• المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري

    «إنَّنا نكتبُ هذه الصفحاتِ من هذا الكتابِ لِنُبيِّنَ أنَّ في الثقافةِ العربيةِ القديمةِ التي هيَ «تراثُنا» حالاتٍ مِن اللامعقولِ لا يَنبغي أن نُغمِضَ عنها أبصارَنا.»

    شكَّلَ الموقفُ من التراثِ العربيِّ مُعضِلةً فكريةً كبيرةً ليسَ للدكتور «زكي نجيب محمود» وحدَه، بل للكثيرِ من المفكِّرين أيضًا؛ فما بين دعواتٍ لهدمِ التراث، وأخرى تُنادِي بتقديسِه، يقفُ المؤلفُ موقفَ الباحثِ الفاحِص. ويُمثِّلُ هذا الكتابُ تغيرًا جوهريًّا في موقفِ المؤلفِ من التراث، فبينَما نادى في كتاباتِه السابِقة — مثل «خرافة الميتافيزيقا»، و«نحو فلسفةٍ علمية» — باستبعادِ التراثِ العربيِّ من النهضةِ الفكريةِ لِما به من خرافات، إذا بهِ يَتراجعُ عن موقفِه هذا بعدما أدرَكَ أن التراثَ يُمكنُ الأخذُ منه والاستفادةُ بما هو معقولٌ فيه، ويتلاءمُ مع العقلِ والمنطِق، دُونَ أن يُجبِرَ القارئَ على التسليمِ برأيِه، فترَكَ له حريةَ الاختيارِ حينَما ضمَّنَ في كتابِه ما هو معقولٌ وما هو لا معقولٌ من وجهةِ نظرِه في تراثِنا العربيِّ الفكري.

  • من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد

    «فإذا كانَ حقُّ اللهِ على العبيدِ هو تحقيقَ الرسالةِ والدعوةِ المبلَّغة، وهو كونُ الإنسانِ خليفةَ اللهِ في الأرض، فإنَّ حقَّ العبيدِ على اللهِ هو حقُّهم في استردادِ وعيِهم المتحجِّرِ خارجًا عنهم وأمانتِهم على الرسالةِ وتحقيقِها في العالَم.»

    ركَّزَ المفكِّرونَ الأوائلُ على التوحيدِ النظريِّ الذي هو توحيدُ الذاتِ والصفاتِ وإثباتُها ونفيُ كلِّ ما يتعارضُ معها؛ نظرًا لأنَّ التوحيدَ العمليَّ الذي هو تحقيقُ هذه الصفاتِ في حياةِ الأفرادِ والمجتمَعِ كان مستقرًّا ومعمولًا بهِ حينذاك، وبتغيُّرِ المجتمَعاتِ والظروفِ آنَ الوقتُ لتحقيقِ ثورةٍ في العقيدة، ثورةٍ تتحقَّقُ فيها الصفاتُ في المجتمَعِ الإنساني؛ فيكونُ فيها الشِّرْكُ هو طاعةَ الظالمينَ المتسلِّطينَ على رقابِنا والمتحكِّمينَ في مصائرِنا، ويكون التوحيدُ هو تخليصَ العقلِ ممَّا يَحُولُ دونَ العملِ الحر، بحيث يصبحُ التوحيدُ إعلانًا لاستقلالِ العقلِ وحريةِ الإرادة، وإلَّا فكيفَ لأُمةٍ أنْ تعبدَ إلهًا عالِمًا وهي جاهلة، قادرًا وهي عاجِزة، حيًّا وهي ميِّتة، سميعًا وهي صمَّاء، بصيرًا وهي عمياء، متكلِّمًا وهي بكماء، مريدًا وهي تقنعُ بما يريدُه لها غيرُها؟

    يُمثِّلُ كتابُ «من العقيدة إلى الثورة» بأجزائِهِ الخمسةِ ثورةً على علمِ أصولِ الدين، فهو ينقدُ منهاجَ هذا العلمِ وأفكارَه، ويدعُو إلى تبنِّي أفكارٍ ومواقفَ جديدةٍ تلائمُ العصرَ الحديث، فالحضارةُ الإسلاميةُ ليست حدَثًا وانتهى، بل هي حدثٌ إبداعيٌّ ينشأُ في كلِّ مرةٍ يتفاعلُ فيها الإنسانُ معَ المتغيِّراتِ السياسيةِ والحضارية.

  • من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظرية

    «لسْنا أمامَ عِلمٍ مقدَّس، بل أمامَ نتاجٍ تاريخيٍّ خالص، صَبَّ كلُّ عصرٍ ثقافتَه وتصوُّرَه فيه. وتَصوُّرُ القدماءِ تَصوُّرٌ تاريخيٌّ خالصٌ يُعبِّرُ عن عصْرِهم ومُستواهُم الثقافيِّ كما أن تَصوُّرَنا المعاصرَ يُعبِّرُ عن رُوحِ عصْرِنا ومُستوانا الثقافي.»

    نشأَ عِلمُ أصولِ الدِّين بناءً على مُعطياتِ عصرِه؛ فاستخدمَ أدواتِ العصرِ ولغتَه واصطلاحاتِه، متَّبِعًا منهجًا يُحقِّقُ غاياتِه؛ لذا عبَّرَ خلالَ تلك المرحلةِ (حتى القرنِ السابعِ الهِجريِّ) عن واقعِ الأُمَّة، واستوعبَ ماضيَها وصراعاتِها وأزماتِها وقرأَ واقعَها، وقد تمثَّلَ هذا في ظهورِ الفِرَقِ المُختلِفة. هكذا عبَّر عِلمُ أصولِ الدِّينِ عنِ الواقعِ الاجتماعيِّ من خلالِ مَكنوناتِه ومُتطلباتِه، غيْرَ أن هذا الواقعَ تحوَّلَ إلى تراكُماتٍ تاريخيةٍ وأصبحَ ماضيًا، ولا يَعدو الآنَ سوى تراكُماتٍ نقليةٍ لا تُقدِّمُ شيئًا للواقعِ المُعاش؛ لذا أصبحَ لِزامًا علينا أن نقرَأَ العقيدةَ من واقعِ مجتمعِنا؛ فيَتحوَّلَ عِلمُ أصولِ الدِّينِ منَ الحُجَّةِ النقليَّةِ إلى التحليلِ العقليّ، ثم يَصُبَّ في التحليلِ الاجتماعيِّ للأمَّة.

    يُمثِّل كتابُ «من العقيدة إلى الثورة» بأجزائِهِ الخمسةِ ثورةً على عِلمِ أصولِ الدِّين؛ فهو يَنقدُ منهاجَ هذا العِلمِ وأفكارَه، ويدعُو إلى تبنِّي أفكارٍ ومواقفَ جديدةٍ تُلائمُ العصرَ الحديث؛ فالحضارةُ الإسلاميةُ ليستْ حدَثًا وانتهى، بل هي حدَثٌ إبداعيٌّ ينشأُ في كلِّ مرَّةٍ يتفاعلُ فيها الإنسانُ معَ المتغيِّراتِ السياسيةِ والحضارية.

  • أبو العلاء المعري زوبعة الدهور

    مضى أكثرُ من ألفِ عامٍ على رحيلِ «أبي العلاءِ المَعري» وما زالتْ زَوبعةُ ما أَثارَه مستمرةً حتى يومِنا هذا؛ فما بينَ وصفِه بالكافرِ ووصفِه بالمُفكرِ يتراوحُ الحكمُ عليه. إنَّ بقاءَ الأفكارِ وخلودَ أصحابِها يَرتبطان بشكلٍ وثيقٍ بالأَثرِ الذي يُحدِثونه؛ فكلُّ حجرٍ يُلقى في الماءِ الساكنِ يَتركُ حولَه دوَّاماتٍ مِنَ الأَفكارِ التي تَرتبطُ به وتَنْبني عليه، سواءٌ بنقدِه أو التأسيسِ عليه. وليسَ صحيحًا أن «شيخَ المَعرَّةِ» لم يكُنْ يَعبأُ بكلِّ ما يُثارُ حولَه؛ فقد كانَ مِنَ الحَصافةِ بمكان، حتى إنَّ من أفكارِه ما سطَّرَه في كُتبِه، ومنها ما ظلَّ حبيسَ صدرِه ولم يَخرجْ لأحد، وربما كانَ ذلك على وجهِ التحديدِ هو ما جعلَ الشيخَ مَثارَ جدلٍ كبير، وكانَ مِنَ الممكنِ أن يزولَ جزءٌ من هذا الغُموض، لو أنَّ كلَّ ما أَمْلاه خلالَ حياتِه قد وصَلَ إلينا. وعلى الرغمِ من هذا كلِّه؛ يَبْقى «أبو العلاءِ» وفكرُه علامةً بارزةً في تاريخِ تطوُّرِ الفلسفةِ والفكرِ العربي.

  • نداء الحقيقة: مع ثلاثة نصوص عن الحقيقة لهيدجر

    «حديثُنا عن ماهيَّةِ الحقيقة، والسؤالُ عن ماهيَّةِ الحقيقةِ لا يَهتمُّ بأنْ تكونَ الحقيقةُ هي حقيقةَ التجربةِ العمَليةِ في الحياةِ أو تدبيرِ الشئونِ الاقتصادية ... ولا يَعنيهِ بوجهٍ خاصٍّ أن تكونَ هي حقيقةَ البحثِ العلميِّ أو الخلقِ الفني، بل ولا أنْ تكونَ هي حقيقةَ تأمُّلٍ فكريٍّ أو عقيدةٍ دينيةٍ ذاتِ مناسكَ وطقوس. إنَّ السؤالَ عن الماهيةِ يَصرفُ النظرَ عن هذهِ الأمورِ جميعًا ويُوجِّهُ بصرَهُ إلى أمرٍ واحد، وهو ذلكَ الذي يُميِّزُ الحقيقةَ من حيثُ هيَ حقيقة.»

    ليسَ من عملٍ أشقَّ على النَّفسِ من قراءةِ «هيدجر»، ذلكَ الفيلسوفِ العِملاق، الذي قلَبَ طبيعةَ التَّفكيرِ الفلسفيِّ منذُ «أفلاطونَ» رأسًا على عَقِب، واستولَتْ نُصوصُه على عقولِ الفلاسفةِ من بعدِه، واستشرَت صراحةً وضِمنًا بينَ جَنَباتِ فلسفاتِهم، إلى الحدِّ الذي دفعَ الفيلسوفَ الأمريكيَّ المعاصِرَ «ريتشارد رورتي» إلى وصْفِها بأنَّها ﮐ «السرطان» تَستحوذُ تمامًا عليكَ فلا تَعودُ قادرًا على الإفلاتِ منها. وهذه الثورةُ الفلسفيةُ لم تُكتَبْ بلغةٍ عادية، وإنما كُتِبتْ بلغةٍ صوفيةٍ عَصِيةٍ ومُلغِزة، ما يجعلُ الإقدامَ على ترجمتِها مُغامرةً غيرَ مأمونةِ العواقِب، لكنَّ تصدِّيَ الدكتور «عبد الغفار مكاوي» لهذهِ المهمةِ حوَّلَها إلى ضيافةٍ عربيةٍ كريمةٍ لحَضْرةِ هذا الفيلسوف، ومُؤانَسةٍ لنصوصِه الغريبة، خصوصًا بعدَ أن مهَّدَ لها تمهيدًا.

  • أسس التفكير العلمي

    «العلمُ بمنهجِه يرسمُ لنا الصورةَ الدقيقةَ لِما هنالِك، وما كانَ وما سوفَ يَكُون، ولنا بعدَ ذلكَ أنْ نتَّخذَ لأنفسِنا الموقفَ الذي نَرْضاه، فمَنْ يَدري؟ قد تكونُ نازِعًا برُوحِك إلى تصوُّفٍ بغضِّ النظرِ عمَّا كانَ وما هو كائنٌ أو سوفَ يكون.»

    عندَ الحديثِ عَنِ التفكيرِ العِلميِّ يَنصرفُ الذِّهنُ في الغالبِ إلى ميدانِ العلومِ الطبيعيةِ ذاتِ المنهجِ التجريبي، على الرغمِ من وجودِ نوعٍ آخَرَ من العلومِ يُخالِفُ مَنهجَ العلومِ الطبيعيةِ مُخالَفةً جوهريَّة، وهو العِلمُ الرياضيُّ بمَفْهومِه الاستنباطيِّ الذي يتَّخِذُ من مَنهجِ الفُروضِ مَنْهجًا لَه حتى يَصِلَ إلى النتائِج. وقد كتَبَ الدكتورُ «زكي نجيب محمود» هذهِ السطورَ إيمانًا منه بأهميةِ تَرسيخِ الثقافةِ العِلْميةِ داخلَ المجتمَعاتِ العربيةِ مُتوجِّهًا بحديثِه إلى عُمومِ القُرَّاء، موضِّحًا جوانبَ التفكيرِ العلميِّ ومُحلِّلًا أُسسَه التي تُستخدَمُ في مختلِفِ مَراحلِه، من خلالِ شرحٍ لمعاني التجريدِ والتعميمِ والكمِّ والكيفِ، التي تُستخدَمُ في التفكيرِ العِلْمي، وهو مَعْنيٌّ هنا بالمجالِ العِلْميِّ وما يَدُورُ في مَدارِه، بعيدًا عن مَيادينِ نشاطِ الوِجْدانِ الإنسانيِّ كالأدبِ والفَن.

  • هذا العصر وثقافته

    «إنَّ شرَّ خيانةٍ يَخونُ بها المُعاصِرونَ أمانةَ السالِفين، هيَ أن يُقلِّدوهمْ تَفصيلةً بتَفصيلة، ومَوقِفًا بمَوقِفٍ، وإِنَّما تُصانُ الأمانةُ بأنْ نُحافِظَ على المِنظارِ الذي يُساعِدُنا على رؤيةِ ما هو دقيقٌ وما هو بعيد، دونَ أنْ نتوقَّعَ رؤيةَ المَشاهِدِ نفسِها التي كانَ يُشاهِدُها السابقونَ تحتَ المِنظار.»

    كانَ عصرُ النهضةِ إيذانًا ببدْءِ مَرحلةٍ جديدةٍ في الفكرِ الغربي؛ إذ تمَّتْ فيهِ المُصالَحةُ بينَ التراثِ الغربيِّ القَدِيم والعِلم، الذي قامَ في الغربِ مُعتمِدًا بشكلٍ أو بآخَرَ على هذا التراث. بينَما ما زالتْ مشكلةُ الأصالةِ ومواكَبةِ العِلمِ هي الشغلَ الشاغِلَ للمُفكِّرين العرب، كلٌّ منهمْ يَدْلو بدَلوِه في هذا الأمر، ويضعُ رؤيتَهُ حولَ إمكانيةِ التعايُشِ بينَ التراثِ والعِلمِ الحديث. والتوفيقُ بينَ تراثِنا العربيِّ القديمِ وبينَ حضارةٍ تقفُ على أبوابِنا صراعٌ بينَ القديمِ والمُستجَد، وحتى لا نَضيعَ بين رَدَهاتِ هذا الصِّراع، يَضعُ الدكتور «زكي نجيب محمود» رؤيتَهُ حَولَ إمكانيةِ مُعالَجةِ هذه المُشكِلة، بحيثُ يُمكِنُنا أنْ نصنعَ واقعًا ثقافيًّا وحضاريًّا جديدًا يَتوافقُ معَ النُّموذجِ الحضاريِّ الحالي، وفي الوقتِ نفسِهِ لا يُبدِّدُ تُراثَنا القديم، الذي هوَ امتدادٌ لتاريخِنا.

  • من زاوية فلسفية

    «كانَ «تهافُتُ الفلاسفةِ» الَّذي ألَّفَهُ الإمامُ الغزالي في ختامِ القرْنِ الحاديَ عَشرَ الميلادي، بِمَثابةِ الرِّتاجِ الذي أغلقَ بابَ الفِكرِ الفلسفيِّ في بلادِنا، فظلَّ مُغلَقًا ما يَزيدُ على سبعةِ قرون، ولم يَنفتحْ إلَّا في منتصفِ القرنِ الماضي نتيجةً لحركةٍ شاملةٍ استهدفتْ نُهوضَ الحياةِ الفكريةِ العربيةِ منْ كلِّ أرجائِها؛ فنشأَ عِلْم، ونشأَ فَن، وتجدَّدَ أدب، وتجدَّدتْ فلسفَة.»

    عُنِيَ الدكتورُ «زكي نجيب محمود» بقضيةِ التوفيقِ بينَ تُراثِ الماضي وثقافةِ الحاضِر؛ إذْ رأى أنَّ الشخصيةَ الفريدةَ تتكوَّنُ مِنَ الماضي، وتَستمِدُّ عناصرَ البقاءِ والقوةِ مِنَ الحاضِر. وفي هذا الكتابِ يَضعُ أديبُ الفلاسفةِ يدَهُ على جُرحِ الأمةِ العربيةِ الغائر، ومَأزِقِها الواضِح، وهو التوقُّفُ الذي أصابَها بينَ ماضِيها العَريق، وحاضِرِها المُتسارِع، مُناقِشًا الفكرَ الفلسفيَّ المُعاصرَ في مصرَ خصوصًا، وتَقرُّبَه للفكرِ الغربيِّ مُحاوِلًا الجمعَ بينَ الماضي والحاضرِ تارة، ومُنكِرًا لِماضيهِ وتُراثِهِ تارةً أُخرى. كما أفرَدَ المؤلِّفُ فصلًا كاملًا للكلماتِ وسِحرِها الرَّمزي، ناقَشَ فيه قضيةَ اللفظِ والمعنى مِن زاويةٍ فلسفيةٍ مَحْضة، واختتمَ كتابَهُ بعرْضِ آراءِ مجموعةٍ مِنَ الفلاسفةِ الغربيِّين، مِثل: «جورج سانتيانا»، و«ألفرد نورث وايتهد»، و«وليم جيمس»، و«برتراند راسل».

  • مختارات من مقالات أمرسن

    «أين نَجدُ أنفُسَنا؟ في سلسلةٍ لا نَعرفُ لها طرفًا، ونعتقدُ أنْ ليس لها. نَستيقظُ فنَجدُ أنفُسَنا فوقَ دَرَج، وتحتَنا دَرَج، يبدو أننا قد صَعِدناه، وفوقَنا دَرَج، خُطواتُه كثيرة، يَتجهُ إلى أعلى ثم يَختفي عن الأنظار.‎»

    ما بينَ التَّقليدِ والتَّطويرِ والإبداعِ مراحلُ وفواصلُ كثيرة، وقد مرَّتِ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ بهذهِ المَراحلِ جميعًا؛ فما إنْ تحرَّرتْ أراضِيها مِنَ السَّيطرةِ الإنجليزيَّةِ حتى بدأتْ بعضُ الأصواتِ الحَذِرةِ بالدعوةِ إلى التَّخلُّصِ من الأسلوبِ الإنجليزيِّ في التَّفكيرِ والكتابة، مُطالِبةً بأسلوبٍ خاص، وفنٍّ مُميَّز، ودِينٍ يتَّفقُ عليه الأمريكيُّون. وكانَ «أمرسن» من أوائلِ المفكِّرين الذين نادَوْا بالتَّطوير، فأخذَ على عاتقِه مهمَّةَ تنويرِ الأمريكيِّين؛ فأصدَرَ العديدَ مِنَ الكُتبِ والمقالاتِ التي حَملتْ بذورَ التَّطويرِ في المجتمَع، وكانَ مِن أهمِّ كُتبِه: «كتابُ الطبيعة»، و«خَصائصُ الإنجليز»، و«نَماذجُ الرِّجال». وعلى الرغمِ من أهميَّةِ هذهِ الكُتب، فإنَّ لمَقالاتِه أهميَّةً خاصَّة؛ حيث إنَّها تُعبِّرُ عن اتِّجاهٍ فكريٍّ بدأَ يَلُوحُ في الأُفقِ خلالَ تلك الفترةِ الباكرةِ مِنَ الفِكرِ الأمريكي.

  • وهم الثوابت: قراءات ودراسات في الفلسفة والنفس

    «ما ظنُّكَ بمَن يُعامِلُ المُتحوِّلَ مُعامَلةَ الثابِت؟ ومَن يُعامِلُ السائلَ مُعامَلةَ الصُّلب؟ ومَن ينظرُ إلى الغامضِ المتشابِهِ على أنه دقيقٌ مُحكَم؟ وإلى المُمتدِّ المُتصلِ على أنه مُتقطِّعٌ مُنفصِل؟»

    كثيرًا ما نَسألُ عن ماهيةِ الأشياءِ من حيثُ هي مُحدَّدةٌ ثابتةٌ لا يطرأُ عليها امتزاجٌ أو تَغيير، وتبدو نقاشاتُنا كعِراك، يَستوقِفُ فيه كلٌّ مِنَّا الآخَرَ عندَ «ثوابتَ» لا يَجوزُ تَعَدِّيها أو مُناقَشتُها أحيانًا، وهكذا نُصبحُ كمَن يَبني سدودًا حوْلَ فِكْرتِه مُتوهِّمًا أنَّ هذه الثوابتَ حاميةٌ لها. في «وَهْم الثوابت» انحازَ الدكتور عادل مصطفى إلى ما سمَّاهُ «اللاماهويةَ الجزئيةَ المَوضعيَّة»، مُحذِّرًا ممَّا يُمكنُ أنْ ينجُمَ عن تخيُّلِ أو توهُّمِ وجودِ ماهيَّةٍ ما لشيءٍ في حينِ أنهُ لا ماهيَّةَ له، مُقدِّمًا في الوقتِ ذاتِهِ قراءةً لأدبياتِ رموزٍ فلسفيةٍ ذاتِ صِلَة؛ مِثل: كارل بوبر، وفتجنشتين، وأفلاطون، وسارتر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠