• النبع القديم: لوحات قصصية

    «زارني الصبيُّ الذي كان يومًا يَحمل اسمي. وقف أمامي، على حين فجأة، واستند إلى جدار المكتبة صامتًا شاحب الوجه. لم أَدرِ كيف تَسلَّل إلى حجرة مكتبي بينما كنتُ أقرأ، أو أكتب بحثًا، أو أترجم نصًّا، أو أحاول أن أُعِد كلمة أقولها في ندوة أو مؤتمر. لكنني وجدته أمامي ولم يكن هناك مفرٌّ من المواجَهة. راح كلٌّ منَّا يتأمَّل الآخَر دون أن يقوى على التلفُّظ بكلمة. نعم، هذا وجهُه، نفس الوجه البريء المُتعَب … وما هي إلا لحظات حتى سمعتُ رنين أصوات تخترق أُذني كأنها تَلطمها وتهزُّها بعنف وقسوة: ماذا فعلت بي؟»

    لوحاتٌ قصصية يَرسمها «عبد الغفار مكاوي» بالكلمات، ويُلوِّنها بمِداد الذاكرة، يَنهل من نَبع الشِّعر لوحاته التي تحكي مواقف رآها بقلبِ شاعرٍ أرهَفَ السمعَ إلى الصمت، ففطن إلى سِر الحياة؛ فأخبره «النَّبع القديم» عن الرائحين والغادين عليه، وأخبره الجسرُ الخشبي بأحزانه، وأخبره المركَب الشراعي بروح الوجود، لكنه يتألَّم لحالِ الشاعر الذي انزوى خلف الحكمة والفلسفة، ويتذكَّر ذلك اليومَ الذي أخذَت فيه والدته مخطوطاته الشِّعرية وأحرَقتها زاعمةً أن المُذاكَرة أكثر فائدة، ومن يومها وهو يَسبح في بحر الشِّعر دونَ أن يَرسو على شاطئ. كما يَنهل من نَبع العمر سيرتَه الذاتية المليئة بالحكايات؛ فيحكي عن ذلك اليوم الذي حصل فيه على شهادة الابتدائية، وقرَّر الاستسلام لوَسْواسه الذي طالما ألحَّ عليه لزيارة قبر شقيقَيه اللذَين وُلدا معه وتُوفِّيا بعد ولادتهما ببضعة أشهر، وغيرها من الحكايات المُفعَمة بالأحاسيس.

  • بصراحة غير مطلقة

    «صباح الخير! هذه التحية كانت مشكلتي طَوال جزء كبير من الليلة الماضية. أول ما استرعى انتباهي أن تحية الإنجليز لبعضهم البعض في الصباح هي: جود مورننج، ومعناها صباحٌ طيِّب أو صباح خَير. قلت لنفسي: كيف تشابَهَت تحية الصباح عند الإنجليز في أقصى الشمال وعند العرب؟ نفس الكلمات بنفس المعاني: الصباح والخير. كيف حدَث هذا؟ ومَن منهم أخَذ عن الآخَر؟»

    باقة من المقالات يُسطِّرها «يوسف إدريس» بقلمه الرشيق، يستهلُّها بمقالة «صباح الخير» التي تحدَّث فيها عن هذه العبارة الجميلة، وتشابُهها في كلِّ اللغات وفي كلِّ العصور، متسائلًا عن سِر هذا التشابه. ثم يُعرِّج بنا إلى موضوعات متنوِّعة، بعضُها ذاتيٌّ تحدَّث فيه عن الحياة، وعن نفسه، وعن بعض عاداته، وعن شارع القصر العيني الذي يَقطعه بشكل شِبه يوميٍّ ذهابًا وإيابًا؛ وبعضُها سياسي تحدَّث فيه عن الاشتراكية، والعدوان الثلاثي، و«جمال عبد الناصر»؛ وبعضُها اجتماعي تناوَل فيه مظاهرَ مختلفة من المجتمع المصري وبعض أفراده. ثم يأخذنا إلى مسرحية «الراهب» للدكتور «لويس عوض» الذي يَنقلنا بأستاذيته وبراعته إلى عالَمٍ غريب جديد تمامًا.

  • موسوعة الأمثال الشعبية الفلسطينية

    ««إطعم الربيع وبيِّتْ في الصقيع.»

    يُضرَب لوجوبِ إطعام الحيوانات من أعشاب الربيع كي تَقوى ويَشتدَّ عودُها.»

    يُعَد التراث الفلسطيني الذاكرةَ التاريخية اليقينية التي تحمي الهُوِية الفلسطينية من الطمس المتعمَّد الذي يقوم به الكِيان الصهيوني بصورةٍ يومية. وكلُّ إسهامٍ ثقافي من شأنه الحفاظُ على هذه الذاكرة، وعلى الهُوِية، وعلى التراث الفلسطيني؛ هو بالأساس مقاوَمةٌ لعمليات الطمس والتهويد. ويُعَد الكتاب الذي بين أيدينا عمليةَ مُقاوَمة أراد بها الكاتب الحِفاظَ على إحدى صور التراث، وهي الأمثالُ الشعبية الفلسطينية التي تُعَد مِرآةً صادقة لحكمة الشعوب، ومستودعًا للعادات والتقاليد، وخلاصةً للتجارب الإنسانية، واختزالًا للخبرات الفردية والجماعية، كما أنها أصدقُ شيءٍ يُعبِّر عن أخلاق الأمة وتفكيرها وعقليتها، وتُصوِّر المجتمعَ وحياته وشعوره أتمَّ تصوير. وقد أدرك الباحث الجاد «توفيق السهلي» هذه الأهمية، فعكَف على جمعِ أكبرِ قدرٍ ممكن من هذه الأمثال وتوثيقها وتبيان معانيها، فجاء عمله موسوعيًّا ومتكاملًا.

  • آخر الدنيا

    «بل شيئًا فشيئًا بدأت سنسن تَفطِن إلى مزايا للستارة كانت خافيةً عليها، أهمُّها بلا جدالٍ ما يدور في شُققهم ومَطابخهم وحُجرات جلوسهم ونومهم، دون أن يكون باستطاعتهم هم أن يَروها؛ فالستارة تَحجِبها عنهم وتُتيح لها أن تَرى ولا تُرى.»

    باقة قصصية جديدة يُتحِفنا بها فارسُ القصة القصيرة «يوسف إدريس»، جمَع فيها بين الواقع والخيال، وسلَّط الضوءَ على الأشياء الصغيرة، فتَكشَّفت عن قيمة كبيرة. ففي قصةِ «لعبة البيت» يأخذنا إلى عالَم الطفولة الصغير، المليء بالبراءة والبساطة؛ حيث «فاتن» و«سامح»، الطِّفلان اللَّذان اعتادا اللَّعِب معًا، حتى صار كلٌّ منهما جزءًا من عالَم الآخَر، فلا معنى للأشياء إلا باجتماعهما معًا. أما قصَّة «السِّتارة» التي تدور حول «بهيج»؛ فنرى فيها معنًى فلسفيًّا عميقًا عن الهواجس التي تسيطر على صاحبها، والتي قد تؤدِّي إلى نتائجَ عكسية؛ فبسبب غَيرة «بهيج» الشديدة على زوجته، قرَّر عمَل ستارة على البلكونة لحماية زوجته من عيون الجار العازب، ولكن كان لوجود السِّتارة فعلٌ آخَر. وغير ذلك من عوالم «إدريس» الخلَّابة.

  • الأدب والحياة

    «يقول الشاعر الإنجليزي وليام وردزورث إن هناك «واحاتٍ زمنيةً» في وجودِ كلِّ إنسان يَرتادها المرةَ بعد المرة ليرويَ عطشَ خياله، ويَتبرَّد من هَجير الحياة، وحينما صدَمَته انتكاسةُ الثورة الفرنسية، كان يختلف إلى تلك الواحات حينًا فحينًا، وكثيرًا ما كان يجدُ فيها العزاءَ والسَّلوى؛ لأنه كان يرى فيها الإنسانَ في مرحلة البراءة قبل أن تَطحَنه أضراسُ التجرِبة.»

    يضم هذا الكتابُ باقةً من أمتع المقالات التي كتَبها الأديب والمترجم الكبير «محمد عناني»، في الفترة من عام ١٩٨٦م إلى عام ١٩٩٢م بجريدة «الأهرام» في عمود «أسبوعيات» الذي كتَب فيه الكثيرُ من الأقلام اللامعة والمستنيرة. وبالرغم من تنوُّعِ موضوعات هذه المقالات، فإنها تدور حول الحركة الأدبية بشكلٍ عام، والإنسان بشكل خاص؛ لكونه المنتِجَ الأساسيَّ للأدب، والمتلقِّيَ له في الوقت نفسِه، وقد ناقَش «عناني» فيها الكثيرَ من القضايا المهمة المطروحة على الساحة الأدبية آنذاك، والمناخ الاقتصادي والثقافي السائد في تلك الفترة. ومن أبرز هذه المقالاتِ المجموعةُ التي تَحدَّث فيها عن صفة العالمية، وتساؤله حول اقتصار هذه الصفة على الدول الكبرى فقط، أو الاستعمارية بالأخص، كما تَحمل هذه المجموعةُ مقالةَ رثائه لأستاذه «لويس عوض»، التي جاءت مُفعَمةً بالحب والتفاصيل الإنسانية التي جمَعَتهما.

  • محاولات للنجاة

    «كلُّ ما في الأمر أنني أريد أن أحيا ولا شيءَ آخَر .. لقد تعرَّضتُ للموت مرتَين؛ مرة شاهدته، وفي الأخرى سبَّبته، وفي الحالتَين ارتعبتُ من مجرد التحديق بتلك الحقيقة التي أسمَوها موتًا.»

    في اثنتَي عشرة مُحاوَلة قصصية يبحث «غسان نداف» عن النجاة عبر قضايا وسياقات مختلفة، ولكلِّ مُحاوَلة للنجاة توجد صورةٌ ما للموت؛ حيث يَحضُر انتحارًا، ورفضًا للانتحار، وهزيمةً وانتصارًا، وخطيئة، وحربًا، ومُقاوَمة، وتضحية، لتبدوَ النجاةُ هنا وكأنها رحلةٌ للشخصيات في مُقاوَمة الموت، وإعادةُ تعريفِ معنى حياتهم. وتبدأ هذه المُحاوَلات بقصة «هارمونيكا» التي تستكشف سؤالَ الوجود وشكلَ ممارَسته ومُمكِنات استمراريته في سياقِ جزيرةٍ خصبة للحياة والموت على حدٍّ سواء. كما تَتضمَّن المجموعة قصصًا عن الحرب وأثرها النفسي والعاطفي، وتتناول دورَ الأدب والخيال في إعادةِ إنتاجِ معنى وجودنا البشري في سياق الحرب التي تنتصر على البشر حتى بعد أن تنتهي، كما تَتطرَّق إلى العلاقات البشرية في سياقٍ يَمتزج فيه المسرحُ بالحقيقة، والحُلمُ بالواقع، والعُزلةُ بالحنين، والرغبةُ بالخطيئة والخيانة.

  • من شقوق الظلام: قصة سجين أكثر ما يؤرق فيها أنها لم تنته بعد

    «وجوهٌ شاحبة يَكتظُّ بها المكان، مُتوزِّعةٌ على مقاعدَ خشبيةٍ، تحمل تنوُّعًا بشكلٍ غريب في كل الملامح والأعمار، وقَطعًا في الأفكار والانتماءات، لم يَكُن يُوحِّدها شيءٌ سوى الظُّلم الواقع عليها. عيونُها شاخصةٌ إلى اللاشيء، حائرة تنتظر مستقبلًا مجهولًا، بل ولا تدري لماذا هي هنا بالأصل؟!»

    هكذا يروي «ناهض الهندي» في روايةٍ بديعة وسيمفونيةٍ سوداء تَقطُر ألمًا يستحيلُ أملًا؛ كيف كانت وجوهُ زملائه المعتقَلين في سجون العراق أيامَ بعث «صدام». ومِن خطفِه واعتقالِه من أمام منزله، ومن عيون إخوته وأمامَها؛ إلى مَسلخِ أجهزةِ الأمن العراقية في الثمانينيَّات، ومن سجنٍ إلى آخَر، يروي لنا رحلتَه الإجبارية، التي ما اختارها وما كان ليختارها أيُّ عاقل، وامتدَّت لعشرِ سنواتٍ كاملة، ذاق فيها مع رفاقه، المُكرَهين على أمرهم، كلَّ صنوفِ العذاب من تكبيلٍ وجَلدٍ وضربٍ و«تعليق» خارج إطارِ أيِّ قانون إلا قانون المستبِد وشريعته، وما ذلك إلا لأن عقولهم تجرَّأَت على التفكير في مُعارَضةِ هواه.

  • الرواية الأم: ألف ليلة وليلة في الآداب العالمية ودراسة في الأدب المقارن

    «كانت تضمُّ حكايات كانتربري الكثيرَ من القصص التي تَفضح نِفاق بعض رجال الدين، الذين يَتظاهَرون بالورَع والتقوى كي يَقضوا حاجاتِهم الشخصيةَ وشَهَواتهم، مثل قصص «الراهب الجوَّال» و«بائع صكوك الغفران». وثمةَ حكاياتٌ في هذا الكتاب تُماثِل تمامًا حكاياتٍ موجودةً في «ألف ليلة وليلة».»

    تُلقِي حكايات «ألف ليلة وليلة» بظِلالها على الأدب الغربي، فتَمنحه سِحرًا شرقيًّا خلَّابًا، يَتجاوز المكان والزمان ليَتربَّع على عرش الأدب العالمي؛ حيث كانت «ألف ليلة وليلة» هي المنهل الأول الذي استقى منه كُتَّابُ الغرب حكاياتِهم، وهي البوصلة الأولى نحوَ خيالٍ جامح لا حدودَ له، ويُمكِننا تلمُّسُ ذلك في الكثير من الأعمال الأدبية الغربية مثل روايةِ «النائم يستيقظ» للكاتب «هربرت جورج ويلز» وهي المستمدة من حكاية «النائم اليَقظان» في «ألف ليلة وليلة»؛ وروايةِ «البحث العظيم»، وفيها يَستمدُّ «ويلز» صورًا من «ألف ليلة وليلة» ليصوِّر قُدرةَ العجائب على تشكيل الحياة وتنظيمها على نحوٍ لا يُوفِّره الواقع؛ ورواية »فنجانز ويك« التي صوَّر فيها «جيمس جويس» الحياةَ الليلية ببراعةٍ فائقة بفضلِ اطِّلاعه على الأدبيات العالمية التي تَتناول حياةَ الليل، وعلى رأسها ليالي «ألف ليلة وليلة».

  • القبلة الأخيرة

    «وأنا الذي طرتُ في السماء ليَتعلَّموا مني الطيران، حلَّقتُ بجناحَيَّ فوق كل السجون لكي يَسخروا من كل السجون، أردتُ أن أثبت لهم أن الإنسان يُمكِن أن يَتحوَّل إلى نَسر أو صقر، أو حتى عصفور يعلو فوق الطُّغاة والمعذِّبين والجلَّادين، يُبدِّل أرضًا بأرض، وسماءً بسماء، ويُرفرِف فوق القرى والمدن والغابات.»

    عبر مجموعةٍ قصصية بلغَت اثنتين وعشرين قصةً قصيرة، راح الفيلسوفُ والقاصُّ «عبد الغفار مكاوي» يرسم لنا عوالمَ مختلفة في أزمنةٍ متعددة، مُستخدمًا التصريحَ حينًا والرمزيةَ أحيانًا، ليُشكِّل لوحةً مُتجانِسة عن حياةِ بُسطاء الناس وطرق تفكيرهم، في المدينة والريف، وينتقل بخِفة بين قصةٍ وأخرى؛ فمن «عتريس» القزم الذي يلجأ دائمًا إلى «أم العواجز»، إلى مُحاوَلاتِ رجلٍ من العامة يريد أن يرفع شكوى إلى قيصر روما في عصورِ ما قبل الميلاد، ومن ممثِّل مسرحي في فرقةٍ شعبية تدور في الموالد، إلى عالِم ذَرة يعود أخيرًا إلى وطنه ليجد بيته قد تَهدَّم، ومن ابن السلطان الذي راح ينتظر عودةَ أبيه من الحروب منذ ألف عام، إلى العالِم الفلكي «محمود نجم»، وغيرها من القصص الغنية بالشخصيات والأفكار الحريصة على إظهار الجانب الإنساني في مجتمعاتنا.

  • عاشق الليل: صور قلمية

    «إنه ثَورٌ أصابه سُعار الذئاب المفترسة يريد أن يحطِّم الحياةَ من حوله، ولكن لأنه ضئيلُ القَدْر، هيِّنُ الشأن، حقيرُ النفس، وضيعُ الفكر؛ لم يُحطِّم إلا نفسه.»

    مجموعةٌ من «الصور القلمية» بتعبير الأديب الكبير «ثروت أباظة»، يرسم فيها صورًا رمزية للعديد من الشخصيات، ويُعدِّد مَعايبهم ويَلمِز الظالمَ منهم؛ فمِن زعيم الوهم التائه بعظَمته المتخيَّلة، إلى القوَّاد الذي يصل أعلى المراتب بما يَعلمه من أسرار، ويمُر بالبهلوان الذي يسعى إلى المال بإهدارِ كرامته وعِزة نفسه، لكنه يرسم كذلك صورًا لأجمل لحظات الوفاء والبِر والرحمة عندما تَتجسَّد في هيئةِ بشر، ويحكي قصصًا وحكايات عن أصدقاءَ وغرباءَ تجسَّدَت فيهم كلُّ القِيَم السامية. هذه الصور وغيرها إنما هي روايةٌ بغيرِ راوية؛ رواية عن النفاق والتسلُّق والسعي إلى المال والسلطة ببذل النفس والكرامة والروح، وكذلك رواية عن عالَم الروح والقِيَم والمبادئ، الذي ما انقطع من الدنيا قَط.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢