• الصوت المتحدث من الثلاجة: مجموعة قصصية

    «كانت الخطة في زراعة البطيخ تحت مياه البحر. وبعدها، يَتحوَّل المُنى إلى حقيقة، وتشدو الطيور بموسيقى الفردوس، ويُشرق التوفيق دون غروب. حيث سيكون الطرح بطيخًا كبيرًا، باهت الاخضرار، متطرف الاحمرار، لا مثيل لِلَذته. يقولون إنه يعالج العقيم ويهبه البنين والبنات، ويُحفِّز العظيم داخلك فتقهر المستحيلات، ويُنهي الهزائم ويُديم الانتصارات.»

    في مجموعته القصصية «الصوت المتحدث من الثلاجة»، يتناول المؤلف «أحمد عبد الرحيم» عددًا من الظواهر غير الغريبة على الإطلاق، والتي تُقابلنا جميعًا في حياتنا اليومية، ومنها: نبتة تنبثق من أرضية غرفة، نمل يغزو جسد فتاة، سبَّاك لا يتقدَّم في السن، ديناصور ملَّ من افتراس البشر، طفل يعيش داخل كومبيوتر، موظف يُحوِّل أي شيء إلى بلاستيك، ثور يقفز من قصةٍ إلى الواقع، مريض سمنة يُعالَج بأكل كُتُبه، سماء فضية تُباع في السوبر ماركت، بطيخ ساحر ينمو تحت البحر، صوت عاقل يتحدَّث من ثلاجة …

    كلها ظواهر عادية للغاية كما تَرَون‎، لكن يبقى السؤال: إذا كنا قد عشناها في الواقع وعرفنا نهاياتها من قبل … فكيف يا تُرى ستنتهي هنا؟!

  • سنوات الثقب الأسود

    «سادَ صمتٌ طويل هذه المرة، طال الصمتُ حتى لم يَقطعه أيُّ حديث بعد ذلك، غرق كلٌّ منهما تمامًا في أفكاره؛ في ذلك العمر الذي مضى وكيف مضى، في تلك السنوات الضبابية الغائمة التي لا يُدرِك ما كان يفعل فيها بالتحديد؛ سنوات تبدو مَنسيَّة، لا يُميزها شيء وكأنما ابتلعها ثقبٌ أسود.»

    هل صنعَت تلك السنواتُ فارقًا في حياتي؟ ظل هذا السؤال يُراوِد «ياسين عمران» أثناء سَفره بالقطار، من القاهرة إلى مسقط رأسه بالإسكندرية، كان مُستغرِقًا طوال الوقت في تأمُّلاته، شاردَ الذهن في تذكُّر سنوات عمره التي عاشها بكل أحداثها، باحثًا عن إجاباتٍ لتساؤلاتٍ كثيرة، وفي هذه اللحظات التأمُّلية تأتي المصادَفة حين يلتقي «ياسين» في القطار بصديقه بعد غيابِ سنوات، أطال كلٌّ منهما النظرَ إلى الآخَر، لم يكن الأمر حقيقيًّا، لم يُصدِّقا وجهَ التشابُه الكبير الذي بينهما، حتى بدَوَا كأنهما شخصٌ واحد لا اثنان، تبادَلا الحديثَ وتذكَّرا ماضيَهما وأحلامهما القديمة، تذكَّرا السنوات الأربعين كيف مضَت وكيف تَركَت آثارَها الواضحة على مَلامحهما، كيف ساقَهما القدَر إلى حياةٍ دون الحياة التي رَغِبا في عَيشها، كلٌّ منهما سار في طريقٍ مختلف، لكن أيهما كان أفضل؟ هذا ما سيَرويه لنا «حسين مهران» في هذه الرواية.

  • عضة كلب: مجموعة قصصية

    «ومن فوره دخل غرفتَه، ثم خرج وقد خلع جلبابَه وطاقيتَه البيضاء، وحمل البندقية التي احتفظ بها لسنواتٍ داخل دولابه. وأصدر أمرَه الصارم.»

    خرَج «بهنس» مطرودًا من بيت أبيه لجُرم رآه حقًّا له، ورآه والِدُه انتقاصًا من حقوقه كأب. بدأ حياتَه أجيرًا، بينما يعيش أبوه في رغدٍ وهناء. كَدَّ وتعبَ حتى استطاع أن يبنيَ لنفسه ولزوجته بيتًا ويستصلح أرضًا فلا يُعاني أبناؤه ما عاناه في شبابه. مضى الشباب إلى حاله وجاء الكِبَر، حقًّا لقد ودَّع «بهنس» الشبابَ لكنه لم يفقد عَزمه وقُدرته على الحياة. فقَدَ مَنزلتَه في بيته، وأُرغِم على التنحِّي جانبًا لإفساح المجال أمام ابنه الأكبر ليتولَّى قيادةَ الأسرة في غَدٍ جديد. حاوَلوا إقناعَه بالتنازُل عن كل شيء وانتظارِ أجَلِه المحتوم، فالموتُ لن يضلَّ طريقَه عنه طويلًا. فهل تَلِينُ إرادةُ «بهنس» أم يُقاوِم كعادته؟

  • صندوق لا يتسع للأحلام: مجموعة قصصية

    «يَعلَم حينها أنه لم يكُن محظوظًا ﮐ «الشاطر حسن»؛ فالأميرة ما عادَت يَكفيها دعابةٌ لإضحاكها، ولم يَعُد هناك عرَّابة لتَنصحَه بمكان دوائها، وأن والِدها بنى أسوارًا حول مَملكتها لمنع اختلاطها بالعامَّة.»

    تتميَّز القصةُ القصيرة عن غيرها من الألوان الأدبية بأنها تُعبِّر بشكلٍ مُكثَّف عن الأفكار، وبكلماتٍ قليلة تصل الفكرة إلى القارئ، وربما تصل بألفِ معنًى، وهذا مَكمَن القوة فيها، وكأنها بيتٌ من الشعر يلمس كلَّ مرة وترًا مختلفًا لدى المُتلقِّي. وفي مجموعتها القصصية الثانية تَعبُر بنا «شرين يونس» إلى ضِفافها الخاصة، وتُطلِعنا على ما يُشبِه اليوميات القصصية، التي تتَّسم بالإيقاع السريع وبعض الغموض؛ ففي «صندوق لا يتسع للأحلام» نَلمس اصطدامَ الأحلام بواقع البطلين حين يتقدَّم بهما العمر ولا يعود ثَمةَ مكانٌ لأحلام طفولتهما. وفي قصتها «المفكر الكبير» تبرز مشكلة البحث العلمي في مصر وخداعه، عبر كوميديا سوداء من مشهدٍ واحد، وتختم مجموعتَها بمعاناة «عم رشاد» السايس بطلِ قصة «واجهة زجاجية» الذي يُغيِّبه المرض، بعد أن سُجِن ابنه ظلمًا وتُوفِّيت زوجته.

  • المتوالي الصالح

    روايةٌ اجتماعيةٌ تناقش أحوالَ الفتنة الطائفية وحقيقةَ التآخي بين المسلمين والمسيحيين، عبر تفاصيل حكاية عائلتَي «الهلالي» و«سمعان إلياس» في قريتَي «زحلة» و«العمروسة». في كل قريةٍ يوجد شيخٌ فقيه مُصلِح، يَثق به عامةُ الناس ويأتمنونه على أسرارهم، وكان شيخُ قرية «العمروسة» هو «الشيخ صالح»، الذي أقنعَ «يوسف الهلالي» والدَ «هيفاء» بأن يُرسِلها إلى المدرسة لتَلقِّي التعليم، وذلك بعدما أفضت «هيفاء» إلى «سليم» برغبتها في أن تلتحق بمدرسةٍ مثله، وهنا نشأت بينهما صداقةٌ تطوَّرت إلى حبٍّ طاهر على الرغم من اختلاف ديانةِ كلٍّ منهما، وتشاء الأقدار أن يُقتل «سمعان إلياس» والد «سليم»، وتُوجَّه أصابعُ الاتهام إلى صديقه «يوسف الهلالي»، فيَأبى «الشيخ صالح» أن تقوم فتنة، ويَبذل قُصارى جهده لإبطال هذا الاتهام، وتتوالى الأحداث لتجد «هيفاء» نفسَها وحيدة. فهل سيتركها «سليم»، أم سيجد هذا الحبُّ العفيف طريقَه إلى النور؟

  • الضباب

    «كانت الحاجة بمبة جالسةً في بهو بيتها تنتظر الحاج والي أن يعود، فهي تريده في أمر قد يُدهَش له، ولكنها تراه عدلًا، ولا بد أن تقوم به.»

    رويدًا رويدًا تكاثَفَت السُّحبُ فوق عقل الشيخ «والي»؛ فكلُّ ما سعى إليه بدَّده الضباب، فلم يَعُد يملك من أمره شيئًا. بذورُ الثورة في كل مكان من حوله؛ فمصرُ خرجت عن صمتها ونادت بعودةِ زعيمها المنفي «سعد زغلول»، وزوجتُه التي عاشت معه راضيةً هانئة لم تَرتضِ أن تحرمه رؤيةَ نسله؛ فبادَرَت إلى تزويجه بغيرها لعلها تُنجب له ذريةً صالحة. أمَّا الذرية فتلك كانت بدايةَ الضباب وذروته؛ ﻓ «محمد» ابن الشيخ الوحيد، المطيع والمستسلم، عاش حياته كما يشاء أبوه فزوَّجه مثلما ارتضى، أمَّا «حسين» ابن زوجته فقد نشأ وفي عُنقه معروف للشيخ لا يمكن نُكرانه؛ إذ عاش في ظله وتحت كَنفه. إلى أن جاء ذلك اليوم الذي خرج فيه كلا الولدَين عن صمته وعن وصاية الأب؛ فتمرَّدا عليه وبحثا عن حياتهما كما يروق لهما، فسارا تحت سماء مُلبَّدة بضبابٍ صَعُب الاهتداءُ فيه إلى طريق الصواب.

  • أوقات خادعة

    «لم تكن ساعاتٌ كثيرة قد مضت من صباح اليوم التالي حتى عرفتُ أن أمي قد ماتت، وطبعًا أدركتُ سر الدموع التي كانت تحيط بي. هذا لا يهم، المهم أن أحصلَ لنفسي على دموعٍ مثلها. من أين؟ أنا لم أبكِ في حياتي هذا النوعَ من البكاء أبدًا.»

    حين يضيع العمر بين إرادةٍ لا سبيلَ إلى إتمامها، وأقدارٍ تدفع إلى غير ما نطمح؛ تصبح الأوقات خادعة، فلا الأيام أيامنا ولا الحياة حياتنا. وهكذا تمضي بنا الأقدار إلى موتٍ بطيء لا يَصلح معه علاج. فحين ماتت والدة «أمين» وجد نفسَه فجأةً في بيت عمته التي تحبه وتعطف عليه مثل ولدها، فيكبر، ويكبر معه صراعٌ بين رغبته ورغبة مَن يُؤوِيه، فلا يَتزوج مَن يُحب، ولا يعمل ما يُريد، حتى تأتي اللحظة التي يشعر فيها بأنه سيتحرَّر من القيد، فيَتزوج من امرأةٍ تكبره. وحين يشعر بضياع عمره وانفلاته منه؛ يُطلِّقها ويَتزوج «حميدة» حبَّه الأول، وتنتهي حياته بقطعةِ مُخدِّر في لحظة ضعف مع أصدقائه ويضيع عمره هباءً.

  • النهر لا يحترق

    «ففيمَ انتظارك؟ اخرج، إذا متُّ قبل أن تعود أنت إلى الطريق الذي سِرنا جميعًا فيه، والذي يسير فيه خلقُ الله الأشراف، فستجد أنني لم أترك لك مليمًا واحدًا من مالي.»

    ربما يتغير النهر أو ينحرف مَجراه، ربما يحترق شاطِئُه أو يكاد، لكن من المؤكد أن «النهر لا يحترق» ولا تمسُّ النارُ منابعَه. في هذه الرواية تنحرف أخلاق «فكري» ابن التاجر الأمين، ولا يجد طريقًا يُثبِت به جدارته بعد فشله في التعليم إلا تجارة المُخدِّرات طمعًا في الثراء السريع، والزواج من عاهرةٍ أغوته. ومع تجاوزات الابن التي بلغَت أقصى الحدود وانكشاف أمره، أخذ أبوه قرارًا قاطعًا بطرده من المنزل وحِرمانه من الميراث، ونقل ملكية ثروته ﻟ «مجدي»؛ الشاب الناجح ابن صديق عُمره، الذي حمل الأمانة بشِقِّ الأنفُس.

  • التحفة العامية في قصة فنيانوس

    يعودُ «فنيانوس» إلى ضيعتِهِ الدافئةِ بمشاعرِ الحُبِّ بجبلِ لُبنان، بعدَ سنواتٍ قضاها بإحدى دولِ المهجرِ في أمريكا الجنوبية. وكخُطوةٍ في سبيلِ الاستقرار؛ يستعينُ بأقاربِهِ وخوري كنيستِهِ ليساعدوه في العثورِ على زوجةٍ مناسبة. لكنَّ الأمرَ لمْ يكنْ سهلًا كما يبدو؛ فقد كادَ يفقدُ حياتَهُ بعدَ أنْ أعياهُ تناوُلُ أقداحِ النبيذِ والعِرقِ الكثيرة، والتي كان يتناولُها مضطرًّا كواجبٍ للضيافةِ في رحلاتِهِ بحثًا عنْ فتاةٍ في سنِّ الزواجِ ببيوتِ القرية. ويسقطُ مريضًا طريحَ الفراش، ويبدأُ رحلتَهُ الطريفةَ مع وصفاتِ العلاجِ الشعبي، والتي تزيدُ بدَورِها من سوءِ حالتِه. ولكنْ لحسنِ الحظِّ يزورُهُ الطبيبُ في النهاية، ليستكملَ مُجدَّدًا رحلةَ البحثِ عن عروسٍ دونَ أقداحِ النبيذِ هذهِ المرَّة، وإنْ كانتِ المواقفُ الساخرةُ لا تتركُهُ طوالَ رحلاتِهِ البحثيَّةِ عن الزوجةِ المأمولة.

  • سمات من الزمان

    «وهكذا كانت الأحوال المالية لمراد في انتعاشٍ مستمر، والانتعاشُ يُغري بالمزيد منه، والأرقام ليس لها نهاية. فَلْيمضِ به الطريق ونحن من ورائه نقُصُّ أثرَه ونتَنَطَّس أنباءه.»

    لطالما كانت الرواية الأدبية هي الوجهَ الآخَر للتاريخ، فمن خلالها نستطيع أن نُعيد قراءةَ عهودٍ وسنواتٍ طويلة مضت من عُمر البلاد والناس، وعبْرَها نستطيع قولَ ما لم نَقدر على قوله في مَواطنَ أخرى من الأدب، كالمقالة والنصوص التاريخية الرسمية. والكاتب الكبير «ثروت أباظة» هنا يُفرِغ ما يغلي في صدره حنقًا؛ ففي نصه الروائي هذا يعتمد على الصوت الواحد للراوي، ساردًا قصةَ صعود «مراد دياب» — ذلك الشاب القليل التعليم، الشديد الذكاء، الفاسد الخُلق — مارًّا بأحداث مصرَ قُبيلَ قيام ثورة يوليو وحتى فترة الانفتاح الاقتصادي، موضِّحًا من خلال سرده وجهةَ نظره في كل هذه الأحداث، فالمنتفعون نجومُ كل العصور، والمستغلون أذنابُ كل الحكومات، ومَن يستطيع النجاة إلا «مراد»؛ رجل كل الباشوات؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١