• دروب ما بعد الحداثة

    «ليسَ ثمَّةَ سِتارٌ حَدِيديٌّ أو سُورٌ كَسُورِ الصِّينِ يَفصِلُ بَينَ الحَداثةِ ومَا بَعدَ الحَداثة؛ فالتَّارِيخُ يَتضمَّنُ طَبقاتٍ مُتعدِّدةً مِنَ المَعانِي والتَّفاصِيل، والثَّقافةُ تَخترقُ المَاضيَ والحَاضرَ والمُستَقبَل.»

    على الرَّغمِ مِنَ ارْتباطِ مُصطلَحِ «مَا بعدَ الحداثةِ» فِي أوَّلِ ظُهورِه بِالعِمارةِ والهَندَسةِ فَإنَّه سُرعانَ ما انتَقلَ إلى الفَلسَفةِ والفَنِّ والأَدبِ والاجْتِماعِ والأَنثرُوبولُوجيا والاقْتِصادِ والسِّياسةِ وغَيرِها مِن شتَّى فُروعِ المَعْرفة، وكَانَ لِذلكَ كُلِّه إرهَاصاتٌ أَحدَثتْ تَحوُّلاتٍ اجْتِماعيةً هَائِلةً مهَّدَتْ لِظُهورِ إِطارٍ فِكريٍّ مُختلِفٍ مُخالِفٍ لِما كَانَ سَائدًا فِي المَاضِي، ويَعرِضُ الكِتابُ للنَّظرِياتِ التَّأسِيسيَّةِ لهَذا المُصطلَحِ الشَّائِك؛ فِي مُحاولةٍ لِفهْمِه ووَضْعِه فِي سِياقِه التَّارِيخِيِّ عَبْرَ مُنَظِّريهِ الذِينَ كَانتْ لَهمُ اليَدُ العُليَا فِي تَشكِيلِ وَعيٍ مَا بَعدَ حَداثِي، مُستنِدًا فِي ذلِكَ كُلِّه عَلى أَفكارِ المُفكِّر المِصرِيِّ «إيهاب حسن» التي عَرضَها فِي مَقالِهِ الشَّهيرِ «سؤالُ ما بعدَ الحَداثة».

  • الفلسفة بصيغة المؤنث

    نَالَ مَوضُوعُ «المَرأَة والفَلسَفة» نَصِيبًا مَوفُورًا مِن الِاهتِمامِ فِي أُطُرٍ مُتنوِّعةٍ مَا بَينَ إِظهَارٍ لِدَورِها فِي حَياةِ الفَلاسِفةِ مِنَ الرِّجَال، ومَا بَينَ ذِكرٍ لِلنِّساءِ الفَلاسِفةِ … وغَيرِ ذَلِك، ولَكِن قليلةٌ هِي تِلكَ المُؤلَّفاتُ التي تَتكلَّمُ عَنِ الأَفْكارِ الفَلسَفِيةِ مِن وِجْهةِ النَّظرِ النِّسائِية؛ فَعلى الرَّغمِ مِنَ اشْتِهارِ العَدِيدِ مِنَ الأَسْماءِ النِّسائِيةِ فِي المَجالِ الفَلسَفِي، فإنَّ أَفكَارَهُنَّ لَم تَحْظَ بِالاهْتِمامِ المُتَناسِبِ مَعَ عُمقِ المُحتَوى وأَهمِّيتِه؛ فَقضَايا الوَعْيِ بِالذَّاتِ وبِالعَالَمِ وتَحلِيلِ الأَحْداثِ والظَّواهِرِ بَينَ القِدَم والمُعاصَرة … تَصدَّى لمُناقَشَتِها أَسماءٌ لَامِعةٌ مِنَ النِّساءِ، أَمْثال: «نادية دو موند» و«جوديث بتلر» و«صَبا محمود»، وغَيرِهنَّ الكَثِير. وهَذا الكِتابُ مُحاوَلةٌ لإِيفَائِهنَّ حَقَّهُنَّ مِنَ التَّقدِير، واعْتِرافٌ صَرِيحٌ بِفضْلِهنَّ فِي إِثْراءِ العِلمِ والفَلسَفة.

  • الوجودية الدينية: دراسة في فلسفة باول تيليش

    «وقفْتُ بِحذَرٍ علَى الحدُودِ بيْنَ اللاهوتِ والفَلْسفة، مَعْنيًّا بِألَّا يَضيعَ أحدُهما فِي الآخَر … وبِوصفي لاهوتيًّا حاولْتُ أنْ أَبقَى فَيْلسوفًا، والعكْسُ بالعكْس. رُبَّما كانَ أيْسرَ أنْ أهجُرَ الحدُودَ بيْنَهما، وأَختارَ أحدَهُما أو الآخَر. داخليًّا، كانَ ذَلك هو المُستحِيلَ بالنِّسبةِ إِليَّ.»

    هكذَا يُقِيمُ «تيليش» — أحدُ أَعظمِ الفلاسِفةِ اللاهوتيِّينَ أو اللاهوتيِّينَ الفلاسِفةِ فِي القرْنِ العشرِين — جِسرًا بيْنَ الفلْسفةِ والدِّين؛ فالدِّينُ عندَ تيليش هو مُواجَهةُ قضيَّةِ القلَقِ الأقْصى الَّتي تَنْشأُ عنْ مُعْضِلةِ تَناهِي الوجُودِ الإنْسانِي. استطاعَ هذا البُروتستانتيُّ أنْ يُعِيدَ للإيمانِ وَجَاهتَهُ الفلْسفيَّةَ فِي أعْقابِ الموْجَةِ العَدَميَّةِ الَّتي اجتاحَتِ الغَربَ أَواسِطَ القرنِ العشْرينَ بَعْدَ حربَيْنِ عالميَّتَيْنِ طاحِنتَيْن. وفي هَذا الكِتابِ الصَّغِيرِ والمُكثَّفِ تَكشِفُ لنَا الدُّكتورة يُمْنى طريف الخولي عَنِ الكَيفيَّةِ الَّتي استطاعَ بِها تيليش إخْصابَ الفَلْسفةِ الوجُودِيَّةِ بالتَّجْرِبةِ الدِّينيَّة، بَعْدما استعرضَتِ المَداخِلَ الفِكْريَّةَ لِعالَمِ هذا الفَيْلسوفِ ومصادرِهِ وأعْمالِهِ ومُنجَزاتِه. ربَّما يَحْتلُّ هَذا الكِتابُ معَ دراسَاتٍ عربيَّةٍ قليلةٍ أُخْرى مَكانةً رائدَةً في التَّعريفِ بمُؤلِّفٍ باتَتِ الثَّقافَةُ العَربيَّةُ في أَمَسِّ الحاجَةِ إلى قِراءةِ مُؤلَّفاتِه وضِيافتِه.

  • النسوية وفلسفة العلم

    «لَقدْ قامَتِ النِّسوِيةُ أصلًا كَي لا تَظلَّ المَرأةُ «آخَرَ» بالنِّسبةِ للرَّجُل، وسَارتْ قُدُمًا فِي هَذا الطَّريقِ حتَّى وصَلتْ لفَلسَفةِ العِلمِ الشَّاملةِ لأبْعادٍ حَضارِيةٍ عَمِيقةٍ مُترامِيةِ الآفَاق. باقٍ ألَّا تَظلَّ فَلسَفةُ العِلمِ النِّسوِيةُ اتِّجاهًا «آخَر»، فَتنسابَ بقِيَمِها الدَّافِئةِ الحَميمَةِ النَّبِيلةِ في قَلبِ العِلمِ وَفَلسَفتِه ومُمارَساتِه وتَوظِيفاتِه وعَلاقَاتِه عَلى السَّواء.»

    كانَتِ المَرأةُ جُزءًا أصِيلًا مِنَ المُجتمعِ مُنذُ فَجرِ الإنْسانِيَّة؛ فَقدِ اضْطلعَتْ بدَورِها فِي جَمعِ الثِّمارِ والدِّفاعِ عَن وُجُودِها، ولمْ تَتخلَّ عَن هَذا الدَّورِ حِينَما بَدأَ الإنْسانُ تَمدُّنَه، فاعتلَتِ النِّظَامَ الاجتِماعِيَّ والسِّياسِيَّ وتَولَّتْ مَسئُولِياتِ العَرشِ في عِدَّةِ حَضارَات، كمِصرَ وبِلادِ الرَّافِدَينِ والإِغرِيق. وارتَقتْ أيضًا لِما هُو أَعلَى مِن ذَلِك؛ فَكَانَت إِلهةً تُعبَدُ فِي أَكثرِ الحَضارَاتِ تَمدُّنًا. غَيرَ أنَّ هَذا التَّوازُنَ بَينَ الرَّجلِ والمَرأةِ لمْ يَستمِر؛ فَقدْ سَيطرَتِ الذُّكورِيةُ عَلى المُجتمَع، ولمْ تَعرِفِ الإنْسانِيةُ مَرحَلةً سَيطرَ عَليها الفِكرُ الذُّكورِيُّ والنِّظامُ الأَبويُّ مِثلَما عَرَفتْه قُبَيلَ القَرنِ التَّاسِعَ عَشَر؛ حَيثُ سادَ العَصرُ الذُّكورِيُّ بِتأوِيلاتِه للعِلمِ والفَلسَفةِ والكَونِ وشَتَّى مَنَاحِي الحَياة. لَكنَّ المَرأةَ انتَفضتْ بَعدَما خَضعَتْ لقُيودِ العَصرِ الأَبويِّ لتَبدأَ مَسِيرةُ العَصرِ الأُموميِّ الَّذِي خَرجَ مِن بَوتَقةِ كَونِه حَركةً اجتِماعِيةً وسِياسِيةً ليُصبحَ حَركةً فَلسفِيةً تُنادِي بِنَظرةٍ نِسوِيةٍ للعِلمِ والمَعرِفة، لتُضِيفَ بُعدًا جَديدًا تَسودُه التَّعدُّدِيةُ وقَبولُ الآخَر، كَمَا تَرتَبطُ تِلكَ النَّظرةُ النِّسوِيةُ لِفلسَفةِ العِلمِ بِالواقعِ وتَكشِفُ السِّتارَ عَنِ المَسكُوتِ عَنْه.

  • نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان

    «إِنَّ الفَلسَفةَ فِي حَاجةٍ إِلى أَنْ تَخرُجَ، مِن آنٍ لآخَر، مِنَ النِّطاقِ الاحْتِرافِيِّ الذي ضَربتْهُ حَولَ نَفسِها، وتُحدِّدَ عَلاقَتَها بِبقِيَّةِ مَجالاتِ العَالَم.»

    ضَربَتِ الفَلسَفةُ حَولَ نَفسِها نِطاقًا احْتِرافِيًّا لازَمَها طَوالَ قُرون، مُتعالِيةً عَلى بَقِيةِ العُلُوم، نَاظِرةً إلى وِجْهةِ نَظرِ «الإِنسَانِ العَادِيِّ» نَظْرةَ تَرفُّعٍ وازْدِراء؛ ممَّا أدَّى إلى انعِزالِها عَنِ العَامَّة. وفِي هَذا الكِتابِ يَأخُذُ الدُّكتُور فؤاد زكريا عَلى عَاتِقِه عِبءَ الدِّفاعِ عَنِ «المَوقِفِ الطَّبِيعِي»؛ ويَقصِدُ بِه نَظرةَ الإِنسَانِ العَادِيِّ إِلى العَالَمِ الخَارِجِي، فِي مُقابِل «المَوقِفِ المِثالِي» ويَقصِدُ بِه كُلَّ مَذهَبٍ يُعارِضُ المَوقِفَ الطَّبِيعِيَّ فِي نَظرَتِه إِلى العَالَمِ الخَارِجِي، مُتخِذًا مِنَ العَقلِ نُقطةَ ابْتِداءٍ للتَّفكِيرِ فِي حَقِيقةِ العَالَم. ويُوضِّحُ الكَاتِبُ فِي هَذا السِّياقِ الخَلطَ الذي وَقعَتْ فِيهِ المِثالِية، مُحاوِلًا إِدراكَ العَلاقةِ بَينَ الفَلسَفةِ والمَوقِفِ الطَّبِيعِي، مُتَّبِعًا فِي ذَلكَ مَا سمَّاهُ ﺑ «مَنهَج المُناقَشة» بَينَ كِلا المَوقِفَين.

  • رؤية إسلامية

    «يَكونُ القَولُ تَشاؤُمًا لَو أنَّنا زَعمْنا أنَّ طاقةَ الإبْداعِ فِينا قَدِ اقتُلعَت مِن نُفوسِنا اقتِلاعًا، لكنَّ حَقِيقةَ الأَمرِ فِينا هِي أنَّ تِلكَ الطَّاقةَ في كُمُونٍ يُشْبهُ كُمُونَ الحَياةِ فِي حَبةِ القَمْح وفي نَواةِ التَّمْر، حتَّى إذا ما شاءَ لها فالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى أنْ تَنزاحَ عَن مَحابِسِها أقْفالُها تَوقدَتِ الشُّعلةُ مِن جَدِيد، وأوَّلُ خُطوةٍ على الطَّريقِ هِي أنْ تُنفَخَ فِينا إِرادةُ أنْ نَحْيا، ثُمَّ يُضافُ إلى ذَلِك إِرادةُ أنْ تَكُونَ حَياتُنا حَياةَ السَّادةِ لا حَياةَ العَبِيد: سِيادَةً فِي العِلْم، سِيادَةً فِي الفِكْر، سِيادَةً فِي الأَدبِ والفَن، سِيادَةً بالإِباءِ وبالكِبريَاء.»

    مَاذا أَصابَ العالَمَ الإِسلامِيَّ فتَخلَّفَ حَتَّى أَصبحَ فِي مُؤخِّرةِ الرَّكْبِ الحَضَاري؟ سُؤالٌ يَطرَحُه «زكي نجيب محمود» مُحاوِلًا الإِجَابةَ عَنه، باحِثًا عن أَسبابِ هَذا التَّراجُعِ الذي مُنيَ به عالَمُنا الإِسْلامِي، وكَيفَ بَعدَ أنْ كُنَّا في الرِّيادةِ أَصبَحْنا نَتسوَّلُ العِلْم، مُوضِّحًا أَهمَّ الأدَواتِ التي يَجبُ الاعتِمادُ عَلَيها للخُروجِ مِن هَذا المأْزِق، جَاعِلًا في مُقدِّمتِها استِخدامَ العَقلِ بِشكلٍ رَئيسٍ في حَياتِنا العِلميَّةِ والعَمليَّة، وداعِيًا إلى الْتِماسِ وَسائلِ العِلْم والمَعرفةِ مِن مَظانِّها المُختلِفة، ومُبينًا دَورَ «حَمَلةِ الأَقلامِ» في تَغييرِ هذا المُناخِ الفِكريِّ الذي نَعيشُه، مُتقفِّيًا خُطَى فَلاسِفتِنا القُدماءِ فِي ذَلك. ويَختِمُ كِتابَهُ بالحَديثِ حَولَ ما سمَّاهُ «دَوائِرَ الانتِماءِ الثَّلاثة» حيثُ انتِماءُ الفَردِ إلى وَطنِهِ أوَّلًا، وَعُروبتِهِ ثانيًا، وعالَمِهِ الإِسْلاميِّ ثالثًا، وَهَذا التَّدرجُ في المَسئُوليةِ وليسَ في الأَهَمية.

  • التفكير العلمي

    «العِلمُ مَعرِفةٌ تَراكُمِيَّة. ولَفظُ «التَّراكُمِية» هَذا يَصِفُ الطَّرِيقةَ التي يَتطوَّرُ بِها العِلْم، والتي يَعلُو بِها صَرْحُه؛ فالمَعرِفةُ العِلْميةُ أَشْبهُ بالبِناءِ الذي يُشيَّدُ طابَقًا فَوقَ طابَق، معَ فارِقٍ أَساسِيٍّ هُو أنَّ سُكَّانَ هَذا البِناءِ يَنتقِلُونَ دَوْمًا إلَى الطابَقِ الأَعْلى؛ أيْ أنَّهُم كُلَّما شَيَّدوا طابَقًا جَدِيدًا انْتَقلُوا إلَيْه وتَركُوا الطَّوابِقَ السُّفْلى لتَكونَ مُجرَّدَ أَساسٍ يَرتكِزُ عَلَيه البِناء.»

    بَينَما يَقفُ العالَمُ العَربيُّ على أَعتابِ التَّفكِيرِ العِلمِيِّ مُتسائِلًا حَولَ جَدْوى تَطبيقِه، يَشهَدُ الغَربُ تَقدُّمًا حَضارِيًّا هائِلًا هُو نِتاجُ اعتِمادِهِ عَلى التَّفكيرِ المُنظَّمِ والمَنهَجيِّ منذُ أكثرَ مِن أربَعةِ قُرُون؛ لِذا فإنَّنا لَن نَستَطيعَ أنْ نَضمَنَ بَقاءَنا المُستقبَليَّ ما لمْ نَتَبَنَّ هَذا التَّفكِير. مِن هَذا المُنطَلَقِ يَدعُو «فؤاد زكريا» إلى ضَرُورةِ أَن يَحتلَّ التَّفكيرُ العِلميُّ مَكانةً كَبيرةً لَيسَ فقَطْ بَينَ المُشتَغِلينَ في التَّخَصُّصاتِ العِلمِيَّة، بَلْ بَينَ عامَّةِ النَّاسِ في مِساحاتِ الحَياةِ اليَومِيَّة كَذلِك. والحَقيقَةُ أنَّ مَوقِفَنا مِنَ التَّفكيرِ العِلميِّ يَحمِلُ تَناقُضًا صَرِيحًا؛ فبَينَما نُعظِّمُ أَعمالَ عُلماءِ الإِسلامِ الأَوائِل، نَرفُضُ العِلمَ وما أَحرَزَهُ مِن تَقدُّمٍ في عَصرِنا. لا يَنفِي ارِتباطُ العِلمِ بِالغَربِ تارِيخيًّا تعرُّضَهُ للمَخاطِرِ والتَّهدِيدات؛ إِذ تُوظِّفُ المُؤسَّساتُ الاقتِصادِيَّةُ المُعاصِرةُ العِلمَ في مَناحٍ استِغلالِيَّةٍ تُؤثِّرُ بالسَّلبِ على الحَياةِ الإِنْسانيَّة، كَما تُنتِجُ الكِياناتُ السِّياسِيَّةُ دَعاوَى قَوْميَّةً وأَيْديُولُوجِيَّةً تُقوِّضُ حَركةَ العِلمِ وحَيوِيَّتَه. ولَكِنْ يَبْقى الأَملُ في المُؤسَّساتِ الدَّولِيَّةِ التي تَهتَمُّ بالعِلْم، والمَعقُودِ عَلَيها تَوحِيدُ الجهْدِ البَشرِيِّ للارْتِقاءِ بالعِلمِ وتَحْقيقِ التقارُبِ بَينَ الأُمَم.

  • قصة عقل

    «العَقلُ الذي نُؤرِّخُ لَه في هذِهِ الصَّفَحات، ونُحاوِلُ التَّرجَمةَ لمَراحِلِ تَطوُّرِه … لَيسَ هوَ العَقلَ بمَعْناه العام … بَل هُوَ العَقلُ بمَعْناهُ المَنطِقيِّ المَحدُودِ فِيما يُسمَّى بالأَفْكار.»

    التَّأْريخُ للعَقلِ عَملٌ شَاق، وتَتبُّعُ تَطوُّرِ الفِكْرِ والقَرِيحةِ يَصعُبُ كُلَّما اقْتَربَ مِنَ الذَّات؛ فلَيسَ بالأَمرِ السَّهلِ تَتبُّعُ تِلكَ الفِكْرةِ التي أَشْعَلتْ نارَ الوَجْدِ والحَذْق، وتِلكَ الساعةِ التي استَحالَتِ الفِكْرةُ فِيها إلى إِبْداعٍ وإِنْتاج، أعْمَلَتْ فِيهِما العُقولُ النَّظرَ وتمعَّنَتْ سَنَواتٍ وسَنَوات؛ تِلكُم إذَنْ قِصةٌ تَستحِقُّ الكِتابة. يَحكِي لَنا الدكتور زكي نجيب محمود في كِتابِهِ هَذا قِصةَ عَقلِه، ورِحلةَ أَفْكارِه مِنَ الصِّغرِ وحتَّى نُضْجِها ووُصولِها للاسْتِقرار، مُتَّبِعًا تَسَلسُلًا تارِيخيًّا، معَ إبْرازِ أَهمِّ تِلكَ الأَفْكارِ التي صَنعَتْ عَقلَه عَلى حالِهِ وَقتَ التَّأْريخِ لَه، فهوَ تارِيخٌ لتِلكَ الأَفْكارِ التي كَوَّنتْ ذلِكَ الإنْسانِ، وصَنعَتْ لَه مَوْقفًا مِنَ الكَونِ والحَياةِ ومِن نفْسِه.

  • كنديد

    «كُلُّ شَيءٍ سيَسيرُ إلى الأَفْضلِ في أَفْضلِ العَوالِمِ المُمكِنة.» كانَتْ تِلكَ هِيَ فَلسَفةَ التَّفاؤُلِ الشَّهِيرةَ ﻟ «ليبنتز»، التي تَلازَمَتْ — بشَكلٍ مُثِيرٍ للسُّخْريةِ — معَ حَربِ السَّنَواتِ السَّبعِ في «أُورُوبا» والزِّلْزالِ الكَارِثيِّ في «لشبونة» عامَ ١٧٥٥م؛ الأَمرُ الذي أدَّى إلى حِيرةِ فَلاسِفةِ ذَاكَ العَصرِ في كَيفِيةِ تَطبيقِ تِلكَ النَّظرةِ المُتفائِلةِ للعالَمِ على أحْداثِه الجارِية. كانَ أكْثرُهُم تَمرُّدًا وجَدَليةً هُو «فولتير» الذي بَدأَ بتَأليفِ القِطَعِ الأَدَبيةِ الساخِرةِ مِن تِلكَ الفِكْرة، ومِن أشْهرِها رِوايةُ «كنديد» التي أحْدَثتْ جَدلًا واسِعًا؛ لِمَا احتوَتْه مِنَ انتِقاداتٍ لاذِعةٍ تَحتَ سِتارٍ مِنَ السَّذاجَة. «كنديد» هُو الاسْمُ الذي اختارَهُ «فولتير» لبَطلِه الذي لُقِّنَ التَّفاؤُلَ عَلى يَدِ مُعلِّمِه «بنغلوس»، قبلَ أنْ يُطرَدَ مِن قَصرِ البارونِ ويَبدأَ رِحلتَه المُضنِية، التي تُحكَى في بِناءٍ رِوائيٍّ مُمتِعٍ يَغلِبُ عَلَيه التَّهكُّم.

  • المدينة الفاضلة عند فلاسفة القرن الثامن عشر

    مثَّلَ القَرنُ الثَّامنَ عَشَرَ مَنارةً فِكريةً وَسطَ القُرون؛ لحَملِه فِكرتَي «الخَير» و«الإنسَانِية»؛ فقَدْ كانَ رَبيعًا مُزهِرًا، تَركَ وَراءَهُ مشاريعَ إصلاحيةً عِدَّةً كانَتِ الثَّورةُ الفَرنسيةُ آخِرَها. و«كارل بيكر» هنا يُعالِجُ الفِكرةَ السِّياسيةَ والاجتِماعيةَ السَّائدةَ في هذا القَرن، مُعتمِدًا على مَنهجِهِ التاريخيِّ الذي يَتميَّزُ بالتماسُكِ والانسِجامِ إلى أقْصَى الحُدود. وقَدْ كَانتْ فِكرةُ «الاسْتِنارَة» وانتِشارِ قِيَمِ السَّعادةِ والحُريةِ والإخاءِ والمُساواةِ غايةَ الفلاسفةِ في هذا العَصْر؛ حَيثُ كَانتِ «المدينةُ الفاضِلةُ» فِكرةً تَسرِي في عُقولِهم، وإنْ لَمْ تَكُنْ وَليدَةَ القَرنِ الثَّامنَ عشر. ويُعَدُّ الكِتابُ مِن أهمِّ الكُتبِ التي ناقَشتْ أفكارَ هذا القَرن، ووضَّحَ المُؤلِّفُ مدى تَأثُّرِ فِكرِ فلاسفةِ هذه الفَتْرةِ بالتأصِيلِ التَّاريخي. وقد قدَّم بيكر كتابَه في أربعِ مُحاضَراتٍ عَرَضَ فيها بإتْقانٍ الإطارَ الفلسفيَّ والاجتماعيَّ والسياسيَّ للقَرنِ الثَّامنَ عَشَر.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2018

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مفعّل، براجاء التفعيل لتسجيل الدخول

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.