• تجارب فلسفية

    «هذه مجموعةٌ من التجارِبِ الفلسفيةِ التي عِشتُها خلال العشرينَ سنةً الماضية، أحاولُ اليومَ أن أضمَّها بين دفتَي كتابٍ بعدَ أن كانت مشتَّتة.»

    يَمورُ الإنسانُ في حياتِه بين تجرِبةٍ وأخرى في سبيلِ الوصولِ إلى ما يبحثُ عنه منذُ بدأَ مِشوارَه العقلي، وكأنه قُدرَ لكلِّ «مُفكرٍ» أن يعيشَ حيرانَ بين تجارِبِه، يَغوصُ في كلِّ واحدةٍ على حِدَة، فيقِفُ هنا، ويُعجَبُ بتلك، ويحتقرُ هذه، ويَتنكرُ لهؤلاء، حتى إذا ما شعرَ أن موقفًا ما يجبُ أن يُؤخَذ، وأن جُلَّ هذه التجارِبِ يجبُ أن تُجمَعَ لتُؤلفَ مَوقفًا من الحياة، أو تَخلقَ دورًا في عالمِه المُحيط؛ أيقنَ ضرورةَ تدوينِها‎ وبثِّها للعالَمِ لِتكونَ تأريخًا لرحلةِ هذا العقلِ عبرَ تجارِبِه. يُقدِّمُ لنا «عبد الغفار مكاوي» هنا تجارِبَ حياتيةً شخصيةً تُحازي الفلسفةَ وتتَّسقُ معها؛ لتُصبحَ تجارِبَ فلسفيةً نقدية، وقراءاتٍ لعدةِ مدارسَ وأعلامٍ فلسفيةٍ كان لها كبيرُ الأثرِ في حياتِه الشخصية.

  • من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل

    «إذا ما أرادَ الحاكمُ أن يَتسلطَ وأن يَتحكمَ بلا بَيعةٍ أو شُورى، فإنه سرعانَ ما يجدُ مُبرِّرًا له في الدعوةِ إلى أفعالِ العباد، والحريةِ المطلقةِ لإرادةٍ شاملةٍ يَتمثلُها الحاكمُ حتى يَصعُبَ بعدها التفرقةُ بين إرادةِ اللهِ وإرادةِ السُّلطان، فكما أن اللهَ حرٌّ يَفعلُ ما يشاءُ فكذلك السُّلطانُ يَفعلُ ما يُريد، وكما لا يُجبَرُ اللهُ على الشيءِ لا يُجبَرُ السُّلطانُ على شيء.»

    على الرغمِ من أن عِلمَ أصولِ الدينِ يدورُ في حديثِه كلِّه حولَ الإنسان، فإنَّ الإنسانَ لا يَظهرُ فيه إلا في التوحيدِ كذاتٍ وصفات، أو في العدلِ حينما يتناولُ نظريةَ خلقِ الأفعال، وهكذا يُصبحُ الإنسانُ شيئًا ناقصًا لا يَكتملُ إلا بالمُناجاةِ والابتهالِ والدعاءِ والصلاة، أو ما عُرفَ عند المتصوِّفةِ بالأحوالِ والمقامات. ويَظهرُ في خلقِ الأفعالِ اغترابُ الإنسانِ عن ذاتِه، حينما دافعَ الإنسانُ عن حقِّ اللهِ في خلقِ الأفعالِ ضدَّ حقِّ الإنسانِ في حريةِ الأفعال؛ فتأرجحَ خلقُ الأفعالِ بين الجبرِ والاختيارِ أو التوفيقِ بينَهما؛ أي الكسب. وحتى في محاولةِ التوفيقِ بينهما كان دفاعُ الإنسانِ عن حقِّ اللهِ في خلقِ الفعلِ نافيًا عنه فعلَ السوءِ والشر. أما العقلُ والنقل، أو الحُسنُ والقُبح، فهو ليسَ أصلًا في عِلمِ أصولِ الدين، ولكنَّه أحدُ الأصولِ الخمسةِ للمُعتزلة، ويقومُ العقلُ والنقلُ على خَلقِ الأفعال، فإن كان الإنسانُ حرًّا في أفعالِه فإنَّ هذه الحريةَ لا تأتي إلا من العَقل.

    يُمثِّل كتابُ من «العقيدة إلى الثورة» بأجزائِه الخمسةِ ثورةً على عِلمِ أصولِ الدِّين؛ فهو يَنقُدُ مِنهاجَ هذا العِلمِ وأفكارَه، ويدعو إلى تبنِّي أفكارٍ ومواقفَ جديدةٍ تُلائمُ العصرَ الحديث؛ فالحضارةُ الإسلاميةُ ليست حدَثًا وانتهَى، بل هيَ حدثٌ إبداعيٌّ يَنشأُ في كلِّ مرةٍ يَتفاعلُ فيها الإنسانُ مع مُتغيِّراتِ السياسيةِ والحضارة.

  • حياة الفكر في العالم الجديد

    «لقد عاهَدتُ اللهَ أن أكونَ إلى آخرِ الدهرِ عدوًّا للطغيانِ في شتَّى صُورِه، الطغيانِ الذي يستبدُّ بعقلِ الإنسانِ. «جفرسن»»

    تكوَّنَ المجتمعُ الأمريكيُّ من خليطٍ مختلفٍ من البشر، تعدَّدتْ مَشاربُه واتجاهاتُه الفِكريةُ والدينيةُ والسياسيةُ بل وحتى العِرقية، إلَّا أن هذا الاختلافَ لم يكُن اختلافَ التنافرِ بل كانَ اختلافَ التكامُل؛ فبالرغمِ من أن أمريكا نشأتْ كجزءٍ أصيلٍ من العالَمِ الأوروبيِّ بصفةٍ عامة، وبريطانيا بصفةٍ خاصة، فإن التلميذَ المخلِصَ لأفكارِ القارةِ العجوزِ سرعانَ ما نفضَ عن نفسِه قيدَه السياسيَّ والفكري. ولعلَّ أبرزَ ملامحِ التحرُّرِ الأمريكيِّ من الفكرِ القاريِّ (الأوروبي) هو فكرةُ الحريةِ في حدِّ ذاتِها، التي بدأتْ ملامحُها في التشكُّلِ من خلالِ مُناقشاتِ «توماس جفرسن» و«توماس بين» لملامحِ الدستورِ الأمريكي. ثُم تبعَها أولُ انتصارٍ لمبادئِ الحريةِ الدينيةِ الكاملةِ لأفرادِ المُجتمع. ثُم انتقلَتِ الحريةُ في النصفِ الأولِ من القرنِ التاسعَ عشرَ من مجالِ الدينِ إلى الفلسفةِ والأدبِ والثقافةِ والإبداع؛ فصارَت الحريةُ شِعارًا ترفعُه ومبدأً تحترمُه.‎

  • قصة الطوفان

    تَظلُّ المعرفةُ الإنسانيةُ بألوانِها الثلاثةِ (الدينيةِ اللاهوتية، والفلسفيةِ الناتجةِ عن التأمُّل، والعلميةِ القائمةِ على الشكِّ واختبارِ الحقائق) هي أعظمَ ما يميِّزُ الإنسانَ عن غيرِه من الكائنات؛ فهو كائنٌ مُعتقِدٌ متأمِّلٌ فيما حولَه، يحرِّكُ عقلَه الشكُّ. وتَظلُّ القضيةُ الكبرى: هل يُمكنُ تَلاقي الدِّينِ والفلسفةِ والعلمِ في نقطةٍ واحدة؟ أو هل يُمكنُ إخضاعُ الدِّينِ والفلسفةِ للمنهجِ النقديِّ العِلميِّ ودراساتِه البحثية؟ يحاولُ «إسماعيل مظهر» في هذا الكتابِ دراسةَ إحدى الأساطيرِ الدينيةِ المُهمةِ لدى معظمِ الشعوبِ من خلالِ مُقارناتٍ عِلميةٍ مَوضوعية، فكانت قصةُ «طُوفان نوح» الشهيرة، حيث لم تَخلُ دِيانةٌ سماويةٌ أو حتى وَضعيةٌ أو وَثنيةٌ من الإشارةِ لحادثةِ وقوعِ فيضانٍ كبيرٍ فَنِيَ بَعده الجنسُ البشريُّ بعد أن عتا وتجبَّر، ولم يَنجُ أحدٌ إلا بعضَ الصالحينَ أَوحى إليهم الإلهُ بأن يَصنعوا فُلكًا عظيمًا يَلجئُون إليه ليَبدءُوا الحياةَ على الأرضِ من جديد، فوردتْ هذه القِصةُ في القرآنِ والتوراةِ (العهدِ القديم) وبعضِ الأساطيرِ الآشورية.

  • مؤلفات ابن رشد

    بعدَ مُضيِّ أكثرَ من ثمانيةِ قرونٍ لا يزالُ «ابنُ رشد» ميدانًا خصبًا للكثيرِ من الباحِثينَ الذين تناوَلوا ما طرَحَه بالشرحِ والنقد، آمِلينَ الوقوفَ على المنابعِ التي استقَى منها فِكرَه وفلسفتَه، مُتتبِّعينَ صدى ما أثارَه في عالَمِ العصورِ الوُسطى بأوروبا؛ لِما له من فضلٍ كبيرٍ في إحياءِ الفلسفةِ الأرسطيةِ وطرحِها من جديد. وبالطبعِ فإنَّ تأثيرَه في الشرقِ لا يزالُ باقيًا، ويعودُ له الفضلُ في التحرُّرِ من التناقُضِ بينَ الشريعةِ والعقلِ من خلالِ كتابِه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، حينما أكَّدَ أنَّ كلًّا من الفلسفةِ والدِّينِ يَنشدُ الحقيقةَ فقط. وفي هذا الكتابِ لم يَكتفِ «قنواتي» برَصدِ آثارِ «ابن رشد» فقط، بل تناوَلَ ما طرَحَه المؤلِّفونَ حولَه من دِراساتٍ وأبحاث؛ ممَّا يُضفِي على هذا الكتابِ أهميةً أُخرى.

  • رسالة في اللاهوت والسياسة

    «هذهِ هيَ الآراءُ التي كانتْ تَشغَلُ ذِهني؛ فالنُّورُ الفِطْريُّ لم يُوضَعْ مَوضعَ الاحتِقارِ فحَسْب، بل إنَّه كثيرًا ما أُدِينَ باعتبارِه مَصدرًا للكُفْر، وأصبحَتِ البِدَعُ الإنسانيَّةُ تَعاليمَ إلهيَّة، وظنَّ النَّاسُ أنَّ التَّصديقَ عن غَفْلةٍ هو الإيمانُ … لذلك عَقدتُ العزْمَ على أنْ أُعِيدَ من جديدٍ فحْصَ الكتابِ المُقدَّسِ بلا ادِّعاءٍ وبِحُريَّةٍ ذهنيَّةٍ كامِلة، وألَّا أُثبِتَ شيئًا من تَعاليمِه أو أقبَلَه ما لم أتمكَّنْ من استِخلاصِه بوضوحٍ تامٍّ منه. وعلى أساسِ هذهِ القاعدةِ الحَذِرةِ وضعتُ لنفسي مَنْهجًا لتفسيرِ الكُتبِ المُقدَّسة.»

    يُعدُّ كتابُ «رسالة في اللَّاهوتِ والسياسة» سِفْرًا من أسفارِ الفلسفةِ الحديثةِ لم يَستنفِدْ بعدُ مَعانِيَه وتَأْويلاتِه؛ فمنذُ أنْ دشَّنَ «سبينوزا» لهذا السِّفْرِ صارَ قِبلةً مَرجعيَّةً لِمَا تَلاه من أفكارٍ فلسفيَّة. تَنبُعُ أهميَّةُ «سبينوزا» من كَونِه مُطبِّقًا جذريًّا للمنهجِ الدِّيكارتيِّ في مَجالَيْنِ حَرِجَيْنِ تَوجَّسَ «ديكارت» نفْسُه خِيفةً منَ الخَوضِ فيهما، وهما الدِّينُ والسياسة، مِحوَرَا هذهِ الرِّسالة. لكنَّ رسالتَه لا تَتناوَلُ هذَينِ المِحوَرَينِ مُنفصِلَيْن، بل تَتناولُهما مُتَّصِلَيْن كلَّ الاتصال؛ حيثُ يُمكِنُ لظَواهِرَ مِثل الوحْيِ والنبوَّةِ والمُعجزاتِ والعقلِ والدولةِ والسُّلطةِ أنْ تَلتقِيَ معًا على مُتَّصلٍ نَقْديٍّ بوصْفِها ظَواهرَ ذاتَ تأثيرٍ مُتبادَل. ولا يَكتفي الدكتور «حسن حنفي» بمُجرَّدِ تَرجمةِ هذا العملِ الخالِدِ للقارِئِ العربي، بل يُزَوِّدُه بمُقدِّمةٍ تَربو على مائةِ صفحةٍ تُرشِدُه إلى كيفيَّةِ إضافةِ‎ هذا النصِّ في ثَقافتِه، والاستفادةِ منه بدَفعِه إلى أقصى حُدودِه التأويليَّة.

  • مفاتيح العلوم

    يَجمعُ هذا الكتابُ بينَ طيَّاتِه مُقتطَفاتٍ مِن مُختلِفِ المَعارفِ المُهمَّةِ التي تَوصَّلَ إلَيْها العربُ في القرنِ الثامنِ المِيلادي. يُبحِرُ العالِمُ العربيُّ الكَبيرُ بالقارِئِ في خِضمِّ بِحارِ العُلومِ المُختلِفةِ التي برزَتْ في عصْرِه؛ إذْ يَجمعُ في كِتابِه بينَ كلِّ ما يُمكِنُ أنْ يهمَّ المرءَ مَعرفتُه مِن تَعريفاتٍ وأَوصافٍ وشُروحٍ وأَمْثال. وقد قسَّمَ الكتابَ إلى مَقالتَيْن؛ فبدأَ المَقالةَ الأُولى بالعُلومِ الدينيةِ الإسلاميةِ مثل: أُصولِ الفِقْه، والعَقائد، وعِلمِ الكَلام، والفِرَقِ الدينيةِ المختلِفة، ثم تطرَّقَ للعلومِ اللُّغَويةِ والبلاغيةِ فكتَبَ في النَّحْو، والشِّعر، والعَرُوض، وذكَرَ بعضَ أخبارِ التاريخ. بينَما جعلَ مَقالتَه الثانيةَ أكثرَ عِلْمية؛ فذكَرَ فيها علومَ الفَلْسفة، والمَنْطق، والطِّب، وعِلمَ النُّجوم، والهَّنْدسة، والمُوسيقى، والكيمياء، والحِيَل، والعديدَ مِنَ المُقتطَفاتِ العِلْميةِ الأُخْرى التي برَعَ في تَحليلِها مُستبِقًا قُرونًا مِنَ الزَّمان.

  • صوت الأعماق: قراءات ودراسات في الفلسفة والنفس

    «علينا أنْ نطلبَ المعرفةَ أينما بزغَت، ونحجَّ إلى العِلمِ حيثُما كان، وألَّا نخشى منَ الأمواجِ بل منَ الخُروقِ في سفينتِنا. علينا أنْ نَخرجَ مُختارِينَ مِن كهوفِ الماضي، قبلَ أن نَبرزَ منها مُضطرِّينَ بروزَ الضبِّ منَ الجُحرِ المدخَّن، وبروزَ الدُّودِ منَ الجِيَفِ المُحترِقة.»

    ثَمةَ طُرقٌ عديدةٌ للبحثِ عن حلولٍ لمَشاكلِنا، غيرَ أنَّ أَسْلمَ الطُّرقِ هي الرجوعُ إلى أُسسِ هذهِ المشكلاتِ ومَنابعِها، وكأنَّ الحلَّ يأتي من صَرخةٍ تُدوِّي منَ الأعماقِ ليَصلَ صَداها إلى المُفكِّرينَ والسَّاسةِ والمَعنيِّين بهذهِ القضايا. يُقدِّمُ «عادل مصطفى» هنا عَرْضًا لعدَّةِ قضايا؛ أُولاها التعليم، ويُناقشُه من خلالِ تجرِبةِ صُندوقِ اللغةِ الصينيةِ للفيلسوفِ الأمريكيِّ «جون سيرل»، التي تُظهِرُ لنا أنَّ المرءَ يُمكِنُ أن يَبدوَ ذكيًّا وهو غيرُ ذلك، وأن يَبدوَ فاهمًا وهو لا يَفهم؛ ثم يُناقِشُ قضيةَ الديمقراطيةِ مُستعرِضًا آراءَ الآباءِ المؤسِّسِين لها، أمثال: «جون ستيوارت مل»، و«جون ديوي»، و«كارل بوبر‌»؛ ثم يَعرضُ للنظريةِ العامةِ للأنظمةِ ومُتضمَّناتِها في مجالِ الطبِّ النفسي. ويَختمُ المؤلِّفُ هذه النقاشاتِ بعرضٍ مُفصَّلٍ وقراءةٍ في موسوعةِ ستانفورد الفلسفيَّة، على هامشِ مفهومِ صراعِ الحَضارات.

  • لِمَ الفلسفة: مع لوحة زمنية بمعالم تاريخ الفلسفة

    «نسألُ الآنَ: لِمَ الفلسفة؟ والسؤالُ يتعلَّقُ بهدفِ الفلسفةِ أو غايتِها. ولمَّا كانتْ فِعلًا إنسانيًّا يختصُّ بهِ البشرُ دونَ غيرِهم منَ الكائنات، فلا بدَّ أنْ ينصَبَّ على دورِها أو «وظيفتِها» في المُجتمع.»

    يقدِّمُ لنا الدكتور «عبد الغفار مكاوي» واحدًا منْ تلكَ المُؤلَّفاتِ التي تَتركُ قارِئَها في نهايةِ الرحلةِ وقدْ أحاطتْ به التساؤلاتُ والأُحجياتُ التي ليسَ منَ الضروريِّ أنْ يكونَ لها إجابات، بل ربَّما حلُّها يكونُ في المزيدِ منَ الأسئلةِ والبحثِ غيرِ المحدود. فلمْ يهدفِ المؤلِّفُ أنْ يقدِّمَ مَدْخلًا إلى الفلسفةِ وتعريفِها ووظيفتِها كتلكَ التي تَملأُ المَكتبات، بل أرادَ أنْ يُهيِّئَ القارئَ لطرْقِ أبوابِ الفلسفاتِ المختلفةِ والدخولِ في حوارٍ حُرٍّ معَ أصحابِها. وقد وضَعَ الكاتبُ في نهايةِ كتابِه لوحةً زمنيةً بمَعالمِ تاريخِ الفلسفةِ هيَ بمثابةِ قاموسٍ فَلْسفي، مُساعَدةً للقرَّاءِ والباحثينَ للتعرُّفِ على المَعالمِ الكُبْرى في تاريخِ الفِكْرِ الفلسفي.

  • تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق

    «شيئانِ يَملآنِ الوِجدانَ بإعجابٍ وإجلالٍ يَتجدَّدانِ ويَزدادانِ على الدوامِ كلما أَمعنَ الفِكرُ التأمُّلَ فيهما: السماءُ ذاتُ النجومِ من فَوقي، والقانونُ الأخلاقيُّ في صدري.»

    إذا أمكنَ لنا أن نُقسِّمَ تاريخَ الفلسفةِ إلى مرحلتَين، فستَكونُ فلسفةُ «كانْت» هي النُّقطةَ المِفصليةَ التي دشَّنَت ثورةً كوبرنيكيةً غيرَ مسبوقةٍ في التفكيرِ البَشريِّ تَحدَّدَتْ بها مَعالمُ مرحلةٍ جديدة؛ ﻓ «كانْت» هو جغرافيُّ العقلِ البشريِّ الذي أمكنَ له أن يُحدِّدَ خرائطَ التفكيرِ الحديثِ في صُورتِها الأشدِّ تجريدًا ومثالية. وفي كتابِه هذا الصادرِ عامَ ١٧٨٥م، والذي يُمثِّلُ ثمرةً ناضجةً من ثِمارِ المرحلةِ النقديةِ لفلسفتِه، يُؤسِّسُ «كانْت» لمَعالمِ الأخلاقِ الحديثةِ تأسيسًا جذريًّا؛ إذ يجعلُ من فِكرةِ «الحُريةِ» الشَّرطَ الوحيدَ لوجودِ الأمرِ الأخلاقيِّ المُطلَق؛ فالحُريةُ عنده ليسَت سوى الخضوعِ الإراديِّ للقانون (أو التحديدِ الذاتيِّ مثلما يُسمِّيه) الذي يُشرِّعُه الإنسانُ لنفسِه ولغيرِه؛ فعلى كلِّ إنسانٍ حين يَفعلُ فعلًا أخلاقيًّا أن يُعامِلَ الإنسانيةَ في شخصِه وفي شخصِ كلِّ إنسانٍ سواه باعتبارِه دائمًا غايةً في ذاتِه لا وسيلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠