• النهر لا يحترق

    «ففيمَ انتظارك؟ اخرج، إذا متُّ قبل أن تعود أنت إلى الطريق الذي سِرنا جميعًا فيه، والذي يسير فيه خلقُ الله الأشراف، فستجد أنني لم أترك لك مليمًا واحدًا من مالي.»

    ربما يتغير النهر أو ينحرف مَجراه، ربما يحترق شاطِئُه أو يكاد، لكن من المؤكد أن «النهر لا يحترق» ولا تمسُّ النارُ منابعَه. في هذه الرواية تنحرف أخلاق «فكري» ابن التاجر الأمين، ولا يجد طريقًا يُثبِت به جدارته بعد فشله في التعليم إلا تجارة المُخدِّرات طمعًا في الثراء السريع، والزواج من عاهرةٍ أغوته. ومع تجاوزات الابن التي بلغَت أقصى الحدود وانكشاف أمره، أخذ أبوه قرارًا قاطعًا بطرده من المنزل وحِرمانه من الميراث، ونقل ملكية ثروته ﻟ «مجدي»؛ الشاب الناجح ابن صديق عُمره، الذي حمل الأمانة بشِقِّ الأنفُس.

  • التحفة العامية في قصة فنيانوس

    يعودُ «فنيانوس» إلى ضيعتِهِ الدافئةِ بمشاعرِ الحُبِّ بجبلِ لُبنان، بعدَ سنواتٍ قضاها بإحدى دولِ المهجرِ في أمريكا الجنوبية. وكخُطوةٍ في سبيلِ الاستقرار؛ يستعينُ بأقاربِهِ وخوري كنيستِهِ ليساعدوه في العثورِ على زوجةٍ مناسبة. لكنَّ الأمرَ لمْ يكنْ سهلًا كما يبدو؛ فقد كادَ يفقدُ حياتَهُ بعدَ أنْ أعياهُ تناوُلُ أقداحِ النبيذِ والعِرقِ الكثيرة، والتي كان يتناولُها مضطرًّا كواجبٍ للضيافةِ في رحلاتِهِ بحثًا عنْ فتاةٍ في سنِّ الزواجِ ببيوتِ القرية. ويسقطُ مريضًا طريحَ الفراش، ويبدأُ رحلتَهُ الطريفةَ مع وصفاتِ العلاجِ الشعبي، والتي تزيدُ بدَورِها من سوءِ حالتِه. ولكنْ لحسنِ الحظِّ يزورُهُ الطبيبُ في النهاية، ليستكملَ مُجدَّدًا رحلةَ البحثِ عن عروسٍ دونَ أقداحِ النبيذِ هذهِ المرَّة، وإنْ كانتِ المواقفُ الساخرةُ لا تتركُهُ طوالَ رحلاتِهِ البحثيَّةِ عن الزوجةِ المأمولة.

  • سمات من الزمان

    «وهكذا كانت الأحوال المالية لمراد في انتعاشٍ مستمر، والانتعاشُ يُغري بالمزيد منه، والأرقام ليس لها نهاية. فَلْيمضِ به الطريق ونحن من ورائه نقُصُّ أثرَه ونتَنَطَّس أنباءه.»

    لطالما كانت الرواية الأدبية هي الوجهَ الآخَر للتاريخ، فمن خلالها نستطيع أن نُعيد قراءةَ عهودٍ وسنواتٍ طويلة مضت من عُمر البلاد والناس، وعبْرَها نستطيع قولَ ما لم نَقدر على قوله في مَواطنَ أخرى من الأدب، كالمقالة والنصوص التاريخية الرسمية. والكاتب الكبير «ثروت أباظة» هنا يُفرِغ ما يغلي في صدره حنقًا؛ ففي نصه الروائي هذا يعتمد على الصوت الواحد للراوي، ساردًا قصةَ صعود «مراد دياب» — ذلك الشاب القليل التعليم، الشديد الذكاء، الفاسد الخُلق — مارًّا بأحداث مصرَ قُبيلَ قيام ثورة يوليو وحتى فترة الانفتاح الاقتصادي، موضِّحًا من خلال سرده وجهةَ نظره في كل هذه الأحداث، فالمنتفعون نجومُ كل العصور، والمستغلون أذنابُ كل الحكومات، ومَن يستطيع النجاة إلا «مراد»؛ رجل كل الباشوات؟!

  • صرخة الطفل: قصة تمثيلية عصرية في فصلين

    «زهيرة (تنهض): بالله خبِّروني يا أهل الفَهم والمحاماة والطب والكلام الفارغ الذي تُموِّهون به على الناس وأنتم أغبياء جهلاء؛ في أي شيءٍ تقضي الزوجة يومَها إذا لم تكن راضيةً عن زوجها، ولم يكن لها من الارتياح إلى أمسه ما يملأ قلبها حبًّا له واشتياقًا إليه وانشغالًا عن الحاضر بالغائب؟»

    في أوائل القرن العشرين سرى في المجتمع طيفٌ خفيف، شعر الجميع من خلاله بمجيءِ عصرٍ جديد للمرأة، وأن تلك المرأة التي كانت حبيسةَ بيتها لن يكون لها وجود، وأن صراعًا نسويًّا ذكوريًّا قادم، وشعرت المرأة المصرية بهذا الطيف كمثيلاتها. كتب «إبراهيم رمزي» هذه المسرحية عام ١٩٢٣م، التي طرح من خلالها ما تُعانيه المرأةُ في ذلك الوقت، متأثرًا بمسرح «إبسن» النقاشي، الذي يطغى فيه النقاشُ على القصة والدراما. وهي مسرحية اجتماعية عن سيدة متزوجة تفتقد زوجَها المنشغل بأعماله ليلَ نهار، حتى يأخذها غرورُها للإعجاب برجلٍ آخَر، ولكن حين يقترب هذا الرجل من أختها تنفجر صارخةً في وجه الجميع بما يُنغِّص عليها حياتَها من صفات الرجال وتهميشهم للمرأة.

  • هدنة لالتقاط الأنفاس

    نُشِرت هذه الرواية للكاتب الشهير «جورج أورويل» للمرة الأولى في يونيو عام ١٩٣٩م، قبل وقتٍ قصير للغاية من اندلاع الحرب العالمية الثانية. تحكي الرواية قِصةَ رجلٍ في منتصف العمر ينتمي إلى الطبقة المتوسطة الدنيا، ويعمل مندوبًا في إحدى شركات التأمين، يُدعى «جورج بولينج». بعد حصوله على طقم أسنانه الجديد، بدأ «بولينج» في استرجاعِ ذكريات صِباه، وقرَّر الهروب عائدًا إلى بلدة لوير بينفيلد؛ حيث المنزلُ الذي قضى فيه صِباه بالقرب من نهر التيمز، وكانت تلك بمثابة هدنة لالتقاط الأنفاس. كان يُفكر بين الحين والآخر خلال رحلته في المَخاطر الوشيكة للحرب التي كانت على وشك الاندلاع، قبل أن يُشاهِد مَخاوفه تتحقَّق بسقوطِ قذيفةٍ بالخطأ على بلدته. وقد صُدم من حقيقةِ أنه لم يبقَ شيء هناك كما كان، وأن كل شيء تغيَّر بصورةٍ كبيرة. ترسم الرواية صورةً واضحة لقلقِ ما قبل الحرب، والصراع بين الحنين للماضي والتقدُّم نحو المستقبل؛ وتُعَد ذات طابَع تشاؤمي؛ إذ يتبيَّن من خلالها كيف أن النزعتَين الاستهلاكية والرأسمالية تُدمِّران أفضل ما في الريف الإنجليزي، وأنَّ ثَمة مخاطرَ خارجيةً جديدة كبرى تواجه بريطانيا.

  • طائر في العنق

    «وما أنا بسبيلي إلى تقديمه إليك الآن لا أدري – كما قلتُ لك – كيف أنا سائرٌ به، أو كيف سيسير هو بي؛ فهذا الذي أكتبه لم أضَعْ خطوطَه العريضةَ، وإنما أنا مُسَلِّم أمري إلى ذكرياتي وتفكيري وقلمي.»

    يُدفع الكاتبُ إلى الكتابة دفعًا حين تتَّقد في أعماق نفسه جمرةُ الكلمة وصدَى الذكريات وتوابعُ الأزمنة والأحداث، ولا يجد مفرًّا من هذا إلا أن يُمسك بقلمه ويبدأ، وفي أغلب الأوقات لا يدري ما ستنتهي إليه هذه الخطوة، وما سيتتابع عليه من جَرَّاء هذه الفَعْلة. والكاتب الكبير ثروت أباظة حين بدأ في كتابة هذه الرواية أو الذكريات كانت تلك حاله، حتى سلَّم إلى القارئ ما كان خبيئًا في نفسه، ويدور جُلُّ الرواية حول إرهاصات ثورة 1919م، وفورة الشباب التي أشعلتها، وحُنْكة السياسيِّين التي أدَّت إلى دوي صوتها في أرجاء مصر، مرورًا بثورة يوليو وهزيمة 76 وحتى انتصار أكتوبر.

  • ابن عمار

    «وتنغلق الطُّرق على ابن عمار، فيَبلغ الغيظُ أقصاه بالمعتمد، فيُمسِك بقطعةٍ من حديد ذات مقبض كان قد أعدَّها، ويَهوِي بها على رأس ابن عمار، ثم لا يزال يضرب ويضرب حتى يموت ابن عمار بيدِ المعتمد، بيدِ صداقةِ خمسة وعشرين عامًا، بيدِ المَجد الذي اقتعده، بيدِ القمة التي ساوَرَها.»

    عاش «أبو محمد ابن عمار» حياتَه طولًا وعرضًا مُنافقًا مادحًا كاذبًا، يأكل بكلمته، ويعيش على فُتاتٍ يأخذه جزاءَ ما يلفظه شعرًا، يمدح التجارَ ليجد قُوتَ يومه، ثم ينتقل إلى الأندلس، فيقصد «المعتضد» بعد أن علم حُبه للشعر، ويصادِق ولدَه «المعتمد بن عباد» فيُقربه حتى يصبح في منزلة أخيه، يُنشِده «ابن عمار» شعره مادحًا، ويُغدِق عليه «المعتمد» من عطاياه أموالًا وعزًّا ومكانة، حتى صار وزيرًا له بعد تنصيبه مَلكًا على الأندلس، ثم خانه واستقلَّ بمرسية؛ إحدى ولايات الأندلس، بعد تخطيطٍ ودهاء وخداع لصديقه «المعتمد»، فانتهى أمره بالسجن جزاءَ ما فعل، حتى حنَّ «المعتمد» إلى مجلسه، لكنها الخيانةُ تَسري فيه مَسرى الدم، فقتله «المعتمد» بعد أن أفشى سرَّ حنينه إليه.

  • خيوط السماء

    «كان فرغلي قد تعلَّم في معاملته لمن يُمسِك برقابهم أن يجعل ضغط يده يتوقَّف قبل أن يُزهِق الروح، وكان قد تعلَّم أنه حين يجعل واحدًا منهم ينحني ويُعفِّر رأسه في حَمأة الذل، عليه بعد أن يجعله يُنفذ ما يريد، أن يفتح له بابًا يعود عليه بكسبٍ يُخفف الذل الذي أصابه، فإذا لم يُضمد جراح الآدمي فيه، أتاح لشِرَّة المال أن تجعله يهدأ إلى بعض راحة.»

    لم تكن مصر وحدها في حاجةٍ إلى ثورة تُجدِّد دماءها، وترفع عنها وجوهًا اعتادت أن تحكم الشعب باسم السلطة لا باسم الشعب، بل كان المجتمع نفسه في حاجةٍ إلى تغيير أفكاره ومعتقداته؛ ذلك هو المجتمع المصري في ثلاثينيات القرن الماضي. وقد كان «فهيم» يعرف ذلك جيدًا، إلا أن هذا لم يمنعه من الزواج ﺑ «غزيَّة» في أحد الموالد؛ وهو ما جعله يفرض على نفسه عُزلةً اجتماعية يعرف جيدًا أنه لا مناصَ منها، فلو لم يبادر بها، لَعاجَله بها أهل قريته. مرَّت سنوات و«تحية» تعيش مع «فهيم» في منزله، أثمر زواجُهما ابنَهما الوحيد «فرغلي»، ولكن تُرى هل تنسى «تحية» عملها القديم؟ وماذا عن «فرغلي»؟ هل يتأثَّر بنظرة المجتمع له؟ إننا لا نحيا معزولين عن المجتمع، وحينما تختلط الأنساب يختلط معها الدمُ والتاريخ والمستقبل.

  • الطلسم

    «هنالك شهدتُ ملكة إنجلترا، وهي بحُسنها الفاتن جديرةٌ بأن تكون ملكة على العالَم بأسره؛ أيُّ رقَّةٍ تلك التي تشعُّ من عينها الزرقاء؟! وأيُّ بريقٍ ذلك الذي يتألَّق في فرعها الذهبي المتهدِّل؟! أقسمتُ بالرحمن ما أحسب الحوراء التي سوف تُقدِّم لي كأس الخلود اللؤلُئِي بأحقَّ من هذي بأحَرِّ العناق.»

    تُعَد الحرب الصليبية الثالثة واحدةً من أكثر الحروب إلهامًا للمؤرخين والأدباء على حدٍّ سواء؛ حيث حفَلت بالكثير من الأحداث التي جعلت منها مادةً غنية لخيال الأدباء. وفي هذه الرواية يُسلِّط «والتر سكوت» الضوءَ على مراحل مختلفة ومتباينة في نظرةِ الشرقي المسلم والغربي المسيحي كلٍّ منهما إلى الآخر؛ فكلٌّ منهما يُدافع عن بيت المَقدس الذي يحمل قداسةً لديه. وبينما يَستعدُّ الملك «ريتشارد قلب الأسد» للاستيلاء على بيت المَقدس، إذا بالمرض يشلُّ تفكيره ويُوهِن جسده حتى كاد يهلك، وفي هذه الأثناء يظهر القائد المسلم «صلاح الدين الأيوبي» ليُعالجه بالطلسم، الذي قدَّمه هديةً لأحد رجال «ريتشارد»، فصار بعد انتهاء الحرب مَقصدًا لشفاء المجانين ومَن يُعانون من النزيف، حتى أَوقفت الكنيسة العملَ به باعتباره سحرًا.

  • العتب على النظر

    «وعاث الحمار في أرض القرية بنظارته فسادًا، فلم يترك أنثى على حالها، بل أحيانًا كان يناوش حتى الذكور من الحمير، وأشاعوا أن حسن أرسل حماره لكُتَّاب الشيخ حسنين، وأنه تعلَّم القراءة بسهولة تامة؛ إذ على رأي عم ناجي: أنا مركب له نضارة تقرأ لوحدها.»

    هل يُمكن لحمار أن يرتدي نظارة؟! وإن كان ممكنًا، فكيف نعرف أنه يرى بواسطتها، وأنها تصلح أن تكون عينه التي يرى بها؟ افتتح يوسف إدريس مجموعته القصصية «العتب على النظر» بقصة حمار يريد صاحبه أن يصنع له نظارة ليرى، فيقوده عقله إلى حيلة تنتهي به إلى صُنع نظارة للحمار، وتكون مصدرًا للرزق أيضًا. وتحتوي المجموعة على قصص أخرى كقصة «أمُّه» حين يجد الولد في شجرة أمًّا له، تعوضه عن حنان واحتضان لم يجده من أمه التي أنجبته وتركته لتتزوج، وتحتوي المجموعة على قصص أخرى مثل «الرجل والنملة»، و«أبو الرجال»، و«الخروج»، و«الختان».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١