• نقد الاستشراق وأزمة الثقافة العربية المعاصرة: دراسة في المنهج

    «إنَّ الاستشراقَ ليسَ معرفةً بريئةً مِنَ الشوائب، ولكنَّ الخطرَ الأكبرَ يكمُنُ في أنْ نُنكِرَ عيوبَنا لمجرَّدِ أنَّ غيْرَنا يقولُ بها لأهدافٍ غيرِ موضوعية. إنَّ دورَنا الثقافيَّ هو أنْ نُمسِكَ ثورَ التخلُّفِ من قَرْنَيه، وأنْ ننقُدَ أنفُسَنا قبلَ أنْ ننقُدَ الصورةَ التي يُكوِّنُها الآخَرونَ عنَّا، حتى لو كانت هذه صورةً لا تستهدِفُ إلا التشويه.»

    اتسمتِ الكتاباتُ التي تناولتْ قضيةَ الاستشراقِ في أغلَبِها بالنظرةِ الأحادية؛ فهي تتناولُ الاستشراقَ أحيانًا من الجانبِ الدينيِّ الذي يرتكزُ على مُنطلقاتٍ عَقَديةٍ بالأساسِ في مُهاجَمتِه لاعتقادِ أنه يُهاجِمُ «الدينَ» كمُعتقَد، وأحيانًا أخرى تتناولُه مِنَ الجانبِ السياسيِّ الحضاري، مُرتكِزةً على أبعادِ الدينِ الحضاريةِ السياسية، وكِلَا الجانبَيْنِ ينقصُه الآخَر. وفي هذا البحثِ الصغير، يُعالِجُ فؤاد زكريا فكرةَ نقدِ الاستشراقِ مُعالَجةً تشملُ كِلا الجانبَيْن، مُتناوِلًا كتاباتِ أصحابِها بالنقدِ المنهجي، بالإضافةِ إلى تحليلٍ اجتماعيٍّ نفسيٍّ لحركةِ الاستشراقِ ولنُقَّادِها أيضًا. وهو بهذا كلِّه يسعى إلى تأكيدِ أنَّ الاستشراقَ لا ينبغي أنْ يُبحثَ من حيث هو ظاهرةٌ مُنعزِلة، بوصفِه مُجرَّدَ وجهةِ نظرِ الغربِ في الشرق، بل يَرى أننا يجبُ أنْ ننظرَ إليهِ في إطارٍ أوسَع؛ وهو الإدراكُ المُتبادَلُ بين الثقافاتِ في ظروفٍ مُتباينةٍ ومُعقَّدة.

  • مشكلات مع الغرباء: دراسة في فلسفة الأخلاق

    فِي هَذا الكِتابِ الجَدِيدِ المُشَوِّق، يَتناوَلُ تيري إيجلتون — الَّذِي يُعَدُّ واحِدًا مِن أَعْظمِ المُنَظِّرِينَ الثَّقافيِّينَ — مَوضُوعًا أَصْبحَ يَحْظَى بقَدْرٍ كَبيرٍ مِن الِاهْتِمام؛ وهُوَ مَوضُوعُ الأَخْلاق. فِي هَذا العَملِ الَّذِي يَزخَرُ بأَفْكارٍ نادِرةٍ حَولَ التِّراجِيديا والسِّياسةِ والأَدَبِ والفَضِيلةِ والدِّين، يَستكشِفُ إيجلتون النَّظريَّاتِ الأَخْلاقِيَّة، بَدْءًا مِن أرسطو حَتَّى آلان باديو وسلافوي جيجك، مُحدِّدًا أَوجُهَ القُوَّةِ والضَّعفِ فِي كُلٍّ مِنْها، ومُقارِنًا إيَّاها بالرُّؤَى الأَخْلاقيَّةِ «الأَكْثرِ ثَراءً» لِلاشْتِراكيَّةِ والمَسِيحيَّةِ واليَهودِيَّة. وفِي تَوجُّهٍ مُبتكَرٍ لِلغايَة، يُصنِّفُ إيجلتون النَّظريَّاتِ الَّتِي يَدرُسُها بحَسبِ نُظُمِ التَّحلِيلِ النَّفْسيِّ الثَّلاثَةِ لجاك لاكان — الخَيالِيِّ والرَّمْزيِّ والوَاقِعِي — ويُوضِّحُ كَيفَ يُمكِنُ لذلِكَ أنْ يُبرِزَ مَزَايا وعُيوبَ الأَخْلاقِ القائِمةِ عَلى التَّعاطُفِ الشَّخْصي، والأَخْلاقِ اللَّاشَخْصيَّةِ القائِمةِ عَلى الواجِبِ والإِلْزام.

  • عزاء الفلسفة

    الرَّجُلُ الَّذِي تُرافِقُه الفَلسَفةُ لا يَمُوتُ أبَدًا. هَكَذا نَقشَتِ الفَلسَفةُ اسْمَ «بوئثيوس» فِي الذَّاكِرةِ الإنْسانِيَّة؛ فَبَينَما كانَ يَقبَعُ فِي سِجنِهِ مُنتظِرًا أنْ يُؤمَرَ الجَلَّادُ بِفَصْلِ رَأسِ الحِكمَةِ عَن جَسَدِها، إِذَا بِهِ يَكتُبُ لنَا «عَزَاء الفَلسَفةِ»؛ دُرَّةَ أَعمالِهِ وأَحدَ أَهمِّ الكُتُبِ الفَلسَفيَّةِ الَّتي مَهَّدَتِ الطَّرِيقَ أَمامَ الفَلسَفةِ الأَرِسطيَّةِ فِي الغَربِ الأُورُوبيِّ طَوَالَ العُصُورِ الوُسْطَى، لِيُصبِحَ بَعدَها الكِتابَ الأَكثَرَ تَدَاوُلًا بَعدَ الكِتابِ المُقدَّسِ طَوَالَ عَشَرةِ قُرُونٍ تَالِية. ولَا يَزالُ «عَزَاءُ الفَلسَفةِ» مَوضُوعَ نِقَاشٍ بَينَ كَثِيرٍ مِنَ المُتخَصِّصِينَ وَالمُثَقَّفِينَ حَولَ ما أَثَارهُ مِن آرَاءٍ وأَفْكَار، ومَا تَناوَلَهُ مِن عَرْضٍ وَتَحلِيل.

  • رسالة في ماهية العشق

    العِشقُ كامِنٌ فِي النُّفُوس، يَسكُنُنا، يُحرِّكُنا، فمَا مِن مَخْلوقٍ إلَّا غمَرَهُ عِشْق. فالعِشقُ يَسْرِي بَينَ أَرْجاءِ الكَونِ وفي ثَنايَاه؛ يُحِيطُ بجُمْلةِ المَوْجوداتِ فَلَا يَستثنِي مِنْها شَيْئًا؛ بَدْءًا مِنَ المَخْلوقاتِ النَّباتيَّةِ البَسِيطةِ الَّتِي تَتُوقُ إِلى سَقْيِها، مُرُورًا بالمَخْلوقاتِ الحَيَوانيَّةِ الَّتي يَتجلَّى العِشقُ فِيها عَلَى صُورتِه الفِطْريَّة، وُصُولًا إِلى الإِنْسان؛ ذاكَ الَّذِي تَتجسَّدُ فِيهِ صُورةُ العِشقِ الإِلَهيِّ بوَصْفِه تِلكَ الصُّورةَ القُصْوى مِن صُوَرِ العِشْق. والعِشْقُ الَّذي يُخبِرُنا عَنْه ابْنُ سِينا فِي هذِهِ الرِّسالةِ هُوَ مَزِيجٌ مِنَ العِشقِ بمَفْهومِه الشائِعِ بَينَ عامَّةِ النَّاس، والعِشقِ الصُّوفِيِّ الَّذي يَتجلَّى فِي التَّوحُّدِ مَعَ الله، ومَا بَينَ هَذا وذَاكَ يَنكشِفُ المَعْنى الفَلْسفِيُّ للعِشقِ عِندَ ابْنِ سِينا؛ فمَا مِن مَوْجودٍ عِندَه إلَّا وهُو ثَمَرةٌ مِن ثَمَراتِ عِشْقِه لِلخَيْرِ الأَسْمى وشَوْقِه إلَيْه.‎

  • المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري

    «حَقًّا … لَيسَ بالحَقِّ وَحْدَهُ تَكسِبُ جَدَلًا أَوْ تَقهَرُ خَصْمًا أَوْ تُقنِعُ النَّاس. مِن هُنا يَتَبيَّنُ لَنا أَهمِيَّةُ دِراسةِ الحُجَّةِ كَما تَرِدُ فِي الحَياةِ الحَقِيقيَّةِ وتَتجسَّدُ فِي اللُّغةِ العادِيَّة.»

    تَبْدأُ حِواراتُنا غَالِبًا بوضْعِ أُسُسٍ مُتَوَهَّمة، وفَرْضيَّاتٍ مُسَلَّمٍ بِها؛ سَعيًا مِن أحَدِ الطَّرفَيْنِ إلَى إِثْباتِ نَظَرِيَّتِه، وصِحَّةِ مَا ذهَبَ إلَيهِ في مَسألةٍ مَا، ويَذهَبُ الكَثِيرُ مِنَّا إلَى التَّعاطِي مَعَ هذِهِ الفَرْضيَّاتِ الَّتي رُبَّما تَكُونُ استِنتاجًا خاطِئًا أوْ مِن وَحْيِ خَيالٍ مَحْض، دُونَ تَفْنيدِها أَوِ الوُقوفِ عَلَى صِحَّتِها أَوْ أَصْلِها، فنَرَى أَنفُسَنا وقَدْ وَقَعْنا أَسْرى لبَعضِ المُغالَطاتِ المَنْطقيَّة، الَّتي تَجعَلُ مِنكَ خاسِرًا عَلى طُولِ خطِّ الحِوارِ أَوِ الحِجَاج. والتَّصدِّي للمُغالَطاتِ المَنْطقيَّةِ فَنٌّ يَجبُ أنْ تُتقِنَه إنْ كُنتَ تُرِيدُ النَّجاحَ في إِيصالِ أَفْكارِك، فمِنْ أَينَ تَبدَأ؟ وعَلامَ تَعتمِدُ في تَقدِيمِ حُجَجِك؟ وكَيفَ تُفشِلُ حُجَجَ الخَصْمِ وتُفكِّكُ بَراهِينَه غَيرَ المَنْطقيَّة؟ كُلُّ ذلِكَ يَدْرسُه الدُّكتور عادل مصطفي فِي كِتابِه الرائِعِ هَذا، مُقدِّمًا أَمثِلةً كَثِيرةً مِمَّا نُواجِهُه يَوْميًّا عَبْرَ شَاشاتِ التِّلفِزيونِ ومُحاوَراتِ الأَصْدِقاءِ والعامَّةِ فِي حَياتِنا اليَوْميَّة.

  • الهوامل والشوامل

    لَمَّا كانَتْ حَضاراتُ الأُمَمِ ومَعالِمُ تَقَدُّمِها تُقاسُ باتِّساعِ حَرَكةِ العِلْمِ واسْتِحْداثِ عُلومٍ جَديدَةٍ تُصْقِلُ الفِكْرَ وتَبْعَثُ عَلى الِاجْتِهادِ والتَّفَكُّر، وانْدِثارِ أُخْرى جامِدَةٍ لا تَرْقَى لِمُتَطَلَّباتِ الأُمَمِ المُتطَلِّعةِ للتَّقَدُّمِ والرُّقِي؛ كانَ القَرْنُ الثَّالِثُ الهِجْرِيُّ هُوَ القاطِرةَ الَّتِي مَهَّدَتْ لتَأْسِيسِ الحَضارَةِ العَرَبيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ الَّتِي امْتَدَّتْ لِقُرونٍ بَعْدَه. وفِي الوَقْتِ نفْسِه كانَ لِعُلَماءِ القَرْنِ الثَّالثِ الهِجْرِيِّ اليَدُ الطُّولَى فِي هَذا التَّأْسِيس؛ فَقَدْ تَنَوَّعَتْ مَشارِبُهم فَأَزْهَرَتْ عُقُولُهم في مَيادِينَ عِلْمِيَّةٍ مُتَنَوِّعةٍ كانَ مِن أَهَمِّها التَّرْجَمَة. ومِنْ أَبْرَزِ عُلَماءِ هَذا القَرْنِ «أبو حَيَّان التَّوْحِيدي» الفَيْلَسوفُ المُتَصَوِّف، والأَدِيبُ البَلِيغ، وَكذَلِكَ «مِسْكَوَيْهِ» الشَّاعِرُ والفَيْلَسُوف، وفِي هَذا الكِتابِ يُقَدِّمانِ لَنَا سِفْرًا فِي الأَخْلاقِ والْأَدبِ والتَّصَوُّف، عَن طَريقِ مَجْموعَةِ أَسْئِلةٍ تَلِيها أَجْوِبَة، خَرَجَتْ لَنا كمُنافَرةٍ أَدَبيَّةٍ أخْلاقِيَّةٍ جَامِعَة.

  • دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن

    «الفنُّ لَيسَ حَرامًا وليسَ جائِزًا، الفنُّ لازِم. والأُمَّةُ التِي تَطرَحُ للنِّقاش، في القَرنِ الحَادِي والعِشرِين، مَسْألةَ مَشرُوعيَّةِ الفَنِّ هيَ أُمَّةٌ مَحْمُومةٌ تَهذِي.»

    انْطَوى لَفظُ «الفنِّ» في القَرنِ المَاضِي عِندَ البَعضِ عَلَى المُجُونِ والخَلاعَة، والسَّفَهِ أَحْيانًا، وأَخذَهُ البعضُ عَلى مَحمَلِ الوَثَنيَّةِ والشِّرْكِ أَحايِينَ أُخرَى؛ ونَتِيجةً لهَذِهِ النَّزْعةِ الجارِفةِ انحدَرَ مُسْتوَى الناتِجِ الإِبْداعِيِّ وَالفَنِّيِّ في مَزالِقِ الدِّفاعِ ودَرْءِ «الشُّبُهاتِ» عَن نَفسِه، إِلى أَنْ وصَلَ إِلى حالٍ يُرثَى لَها، وكأنَّهُ استَجابَ لدَعْوةٍ خَفِيَّةٍ لِلتَّطرُّفِ والابْتِذال. وَفِي مُحاوَلَةٍ لِوَضعِ الفَنِّ في نِصابِهِ الصَّحِيح، ومِيزانِهِ الَّذِي يَجِبُ أَن يُوزَنَ بِه؛ يُقدِّمُ لَنا الدُّكتُور عادل مصطفى فِي كِتابِهِ هَذا تِبْيانًا لِلفَنِّ ومَآرِبِه، مُدافِعًا عَنهُ وَداعِيًا إلَيْه، مُعْتبِرًا إيَّاهُ لازِمًا لبِناءِ الأُمَمِ ونُهُوضِها، ومُناقِشًا الفَنَّ مِن وِجْهاتٍ عِدَّة: المُحَاكاةِ والتَّمثِيلِ والأَعْمالِ الأَدبيَّة، والبُعْدِ الأَخْلاقيِّ للفَنِّ كذلِك. والكِتابُ بمَثابَةِ دِراسَةٍ في عِلمِ الجَمالِ «الإستطيقا»، أعقَبَتْها قِراءةٌ في كِتابِ «الفَنِّ» لِكِلايف بِل.

  • النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت: تمهيد وتعقيب نقدي

    «تَكادُ مَقُولةُ «التَّشيُّؤِ والاغْتِرابِ» أنْ تَكُونَ إِطارًا مَرْجعيًّا لمُعْظمِ الأَفْكارِ الَّتِي يَطْرحُها فَلاسِفةُ النَّظرِيَّةِ النَّقْديَّة، ونَوَاةً مَرْكزيَّةً يَدُورُ حَوْلَها الجانِبُ الأَكْبرُ فِي مُناقَشاتِهِم وتَحْلِيلاتِهِم للمُجْتمعِ الرَّأْسماليِّ والصِّناعيِّ «العَقْلانيِّ» الحَدِيث.»

    كانَتْ حقًّا لَحْظةً حاسِمةً عِنْدَما اعْتَلَى «ماكس هوركهيمر» مِنَصَّتَه الأَكادِيميَّةَ بجامِعةِ فرانكفورت عامَ ١٩٣١م، وأعْلَنَ عبْرَ بَيانِه «المانيفيستو» الاتِّجاهَ العِلْميَّ والنَّقْديَّ لأَعْضاءِ المَدْرسةِ النَّاشِئة، الَّذِينَ عَدُّوا أنْفُسَهم مِن لَحظَتِها وَرَثةَ هيجل وماركس. وعَلى إثْرِ ذلِكَ أثَّرَتِ «النَّظرِيةُ النَّقْديةُ» عَلى جُلِّ النِّقاشاتِ الفَلْسفيَّةِ والاجْتِماعيَّةِ خِلالَ عُقُود، وبوَصْفِها حَركةً نَقْديةً اسْتَعارَتِ الأَفْكارَ المَاركسِيَّةَ التَّقلِيديَّةَ وحاوَلَتْ تَجْديدَها؛ وقَدْ عالَجَ هَذا الكِتابُ جُذُورَها التَّارِيخيَّة، مُتَتبِّعًا مِن ناحِيةٍ أهَمَّ العوامِلِ السِّياسيَّةِ والثَّقافيَّةِ الَّتِي ساهَمَتْ فِي تَشْكِيلِها، مِنْ خِلالِ مَفاهِيمِها الرَّئِيسيَّةِ مِثْل: التَّشَيُّؤِ والاغْتِرابِ والعَقْلانيَّةِ الأَداتيَّةِ أَوِ التِّقْنيَّة؛ ومُبيِّنًا مِن ناحِيةٍ أُخْرى جَوانِبَها السَّلْبيَّةَ والإِيجابِيَّة، كَمَا قدَّمَ تَعْريفًا بأهَمِّ أَعْضاءِ مَدْرسةِ فرانكفورت مِثْل: ماكس هوركهيمر، وتيودور أدورنو، وهربرت ماركوزه، ويورجين هابرماس.

  • جوهرُ الإنسانية: سَعيٌ لا ينتهي وحَرَاكٌ لا يتوقف

    مِن هوميروس حتَّى حرْبِ النُّجومِ والبَشرُ في سَعْيٍ دائِمٍ وحَرَاكٍ مُتواصِل؛ فمُنذُ اللَّحظةِ الأُولى الَّتِي خَطَا فِيها الإِنْسانُ عَلى الأَرْض، سَعَى إلَى مَا هُوَ أَبْعدُ مِن احْتِياجاتِهِ الأَساسِيَّةِ ورَفاهِيتِه الشَّخْصيَّة؛ سَعَى وَراءَ المَعْرفةِ والمُغامَرة. الإِنْسانُ يُخاطِرُ بحياتِهِ في تَسلُّقِ الجِبالِ بدافِعِ الفُضولِ والمُغامَرة، ويَدرُسُ ويُجرِّبُ الْتِماسًا للمَعْرفة، ووَصَلَ إلَى القَمرِ وما وَراءَه. إنَّ مَيْلَ الإِنْسانِ الَّذِي لا يَكِلُّ وَلَا يَمَلُّ إلَى السَّعْيِ المُستمِرِّ هُو تَحْديدًا — كَما يَرَى مُؤلِّفُ الكِتابِ — مَا جعَلَه مُتميِّزًا، وجعَلَه سيِّدَ كُلِّ الكائِناتِ والأَحْياءِ الأُخْرى عَلى الأَرْض.

    إنَّه كِتابٌ مَلْحَميٌّ عَنِ العِلمِ والفَلْسفةِ والدِّينِ والفُنُون، ودِراسةٌ لماضِي الجِنسِ البَشريِّ ومُستقبَلِه؛ حَيثُ يَتتبَّعُ الحَياةَ عَلى الأَرْضِ بَدْءًا مِنَ الخَلايا البَدَائِيَّة، مُرُورًا بالحَضاراتِ القَدِيمةِ والعُظماءِ مِنَ الفنَّانِينَ والعُلَماءِ والمُستكشِفِينَ في الماضِي، حتَّى بِدايةِ التَّجارِبِ الوِراثِيةِ في العصْرِ الحالِي.

  • فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر

    «نَحنُ نَعِيشُ في العالَم: في التَّارِيخ، في العِيَان، في «الشَّهادَة»، ولَسْنا نَعِيشُ في كَوْنٍ آخَر، وكلُّ مَعنًى إنَّما هُوَ مَعنًى مُتَعلِّقٌ بوجُودٍ تارِيخيٍّ عَيْنِيٍّ مُحدَّد، معنًى مُرْتَبِطٌ ﺑ «تارِيخِيَّةٍ» مُعَيَّنَة، مَنْسوبٌ لَها، مَحْمولٌ عَلَيْها، مُسْنَدٌ إلَيْها.»

    يَتناوَلُ هَذا الكِتابُ مَسْألةَ الفَهْمِ ذاتَها، وتَفْريدَ أَحدِ أَبْوابِ الفَلْسَفةِ لدِراسَتِها، وذلِكَ بتَقَصِّي أُصولِها ومُنْطَلَقاتِها. ورَكِيزَةُ البَحْثِ هِي العَلاقَةُ ما بَينَ الأَدواتِ المُتاحَةِ لفَهْمِ العالَمِ والحَقيقةِ فِيه. وإنْ كانتِ اللُّغَةُ هِي بَيْتَ الوُجودِ فقَدْ وَجَبَ النَّظرُ إلى النُّصوصِ في إِطارِ سِياقَاتِها، فكُلُّ نَصٍّ وَلِيدُ سِياقِه يُولَدُ مُحمَّلًا بتَراكُماتِ أَفْكارٍ سابِقَة، ومُلْقِيًا بحِمْلِه عَلى فِكْرٍ جَدِيدٍ يُؤَسِّسُ عِندَ تَطْبيقِه سِياقًا يَتَوَلَّى مَهَمَّةَ سَلَفِه. وبِتَعاقُبِ الأَفْكارِ تَزِيدُ المَسافةُ بَينَ مَعْنى النَّصِّ الأوَّلِ وتَناوُلِه الأَخِير، وهُنا تَتَجَلَّى ضَرُورةُ اللُّجوءِ إلَى التَّأْوِيلِ في مُحاوَلَةٍ دائِمةٍ للفَهْمِ ولِإدْراكِ ذلِكَ السَّرابِ الَّذِي يُدْعَى «الحَقِيقة».

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.