• ابن الإنسان: حياة نبي

    أتَتِ الأديانُ بطاقاتٍ من نورِ السماءِ إلى الأرض، أراحتْ بها الصدور، واستكانَت لها الأنفُس. وقد كانَ — ولا يزالُ — لرجالِ الدينِ من أنبياءَ وقدِّيسينَ ورُهبانٍ مكانةٌ عظيمةٌ في صدورِ خلْقٍ مؤمنِين، فسعى كثيرونَ وراءَ آثارِهم وأفكارِهم يَستقصُونَ أخبارَهم؛ ليُخلِّدوا سِيَرَهم العَطِرة، ويضعوا لقارئِها من النَّفحاتِ قَبسًا يُضِيء، ومِنهاجًا يهذِّبُ الرُّوحَ والجسد. وهكذا، تعدَّدتِ السِّيَرُ التي كُتِبت عن السيدِ المسيحِ «يسوع» عليه السلام. وإذ اختلفَتِ المذاهبُ والأسانيد، فإنَّ تلك السِّيَرَ تتباين، كلٌّ بحسبِ عقيدتِه، إلى أن أتى كتابٌ كالذي بين أيدينا، يتناولُ فيه «إميل لودفيغ» حياةَ المسيحِ بصورةٍ إنسانيةٍ خالصةٍ «دونَ تأييدٍ لنُبوءاتٍ سابقة، أو دعمٍ لكنيسةٍ حادِثة.» كما يقول، إلا أنه مزجَ رواياتِ الأناجيلِ الأربعةِ برؤيةٍ خاصةٍ أثارتْ في حينِها جدلًا واسعًا، ولا تُنكَر أهميتُها حتى يومِنا هذا.

  • رَمْلٌ وزَبَدٌ

    بجانبِ أشعارِه باللُّغةِ العربية، كان للشاعرِ والمُفكرِ اللبنانيِّ «جبران خليل جبران» بعضُ الأعمالِ الأدبيةِ المُتميزةِ باللُّغةِ الإنجليزية، التي امتَلكَ ناصيتَها وأبدعَ بها؛ فكانَ أحدُها هو عملَه الأدبيَّ والفلسفيَّ الصغيرَ «رَمْلٌ وزَبَدٌ»، الذي تَرجمَهُ إلى العربيةِ رجلُ الدينِ المسيحيِّ «أنطونيوس بشير» ترجمةً أدبيةً ضافية، لَم تُفقِد النصَّ رُوحَه أو تُضِفْ إليه ما ليس فيه (كعادةِ بعضِ الترجماتِ الأدبية)، بل زادَته جمالًا. وقد حملَ هذا العملُ العديدَ من آراءِ «جبرانَ» الفلسفيةِ تجاهَ الحياةِ والفِكر، جاءَت في صورةٍ نثريةٍ واضحةِ الفكرة، سهلةِ اللفظِ كشذراتٍ مُتفرِّقة، أو كحَباتٍ من الرَّملِ على شاطئٍ سِحريٍّ بعيد، رُبما بعضُ هذهِ الآراءِ ثائرٌ ومُختلفٌ قد يَصدِمُ القارئ، ولكنَّها عادةُ «جبرانَ» في التعبيرِ عمَّا في عقلِه وقلبِه مهما كان.

  • إنجيل تولستوي وديانته

    انقلبَت روسيا رأسًا على عَقبٍ بعد أن صرَّحَ الفيلسوفُ الروسيُّ «تولستوي» بتخطئةِ الكنيسةِ وهدمِ ما تَبنيهِ من مُعتقداتٍ رآها هو غيرَ صحيحة؛ إذ أنكرَ عليها عقائدَها بدَعوى أنها مِن وضعِ البشر، وتُخالفُ أحكامَ الإنجيلِ مُخالفةً صريحة. ورأى «تولستوي» أنَّ جميعَ الكنائسِ ومذاهبِ المسيحيةِ تتشابهُ في بعضِ المعتقدات، فبحثَ في أصولِ هذه المعتقداتِ وأرجَعَها إلى أصولِها؛ فخلَصَ إلى أنَّ جميعَها تنبعُ من مَعينٍ واحد، وأنَّ جميعَ الأناجيلِ بها ما هو موضوعٌ وما هو صحيح، فآثرَ أن يَجمعَ ما صحَّ منها في كتابٍ سمَّاه «إنجيل تولستوي»، وإن لم يَكُنِ الكتابُ حقيقةً نَطقَ بها صاحبُها، فهو جوهرةٌ انفصلَت عن أشعَّةِ فكرِ الفيلسوفِ الذي لم يَبخلْ على الناسِ بما في ضميرِه؛ فبسطَ لهم قلبَه كتابًا يقرءُونه، ويتحسَّسون بأبصارِهم وبصائرِهم ما يشاءُون منه.

  • أهمية أن نتثقف يا ناس

    «إنَّنا ننحدرُ ثقافيًّا وبالتالي سلوكيًّا بدرجةٍ خطيرة، والغوغائيةُ — نتيجةً لانعدامِ الثقافةِ — تَسودُ إلى درجةٍ تهدِّدُ فيها باكتساحِ وجودِنا كلِّه. ومعَ وجودِ هذه الكَمِّياتِ المُخيفةِ من البشرِ في هذا الحيِّزِ الضيِّقِ للوجود، فإنَّنا ذاهبون إلى كارثةٍ مُحقَّقةٍ — لا قدَّرَ اللهُ — إذا لم نُولِ رفعَ المستوى الفكريِّ والثقافيِّ للشعبِ الأهميةَ القُصوى الجَدير بها.»

    تُشكِّلُ ثقافةُ الشعوبِ والأممِ حاضرَها ومستقبلَها، وقد تزدهرُ الثقافةُ وتصبحُ وقودَ أمةٍ ما للتقدُّم، وقد تنحدرُ بحربٍ أو استعمارٍ أو فسادٍ لتصبحَ داخلَ قيدٍ يَصعبُ الفكاكُ منه. وبسببِ مقالٍ لم يَحسبْ له «يوسف إدريس» حسابًا ولم يتوقَّعْ منه جَلَبة، فُتِحتْ عليه النار، ووُجِّهتْ مدافعُ النقدِ إليه من قِبَلِ مُدَّعي الثقافةِ المِصريين من الكُتابِ والفنَّانين، وعلى رأسِهم وزيرُ الثقافةِ المصريُّ آنذاكَ الدكتورُ «عبد الحميد رضوان» الذي كتبَ مقالةً هاجمَ فيها «إدريس»؛ فقد أخرجَ المقالُ للعلنِ مشكلةَ النُّخبةِ المُثقَّفةِ بمصرَ والعالمِ العربي، حيثُ عَدَّهم الكاتبُ عالةً على عمومِ الشعبِ يُضلِّلونه ويأخذونه في طُرقٍ سطحيةٍ باسمِ الفنِّ والمسرحِ والتلفزيونِ مرةً، وباسمِ الدينِ مرةً أخرى.

  • شيطان بنتاءور: أو لِبَد لقمانْ وهُدهُد سُلَيمان

    تركَ أميرُ الشعراءِ العِنانَ لخيالِه، ليَرويَ لنا حكايةً نَثريةً مُشوِّقةً تَدورُ بين ذاتِه متمثِّلةً في «هدهد سليمان»، وبين «بنتاءور» شاعرِ الفراعنةِ متمثِّلًا في «لُبَدِ لُقمان». من الممكنِ أن تَتلاقى الأفكارُ على الرغمِ من اختلافِ الأزمنة، مثلما حدثَ مع أميرِ الشعراءِ «أحمد شوقي» وشاعرِ «رمسيس الأكبر» «بنتاءور»؛ فربطَ «شوقي» بين حُبِّه للفراعنةِ ومهارتِه في الشِّعر، وسردَ مَقاماتٍ تدورُ بين «لُبَدِ لُقمان» النَّسرِ المُعمِّرِ و«هدهد سليمان»، فأخذَ النَّسرُ الهُدهدَ في رحلةٍ ليُريَه «مصر» كيف كانت؛ فأذهلَ الهدهدَ تغيُّرُ الأوضاعِ وما آلَت إليه الأيام، ومِن هنا أخذَ «شوقي» يَعقدُ المُقارَناتِ على لسانِ الهُدهدِ بين أحوالِ «مصر» من زمنِ «الملك رمسيس» إلى القرنِ العشرين، بدايةً من الشِّعرِ والأدبِ إلى جغرافيةِ المكانِ وأحداثِ الزمان؛ كلُّ ذلك وأكثرُ في سلسلةٍ من الحِواراتِ المُمتعةِ بين شاعرِ مِصرَ القديمةِ وشاعرِ مِصرَ الحديثةِ في «شيطان بنتاءور».‎

  • أخبار الحمقى والمغفلين

    يَزخرُ التراثُ العربيُّ بالعديدِ منَ النصوصِ التي تؤرِّخُ للفكاهةِ والأخبارِ التي كانَ يَتناقَلُها الناسُ فيما بينَهم؛ يتندَّرونَ بها، وتَظهرُ فيها جوانبُ حياتِهم الاجتماعيةِ في قالبٍ ساخِر. وقد جمَعَ الفقيهُ والمؤرِّخُ «أبو الفرج ابن الجوزي» الذي عاشَ في القرنِ السادسِ الهجري/الحادِيَ عشرَ الميلاديِّ مجموعةً من تلكَ الطرائفِ والنوادرِ التي اختُصَّ بها الحَمْقى والمُغفَّلون، مُتراجِعًا بذلك عن جمْعِ أخبارِ الأذكياء؛ إذْ رأى أن الشيءَ يُعرَفُ بضدِّه. وهذهِ المعرفةُ أبلغُ في الترغيبِ في حُسْنِ التصرُّف، فضلًا عمَّا تُدخِلُه على النفْسِ منَ البَشاشةِ والسُّرور. يَبدأُ المؤلِّفُ بشرحِ مَعنى الحَماقة، ويَذكرُ أنواعَها والمُرادِفاتِ المُختلِفةَ لها، وكذلكَ صِفات الأَحْمق، منطلقًا من تلك المُقدِّماتِ إلى تَحليقٍ مُشوِّقٍ معَ مَن ضرَبَ العربُ بهم المَثلَ في الحَماقة؛ رِجالًا ونساءً، حَمْقى أصليِّينَ وعُقَلاءَ راقَتْهم الحَماقةُ فتحوَّلوا إليها، ولم يهتمُّوا بمَوْقعِهم العِلميِّ أو السِّياسي، فكانَ مِنْهم الرُّواةُ والمُحدِّثون، وكانَ مِنْهم الوُلاةُ والأُمَراءُ المُغفَّلون، بل القُضاةُ والكتَّابُ والشُّعراء أيضًا.

  • رسالة الهناء

    هنا تَبدُو كلماتُ «أبي العلاءِ المَعَرِّي» أوضَحَ مرآةٍ لعصرِ الدسائسِ وتعاقُبِ السلاطينِ في العصرِ العباسي. يَتولَّى «كامل كيلاني» في هذا الكتابِ شرْحَ «رِسالة الهناءِ» الأدبيةِ وتحقيقَها؛ وهي الرِّسالةُ التي بعَثَ بها «أبو العلاءِ المَعَرِّي» إلى بعضِ معُاصِرِيه منَ الكُبَراء، والتي يُقالُ إنَّه قد حذَفَ منها أسماءَ السلاطينِ وألقابَهم بعدَ تغيُّرِ العهدِ السياسي، وذلك لقِصَرِ عهودِ السلاطينِ والوزراءِ والولاةِ والأمراءِ في ذلك العصرِ المُضطرِب، المَمْلوءِ بالمَخاطِرِ والأحداثِ والفِتَنِ والدَّسائِس. ورُبَّما آثَرَ «المعريُّ» حذْفَ الأسماءِ والأَلقابِ ليكونَ بذلك قد كفَّرَ عنْ إفراطِه في مُجامَلةِ مَن تورَّطَ في الثناءِ عليهم مِن مُعاصِرِيه، ولأنه لم يَكُنْ يرى مانِعًا في ذلك؛ اتقاءً لِمَا يَخْشاه من أَذِيتِهم، ممَّا يَجعلُ الأجيالَ التي تَقرأُ شِعْرَه بعدَ ذلك تَعُدُّه نوعًا من نفاقِ الحُكَّام. وهو ما دفَعَ الشاعرَ إلى الاعتذارِ في مُقدِّمةِ الرسالةِ عمَّا سمَّاه ﺑ «الكَذبِ الفنِّي» الذي كانَ مِرآةً لعصرٍ فيه الكثيرُ مِنَ الظُّلْمِ والرِّياء.

  • حديث إبليس

    يُغوِينا العالَمُ الآخرُ دائمًا بسِحرِه، ويَنجحُ في إثارةِ فضولِنا، فنُحاوِلُ التكهُّنَ بما فيهِ وبمَن فيه. عالَمٌ يسكنُهُ الخيرُ والشرُّ بصورتَيْهما الخالِصة، و«إبليس» هو حتمًا الأكثرُ غوايةً في هذا العالَم، وتسعى المحاوَلاتُ الأدبيةُ للتعبيرِ عن ذاكَ الكيانِ الغامضِ الذي نُؤمنُ بسطوتِه علينا، فنجدُ «دانتي» و«ملتون» و«المعري» وغيرَهم يَغزُونَ بأقلامِهم مَتاهاتِ عقلِه وجحيمِه، وعلى دَربِهم أتتِ المحاوَلةُ الإبداعيةُ التي بينَ أيدينا، والتي تقمَّصَ فيها الأديبُ عقلَ «إبليس» وذاتَه، وأبلغَنا بخطراتِه وفلسفتِه الخاصةِ التي تتناولُنا، وذلكَ في مَزيجٍ مُمتعٍ يغلبُ عليه طابعُ السخرية، ولا يَخلُو من التساؤلِ وإعمالِ العقل، مؤكِّدًا أن: «أقوالَ إبليسَ تُعبِّرُ عن نفسِه لا عنِ الحقيقةِ المُطلَقة.»

  • المطالعة العربية: لمدارس البنات

    كانتْ قضيةُ التعليمِ بشكلٍ عامٍّ إحدى أولوياتِ الرائدةِ الاجتماعيةِ «نبوية موسى»، وبالأخصِّ تعليمُ الفتياتِ وتثقيفُهنَّ‎؛ فشاركتْ في إنشاءِ المدارس، كما كتبتِ المقالاتِ وألقتِ الخُطبَ في بيانِ أهميةِ تعليمِ الفتاةِ وأثرِهِ في الأمَّة، ووضعتْ بنفسِها أيضًا بعضَ المناهجِ الدراسيةِ التي حرصتْ أن تجمعَ بينَ التعليمِ والتربية، فكانَ هذا الكتابُ الخاصُّ بمادةِ المُطالَعةِ العربيةِ لطالباتِ المرحلةِ الابتدائيةِ الذي حرَصتْ صاحبتُهُ أنْ تأتيَ مادَّتُهُ في لغةٍ عربيةٍ جزيلة، لا هيَ بالمعقدةِ العسيرةِ ولا الساذجةِ البسيطة، كما اختارتْ موضوعاتٍ تحضُّ على الفضائلِ ومكارمِ الأخلاقِ وتفيدُ المرأةَ في حياتِها؛ فتُحصِّلُ الطالبةُ فائدةً علميةً وكذلكَ قيمةً أخلاقية. ويمكنُ اعتبارُ هذا الكتابِ وثيقةً تاريخيةً هامَّة تُبيِّنُ صورةَ التعليمِ ومناهجَهُ الدراسيةَ في بداياتِ القرنِ العشرين.

  • محاورات ألفرد نورث هوايتهد

    «أَلَا إنَّ هذه الأحاديثَ القليلةَ التي سجَّلَتها لنا الصحائفُ أحرُفًا مطبوعة، لَتزدادُ قيمتُها أضعافًا مُضاعَفةً في عصرِنا هذا الذي حلَّ فيه الصمتُ المُستمَعُ محلَّ الحديثِ الحيِّ المُتبادَل، أو لعلَّنا على كلِّ حالٍ في طريقِنا إلى هذه النهايةِ المحتومة.»

    تتكوَّنُ مُحاوَراتُ «ألفرد نورث هوايتهد» مِن ثلاثٍ وأربعينَ مُحاوَرةً مُنتقاة، دارَت جميعُها أثناءَ حديثِه مع زُوَّارِه وأصدقائِه وتلاميذِه في بيتِه، كان أوَّلُها حديثَ السادسِ من أبريلَ عامَ ١٩٣٢م، وآخِرُها حديثَ الحادي عشَرَ من نوفمبرَ عامَ ١٩٤١م، وقد سجَّلَها الصحفيُّ «لوسيان برايس» وانتقى منها هذا العددَ ونشَرَها. وتضمَّنَتِ المُحاوراتُ عدةَ قضايا فلسفيةٍ ولغويةٍ واجتماعيةٍ وتاريخيةٍ لا تَخلو من الجَدل، وقد ترجَمَها «محمود محمود»، وكتبَ لها «زكي نجيب محمود» تمهيدًا نقديًّا، مُقارِنًا بينَها وبينَ ما سبقَها من مُحاوراتٍ بالتراثِ العربي، مثل ما جاءَ في كتابِ «الإمتاع والمُؤانَسة» للفيلسوفِ المتصوِّفِ «أبي حيَّانَ التوحيدي».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١