في خطوط متوازية وكأنها تغزل بالكلمات، لتصل إلى نقاطِ التقاءٍ بين الأبطال والأحداث، وتتكشَّف الألغاز، ليَئُول كلٌّ إلى قدره المرسوم، فتتزوج «سماء» من حبيبها «شادي»، ويجتمع الجد «نور» بزوجته «رندة» بعد سنين طوال، وتستمر معاناةُ «سعيد» وزوجته اللذين فرَّقَتهما الحرب.

  • المُلاحَق: المسيحي الأخير

    «نضال الآن أنت تنام بثلاجة الموتى، جلدك بارد جدًّا، رصاصةٌ واحدة فقط هي التي أخذتك عنَّا، توجد فتحة كبيرة خلف رأسك، كأنك أُجبِرت على الموت، وتوجد بقعةٌ حمراءُ صغيرة في صدرك. أعلم أنك تسمعنا جيدًا، ونحن نُقبِّلك، ونُلقي عليك التحية. الجميع في غزة أحبَّك في حياتك وأحبَّك في موتك؛ لأنك كنت البطل المثالي الذي عاش في غزة ومات لأجلها.»

    «ميشيل عواد» أو «نضال الرجعي» شخصيةٌ فلسطينية بطولية نسَجها كاتبنا «هاني السالمي» من وحي خياله، أطلق عليها اسمَين لأنه يرى أن البطل يُولد مرتَين؛ مرةً من رحم أمه، ومرةً أخرى من رحم وطنه. وبأسلوبٍ مُميَّز أبدع الكاتبُ حوارًا مباشرًا بينه وبين بطل الرواية، وكأنه حوارٌ حقيقي وليس فقط حبرًا على الورق، حاوَل من خلاله أن يَصِف المآسي والأوجاع التي يُعانيها شعب غزة تحت وطأة الاحتلال. وحياة «ميشيل» البطولية ما هي إلا تجسيدٌ حقيقي لما عاناه المسيحيون لفترةٍ من انقسامٍ داخلي، وأحداث كادت تؤدي بهم إلى الاندثار، لكن على الرغم من قسوة الأوضاع وشدة الأزمات يظل المسيحي، بل الشعب بأكمله، صامدًا مُقاومًا بكل قوته للتمسُّك بوطنه والدفاع عنه لآخِر لحظة، يُفضِّل الموت تحت ترابه على أن يتركه للغرباء.

  • في انتظار سانتا

    «ينتظر سانتا كلوز يأتيه على عربته، ليُحقِّق له أمنياته التي يحفظها له منذ سنوات، تأخَّر موعده، ولكنه على يقينٍ بمجيئه. هكذا أعلموه.»

    «في انتظار سانتا» هي أول مجموعة قصصية للكاتبة «شرين يونس»، الفائزة بجائزة «عماد قطري للإبداع الأدبي»، وهي مجموعةٌ تُعبِّر عن الإنسان ومكنونه النفسي، فتُخاطبه مباشَرةً وتلتحم مع أحلامه وأمنياته، وبغير اعتياديةٍ تُناقش مشاكلَه، فتخرج من الأحلام إلى الواقع، ومن غيبية الحدث إلى شهادة الحاضر. فأمانينا لا يُحقِّقها «سانتا»، بل هو يأتي ليَغمسَنا فيها بعد أن نخطوَ نحوها بضع خطوات، هي مرآةٌ لنا. وفي «المظلة» مزجٌ بين ذكرياتٍ وحنين لأمومةٍ مفقودة، وبين تحدِّيات نفسية تجاه ما نخشى، إلى أن يأتي القرارُ ونقتحم أبوابَ مخاوفها، فنراها مُفرِحةً ودافئةً كصباح الشتاء، لا كما توقَّعنا. وتحتوي المجموعة على أربعٍ وعشرين قصةً قصيرة تنوَّعت في كل شيء، وامتزجت كأنها حديثٌ بلا انقطاع.

  • ماسة

    «وقف مرتكزًا على فأسه، وأشار بيده إلى ناحية الشرق، وأخذ يصيح: «هذا الشيطان الذي سلب روح أرضي، بل امتصَّ أرواحنا؛ إنه شيطانٌ وَقِح أخذ مزرعتنا، وظلَّ واقفًا، كأنه يَتحدَّانا، سأحطمه بفأسي، بجسدي».»

    يروي لنا «هاني السالمي» في صفحات هذا الكتاب بأسلوبٍ سلس وأخَّاذ قصةَ «ماسة»؛ الفتاة الفلسطينية ذات السبع عشرة سَنة، التي تعيش في كنف عائلتها البسيطة في قريةٍ بالقُرب من الجدار العازل الأسود الذي بناه جيش الاحتلال، والتي تحكي فصولًا عن حياتها وعائلتها وكأنها تُطلِعنا على مُذكراتها الشخصية، فتُحدِّثنا عن معيشتهم وأحوالهم، عن ذكرياتهم ولحظاتهم السعيدة، عن مشاعر الحزن والألم والغضب التي تُخيِّم بظلالها عليهم؛ جرَّاء ما يفعله الاحتلال بهم من سلبٍ للأراضي والحُريات والضحكات والآمال البسيطة؛ فحياة «ماسة» بكل تفاصيلها ما هي إلا تجسيد حقيقي للمأساة التي يُعانيها شعبٌ تحت وطأة الاحتلال، لكنها أيضًا تجسيد للمُقاومة وعدم الرضوخ والاستسلام والأمل الذي به قد يتبدَّد هذا الظلام الدامس يومًا.

  • النَّدَّاهة‎

    «حين فتح «حامد» الباب، وفوجئ بالمشهد الهائل المُروع، مات … بالضبط مات؛ وجد نفسه فجأةً قد سَكنَت فيه كل خَلْجة أو حركة أو فكرة، ولم يَعُد يرى أو يسمع أو يشعر، والدنيا من حوله هي الأخرى سَكنَت تمامًا، وماتت، وانتهى كل شيء.»

    أبدع «يوسف إدريس» في رسم شخصياتِ هذه المجموعة القصصية، ونَسَج لصفاتهم أحداثًا تُبرزها، وكانت غايته من هذا كله تصويرَ ما عايَشَه في مجتمع الستينيات. في قصة «النَّدَّاهة»، التي تَحمل المجموعةُ عنوانها، وضع المدينةَ في مواجَهة الريف كمعركة أصيلة، مُستعيرًا تلك الأسطورةَ الريفية المصرية؛ حيث جعل المدينة نفسها هي التي تجذب ضحاياها بدلًا من النَّدَّاهة، فلا يستطيعون الفرار منها على الرغم من جُرحهم النازف منها. وتضم المجموعةُ قصصًا أخرى، مثل: «معجزة العصر»، و«النقطة»، و«العملية الكبرى»، و«مسحوق الهمس»، و«ما خفي أعظم»، و«دستور يا سيدة»، و«المرتبة المقعرة»، وكلها تُناقِش ما يُمكِن أن تفعله الأفكار في حياة الإنسان إذا ما سيطرَت عليه وحرَّكَته، خاصةً فكرة الجنس وقيادتها للعقل.

  • ساي

    «في الأسابيع الأولى التي قضَتْها في المركز كانت تمامًا كما هي، ساي النشيطة، المَرِحة، ابتسامتُها لا تفارق وجهَها الحَسَن، أسمع ضحكتَها في كل زاوية في المركز، فأشعرُ كما لو أني أسمع لحنًا بل أغنيةَ حب.»

    بعد سنواتٍ من الوَحدة، يقع البروفيسور «هيروكي» في الحب أخيرًا، فيحب زميلته الدكتورة «ساي» التي جاءت للعمل حديثًا بمركز الطب النفسي؛ امرأة غريبة الأطوار، عَبثية غير مُكترثة بأمورٍ كثيرة، شخصية فريدة نجحت في فترةٍ قصيرة أن تنالَ حبَّ الجميع، حتى بات غيابها عنهم شيئًا من الصعب تحمُّله، شخصية عفوية ذات صوتٍ عالٍ وضحكات لا تنتهي، لكن لا أحدَ يعلم أن هذه الشخصية المَرِحة تُخفِي حزنًا وألمًا شديدَين وتجربةَ حبٍّ فاشلة حاولَت الهروبَ منها طويلًا. وبمرور الأيام يحاول «هيروكي» جاهدًا أن يُخبرها عن حبه لها الذي أسرَ فؤادَه، ويُطمئِنها بأن تمنح قلبها فرصةً ثانية ليُغمر بالحب من جديد، وبعد عامٍ تعلن «ساي» عن حُبها له ويتزوَّجان ويعيشان معًا في سلام. لكن يا تُرى هل ستستمر الحياة بمِثاليَّتها هذه، أم سيكون للقَدَر كلمةٌ أخرى؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١