• هيبنوسيس

    ««هيبنوسيس وسيلةٌ لوضعك في حالة ذهنية مسترخية، إنها تساعد على التداعي الحر للأفكار والذكريات القديمة في وَعْيك، يشبه الأمر حالةَ ما قبل النوم، عندما يسترخي جسدُك ويصفو عقلُك من الأفكار.»

    قال في هدوء: «تريد أن تنوِّمَني مغناطيسيًّا؟»

    – «ليس تمامًا، فقط أريد مساعدتَك على التذكُّر».»

    يروي لنا «مهند رحمه» بأسلوبٍ رائع قصةَ «عمار»؛ وهو شاب سوداني جامعي، يعيش في سكنٍ مع صديقه المُقرَّب، كان هادئًا، قانعًا بمعيشته، متدينًا بطبعه، لكن كان يُراوِده دائمًا حُلم سيئ، وتصيبه نوباتُ ذعرٍ لمراتٍ دونَ أن يدرك السبب، فيُقرِّر زيارةَ الطبيب النفسي «جمال عبد الرحمن»، فيُخضِعه لجلسةِ تنويمٍ مغناطيسي، وهنا تأتي اللحظة التي يتذكَّر فيها كلَّ شيء، يتذكَّر ماضيَه القاسي والمؤلم، ومن اللحظة تلك تتبدَّل أحواله ليصبح شخصًا ثائرًا متمردًا حانقًا، خاصةً على أحوال بلاده التي كانت تَمُوج في بحر من الظلم والقهر. لم يتقبَّل «عمار» واقعَ مجتمعه الأليم مثل الباقين، فرفع رايةَ الثورة وناضَل ببسالةٍ إلى أن وصل إلى محطته الأخيرة بالحياة، وفارَقت الروحُ جسدَه المُعذَّب، فغادَر آمالَه وفَتاتَه التي أحبها بجنونٍ كحُبِّه لوالدته. لكن، تُرى ما الماضي الذي تذكَّرَه وبدَّلَ أحواله هكذا؟

  • قصص مملة جدًّا

    «قصص لزجة جدًّا، مطاطة جدًّا، مملَّة جدًّا، وغير هادفة بالمرة، عن أبطال إغريقيين، وكُتُب ملعونة، وهلاوس مُحرَّمة، ومُؤلِّف فاقد للبوصلة، بدأت تُثير سلامة قُواه العقلية شُكوكي، لم يَعُد يجد شيئًا أفضلَ يفعله.»

    يكمن الإبداع الأدبي في استطاعة المُؤلِّف سرْدَ التفاصيل التي تبدو مملَّة بشكلٍ يجعل القارئ وكأنه يقاوم نُعاسًا أقبل فجأة، تلك اللحظة التي تَختبر الحكايةُ فيها مدى صبر القارئ على ما تُخبِّئه وراء ستائرها. بوصفها «قصصًا مملَّة جدًّا»، استطاع الكاتب «مهند رحمه» أن يُمهِّد الطريق لرواية قصصِه الاثنتَي عشرة، وأن يجعلها تحت سِياط الاختبار الصعب؛ ففي «ببلومانيا» يَخدع البطلُ المحققَ الجنائي كما يَخدع القُراء، ليمارس طَقسه الشيطاني في بحثه عن المعرفة؛ وفي «العاهرة» نُعايش انفصامًا لربَّة منزلٍ يراها المجتمع كله خائنةً لزوجها، وترى هي خطيئتها أفضلَ ما صنعَته لنفسها؛ وفي «ديجا-فو»، عن طريق ما يُسمَّى بالاسترجاع الفني (فلاش باك)، يتنقَّل الراوي بين لقطاتٍ متناقضة صُنعت لإنقاذ البطل من مصيرٍ كُتِب له.

  • وبقي شيء

    «وأصبحَت شُهرته تشمل العالَم العربي أجمع، بل إنه تولَّى قضايا دولية خارج العالَم العربي. ولكن العجيب أنه مع كل هذا النجاح بقي له شيءٌ هامٌّ من هوايته القديمة؛ فهو يُمثِّل في كل تصرُّفٍ يعمله؛ يُمثِّل في المحكمة، يُمثِّل مع أبنائه، يُمثِّل مع أحفاده، والغريب الغريب أنه يُمثِّل مع الممثِّلة الشهيرة زوجته، وكانوا جميعًا يضحكون فيما بينهم على طريقةِ تمثيله ويزدادون له حبًّا من أجلها. لم تمر هوايته عبثًا. لقد بقي منها شيء … بقي منها شيء كثير.»

    بأسلوبه المميَّز يأتي لنا «ثروت أباظة» بهذه المجموعة القصصية التي استطاع من خلالها أن يرسم صورةً صادقةً عن حالة الإنسان ومشاعره ووجدانه وأفكاره وصراعاته الداخلية؛ ففي قصة «وبقي شيء» — التي اتَّخذ من اسمها عنوانًا لهذه المجموعة، والتي تحمل الكثيرَ من المعاني الجميلة عن الكفاح والمثابَرة والتغلُّب على ظروف الحياة القاسية — يُحدِّثنا كاتبنا عن حياة «بهجت»؛ الشاب الصغير الذي تَكبَّد الكثير من العناء منذ صِباه، فلم ينعَم بعيشةٍ مريحةٍ مثل رفقائه، ولم يَعِش طفولته وشبابه كما أراد، لم يَرِث شيئًا من والده سوى الفقر المُدقِع، فاضطُر إلى العمل طوال الوقت ليُؤمِّن لنفسه ولأُمه عيشةً راضية، ولم يخنع لظروفه التَّعِسة، بل كان مكافحًا ودَءُوبًا. ومرت السِّنون وصار طالبُ الحقوق قاضيًا مشهورًا مثلما أرادت أُمه، وفي الوقت نفسه لم يَغفل عن تحقيق حُلمه بالتمثيل الذي طالما أحبَّه.

  • ملك غير متوج

    أحداثُ هذه الرواية مثيرةٌ وغريبة وربما خيالية، على الرغم مما أكَّدته «أوركزي» من أنها حقيقيةٌ بالفعل! وتَعُود بنا إلى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي في إحدى مدن فرنسا، وتحكي قصةَ «سيرل برتراند»، وهو رسَّام شاب ذو شخصية جذَّابة، لم يتعلق فؤاده إلا بفتاةٍ واحدة، هي الجميلة الفرنسية «فيرونيك كريستوف»، الابنة المدلَّلة لأغنى رجلِ أعمالٍ في أوروبا. وقد وقع «برتراند» في حبها منذ أن رسَم صورة لها، ولكنه لم يُصرِّح لها بحبِّه، وشاءت الأقدار أن تُوافق تلك الفتاةُ على الزواج من أخيه «لويس التاسع عشر» ملِك فرنسا غير المتوَّج بعد، وقد جاء الزواج بِناءً على رغبة والدته التي طمعَت في مال والد الفتاة؛ لأنه سيساعدها في استعادة عرش فرنسا وتتويج ابنها ملِكًا. فيا تُرى هل سيتم الزواج والتتويج في النهاية؟

  • أنا سلطان قانون الوجود

    «وحين سقط الرجل، حين سقطت الهيبة الضخمة وضاع الصولجان، حين لم يَعُد باقيًا أمام سلطان إلا أن يحس بالشفقة على صاحبه فيطبطب عليه ويأخذ بيده وخاطره، لم يستطِع للأسف أن يفعل.»

    حين وقعت حادثة مقتل مُروِّض الأسود محمد الحلو على يد أحد الأسود بالسيرك، لم ينتبه أحدٌ إلى دوافع الأسد «سلطان»، فعلى الرغم من كونه هاجم سيدَه وقتله فإنه لم يكن يريد قتله في حقيقة الأمر، إنما أراد استفزازه واللعب معه، هذا ما أراد الدكتور «يوسف إدريس» أن يقوله في قصته القصيرة «أنا سلطان قانون الوجود» التي جاءت على رأس المجموعة القصصية تلك، وهي مُعالَجة نفسية لما يراود الحيوانَ من خواطر نحو مَن حوله، وتضم المجموعة سبع قصص أخرى تتنوع موضوعاتها بين الاجتماعية والرومانسية، وهي: «جيوكوندا مصرية»، و«البراءة»، و«لحظة قمر»، و«حوار خاص»، و«سيف يد»، و«حكاية مصرية جدًّا»، و«عن الرجل والنملة».

  • القيصر الأصفر: ومسرحيات أخرى شرقية

    «وليست المسرحيات التي تلتقي بها في هذا الكتاب مجردَ «مسرَحةٍ» لمجموعة من الحكايات والنصوص التي اطلعتُ عليها عن اختيارٍ أو اضطرار — بحكم عملي في تدريس الفلسفة الشرقية — ولا هي محاكاة لأشكالٍ ونماذجَ من الشعر والحكمة المأثورة عن عالَم غامض بعيد (على طريقة ريكرت وبلاتين مثلًا في الأدب الألماني)، وإنما هي أحاسيس وأفكار وقِيَم ومواقف جرَّبتُها وعايشتُها خلال سِباحتي المتواضعة في بحر الشرق.»

    اقتفى الدكتور «عبد الغفار مكاوي» آثارَ «جوته» أثناء السير بحثًا عن الكنوز الشرقية، باعتباره أول من بدأ حركة الاستلهام الأدبي منها، لكنه بمِصريَّته التي تظهر في كلِّ كتاباته، جعل بين أسطُرِها همومَ العربيِّ الحامل لقضايا أمَّته وآمالَه، عَبْر أربعِ مسرحيات مستلهَمة من قصصٍ شرقية، صينية وبابلية وسومرية؛ بطلُ الأولى منها هو الشابُّ الناسك تلميذُ المعلم «لاو تزو» الذي يحمل بين جنبَيه طموحَ تغيير العالم، فيصطدم بجبروت «القيصر الأصفر»؛ وفي الثانية استلهامٌ من إحدى الحكايات الصينية التي تقوم على النقد الذاتي للفلسفة الطاويَّة الانعزالية؛ أمَّا الثالثة فهي تقوم على أحد النصوص البابلية، غير أن «مكاوي» أجرى قلمَ الأديب فيها، فاستحالت إلى حكايةٍ يَكسوها الأمل؛ والمسرحيةُ الأخيرة عبارة عن ترتيلةٍ طويلة لمجمع الآلهة السومريِّين، تنتهي بانتفاضةِ شعب المملكة، القابعِ تحت وطأة الظلم.

  • أحلام في الظهيرة

    «وانقطع الحوار، وهوَّم الصمت الذاهل؛ فقد انطلقَت في أسماع الحاضرين ثلاثُ رصاصات. أرَصاص والمحافظ والمدير والمأمور ورجال الأمن جميعًا هنا؟! ما هذا؟ ما هذا؟ ما هذا؟»

    تَميز «ثروت أباظة» بأسلوبه القصصي الأخَّاذ الذي يَأسِر القارئ من أول حرفٍ حتى آخِر حرفٍ في روايته، فالحوارُ الجذَّاب والشخصياتُ التي يُفصِّلها تفصيلًا والإكثارُ من الدراما تجعل من العمل عرضًا سينمائيًّا مُسليًا. وكعادته يُعالِج «ثروت أباظة» هنا إحدى مشكلات المجتمع المصري عقب ثورة يوليو، وهي الجشع والطمع وحُب التملك الذي يرتقي إلى الإجرام؛ حيث تنتهي الأمور ﺑ «سباعي» الوُصوليِّ الكاذب إلى القتل، ولإضفاء صِبغةٍ أكثرَ تراجيديةً على القصة، يتصدَّى المحامي ابنُ القتيل للدفاع عن القاتل؛ لاقتناعه أن والدَه استحقَّ القتل، جزاءَ جرائمِه في حقِّ أهل قريته.

  • الرجل الذي لا يمكن تحريكه

    «إنَّ غرابتي لَجزءٌ من غرابةِ تلك القصة؛ قصة أوجدها لي قدَرٌ غريب، والبقية من البشر يجهلون ذلك، حتى أولئك الذين شارَكوني جزءًا منها. كلُّ مَن ضحك عليَّ يجهل ذلك. أنا لا ألومهم؛ فالبشر يجهلون البشر، ولا يعلمون مثلما أعلم؛ أن خلفَ كل إنسانٍ قصة، وأن خلفَ كل قصةٍ قدَرًا، وأن خلفَ كل قدَرٍ إنسانًا، إنسانًا يؤمن بذلك القدر، أو إنسانًا أشبه بي؛ رجلًا لا يمكن تحريكه.»

    عاش الطبيب الفرنسي «أنطوان شيلون» طوالَ حياته في صراعٍ نفسيٍّ وعقليٍّ كبير، حاوَل أن يُخضِع كلَّ ما يحدث حوله من أمور حياتية لنظرياته العلمية، غيرَ مؤمنٍ بأن هناك سلطةً عليا فوق كل البشر؛ قوةً خفية تتحكَّم في حيواتنا وتكتب لها بدايتها ونهايتها، قوةً تَفُوق قدراتنا البشرية؛ ألا وهي القدَر. ولإثبات صِدق نظريته بأن الإنسان هو من يتحكم في حياته ومصيره، قرَّر «أنطوان» أن يخوض حربًا مع القدَر، ولم يكن يعلم أن حربه تلك ومن دونِ قصدٍ منه كانت إيمانًا بهذا القدَر، فلا يمكن أن نحارب عدمًا إلا إذا صدَّقنا واعترفنا بوجوده، لكن هل هذه الحرب ستقوده إلى الإيمان بالقدَر والتخلي عن فلسفته العقلية في الحياة، أم سيظل الرجل الذي لا يمكن تحريكه؟

  • نسيج

    «لا يوجد خطأ أبدًا، ولا مُصادفة، حين ترتمي في أمواج الأقدار الإلهية لن ترى إلا خيوطًا مُعقدة مُتشابكة، ستغضب وتشعر بالظلم. أمَّا حين تنتهي اللوحة، فابتعِد قليلًا وستجد أن هذه الأقدار صَنعَت لك خصوصًا أجملَ لوحة، وأن خيوطها غَزلَت لروحك أروعَ نسيج.»

    ربما تحمل لنا الأقدار مفاجآتٍ لا تكون سارَّة، وربما تفيض منها المتاعب والعذابات، لكنها تحيك وراء ستائرها نسيجًا مُكتملًا لأحلامنا، حين يُرفع عنه الحجاب نتعجَّب من اكتمال تفاصيله، وزهو ألوانه، ودقة صُنعه. وفي رواية «نسيج» تُقدِّم لنا الكاتبة «مُزنة كمال» حكاياتٍ تبدو متفرِّقة لا علاقةَ تربط بعضَها ببعض، تسير في خطوط متوازية وكأنها تغزل بالكلمات، لتصل إلى نقاطِ التقاءٍ بين الأبطال والأحداث، وتتكشَّف الألغاز، ليَئُول كلٌّ إلى قدره المرسوم، فتتزوج «سماء» من حبيبها «شادي»، ويجتمع الجد «نور» بزوجته «رندة» بعد سنين طوال، وتستمر معاناةُ «سعيد» وزوجته اللذين فرَّقَتهما الحرب.

  • المُلاحَق: المسيحي الأخير

    «نضال الآن أنت تنام بثلاجة الموتى، جلدك بارد جدًّا، رصاصةٌ واحدة فقط هي التي أخذتك عنَّا، توجد فتحة كبيرة خلف رأسك، كأنك أُجبِرت على الموت، وتوجد بقعةٌ حمراءُ صغيرة في صدرك. أعلم أنك تسمعنا جيدًا، ونحن نُقبِّلك، ونُلقي عليك التحية. الجميع في غزة أحبَّك في حياتك وأحبَّك في موتك؛ لأنك كنت البطل المثالي الذي عاش في غزة ومات لأجلها.»

    «ميشيل عواد» أو «نضال الرجعي» شخصيةٌ فلسطينية بطولية نسَجها كاتبنا «هاني السالمي» من وحي خياله، أطلق عليها اسمَين لأنه يرى أن البطل يُولد مرتَين؛ مرةً من رحم أمه، ومرةً أخرى من رحم وطنه. وبأسلوبٍ مُميَّز أبدع الكاتبُ حوارًا مباشرًا بينه وبين بطل الرواية، وكأنه حوارٌ حقيقي وليس فقط حبرًا على الورق، حاوَل من خلاله أن يَصِف المآسي والأوجاع التي يُعانيها شعب غزة تحت وطأة الاحتلال. وحياة «ميشيل» البطولية ما هي إلا تجسيدٌ حقيقي لما عاناه المسيحيون لفترةٍ من انقسامٍ داخلي، وأحداث كادت تؤدي بهم إلى الاندثار، لكن على الرغم من قسوة الأوضاع وشدة الأزمات يظل المسيحي، بل الشعب بأكمله، صامدًا مُقاومًا بكل قوته للتمسُّك بوطنه والدفاع عنه لآخِر لحظة، يُفضِّل الموت تحت ترابه على أن يتركه للغرباء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١