خامسًا: الثورة على الحكم

إذا كانت أوصاف الإمام وصفات الإمامة قد ركَّزت على شخص الإمام، فإن الثورة على الحكم تُقلل من هذا التشخيص للمشكلة السياسية، وتتناول المؤسسات وأجهزة الرقابة على الحكام. وتتدرج هذه من الوسائل السلمية العلنية، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة في الدين، إلى ضرورة الجهاد. فإذا ما تم استنفاد الوسائل السلمية دون إصلاح الحال، تم اللجوء إلى وسائل أخرى أكثر فعالية حيث لا تجوز طاعة الإمام الجائر؛ وبالتالي وجب خلعه وعزله، وإلا فلا سبيل إلا الخروج عليه. وإنما يتم ذلك كله باسم التوحيد، حيث يجد التوحيد في البداية مَصبَّه وتحقُّقه في النهاية.

(١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ويُحدد هذا المبدأ العلاقة بين الجماهير والسلطة، بين الأمة والإمام، بعيدًا عن التشخيص السياسي وتركيز المشكلة السياسية كلها على شخص الإمام. وهي إحدى أصول خمسة في العقائد يقوم عليها علم التوحيد؛ أي إنه نتيجةٌ طبيعية للأصول الأربعة الأولى، خاصةً لأصلَي التوحيد والعدل. وقد يصبح موضوعًا مُنفصلًا وتُفرَد له مؤلَّفاتٌ خاصة؛ فالمبدأ يتعلق بالأصول وليس بالفروع.١
فماذا يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هناك أربعة مصطلحات: الأمر، والنهي، والمعروف، والمنكر. فالأمر والنهي مقولتان في علم أصول الفقه، صيغتهما «افعل» و«لا تفعل»، يقتضيان الفعل وعدم الفعل. أما المعروف والمنكر فيُفيدان معنى الحُسن والقبح العقليين. ويتوجه الأمر والنهي نحو الأفعال وليس نحو الأفكار والآراء؛ أي إنه يخص العمليات والشرعيات لا النظريات. وهو مبدأ للحقوق المدنية تتعلق بالأفعال الظاهرة، ولا يخص توجيه الفكر والحد من حريته.٢
ويبدو النهي عن المنكر أهمَّ بكثير من الأمر بالمعروف طبقًا للقاعدة الأصولية أن درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح. ويتَّضح ذلك من قسمة المعروف والمنكر؛ فقسمة المعروف مقتضَبة تتعلق بالصورة دون المضمون؛ إذ إنه ينقسم إلى واجب وما ليس بواجب، فالأمر بالواجب واجب، وبالنافلة نافلة، وبالمندوب مندوب، في حين أن المنكر من حيث الصورة واحد، وهو وجوب النهي عنه عند استيفاء الشروط، لا فرق في ذلك بين صغيرة وكبيرة،٣ ولكن الأهم من ذلك قسمة المنكر من حيث المضمون إلى قسمين؛ الأول: ما يختص به ويقع به الاعتداد، مثل غصب فقير ليس له إلا درهمٌ واحد، وهو منهيٌّ عنه عقلًا وشرعًا؛ لأنه سلب لما يُقيم به أوده، ونهب لحد الكفاف منهي عنه عقلًا لأنه دفع للضرر، ومنهي عنه شرعًا لأن خير أمة أُخرجت للناس لا يكون هكذا وضعها في التفاوت بين الأغنياء والفقراء. وما يختص به ولا يقع الاعتداد به، مثل غصب غني له أموال قارون درهمًا، وهو غير منهي عنه عقلًا إن كان منهيًّا عنه شرعًا. ولما كان العقل أساس النقل، فإنه يكون غير منهي عنه. وإن السرقة من الغني أقرب إلى إعادة توزيع الدخل بين الطبقات. والثاني: ما يتعداه، وهو المنهي عنه عقلًا وشرعًا، ولا يحتاج في ذلك إلى تدبير واجتهاد. فالنهي عن المنكر يتوجه أساسًا إلى الأوضاع الاجتماعية التي يحكمها توزيع الدخول وتفاوتها بين الطبقات. وقد ينقسم المنكر إلى قسمين آخرين؛ الأول: ما يتغير حاله بالإكراه ويقع ضرره عليه فقط، مثل سرقة الدرهم من خفير. والثاني: ما لا يتغير حاله بالإكراه ويتعدى الضرر إلى الغير، كسرقة الفقراء ونهب العاملين واستغلالهم وسرقة جهودهم. وقد ينقسم المنكر إلى عقليات كالظلم والكذب، والنهي عنه واجب، وهو أقرب إلى الأمور المعنوية والأخلاقية؛ وإلى الشرعيات، سواءٌ ما كان للاجتهاد فيها مجال أو لم يكن للاجتهاد فيها مجال، وهي الأمور المادية كالسرقة، والنهي عنها أيضًا واجب. يتجاوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجال الأخلاق الفردية إلى الأوضاع الاجتماعية، وفي مقدمتها الأوضاع الاقتصادية فيما يتعلق بالمساواة وإعادة توزيع الدخل بين الطبقات. إذا كان المنكر من باب أفعال القلوب غير معروفة ولا يُطَّلع عليها فلا يجب النهي عنها، والمعروفة الظاهرة قد نُهي عنها. أما أفعال الجوارح فهي التي يجب النهي عنها لظهورها وآثارها في الحياة الاجتماعية.٤
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، بل واجبان شرعيان مثل الصلاة. وقد يرجع وجوبهما إلى درجة وجوب المأمور بهما أو المنهي عنهما، فيكون الأمر بالوجوب واجبًا وبالمندوب مندوبًا، حتى يترك الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لمن يأمره وينهاه حرية الاختيار والإدراك في حالة المندوب والمكروه. وهو وجوب لطف ومصلحة، لطف من الله ومصلحة للعباد، تقوم به مصالح الناس التي ترعاها الشريعة.٥ وهو واجب عقلًا وشرعًا. فالظلم يُعرَف عقلًا، يُحس به الإنسان وتُدركه الطبيعة، ولو لم يكن واجبًا عقلًا لكان مُغريًا بفعل القبيح. ويستحيل أن يكون للوجوب أساس في الطبيعة البشرية.٦ ولا يستلزم وجود الإمام، ولا تقوم به الأئمة؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل للرقابة عليهم. وإن تطبيق الأئمة للشريعة وتنفيذهم للحدود ليس أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، بل هو تطبيق لأحكام الشريعة. وأحيانًا يكون دليل وجوب الإمامة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأن الإمامة أصلها ومستنَدها في الرقابة الشعبية. إنما يجب على عامة الناس قدر الإمكان ندبًا، وواجب على علماء الأمة فرضًا. وهو ليس فرض كفاية على العلماء إذا قام به البعض سقط عن البعض الآخر، ولكنه فرض عين على كل عالم ما دام قد استوفى شروطه. فالعلماء ورثة الأنبياء، وإلا ارتكن العلماء بعضهم إلى بعض، وأوكل العالم الأمر إلى غيره حتى يضيع الأصل. فإذا ما استعصى على العامة وعلى العلماء، فإنه في هذه الحالة وحدها يمكن اللجوء إلى الإمام حتى لا تستدعي السلطة على الناس بلا مُبرر، وحتى يعطي للرقابة الشعبية أكبر فرصة مُمكنة.٧
وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط تضمن وقوعهما وإحداث أثرهما ونجاحهما، وتُخفف من حدتهما وثقلهما على النفس، وتُقلل أسباب فشلهما، وأهمها ألا يُثيران فتنة أو غضبًا، أو يُنفران الناس من الإسلام والمسلمين، ويُبعدانهم عن الأمة وعلمائها؛ فالنصائح صعبة على النفس، والتوجيه ثقيل عليها. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما يتمَّان حرصًا على الإسلام الذي يشترك فيه الناصح مع المنصوح، فليس الناصح بأكثر إسلامًا من المنصوح، أو بأشد غيرةً على الإسلام منه. ويُشترط أيضًا عدم التجسس والتلصص على الناس، وتتبع عوراتهم، وفضحهم على رءوس الأشهاد، بل على العكس، التستر على الناس يجعلهم أقرب إلى قبول النصح وقبول التذكرة عن طيب خاطر. فما الفائدة من الإتيان بأصلٍ مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهدم أصل آخر وهو المحافظة على حرمات الناس؟ وعلى الناصح أن يعلم أن المأمور به معروف وأن المنهي عنه منكر، وإلا أمر بالمنكر ونهى عن المعروف؛ فالعلم شرط النصيحة. وقد لا يُغني الظن عن العلم؛ لأن الظن لا يُغني عن الحق شيئًا، وتُترك النصيحة حينئذٍ لمن هو أهل للعلم لا للظن. ولا بد أن يكون المنكر حاضرًا، فلا يُعقَل أن يتم نهي عن منكر لم يحدث بعد، وإلا كانت النصيحة مجرد إعلان عن النفس، ومزايدة في الإيمان، وطلب منصب أو جاه. فالواقع أساس الممارسة، وأصلٌ عقلي منصوص عليه في الوحي بلا واقعٍ يكون مجرد هراء وظيفتُه تعمية الواقع دون الكشف عنه أو تغييره. وتتوقف ممارسة الأصل إذا ما أدَّى النهي عن المنكر إلى منكرٍ أعظم منه، مثل قتل الدب لصاحبه. وطبقًا لحساب الضرر فإن الضرر الأقل يبدو مقبولًا في سبيل تفادي ضرر أعظم. ولا خلاف بين أن يقع الضرر على الغير، أي المنصوح، أو الذات، أي الناصح؛ فقد تتوقَّف ممارسة الأصل إذا ما أدَّى إلى إلحاق الضر بالنفس، سواء كان ذلك في الحياة أو في المال؛ أي الضرر المعنوي أم المادي. ويُترك تقدير هذا الضرر لقدرة العالم الناصح على التحمل، وهو ما يختلف فيه العلماء، كلٌّ طبقًا لقدراته وطاقاته ووضعه. وأخيرًا لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا إذا كان له أثر في الواقع حتى يُحقق غرضه. أما إذا لم يكن له تأثير، وكان أشبه بالصراخ أو إقامة الأذان في الصحراء حيث لا مُجيب، فإنه يكون أيضًا فارغًا بلا مضمون. فالشهادة ليست للشهادة، والإعلان ليس هدفه الإعلان، إنما الكلمة تهدف للتأثير والتغيير.٨
أما طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنها تختلف فيما بينها بالنسبة لكلٍّ منهما؛ فالأمر بالمعروف يكفي مجرد الأمر به دون إلزام، أما النهي عن المنكر فلا يكفي فيه مجرد النهي، بل لا بد من الإلزام؛ وبالتالي لزِمت وسائل تحقيقه وتنفيذه من أجل إحداث التغيير المطلوب، ويبدأ التغيير بالفعل والذي يُرمَز إليه باليد؛ أي بالقوة. ويختلف في مداها بالضرب أو بالقتال، كما يختلف في الضرب بالأيدي أو النعال، ويختلف أيضًا في القتال بالقبض والسلاح، أي بالسيف، أو بمعركةٍ حاسمة وفاصلة يُجمَع لها الجنود بالآلاف. فإن صعب التغيير باليد فلا يبقى إلا اللسان؛ أي الكلمة والقول. ويختلف في القول بين القول الليِّن والقول الخشن. فباستمرار الإعلان يمكن إحداث التأثير، وبدوام القول يزداد وعي الأمة وتضغط بنقلها من أجل إحداث التغيير. فإن استحال القول نظرًا لظروف القهر وكبت الحريات ومنع الكلمة لم يبقَ إلا القلب؛ أي الاستمرار والثبات على الحق دون مخالفة الضمير أو بيع الذمة أو الرضا بالقهر. ولما كان ذلك يتطلب اتفاق القول والعمل مع الوجدان، فإن النهي عن المنكر بالقلب يحرس الإنسان من الوقوع في النفاق وقول ما لا يؤمن به، أو في الممالأة وفعل شيء لا يرضى عنه، ويحرسه من التصفيق والتهليل أو المداهنة والمجاراة، وحتى لا يكون الناس على دين ملوكهم.٩ ولكن تنشأ من ذلك صعوبتان؛ الأولى: هي استعمال العنف ضد الأمة أفرادًا أو جماعات، وهو العنف الذي يصل إلى حد القتال والدخول في المعارك بالآلاف؛ وبالتالي شق الأمة وإشعال حرب أهلية داخلية طاحنة. والثانية: قتال من ضد من؟ هل تُقاتل عامة الناس وحدهم، أو علماء الأمة وحدهم، أم عامة الناس بقيادة علماء الأمة وحدهم، أم بظهور إمام جديد عادل؟ وهل العامة أو العلماء أو الإمام الجديد الخارج يقوم كلٌّ منهم بتغيير المنكر بيده، أم تكفيهم النصيحة ويُوكَل الأمر إلى الإمام؛ أي إلى السلطة الشرعية لتغيير المنكر، فيكفيهم البلاغ والإعلان؟ وضد من سيقع القتال؟ ضد مُرتكبي المنكر من عامة الناس، أو من العلماء ضد الإمام الذي عُقدت البيعة له ولم يستمع لنصح؛ وبالتالي تجوز الثورة عليه؟ ألا يكون ذلك مدعاة للخروج المستمر على السلطة الشرعية، وتفتُّت الأمة وتشرذمها، وإشاعة الفوضى في البلاد؟ ونظرًا لهاتين الصعوبتين يمكن قلب طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبداية بالتغيير بالقلب؛ أي بعقد العزم والنية على القسط بالحق، والإبقاء على صفاء النفس، وإخلاص الضمير دونما تهاون أو مُداهنة أو نفاق، فيصبح المسلم بسلوكه واعتقاده اعتراضًا مجسَّمًا ورفضًا مشخَّصًا لما يراه أمامه من منكر. وهو نوع من المقاومة السلبية للظلم يؤتي ثماره إذا ما شاع وانتشر، فإن لم يفلح فالتغيير بالقول واللسان. ويظل طريق التغيير النصيحة والإرشاد، والإعلان عن الحق في مواجهة الباطل، وإنما بقاء الباطل في غيبة الحق عنه. فإذا ما تراكمت الأقوال وعمَّ الوعي وانتشر الحق، فقد يحدث التغيير الفعلي، فالكلمة فعل، والقول أثر. فإن لم يحدث التغيير لم يبقَ إلا اليد؛ أي التغيير بالقوة بعد استنفاد كل الوسائل السلمية الممكنة. ومع ذلك تنشأ صعوبتان أُخريان؛ الأولى: الاتهام بالطاعة العمياء للإمام، والتسليم بالأمر الواقع، وإيثار الطاعة على الخروج، والرضا على الثورة؛ مما يؤدي إلى القعود عن نصرة الحق. والثانية: ما العمل في الإمام الجائر وحكم البغاة؟ هل يكفي في ذلك النهي عن المنكر بالقلب ثم باللسان ثم باليد، أم أن مقاومة البغي بالفعل فرضٌ شرعي؟ لم يكن هناك مفرٌّ إذن من التسليم بأن طاعة الإمام مشروطة بطاعته للشريعة، فلا طاعة في معصية. ومن قاتل دون ماله فهو شهيد، ومن قاتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قاتل دون مظلمة فهو شهيد. ولا يكفي أن يكلم الإمام الباغي، بل يجب أن يُخلَع، فإن لم ينخلع وحب خلعه وسلُّ السيوف إذا اقتضت الضرورة؛١٠ لذلك وجب قتال البغاة باعتبارهم أعداءً للأمة، مثلهم مثل الكفار. قد يُتبَع من يُولي منهم، ويُجهَز على جرحاهم أو تُغنَم أموالهم، وقد يُغنَم ما في عسكرهم فقط دون أتباعهم الذين لا يُقاتلون. وقد يُقتلون غيلةً إذا كان في ذلك خلاص الأمة لدرجة شهادة الزور عليهم واستباحة نسائهم، وقد لا يُقتلون إلا نزالًا ومواجهة وقتالًا. وقد لا يُدفَن قتلاهم أو يُكفَّنون أو يُصلَّى عليهم، وقد يُدفَنون ويُكفَّنون ويُصلَّى عليهم. إلى هذا الحد وصل قتال البغاة.١١ ويتجاوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل الأمة إلى خارجها، ويلحقان بجهاد الكفار. والجهاد قسمان: جهاد بالدعوة إلى الدين، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب وباللسان؛ وجهاد بالسيف، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد. فالدعوة إلى الإسلام تسبق القتال، وواجبة قبل النزال، حتى تستسلم الأمم فتقبل الإسلام، أو تعلن الاستسلام وتكون أمةً مستقلة داخل الأمة الكبرى تتعاون معها على البر والتقوى دون الإثم والعدوان. والجهاد بهذا المعنى فرض عين لا فرض كفاية، كلٌّ حسب طاقته ووسعه، جهادًا بالقلم أو جهادًا بالسيف. ولا جهاد قبل تبليغ الدعوة وبلوغ الإسلام إلى الناس، وتُقام عليهم الحجة، فإن قُوتلوا قبل ذلك وقُتلوا وجبت الدية لديهم. الجهاد حركة في الخارج وليس عكوفًا على الباطن، وانتشار في العالم وليس انقلابًا للداخل، ثورة في الواقع وليس مجرد تغير في الروح المجرد الفارغ من أي مضمون.
أما الجهاد مع أصحاب المذاهب والفِرق المخالفة في الرأي فلا يكون إلا بالحِجاج حتى يُنصَر الرأي ويظهر الحق، «أشدَّاء على الكفار، رُحماء بينهم».١٢

(٢) متى تجوز طاعة الإمام ومتى يجوز خلعه أو الخروج عليه؟

ما دام الإمام قد تمَّت بيعته بناءً على اختيار وعقد فإنه يكون مُطاعًا، وطالما التزم بشروط البيعة من طرفه التزمت الأمة بشروط العقد من طرفها؛ من جانبه تنفيذ الشريعة وتطبيق أحكامها، ومن جانبها الطاعة له. فطاعة الأمة للإمام ليست مطلَقة، بل مشروطة بتنفيذ شروط العقد، والعقد شريعة المُتعاقدين، فإذا ما نقض الإمام البيعة فإنه يكون قد نقض العهود والمواثيق التي أخذتها الأمة عليه، ويكون نقضه للبيعة بجوره وظلمه وبغيه أو بعدم تنفيذ أحكام الشريعة. وفي هذه الحال يتم خلعه؛ أي سحب البيعة وإعادة الاختيار وفسخ العقد. فإن لم ينخلع على طلب من الأمة أو يخلع نفسه، فإنه يجوز الخروج عليه ومقاتلته بالسيف بناءً على ضرورة قتال أهل البغي وفُساق الأئمة.

(٢-١) طاعة الإمام

إذا كانت طاعة الإمام مشروطةً غير مطلقة، فإنها لا تجوز إلا في حالة التزام الإمام بعقد البيعة الذي ينص على تطبيق أحكام العدل وتنفيذ الشريعة ومقاتلة الأعداء والذب عن البيضة، ويتطلب ذلك تحقيق مقاصد الشريعة وضرورياتها التي من أجلها وُضعت الشريعة ابتداءً؛ المحافظة على الدين والنفس والعقل والعِرض والمال. وقد يُزاد مقصدٌ سادس هو الإنسان الجامع لكل هذه المقاصد. وتستلزم طاعته دفع الزكاة إليه؛ أي إن الالتزام السياسي بالنظام يستلزم التزامًا اقتصاديًّا به. طاعة الإمام إذن لا تجوز على الإطلاق بالرغم من استقرار ذلك في وعينا القومي نظرًا لأنه التراث الغالب، والذي استقر بعد أن حُسمت الاختيارات في اختيار تراث السلطة، وأصبحت الطاعة من طرف واحد، من طرف الرعية التي تستلزم بالعهود والمواثيق وعقود البيعة والمحافظة على ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين، دون أي التزام مقابل من جانب الإمام، حتى لو عصى الإمام وفسق وجار فإن طاعته تظل واجبة! ولا تملك الأمة إلا الدعاء له بالهداية والنصح له بالرشاد، فإن لم يتغير شيءٌ تزداد الدعوات دعوةً أخرى، دعوى المظلوم على الظالم، ودعوى الرعية على الإمام، والله مُجيب دعوات المظلومين. وتستلزم طاعة الإمام محبته والاقتداء به، بصلاحه تصلح الأمة، وبفساده تفسد الأمة. فالتغيير يأتي من فوق، والأمة مجرد تابع ومقلِّد لإمامها. العلاقة بين الإمام والرعية إذن علاقة تقليد واتحاد، لا علاقة تمايز واختلاف. ليس أمام الأمة إلا الصبر على جور السلطان وعدم الخروج عليه بالسيف مهما جار وظلم، وطغا وتكبَّر! بل لا يجوز الخروج عليه حتى ولو فسق وعصى وكفر. يكفي الإمام أن يكون ظاهر الإسلام، مُقيم الصلوات، يأتي المساجد، مُصلي الجمعة والعيدين!١٣ لا ينعزل الإمام بالفسق والجور؛ لأنها شروط في البداية عند عقد البيعة، وليست شروطًا في النهاية حين الالتزام بها. وكأن الإمام مُخادع كاذب لا يلتزم بالشريعة إلا من أجل البيعة فحسب طمعًا في الإمامة، وهو ضد العدل ظاهرًا والورع باطنًا، وكأنه مُحتال على الناس ينوي الغدر بهم. والحجة في ذلك هي الواقع التاريخي؛ فقد انصاعت الأمة لأئمة الجور والفسق ولم تخرج عليهم بعد الخلفاء الراشدين؛ مما يدل على أن طاعة أئمة الجور كانت أقرب إلى تبرير الأمر الواقع منها إلى التنظير والتأصيل له. وقد تُثار حجة أن عزل الإمام أو الخروج عليه مدعاة لإثارة الفتنة وإحداث الهرج وإضعاف لشوكة الأمة، وهي حجة التسليم بالأمر الواقع والخوف من التغيير، حجة استتباب النظام والأمن في مواجهة قُوى التغيير والثورة. وما أكثر الحجج النقلية التي يمكن انتقاؤها لإثبات وجوب طاعة أئمة الجور، وما أكثر الحجج النقلية المضادة لإثبات ضرورة خلعهم أو الخروج عليهم. وطالما استتبَّ الأمن، واستمر أئمة الجور في الحكم، استمر تراثهم النقلي في السيادة والانتشار حتى يصبح هو التراث الوحيد في وعي الأمة. وطالما تُضطهد المعارضة وتُستبعد من الحياة السياسية العامة، يختفي تراثها ويصبح في طي النسيان. لا يُسمح بالعصيان إلا في الحرام والمكروه، مثل ترك الدخان في الأسواق والمقاهي؛ أي في أمورٍ لا تعمُّ بها البلوى ذرًّا للرماد في العيون، وتملُّقًا لأذواق العامة. أما في الظلم والجور والنهب والسرقة واغتصاب الحقوق، فالطاعة واجبة!١٤ ولما كان هذا الموقف طائفيًّا صرفًا يُبرر النظام القائم، كان من الطبيعي أيضًا أن يحدث رد فعل عليه من الفِرق الأخرى، فِرق المعارضة، من أجل تغيير النظام القائم بالسلاح نفسه. فقالت بطاعة إمامها الخاص الذي يخرج بالسيف على أعدائها دون أن تتبرأ من القاعدة عن نصرته. فطاعة الإمام من طاعة الله ضد أن تكون طاعة الله من طاعة الإمام، إذا آمن الإمام آمنت الرعية، وإذا كفر الإمام كفرت الرعية، وهو الوضع نفسه في النظام القائم وتراث السلطة، إلا أن هذه المرة من فِرق المعارضة وتراث المعارضة.١٥ والحقيقة أن الواقع التاريخي بقدر ما يكون البعض منه مع طاعة الإمام فإن كثيرًا منه مع الخروج عليه. وإذا كانت طاعة الإمام واجبة على الإطلاق بلا شروط، فلماذا قُتل خلفاء من الأربعة الراشدين، أي من داخل نظام السلطة، وليس فقط استمرار الثورات من داخل المعارضة بكل فِرقها الداخلية والخارجية، السرية والعلنية؟
وقد يبلغ حد طاعة الإمام إلى قبول الإمام الجائر وحكم الباغي! فالعقد والاختيار يكون فقط في البداية لا في النهاية، طريقًا للبيعة يفعل الإمام بعدها ما يشاء! أما إذا بغا الإمام وطغا بعد ذلك فتظل البيعة الأولى قائمة. فإذا ما تغلَّب إمامٌ آخر عليه بالقهر دون بيعة فإنه يظل إمامًا ما دامت تتوافر فيه بعض الشروط العادية مثل الإسلام والعقل، غلبةً بغلبة، وبغيًا ببغي، بل قد لا تلزم بعض الشروط العادية الأخرى مثل الذكورة أو البلوغ. وعلى هذا النحو يتم التشريع لحكم الطغيان ولأمراء العسكر وسائر الجند، كلٌّ ينقض على الحكم ويُنصب نفسه إمامًا. وقد كان الأمر في البداية مجرد تبرير لحكم البغاة وأئمة الطغيان، ثم تحوَّل التبرير إلى تأصيلٍ نظري مستقلًّا عن الواقع التاريخي الأول، حتى أصبح يخلق واقعه الخاص، ويُفرز أئمةً بغاة وحكامًا طغاة.١٦ إن أقصى ما يمكن للإمام عمله فيما إذا أخطأ أن يرجع إلى الصواب ولا يُمضي حكمه، سواء كان ذلك مقرونًا بتوبة أو بدونها. وكأن الخطأ في الحكم مجرد خطأ فردي يعود على الحاكم نفسه دون أن تكون له آثاره على باقي الأمة حربًا أو سلمًا، غنًى أو فقرًا. كما أن مقاطعة الإمام تجاريًّا، وعدم الدخول معه في عقود بيع أو شراء، تجعل من الحاكم التاجر الأول والصانع الأول والزارع الأول، علاقته بالرعية علاقة مكسب وخسارة! يكفيه العزل الاقتصادي كمقدمة للعزل السياسي! وهكذا يتراوح الوضع بين الاستسلام للأمر الواقع وطاعة الإمام الجائر، وبين فسخ عقد البيعة والخروج عليه، وإلا إذا قضى الإمام بحكم جور في منطقةٍ كفرت الأمة كلها من أقصى الأرض إلى أقصاها.١٧ لقد ركَّز التراث على طاعة الإمام أكثر من تركيزه على الخروج عليه، وأقام علاقة الإمام بالرعية على الطاعة المطلَقة وعدم المعارضة، وعلى تلقِّي الأوامر وتنفيذها بلا مناقشة، وكأن البشر آلاتٌ صمَّاء مهمتهم التنفيذ كما هو الحال في الجماعات السرية والنُّظم العسكرية والأنظمة التسلطية، وهو قضاء على استقلال الشخصية ودور العقل وحرية الفرد ما دامت علاقة الإمام بالرعية علاقة تسلط وقهر من طرف، وتبعية وخضوع واستسلام من الطرف الآخر. وكثيرًا ما كان يُخفي تأليه الإمام استغلاله للأمة ما دامت تعتقد في ألوهيته وعصمته وشرعية ما يفعله، وتوجب له السمع والطاعة، وكأن تأليه الإمام كان له هدف سياسي، وهو طاعة الأمة وتبعيتها له. بل لقد أعطى الإمام لنفسه الحق في مطاردة خصومه السياسيين لدرجة قتالهم باعتبارهم أهل الضلالة، واستئصالهم من جسد الأمة؛ فبدلًا من قتال أئمة البغي يُقاتلون هم مُعارضيهم والخارجين عليهم، وتتحول طاعة الأئمة إلى إرهابهم للناس من أجل السيطرة عليهم. ويُتَّهم كل من يخرج على الإمام بأنه خارجي بما تحمل من معاني العصيان والخروج على القانون، كما هو الحال في الحركات الإسلامية المعاصرة.١٨

(٢-٢) خلع الإمام

إذا لم يتم فسخ عقد البيعة نظرًا لنقض الإمام له بعد عقده وبيعة الناس له، وجب خلعه. وللناس أن يخلعوه إذا ما أخلَّ بأمور الدين وأهمل أحوال المسلمين، وهو ما لأجله أُقيمت الإمامة. لا يُعزَل بالفسوق والفجور فقط، أو بإطباق الجنون عليه، أي بصفاتٍ شخصية، بل لإضراره بمصالح المسلمين وظلم الناس وممارسة صنوف التعسف والجور ضدهم وتبذير الأموال. إن كفره وترك صلاته أمورٌ يُحاسَب عليها في الآخرة، أما في الدنيا فإنما يُحاسبه الناس على الظلم واغتصاب الأموال وضياع الحقوق. فإذا استعصى خلعه لقوة شوكته أو لقلة حيلة الناس وضعفهم، فعليهم ارتكاب أدنى المحظورين واختيار أخف الضررين، طاعة الإمام الباغي أو خلعه، وما يترتب على ذلك من الخروج عليه والدخول في معركةٍ غير مُتكافئة معه. فإذا ما اختارت الأمة الطاعة لأنها أهون الشرين، كانت بمثابة المُكرَه على فعل شيء لا ترضاه، وليس على المكره حرج. إذا كان وجوب العزل لسببٍ افتراضي مثل وقوع الإمام في يد الأعداء، فإن عزله أوجب لسببٍ حقيقي، وهو ظلم الرعية والتعسف بها. لا يوجب عزله ظهور من هو أفضل منه، وذلك لجواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، ومع ذلك يوجب عزله إذا لم يُحسن المفضول استخدام القدر من العقل لرعاية شئون الرعية. وقد يكون من الأكرم للإمام المخلوع أن يخلع نفسه بنفسه دون انتظار خلع الناس له إذا ما شعر بعجزه عن تدبير شئون الرعية.١٩

(٢-٣) الخروج على الإمام

ومع ذلك يجب الخروج على الإمام إذا ما عصى وظلم، ولم يقم بشروط العقد من طرفه، ولم يسمع لنصيحة أو لأمر بمعروف أو لنهي عن منكر، ولم يخلع نفسه، ولم يستمع لخلع الناس له. هنا تجب الثورة عليه وإزاحته عن الحكم كفريضةٍ شرعية ما دام قد عطَّل وظيفة الإمامة. فالخروج على السلطان الجائر فضيلة، ولا يجوز الخروج السري، بل يجب الخروج العلني أمام الناس وعلى رءوس الأشهاد لاسترداد الحقوق وإقامة العدل،٢٠ بل قد تتحول السلطة ذاتها إلى محرم؛ وبالتالي يتم تكفير كل من لابس السلطان أو جالسه أو عمل معه، فالسلطة مَفسدة، وضياع لطهارة القلب ونقاء الضمير.٢١ وإذا كان الخروج لا يتم إلا مع إمام، فلأن كل ثورة في حاجة إلى قيادة، وإلا كانت فورةً هوجاء بلا تنظيم أو ترشيد. كما أن الإمام لا يخرج بمفرده دون ثورة من الناس على الإمام الظالم ينشأ الإمام من داخلها. وثورة الأئمة بمفردهم دون الرعية تكون أقرب إلى التمرد منها إلى الثورة. فإذا كان التمرد يتم من أجل استرداد حق الإمام الشرعي ضد الإمام المغتصب، فإن ثورة الرعية تتم باسم حق الأمة ضد البغي والظلم.٢٢
وكما لا يصح الخروج بلا إمام، فإنه لا يصح أيضًا بلا جماعةٍ قادرة على إنهاء حكم البغي وإقرار حكم العدل، وإلا فما العمل لو تم الخروج على السلطان مع جماعة قليلة وقتلته، ثم لم يتحرك الناس فاضطروا إلى حملهم عنوةً على البيعة، وإلا قاتلوهم؟ ولماذا تكون الجماعة بعدد أهل بدر؟ وهل هو عددٌ صالح في كل الأحوال دون النظر في النسبة القائمة بين الأقلية والأغلبية؟ وهل يكفي أي عدد؟ وما هو أقل عدد ممكن يستحيل الخروج بأقل منه؟ أم لا بد على الأقل من عددٍ مُتساوٍ لنصف أهل البغي، مائة بمائتين، والألف بألفين؟ ولكن لماذا لا يكون أقل من ذلك، والحق دائمًا مستضعَف، والعشرون بمائتين؟ ما يهمُّ في ذلك هو ضمان نجاح الثورة بتحقيق شروطها في التنظيم والقيادة والجماهير.٢٣ وقد لا يجوز الخروج إلا إذا بدأ السلطان بالعدوان، وأراد إجهاض الثورة قبل اندلاعها، والإجهاز عليها قبل بدايتها، ووأدها في مهدها، واستعان بالأعداء، وتعاون معهم ضد أمته. حينئذٍ يجب قتال السلطان.٢٤ ويتحول الأمر من صراع للنظام السياسي وقمة السلطة المُتمثلة في الإمام إلى صراع المجتمع بأكمله، فتكون الدار دار حرب وليست دار إيمان. فالدعوة إلى عدم الخروج تؤدي إلى اعتبار الدار دار إيمان، ثم تندرج الدعوة شيئًا فشيئًا طبقًا لمقدار الرغبة في الثورة ضد البغي. فقد تصبح مجرد دار فسق أو دار كفر نعمة أو دار كفر عندما لا يتم إنكار، وتتوقف ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو دار كفر وشرك وهي على الضد من دار الإيمان. وقد يتم التوقف في ذلك كله وتصبح مجرد دار هدنة.٢٥ وبالرغم من هذا التدرج يظل التقابل بين دار الإيمان ودار الكفر، ودار الإيمان للنفس ودار الكفر للآخر المخالف. وقد تكون هذه القسمة بداية السقوط في التاريخ والانهيار في الزمن. وتُشَق وحدة الأمة بعد أن اعتبر فريقٌ نفسه على حق وداره دار الإيمان، والمُخالف له على باطل وداره دار الكفر. فالفرقة دارها دار إيمان؛ والفرقة الضالة، وهم أهل الأهواء، دارهم دار كفر. وتتراوح العلاقة بينهما بين علاقة السلم وعلاقة الحرب. فطالما أن أهل الأهواء لا يُحاربون الفرقة الناجية تقابلها سلمًا بسلم وهدنةً بهدنة، ويكون لأهل الأهواء حقهم في الفيء وارتياد المساجد. وإن غلبت الفرقة الضالة في مكان، ولكن كان للفرقة الناجية حريتها في العبادة وحرمتها في البلاد، فإن الدار تكون دار إيمان، اللقيط فيها لا يسترق. أما إذا كانت الفرقة الناجية مضطهَدة، فالدار دار حرب، واللقيط فيها يسترق، والغنيمة فيها فيء. تحرم ذبائحهم ونكاح نسائهم، وتوضع عليهم الجزية مثل المجوس. وقد يُعتبرون مرتدِّين لا تُقبَل منهم الجزية، ولا تجوز إلا سرقاتهم. والشاكُّ في كفرهم كافرٌ مثلهم، وإن اعتبروه مجرد ضلالة فقد لا يكفر. ومع ذلك تجوز مبايعة أهل الأهواء، وإجراء عقود المعاوضة معهم؛ لأن قتلهم بعد الامتناع عن التوبة من واجب السلطان وحده. وأهل الأهواء مثل أهل الحرب، تجوز مبايعتهم بالرغم من وجوب قتالهم، إنما الخلاف في جواز إقامة السيد الحد على العبد. وكأن السيد بالنسبة للعبد بمثابة السلطان بالنسبة للرعية، وهو قياسٌ باطل.٢٦ والحقيقة أن هذا التقابل بين الفرقة الناجية والفِرق الضالة هو خلافٌ سياسي صرف بين السلطة وهي الفرقة الناجية، والمعارضة وهم أهل الأهواء أو الفِرق الضالة. وتتحدد العلاقات بينهما طبقًا للصراع على السلطة، وكل فريق يُشرع لحقه مستعملًا العقائد كأيديولوجيات، إما لتثبيت النظام القائم كما تفعل السلطة، أو لزعزعته والقضاء عليه كما تفعل المعارضة. وهنا تبدو العلاقة الوثيقة بين علم أصول الدين وعلم أصول الفقه، بين العقيدة والشريعة؛ فكل العقائد والتشريعات إنما هي لنصرة فريق ضد الفريق الآخر، فالفِرق الضالة بالنسبة للفرقة الناجية، أي المعارضة في رأي السلطان المتشددة، فِرقٌ ضالة، أهل أهواء، أقرب إلى المجوس وأهل الكتاب منهم إلى المسلمين، يُقاتَلون، ويُسترقون، ويُغنمون، تحرم ذبائحهم ونساؤهم، وتؤخذ منهم الجزية. وقد يكون الأمر أخف من ذلك إذا ما كانت السلطة أقرب إلى اللين. وتشتدُّ السلطة عندما تشعر بالخطر، وتلين عندما يبتعد الخطر وتشعر بالأمان، والشك في هذا الصراع إنما هو في صالح أهل الأهواء؛ وبالتالي فلا حياد بين السلطة والمعارضة، ولا احتمال للمصالحة الوطنية. ومع ذلك، وحفاظًا على المصالح الاقتصادية للدول، يمكن عقد المبايعات مع المعارضة والدخول في مظاهر النشاط التجاري معها؛ فالخلاف السياسي يتوارى أمام المصالح الاقتصادية. يظل الصراع إذن بين دارين؛ الإيمان والكفر، السلم والحرب، الإسلام واللاإسلام، باستعمال سلاح الدين وإضفائه على الخلاف السياسي. وكأن دار الإيمان مجتمعٌ واحد لا خلاف فيه ولا تمايز ولا صراع بين طبقاته، وكأن الصراع على السلطة والحفاظ عليها يجبُّ ما دونه من خلافات، هو التناقض الرئيسي، وما دونه تناقضاتٌ ثانوية. فإذا ما لانت السلطة في مواقفها تجاه المعارضة، فإن المعارضة تُقابلها لينًا بلين، فلا تُراق دماء الأمة ولا تُغنَم أموالهم ولا تُسبى ذراريهم بالرغم من الحكم على المعاصي بالكفر. لا تكفر القعَدة، وتكون الهجرة مجرد فضيلة لا فرضًا؛ وبالتالي يخفُّ الصراع على السلطة، ويقلُّ الدافع النفسي، ويحكم العقل. فما زال في الأرض متَّسَع للجميع.٢٧ وكان من الطبيعي أن تُقابل المعارضة السلطة عداوةً بعداوة، وتكفيرًا بتكفير، ورفضًا برفض؛ فالسلطة كافرةٌ مشركة، السيرة فيهم السيرة مع الكفار والمشركين، لا تعامل معها إلا بالسيف. يُستولى على الأموال وتُسبى النساء. وكما تتشدد المعارضة مع السلطة تتشدد مع نفسها في العبادات، ويُقاتل النساء مثل الرجال، والكل أصحاب خيل وشجاعة. أهل السلطة إذن مشركون ودارهم دار حرب. وكلما زاد التشدد مع النفس ومع الآخر حدث الانقسام في صفوفها، وزاد التشرذم، وكفَّر كل فريق الفريقَ الآخر، ويقع الجميع في «الطفولة اليسارية» أو الطهارة الثورية، حتى تصبح الثورة بلا ثوار، بلا أئمة وبلا جماعة.٢٨ وقد يظهر الاعتدال من بعضهم فلا تُستحلُّ الأموال ولا تُسبى النساء، ويصبح المخالفون لهم كفار نعمة لا كفار شرك، يستمرُّون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتعبير عن العدل والتوحيد.٢٩
فإذا ما ظهر الاتجاه المُتشدد في المعارضة يكفر القعَدة عن القتال من مُوافقيهم وكل من لم يُهاجر إليهم، وقد يتم امتحان الولاء لهم فيمن هاجر إليهم. ويُقتَل المخالفون نساءً وأطفالًا، ويُوالى اليهود والنصارى والمجوس دون مُخالفيهم من المسلمين، فالعداء بين الإخوة أعتى وأشرس من الخلاف العقائدي بين الأمم. ويستمر الخروج ولا يتوقف إلى نهاية الزمان، فلا مجال للمصالحة أو الاتفاق مع الخصوم. دار السلطة دار كفر، دار المعارضة دار إيمان، ولا مصالحة بين الدارين، بقاء أحدهما مشروط بفناء الآخر. ولما كان حكم الكفر اغتصابًا، فإن حكم الإيمان قادم لا محالة، وذلك مرهون باستمرار الخروج والثورة. وارتكاب الكبيرة من مُوافقيهم كفر، والشك في أقوالهم خاصةً بعد موت القائلين بها كفر. فالأخذ بالشدة تقوية للصفوف وشحذ للعزيمة وشرط للنصر، لدرجة قتل المؤمن الأسير من مُخالفيهم وإلا قُتل!٣٠ وإذا ظهر الاتجاه الأقل تشددًا والأكثر لينًا، رغبةً في المصالحة والحفاظ على وحدة الأمة، وهو ما يكشف عن تكوينه الإنساني العادي، واتجاه الآراء والمذاهب في المجتمعات، فقد لا يتم التبرؤ ممن يرجع عن رأيه. وقد لا يحدث اعتراض بالسيف على الناس، بل قتال للحكام الذين يكونون فقط من أئمة الجور. وقد يحدث القتال بالسيف وبغيره، أي بشتَّى وسائل المقاومة، لمنع أئمة الجور وإبعادهم عن الحكم، والتفريق بين عسكر السلطان ورعيته المغلوبة عن أمرها. فإذا كان عسكر السلطان دار حرب فإن الرعية المغلوبة على أمرها دار أمان. ولا يؤخذ «المدنيون» بجريرة العسكريين؛ فالمُخالفون كفار وليسوا مشركين، لا تجوز مناكحتهم وغنيمة أموالهم وسلاحهم وكراعهم إلا في حالة الحرب وحدها دون وقت السلم. يمكن استتابتهم من تنزيل أو تأويل فيما يسع جهله أو غيره. لا يُتبَع المُدبِر منهم في الحرب، ولا يُقتَل منهم امرأة أو طفل. سَبْيهم في السر غيلة لا يتم إلا بعد نصب القتال وإقامة الحجة، دماؤهم في السر حرام، وفي العلن حلال. وقتل الأبوين حرام في دار التقية ودار الهجرة.٣١ وقد يتحول العداء في الموقف إلى عداءٍ مبدئي، كما يتحول العداء للآخر إلى عداء للذات، إلى كراهية النفس والتقتيل لها، كما يتحول تكفير الناس إلى كفر بالنفس وزهق من العيش وكفر بالحياة، ويتحول الموقف من صراع سياسي في البداية إلى أزمةٍ نفسية في النهاية، مثل الجماعات الإسلامية المعاصرة، ثورة على الناس، وكراهية للعالم، ورفض للمجتمعات، ورغبة في القيادة دون جماهير، وحب في الاستشهاد. وعلى هذا النحو يسهل تشويه صورتهم دون فهم سلوكهم، فيضيع الهدف الأول وهو القضاء على أئمة البغي، وتنشأ أهدافٌ فرعية مثل الانتقام من الناس وتدمير كل شيء، حتى ينتهي الأمر إلى تدمير النفس. ويصل الأمر إلى قتل الأسرى، وحرق الخصوم، واستحلال كل شيء، ما دام في ذلك تفريج عن النفس وتخفيف عن الهم؛ فرؤية النار تُخفف عمن يحترق بها. ولن تسلم النساء من السبي، ولا الأطفال من القتل. وما دام الأمر كذلك سهل على خصوم الأمة تقوية هذا التدمير للآخر وللنفس. وتنتهي الثورة بأن تفرغ من مضمونها، ويلحق الثائر بالنور الأعلى، ويغرق في الوهم.٣٢ ولعبت التناقضات الرئيسية على التناقضات الثانوية، وأطلَّت الشعوب المغلوبة برأسها من جديد تُناصر فريقًا على فريق، وتزيد النار جذوة، والقتال اشتعالًا.٣٣ ولا فرق في ذلك بين المعارضة العلنية الانفعالية في الخارج والمعارضة العقلية في الداخل، كفر بالآخر وكفر بالنفس.٣٤
١  هذا هو موقف المعتزلة كما عرضه القاضي عبد الجبار في الأصل الخامس (الشرح، ص١٤١–١٤٨، ص٨٢٩–٧٤٩؛ فصل الإمامة، ص٧٤٩–٧٦٨). وقد اتَّصل بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكلامُ في الإمامة، ووجه اتصاله بهذا أن أكثر ما يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقوم بها إلا الأئمة (الشرح، ص٧٤٩؛ التنبيه، ص٣٦). ولجعفر بن المبشر كتابٌ خاص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الانتصار، ص٨١). وهو أيضًا موقف الزيدية، إذ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقولون بالعدل والتوحيد والوعد والمنزلة بين المنزلتين (التنبيه، ص٣٤-٣٥).
٢  الأمر هو قول القائل لمن دونه في الرتبة «افعل»، والنهي «لا تفعل». والمعروف كل فعل عرف فاعله حسنه أو دل عليه؛ ولهذا لا يُقال في أفعال القديم معروف (الشرح، ص١٤١). والمنكر كل فعل عرف فاعله قبحه أو دل عليه. ولا يُقال ما وقع من الله منكر لأنه لا يعرف قبحه أو دل عليه. المقصود ألا يضيع المعروف وألا يقع المنكر (الشرح، ص١٤٨).
٣  المعروف على قسمين؛ واجب وليس واجبًا. الأمر بالواجب واجب، وبالنافلة نافلة (أبو علي)، وبالمندوب مندوب (الشرح، ص١٤٦، ص٧٤٥). والمنكر كله في بابٍ واحد في وجوب النهي عنه لقبحه عند استيفائه الشروط، لا فرق بين صغيرة وكبيرة (الشرح، ص١٤٦-١٤٧).
٤  المناكير قسمان: (أ) ما يختص به، وهو قسمان: (١) ما يقع به الاعتداد، فقير ليس إلا درهم يُغصَب منه منهيٌّ عنه عقلًا وشرعًا؛ من جهة العقل لأنه دفع الضرر، ومن جهة الشرع لقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. (٢) ما لا يقع به الاعتداد، غني مثل قارون يُغصَب منه درهم لا يُنهى منه عقلًا ويجب شرعًا. (ب) ما يتعداه يجب النهي عنه عقلًا وشرعًا (أبو علي)، وشرعًا دون عقلًا (أبو هاشم) إلا في موضعٍ واحد، وينقسم قسمين: (أ) ما يقع الاعتداد به يجب النهي عنه شرعًا وعقلًا إن لحِق صاحبَه به ضرر. (ب) ما لا يقع الاعتداد به شرعًا (الشرح، ص١٢٤–١٤٥، ص٧٤٥-٧٤٦). المناكير قسمان: (أ) يتغير حاله بالإكراه، ما يقع عليه ضرره فقط، يجوز فيه الإكراه إلا كلمة الكفر، فهي في حاجة إلى نية (أكل الميتة وشرب الخمر). (ب) لا يتغير حاله بالإكراه الذي يتعدى ضرره إلى الغير (القتل والقذف)، فذلك لا يجوز إلا في المال؛ إذ يجوز إتلاف مال الغير بشرط الضمان (الشرح، ص١٤٥). المناكير ضربان؛ عقلية وشرعية: (أ) العقليات (الظلم والكذب)، والنهي عنه واجب لا يختلف الحال فيها. (ب) الشرعيات ضربان: (١) ما للاجتهاد فيه مجال (شرب المثلث)، يُنظَر فيه حال المكلَّف يعتبره حلالًا (حنفي) أم حرامًا (شافعي). (٢) ما لا مجال للاجتهاد فيه (السرقة والزنا والخمر)، النهي عنه واجب لا يختلف فيه الحال (الشرح، ص١٤٧). المنكر إذا كان من باب الاعتقادات، لا فرق بين أن تكون من أفعال القلوب أو أفعال الجوارح، فإنه يجب النهي عنها لقبحها. أما إذا كانت أفعال القلوب غير معروفة فلا يُنهى عنها. أما إذا تم الاطلاع عليها فيجب النهي عنها (الإرشاد، ص٣٦٨–٣٧٠).
٥  أوجبه قوم، ومنعه آخرون. تابع للمأمور؛ الأمر بالمعروف واجب، وبالمندوب مندوب (المواقف، ص٤٢٤). واجبان بالإجماع على الجملة، منعه الروافض لأنه موقوف على ظهور الإمام (الإرشاد، ص٣٦٨–٣٧٠). فريضةٌ صِنو الإيمان (الرسالة، ص١٧٨–١٨٠). وقد قيل شعرًا:
وليس أن الأمر بالمعروف
والنهي فرضان بلا تزييف
دونهما لم يستطع قيام
بمقتضاهما فلا انتظام
الوسيلة، ص٩٩
٦  الخلاف في الوجوب سمعًا أو عقلًا. عند أبي علي سمعًا وعقلًا. لو لم يكن الوجوب عقلًا لكان مُغريًا بالقبيح (الشرح، ص٧٤٣-٧٤٤). وعند أبي هاشم سمعًا إلا في موضعٍ واحد، وهو أن يُشاهد واحدًا يظلم غيره فيلحق قلبَك بذلك مضض وضرر، فيلزمك النهي عنه دفعًا لتلك المضرة عن النفس (الشرح، ص٧٤٢). عند أبي هاشم، النهي عن المنكر يحسن عقلًا وإن لم يجب، كالدال على أنه في حكم الندب لأنه يستحق به المدح والتعديل (المغني، ج٦؛ التعديل والتجوير، ص٢٧).
٧  عند المعتزلة، هو واجب على جميع الناس وعلى جميع الأمم فرض (التنبيه، ص٣٦). باستثناء شرذمة من الإمامية، والدليل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (البيجوري، ج٢، ص١٠٢-١٠٣)، يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وكذلك حديث: «ليس لعينٍ ترى الله يُعصى فتُطرِق حتى تُغير أو تنتقل» (الشرح، ص٧٢١). ويؤيده الإجماع (الشرح، ص٢٤٢؛ عبد السلام، ص١٥٤؛ المطيعي، ص١٠٠). لا يتخصص بالولاة، بل ثابت لآحاد المسلمين (الإرشاد، ص٣٦٨–٣٧٠؛ البيجوري، ج٢، ص١٠٢؛ الجوهرة، ج٢، ص١٠٢). وهو على ضربين: (أ) ما لا يقوم به إلا الأئمة، كإقامة الحدود وحفظ البيضة وسد الثغور وتنفيذ الجيوش وتولية القضاة والأمراء. (ب) ما يقوم به كافة الناس (الخمر، الزنا). إذا كان هناك إمام فالرجوع إليه أولى (الشرح، ص٧٤٣). فرض كفاية بدليل: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (المطيعي، ص١٠٠). إذا ارتفع الفرض ببعض المكلَّفين سقط عن الباقين، فرض كفاية وليس فرض عين (الشرح، ص١٤٨).
٨  شرطان يجب بوجوبهما ويسقط بزوالهما: (١) أن يظن أنه لا يصير موجِبًا لثوران فتنة، وإلا لم يجب. وكذلك إذا ظن أنه لا يُفضي إلى المقصود، بل يستحسن حينئذٍ إظهار الشعار، الإسلام. (٢) عدم التجسس؛ لآيات: وَلَا تَجَسَّسُوا …، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ …، وحديث: «من تتبَّع عورة أخيه تتبَّع الله عورته، ومن تتبَّع الله عورته فضحه على رءوس الأشهاد الأولين والآخرين»، «من ابتُلي بشيء من هذه القاذورات فليسترها». وكان الرسول لا يتجسس على المنكرات، بل يسترها ويكره إظهارها (المواقف، ص٤٢٤). وهناك شروطٌ أخرى مُكملة، مثل: (٣) أن يعلم أن الأمر به معروف، وأن النهي عنه منكر، وإلا أمر بالمنكر ونهى عن المعروف، وغلبة الظن مقام العلم. (٤) أن يعلم أن المنكر حاضر. (٥) أن يعلم أن ذلك لا يؤدي إلى مضرةٍ أعظم منه منكر أكبر. (٦) أن يعلم أو يغلب على ظنه أن لقوله تأثيرًا. (٧) أن يغلب ظنه أو يعلم أنه لا يؤدي إلى مضرة في ماله أو في نفسه، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص (الشرح، ص١٤٣–١٤٦، ص٧٤١–٧٤٤؛ الإرشاد، ص٣٦٨–٣٧٠؛ البيجوري، ج٢، ص١٠٣؛ عبد السلام، ص١٥٤؛ المطيعي، ص١٠٠).
٩  فرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الأول يكفي مجرد الأمر به دون إلزام، أما النهي عن المنكر فلا بد من القول، ثم القول الخشن، ثم الضرب، ثم القتال (الشرح، ص٧٤٤-٧٤٥). وقد اختلفوا في إنكار المنكر والأمر بالمعروف بغير السيف إلى: (أ) بالقلب، فباللسان، فاليد، أما السيف فلا يجوز. (ب) باللسان والقلب وليس باليد (مقالات، ج٢، ص١٢٥-١٢٦). وقد اختلف الناس في مقدار التفسير باليد إلى: (أ) لا يُنكَر على أهل الصلاة إلا بالنعال والأيدي. (ب) وقال آخرون بالنعال والأيدي والكلام. (ﺟ) وقال فريقٌ ثالث بالقبض والسلاح. (د) وقال فريقٌ رابع لا يُنكر أحدٌ منكرًا إلا إذا اجتمع له عشرة آلاف رجل يُقيمون إمامًا يُقاتل معهم، وإلا لم يلزمه إنكار (التنبيه، ص٢٧). البداية مما قدر عليه. فإن لم يقدر فبأشد الأمور، فإن لم يقدر فبقلبه (التنبيه، ص٣٧-٣٨؛ الجوهرة، ج٢، ص١٠٢؛ البيجوري، ج٢، ص١٠٢). واختلف الناس في السيف على أربعة أقاويل: (أ) المعتزلة والزيدية والخوارج من المرجئة، واجبٌ إذا أمكن أن نُزيل بالسيف أهل البغي ونُقيم الحق. (ب) الروافض تُبطل السيف ولو قُتلت، حتى يظهر الإمام فيأمر بذلك. (ﺟ) أبو بكر الأصم، السيف باطل ولو قُتلت الرجال وسُبيت الذرية، وأن الإمام قد يكون عادلًا أو غير عادل، وليس لنا إزالته وإن كان فاسقًا، وأنكروا الخروج على السلطان ولم يرده (مقالات، ج٢، ص١٢٥).
١٠  اتفقت الأمة على وجوبه، واختلفوا في كيفيته إلى: (أ) أهل السنة، بالقلب فقط أو باللسان، ولا يكون باليد ولا بسلِّ السيوف. وعند أبي كيسان والأصم والروافض، لو قُتلوا كلهم لا يتغير ذلك إلا أن يخرج الناطق حتى يجب سلُّ السيف. واقتدى أهل السنة بعثمان والصحابة والقاعدين، ولكن إذا كان هناك فسقٌ وجب عندهم سل السيوف مع الإمام العادل. (ب) طوائف أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج، وجوب سل السيوف إذا كان ضرورة في دفع المنكر. وهو موقف عائشة وطلحة والزبير وأبي حنيفة ومالك والشافعي وداود (الفصل، ج٥، ص١١–١٥). لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في الطاعة، وعلى أحدكم السمع والطاعة ما لم يؤمَر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. من قُتل دون ماله فهو شهيد، والمقتول دون دينه فهو شهيد، والمقتول دون مظلمة فهو شهيد. «لَتأمرُنَّ بالمعروف وتنهُنَّ عن المنكر أو ليُعذبنكم الله بعذاب من عنده» (الفصل، ج٥، ص١٧). قال البعض: كيف تُباح الحريم، وتُسفك الدماء، وتؤخذ الأموال، وتُهتك الأستار، باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فيُقال: ما تقولون في سلطانٍ جعل اليهود أصحاب أمره، والنصارى جنده، وألزم المسلمين الجزية، وحمل السيف على أطفال المسلمين، وأباح للمسلمات الزنا، أو حمل السيف على كل من وُجد من المسلمين، وملك نساءهم وأطفالهم وأعلن العبث بهم، وهو في كل ذلك مُقر بالإسلام مُعلنٌ ربه لا يدع الصلاة؟ لا يجوز الصبر، يُكلَّم الإمام أولًا ولا يُخلع، فإن امتنع وجب خلعه (الفصل، ج٥، ص١٥-١٦). كان جهمٌ ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان مع ضلالته يحمل السلاح ويُقاتل السلطان (الفرق، ص١٢). وقُتل في آخر ملك بني أمية، قتله عمر وسالم ابن أحوز المازني (مقالات، ج١، ص٣١٢).
١١  واختلفوا في قتل البغاة على ثلاثة أقاويل: (أ) لا يُتبَع من يولِّي منهم، ولا تُغنَم أموالهم، ولا يُجهَز على جرحاهم. (ب) يُتبَع من ولَّى منهم، ويُجهَز على جرحاهم، وتُغنَم أموالهم. (ﺟ) يُغنَم ما في عسكرهم، أما لم يكن في عسكرهم من أموالهم لم يُغنَم (مقالات، ج٢، ص١٣٨-١٣٩). واختلفوا في قتل البغاة غيلةً بين مُثبت ونافٍ، وحلٍّ ثالث (عباد بن سليمان وقوم من الخوارج وغلاة الروافض) يقوم على الإثبات إذا لم يخف شيئًا، حتى استحلوا خنق المخالفين وأخذ أموالهم وإقامة شهادة الزور عليهم، واستباحوا الزنا بنساء مُخالفيهم (مقالات، ج٢، ص١٣٩). واختلفوا في دفن البغاة إلى: (أ) يُدفَن قتلاهم ويُكفَّنون ويُصلى عليهم، وإلا تُسبى ذراريهم. (ب) لا يُدفَنون ولا يُصلى عليهم ولا يُكفَّنون، وتُسبى ذراريهم (الخوارج) (مقالات، ج٢، ص١٣٩).
١٢  الجهاد قسمان: جهاد بالدعوة وجهاد بالسيف (المحصل، ص١٧٧). الدعوة إلى الإسلام قبل القتال (الكتاب، ص١٢). وجوب الجهاد مع أعداء الإسلام حتى يُسلموا لأنه تعاون على البر والتقوى، وفرض على كل الدعاة إلى الدين والإسلام (الفصل، ج٥، ص١٨-١٩). شرط الجهاد وأحكامه. الجهاد واجب مع أعداء الدين على حسب الوسع والطاقة، وأصله وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد مع أهل الكفر بالقتال إلى أن يؤمنوا بالله وكتبه ورسله، ويقبلوا دين الإسلام بكمال أركانه، أو يقبل الجزيةَ من يجوز لنا بذل العهد على الجزية. والجهاد مع أهل البدع بالحِجاج أولًا ثم بالاستتابة ثانيًا. ومن لم تبلغه دعوة الإسلام فلا يجوز قتله ولا أخذ ماله حتى يُدعى الإسلام وتُقام عليه الحجة، فإن قُتل قبل ذلك أوجب الأصحاب الكفَّارة الدية له. على الإمام سد الثغور وأفراد الجيوش، واستتابة أهل الردة وأهل البدع، وإقامة الحدود، وقسمة الفيء والغنيمة بين المستحقين. وإذا وقع النفير العام وجب على جميع المكلَّفين القيام به. ومتى قام بفرض الجهاد في ناحيةٍ بعض الناس سقط فرض غيره؛ لأن الجهاد من فروض الكفاية (الأصول، ص١٩٣-١٩٤). أما المباركية فإنهم لا يرون جهاد الكفرة (الفرق، ص٢٦٩).
١٣  تقول أهل السنة بطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين (الإبانة، ص١٢). يجب إطاعة الإمام على جميع الرعايا ظاهرًا وباطنًا فيما لا يُخالف الشرع … ومما ينبغي نصرة الإمام على أعداء الدين والمفسدين، ومحبته، ونصحه، والدعاء له بالصلاح والتوفيق والرشاد والنصر والسداد، فإن في صلاحه صلاح الأمة. وقد قال بعض السلف ما معناه: لو أُعطيت من الله دعوةً صالحة لجعلتها في الخليفة (الحصون، ص١٢٨). دعوة المظلوم مستجابة ولو كان كافرًا (البيجوري، ج١، ص٥٥). دفع الزكاة إلى الإمام إن كان القرشي الفاضل أم الفاسق لم يُنازعه فاضل فهي جارية، وغيره عابر سبيل لا قوة له في قبضها، وإن أقام الأحكامَ غيرُ الإمام أو وليُّه فهي مردودة، من بادر إلى تنفيذ حكم فهو الإمام (الفصل، ج٥، ص٨). عند بعض الحنفية يجوز أن يكون السلطان العام كافرًا، ولا يجوز الخروج عليه، بل تجب طاعته في غير معصية، ولا يجوز خلعه سرًّا أو جهرًا (المطيعي، ص٩٩-١٠٠). مهمته حفظ الدين والنفس والعقل والنَّسب والمال والعِرض، وهي مرتبته في الأهلية (المطيعي، ص١٠٠-١٠١). وقد قيل شعرًا:
وتدل ذلك كليات ستة
فحفظها محتمٌ البتة
لكن بما شرع من حدود
وهي به قويمة الوجود
ثم أهل السنة الأديان
فالنفس والعقل به يدان
وبعده الإنسان ثم المال
فالعرض فيها تساوى المال
نعم إذا أدى لقطع النسب
أذاه فهو مثله فاجتنب
الوسيلة، ص٩٩
١٤  عند أهل السنة أيضًا لا ينعزل الإمام بالفسق والجور (النسفية، ص١٤٥). أي بالخروج من طاعة الله، أي الظلم على العباد؛ لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور مع الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسلف قد كانوا ينقادون لهم، ويُقيمون الجُمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم. عند أبي حنيفة، الفاسق من أهل الولاية في عزله ووجوب غيره إثارة للفتنة لما له من الشوكة، بخلاف القاضي (التفتازاني، ص١٤٥-١٤٦). وعند جمهور أهل الإثبات وأصحاب الحديث لا ينخلع الإمام بالفسق والظلم وغصب الأموال وضرب الأبشار وتناول النفس المحرَّمة وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته في شيء مما يدعو إليه من معاصي الله. واحتجُّوا في ذلك بأخبارٍ كثيرة مُتظاهرة عن النبي والصحابة في وجوب طاعة الأئمة وإن جاروا واستأثروا بالأموال، ورُوي في معارضتها وتأويلها أخبارٌ أخرى (التمهيد، ص١٨٦). حدوث الفسق في الإمام لا يوجب خلعه، وإن كان حدث ابتداءً لبطل العقد ووجب العدول عنه (التمهيد، ص١٨٦). لو انطبقت فيه الشروط كلها إلا شرط القضاء، ومع ذلك فإنه يراجع العلماء، فإنه يجب خلعه لو قُدر استبداله بمن يستوفي جميع الشروط من غير إثارة للفتنة وتهيج قتال، وإن لم يكن ذلك إلا بقتالٍ وجبت طاعته (الاقتصاد، ص١٢٠-١٢١). تجب طاعته على جميع الرعايا ظاهرًا وباطنًا، لكن لا يُطاع في الحرام والمكروه وترك الدخان في الأسواق والمقاهي! (عبد السلام، ص١٥٤). لا يُعزل إذا وُلي مُستكملًا للشروط ثم أُزيل وصفه السابق وهو العدل بطريق الفسق، خلافًا لطائفةٍ قالت بعزله (البيجوري، ج٢، ص١٠١-١٠٢). وقد قيل شعرًا:
لا تُخالفنه في إلزام
لم يكُ في المكروه والحرام
الوسيلة، ص٩٨
١٥  هذا هو موقف بعض فِرق الروافض والخوارج. فعند المعلومية من الروافض، إمامة من كان على دينها، وأخرج سيفه على أعدائه من غير براءة منهم عن القعَدة عنهم (الفرق، ص٩٧). وعند المختارية، عليٌّ إمام، من أطاع الله ومن عصاه عصى الله. والأئمة من ولده يقومون مقامه في ذلك (التنبيه، ص١٦٠). وعند البهيسية الخوارج، إذا كفر الإمام كفرت الرعية الغائب منها والشاهد (مقالات، ج١، ص١٧٩، ص١٧١؛ الفرق، ص١٠٩؛ المِلل، ج٢، ص٤٢؛ المواقف، ص٤٢٤).
١٦  يُشترط ذلك (العقد والاختيار) ابتداءً في تنصيب الخليفة فقط، لا في دوام كونه خليفة! وهذه الشروط في الابتداء إنما تلزم في المبايعة الاختيارية. أما إذا تغلَّب شخص على الناس ونصب نفسه إمامًا بالغلبة والقسوة، فلا يُشترط إلا العقل والإسلام فقط؛ ومن ثَم له الأمر ولو بالغلبة وجب على الناس طاعته (المطيعي، ص٩٩). هذه الشروط إنما هي في الابتداء وحالة الاختيار. وأما في الدوام فلا يُشترط كما يُعلَم مما يأتي. ولو تغلَّب عليها شخص قهرًا انعقدت له، وإن لم يكن أهلًا كصبي أو امرأة وفاسق، وتجب طاعته فيما أمر به أو نهى عنه كالمُستوفي للشروط (البيجوري، ج٢، ص٢٠٠). منهم من جوَّز إمامة من يخرج وإن كان باغيًا خارجيًّا فاسقًا، أو لا يتمكن من إزالته (الإمامة، ص١٩٩-٢٠٠). ومع ذلك فهناك فِرقٌ أخرى، مثل بعض طوائف أهل السنة والخوارج، ترفض إمامة الجائر. فقد اختلفوا في أحكام الجائر على مقالتين: (أ) جائزة لازمة إذا كانت على الحق وإن كان جائرًا. (ب) لا تلزم أحكامه ولا يُلتفت إليها (مقالات، ج٢، ص١٣٨). اختلف الناس في مبايعة القاطع الباغي إلى: (أ) تجوز مبايعته والشراء منه إلا ما كان من آلات الحرب. (ب) لا تجوز المبايعة أو الشراء إلا أن يرجع عن الفتنة حتى نُلجئه بذلك إلى ترك البغي (مقالات، ص١٤٢). وعند المعتزلة لا تجوز الإمامة بالقهر أو الغلبة، وإنما الإمام باختيار أهل الحل والعقد، لا قهرًا في الابتداء ولا في الانتهاء (الإمامة، ص٢٠٤–٢٠٧). وعند الصوفية البهيسية الخوارج إذا قضى الإمام قضية جور بخراسان أو بغيرها حيث كان من البلاد، ففي ذلك الحين نفسه يكفر هو وجميع رعيته حيث كانوا من شرق الأرض وغربها، ولو بالأندلس واليمن وفيما بين ذلك من البلاد (الفصل، ج٥، ص٣١).
١٧  اختلفوا في الإمام إذا أخطأ في الحكم على مقالتين: (أ) أن يمضي حكمه. (ب) يرجع عنه ويُرَد إلى الصواب (مقالات، ج٢، ص١٣٨). تلزم التوبة إذا كان الحق واحدًا. أما إذا كان بناءً على اجتهادٍ موفًّى فلا حرج، وغير موفًّى لزمته التوبة، الشيء نفسه مع المفتي إذا أخطأ (الشرح، ص٧٤٨-٧٤٩). عند الخوارج لا بد من استتابة الإمام؛ إذ عندما كاتَب نجدة عبد الملك بن مروان نقم عليه أصحابه فاستتابوه (المِلل، ج٢، ص٣٦-٣٧).
١٨  إن عصاة كثير من المؤمنين خرجوا عن الواجب عليهم من طاعته والمفترَض عليهم من بيعته، فكانوا بذلك فئةً باغية، حلالًا قتالهم وحربهم (الأصول، ص١٠٩). ومن زاغ عن الحق وضل عن سواء السبيل فعلى الإمام تنبيهه على وجه الخطأ وإرشاده إلى الهدى، فإن عاد فينصب القتال، ويُطهر الأرض من البدعة والضلال، بالسيف الذي هو بارق سطوة الله، وشهاب نقمته، وعقبة عقابه، وعذبة عذابه (النهاية، ص٤٧٨–٤٨٠). الخوارج، كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يُسمَّى خارجيًّا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمة في كل زمان الراشدين أو كان بعدهم على التابعين قالوا ضربنا أنفسنا في طاعة الله؛ أي بعناها بالجنة (مقالات، ج١، ص١٩١). وهم يرضَون بالألقاب كلها، الحرورية الشراة، المُحكمة، إلا المارقة؛ فإنهم يُنكرون أنهم مارقة من الدين كما يمرق السهم من الرمية (مقالات، ج١، ص١٩١).
١٩  كما لا يملك الولي فسخ النكاح بعد عقده، وكذلك البائع والصائم (التمهيد، ص١٧٩). ولهم أن يخلعوه إذا ما أخلَّ بأمور الدين وأحوال المسلمين، وما لأجله تُقام الإمامة. وإن لم يقدروا على خلعه لقوة شوكته مما يُفضي إلى فساد العالم، وكانت المفسدة أكثر من المفسدة اللازمة عن طاعته، أمكن ارتكاب أدنى المحذورين دفعًا لأعلاهما. وإن كان ما طرأ عليه هو الكفر بعد الإسلام والردة بعد الإيمان، فحالتهم في طاعته والانقياد إلى متابعته لا تتقاصر من حال المكره على الردة. فإذا لم يوجد في العالم مستجمع لشروط الإمامة، أو من فُقد في حقه شيء كالعلم أو العدالة ونحوها، فالواجب أن يُنظَر إلى المفسدة اللازمة من إقامته وعدمها، ويُدفَع أعلاهما، فالضرورات تُبيح المحظورات (الغاية، ص٣٨٥-٣٨٦). وعند الشافعي، ينعزل الإمام بالفسق والفجور، وكذا كل قاضٍ وأمير. وأصل المسألة أن الفاسق ليس من أهل الولاية عند الشافعي لأنه لا ينظر لنفسه، فكيف ينظر لغيره؟ (التفتازاني، ص١٤٥-١٤٦). ما يوجب خلع الإمام وسقوط فرض طاعته: (أ) كفر بعد إيمان، ترك إقامة الصلاة والدعوة لها. وعند الكثير فِسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرَّمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود. (ب) تطابق الجنون عليه بحيث يضرُّ المسلمين زوالُ عقله واليأس من صحته، وكذلك إذا صم أو خرس أو كبر وهرم، أو عرض له أمرٌ يقطع عن النظر في مصالح المسلمين، والنهوض مما نُصب لأجله أو عن بعضه، وإن أُسر في يد العدو إلى مدة يُخاف معها لضرر الداخل على الأمة، ويُوءَس معها من خلاصه (التمهيد، ص١٨٦). يجب عزله إذا ارتكب معصية مُجاهرًا بها، خصوصًا إذا ظلم وعامل الرعية بالعسف والجور، أو كان فاسقًا بغير الظلم والجور وتبذير الأموال (ص٩٩-١٠٠). متى انعقدت الإمامة بعقدٍ واحد لا يجوز خلعه من غير حدث وتغيُّر أمره. فإذا فسق وفجر وخرج عن سمت الإمامة بفسقه، فانخلاعه من غير خلع ممكن، وإن لم يُحكَم بانخلاعه وجواز خلعه وامتناع ذلك. وتقويم أوده ممكنٌ ما وجدنا إلى التقويم سبيلًا، وكان ذلك من المجتهدات. وخلع الإمام نفسه من غير سبب محتمل، كما خلع الحسن نفسه استشعارًا لعجزه، ويمكن حمله على غير ذلك (الإرشاد، ص٤٢٥-٤٢٦). للأمة خلع الإمام بسببٍ يوجبه، وإن أدى إلى الفتنة احتمال أدنى الضررين (المواقف، ص٤٠٠). ليس مما يوجب خلع الإمامَ حدوثُ فضل إلى غيره. (ﺟ) يصير به أفضل منه، وإن كان لو حصل مفضولًا عند ابتداء العقد لوجب العدول عنه إلى الفاضل (التمهيد، ص١٨٦-١٨٧).
٢٠  إذا أمر بمكروه أو بحرام فلا تجوز طاعته، بل يجب نهيه بالرفق والمعروف لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا يجوز الخروج عليه سرًّا (المطيعي، ص٩٩-١٠٠). وعند الخوارج، الخروج على السلطان الجائر واجب (الفرق، ص٧٣). الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقٌّ واجب (المِلل، ج٢، ص٢٥). وعند المُحكمة الأولى يجب القتال مع الإمام العادل. وإن غيَّر المسيرة وعدل عن الحق، وجب عزله أو قتله (المِلل، ج٢، ص٢٦). وترى الزيدية الخروج على أئمة الجور (مقالات، ج١، ص١٢٩-١٣٠). أجمعت على السيف والعرض على أئمة الجور وإزالة الظلم وإقامة الحق (مقالات، ج١، ص١٤١).
٢١  كان المردار يقول بتكفير كل من لابس السلطان، ويزعم أنه لا يرث ولا يورث. وكان أسلافه من المعتزلة يقولون فيمن لابس السلطان من مُوافقيهم في القدر والاعتدال إنه فاسق لا مؤمن ولا كافر. وأفتى المردار بأنه كافر. والعجب من سلطان زمانه كيف ترك قتله مع تكفيره وتكفير من خالطه (استعداء المؤرخ السلطان على صاحب الفرقة!) (الفرق، ص١٦٥).
٢٢  اختلفوا هل يكون الظهور إلا مع إمام، هل يكون أخذ العهود وإنفاذ الأحكام إلا بإمام، إلى: (أ) عباد بن سليمان، لا يجوز أن يكون بعد علي إمام، وأن المسلمين إذا أمكنهم الخروج خرجوا فأنفذوا الأحكام، وفعلوا ما كان يلزم الأئمة فعله. (ب) الأصم، ابن علية، إذا كانوا جماعة لا يجوز على مثلهم أن يتواطئوا، ولم تلحقهم مظنة ولا تهمة لكثرتهم، جاز لهم أن يُقيموا الأحكام. (ﺟ) أكثر المعتزلة، لا يكون الخروج إلا مع إمام عادل، ولا يتولى إنفاذ الأحكام إلا الإمام العادل أو من يأمره. (د) الروافض، لا يجوز شيء من ذلك إلا للإمام أو من يأمره (ج٢، ص١٤٠-١٤١). وأجمعت على إبطال الخروج وإنكار السيف ولو قُتلت حتى يظهر الإمام ويأمرها (مقالات، ج١، ص١٢٣). واعتلُّوا بقول النبي قبل أن يأمره الله بالقتال إنه كان محرَّمًا على أصحابه أن يُقاتلوا. أنكروا الخروج على أئمة الجور لأنه لا يجوز ذلك دون الإمام المنصوص عليه (مقالات، ج١، ص٨٨). والخلفية لا ترى القتال إلا مع إمام منهم (الفرق، ص٩٩).
٢٣  اختلفوا في المقدار الذي يجوز إذا بلغوا إليه أن يخرجوا على السلطان ويُقاتلوا على المسلمين إلى: (أ) المعتزلة، إذا كُنا جماعة وكان الغالب أن نُكفر مُخالفينا، عقدنا للإمام ونهضنا، فقاتلنا السلطان وأزلناه، وأخذنا الناس بالانقياد لقولنا. فإن دخلوا في قولنا الذي هو التوحيد والقدر وإلا قاتلناهم. وأوجبوا على الناس الخروج على السلطان على الإمكان والقدرة إذا أمكنهم ذلك وقدروا عليه. (ب) طائفة الزيدية، أقل المقدار الذي يجوز لهم الخروج أن يكون كعدد أهل بدر، فيعقدون الإمامة للإمام ثم يخرجون على السلطان. (ﺟ) أي عدد اجتمع عقدوا للإمام ونهضوا إذا كان من أهل الخير، وذلك واجب عليهم. (د) إذا كان مقدار أهل الحق كمقدار نصف أهل البغي لزم قتالهم (مقالات، ج٢، ص١٤٠).
٢٤  ترى الحمزية العجاردة الخوارج قتال السلطان ومن رضي بحكمه. فأما من أنكره فلا يرون قتله إلا إذا أعان عليهم، أو طعن في دينهم، أو صار عونًا للسلطان أو دليلًا عليه (مقالات، ج١، ص١٦٥؛ الفرق، ص٩٦). وهو أيضًا موقف الميمونية (المِلل، ج٢، ص٤٧).
٢٥  اختلفوا هل الدار دار إيمان أم لا: (أ) أكثر المعتزلة والمرجئة، دار إيمان. (ب) جعفر بن مبشر، دار فسق. (ﺟ) الزيدية، دار كفر نعمة. (د) الجبائي، كل دار لا يمكن فيها أحد أن يُقيم إلا بإظهار ضرب من الكفر وترك الإنكار له فهي دار كفر، والعكس دار إيمان. (ﻫ) الخوارج الأزارقة والصفرية، دار كفر وشرك. (و) بعض الروافض، دار هدنة (مقالات، ج٢، ص١٣٧-١٣٨).
٢٦  أجمعت المرجئة بأسرها على أن الدار دار إيمان، وحكم أهلها الإيمان إلا من ظهر منه خلاف الإيمان (مقالات، ج١، ص٢٠٧). لا يُتعرض لأهل الأهواء (مثل الميمونية، كفرة في السر وفي عِداد المرتدين) ما لم يتعرضوا للمسلمين. فإن قاتلونا قاتلناهم لما رُوي من علي حين سمع واحدًا منهم يقول: لا حكم إلا لله. فقال: كلمة حق يُراد بها باطل. ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نبدؤكم بقتال، ولا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم من أيدينا، ولا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله (الأصول، ص٣٣٣). في حكم دور الأهواء. كل دار غلب عليها بعض الفِرق الضالة يُنظَر فيها؛ فإن كان أهل السنة فيها ظاهرين يُظهرون السنة بلا خفير، ولا جواز من مُجير، ولا خوف على النفس والمال، فهي دار إسلام، واللقيط فيها حر مسلم لا يُسترق، ويجب تعريف اللُّقطة فيها. وإن لم يقدر أهل السنة على إظهار الحق إلا بجوار أو مال يبذلونه فهي دار حرب وكفر. واللقيط فيها كاللقيط في دار الحرب، وما يوجد فيها فهو فيء نجس. واختلف الأصحاب في حكم هذه الدار إلى: (أ) من حرَّم ذبائحهم ونكاح نسائهم، وأجازوا وضع الجزية عليهم، وأجراهم مجرى المجوس (الإسفراييني). (ب) مرتدُّون لا تُقبَل منهم الجزية، ولا يجوز استرقاقهم. وفي استرقاقهم خلاف، أجازه الروزي وأبو حنيفة ومنعه البعض. أما الشك في كفر أهل الأهواء، فإن شك في قولهم هل هو فاسد أم لا فهو كافر، وإن علم أن قولهم بدعة وضلالة وشكَّ في كونه كفرًا ففي كفره خلاف. أكثر المعتزلة يُكفرون الشاكَّ في كفر مُخالفيهم، ونحن أولى (الأصول، ص٣٤٢-٣٤٣). في مبايعة أهل الأهواء. أجاز الأصحاب مبايعة أهل الأهواء في البياعات، وكذلك أجازوا سائر عقود المعاوضة معهم؛ لأنَّا وإن أوجبنا قتلهم بعد امتناعهم من التوبة فإنما نوجب ذلك على السلطان للرعية إقامة الحد على المرتد. وإنما اختلف الفقهاء في إقامة السيد حد الزنا وشرب الخمر على مملوكه؛ أجازه الشافعي وأباه أبو حنيفة. على أن أهل الأهواء في هذا كأهل الحرب، ويجوز للمسلم مبايعة أهل الحرب، وكذلك القول في أهل الأهواء (الأصول، ص٣٤٠).
٢٧  هذا هو موقف الأزارقة العمرية الخوارج أصحاب عبد الله بن الأزرق وعمر بن قتادة. وهؤلاء أقل الخوارج شرًّا؛ لأنهم لا يرون إهراق دماء المسلمين ولا غنم أموالهم ولا سبي ذراريهم، ولكن يقولون المعاصي كفر، ويتبرَّءون من عثمان وعلي، ويتولَّون أبا بكر وعمر، وهم أصحاب ليل وورع واجتهاد، ولم يبقَ منهم أحد (التنبيه، ص٥١). أما العجاردة فيتولَّون القعَدة إذا عرفوهم بالديانة، ويرون الهجرة فضيلة لا فرضًا (المِلل، ج٢، ص٤٣).
٢٨  هذا هو موقف الخوارج، مخالفوهم مشركون، السيرة منهم السيرة من أهل حرب رسول الله الذين حاربوه من المشركين (مقالات، ج١، ص١٦٩). وكان المُحكمة الخوارج يخرجون بسيوفهم في الأسواق، فيجتمع الناس على غفلة، فيُنادون «لا حكم إلا لله»، ويضعون السيوف فيمن يلحقون من الناس، فلا يزالون يقتلون حتى يُقتَلوا. وكان الواحد منهم إذا خرج للتحكيم لا يرجع أو يُقتل، فكان الناس منهم على وجل وفتنة. ولم يبقَ منهم اليوم أحد على وجه الأرض (التنبيه، ص٤٧–٥١). أما الحرورية فكانوا يقولون بتكفير الأمة، ويتبرَّءون من الخنتين، ويتولَّون الشيخين، ويَسْبون ويستحلُّون الأموال والفروج، وإذا تطهَّر منهم الرجل أو المرأة للصلاة لا يبرح ولا يمشي أصلًا، ولا يُصلي في المكان الذي تطهَّر فيه. إن مشي الرجل تحرَّك شرجه وانتقضت طهارته. يستنجون بالماء. إذا خرجت منه الريح يتطهر. لا يُصلون في السراويل لأنها جب النكاح. تُقاتل نساؤهم على الخيل مضمَرات كالرجال. عالمٌ كثير أصحاب خيل وشجاعة (التنبيه، ص٥٣). أما الزيدية الأولى فيرون السيف والسبي، واستهلاك الأموال، وقتل الأطفال، واستحلال الفروج. وليس في الإمامية أكثر ضررًا منهم في الناس، إنما هو بقدر ما يخرج الواحد منهم يضع السيف والحريق والنهب والسبي، ولا يقصدون ولا يرعون. وكان منهم علي بن محمد صاحب البصرة، سبى العلويات والهاشميات والعربيات، وباعهن مكشوفات الرءوس بدرهم ودرهمين، وأفرشهن الزنوج والعلوج، واستباح دماء المسلمين وأموالهم، وإهراق الدماء، وقتل الأطفال، وأحرق المصاحف والمساجد، وتأوَّل أنهم مشركون، وكان يستحلُّ كل ما حرَّم الله (التنبيه، ص٣٣-٣٤).
٢٩  وذلك مثل بعض الشراة من الخوارج، فكانوا يُكفرون أصحاب المعاصي في الصغائر والكبائر، ويتبرَّءون من الخنتين عثمان وعلي، ويتولَّون الشيخين أبا بكر وعمر، ولا يستحلُّون أموال الناس، ولا يَسْبون النساء، ولا يُخالفون في دين ولا سنة. العصاة كفار نعمة لا كفار شرك. لهم مروءةٌ ظاهرة ودنيا واسعة وخصب. ظهرت فيهم اليوم مذاهب المعتزلة (التنبيه، ص٥٣-٥٤). ومعهم الزيدية الثانية، فلا يرون السيف ولا السبي ولا استحلال الفروج ولا الأموال، ومعهم الزيدية الثالثة الذين لم يُكفرا أحدًا وتولَّوهم. أصحاب سحت، ويُظهرون زهدًا وعبادة وخيرًا، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقولون بالعدل والتوحيد والوعيد (التنبيه، ص٣٣-٣٤).
٣٠  هذا هو موقف بعض الأزارقة من الخوارج؛ فكل من أقام في دار الكفر فهو كافر لا يسعه إلا الخروج (مقالات، ج١، ص١٦٢). الدار دار كفر. ويعنون دار مُخالفيهم (مقالات، ج١، ص١٥٩). ويجوز قتل الأطفال والنساء (الفرق، ص٨٤). استباحوا قتل نساء مُخالفيهم وقتل أطفالهم، فالأطفال مشركون، وأطفال مُخالفيهم في النار (الفرق، ص٨٣). أباحوا قتل أطفال المُخالفين والنسوان (المِلل، ج٢، ص٣٣). قتل من خالفهم جائز (اعتقادات، ص٤٦). أباحوا دم الأطفال ممن لم يكن في عسكرهم وقتل النساء أيضًا ممن ليس في عسكرهم (الفصل، ج٥، ص٣٠). مُخالفوهم مشركون، وكذلك أهل الكبائر من مُوافقيهم. واستحلوا قتل النساء والأطفال من مُخالفيهم، وهم مخلَّدون في النار (الأصول، ص٢٣٢). برِئوا من القعَدة، والمحنة لمن قصد عسكره، وإكفار من لم يُهاجر إليه (مقالات، ج١، ص١٥٨-١٥٩). البراءة من القعَدة على القتال وإن كان مُوافقًا على دينه، وكفر من لم يُهاجر إليه (المِلل، ج٢، ص٣٣). برئت ممن قعد عن الخروج لضعف أو لغيره، وكفَّروا من خالف هذا القول بعد موت أول من قال به منهم، ولم يُكفروا من خالفه فيه في حياته. قالوا باستعراض كل من لقوه من غير أهل عسكرهم، ويقتلونه إذا قال أنا مسلم، ويُحرمون قتل من انتمى إلى اليهود أو النصارى أو المجوس (الفصل، ج٥، ص٣٠). كفَّروا القعَدة عن القتال (المواقف، ص٤٢٤). قالوا: ما كفَّ أحدٌ يده عن القتال منذ أنزل الله البسط إلا وهو كافر (مقالات، ج١، ص١٦٢). والذي جمعهم ثلاثة أشياء: (أ) مُخالفوهم مشركون، والمُحكمة الأولى تقول كفرة لا مشركون. (ب) القعَدة ممن كان على رأيهم عن الهجرة إليهم مشركون، وإن كانوا على رأيهم. (ﺟ) وجوب امتحان من قصد عسكرهم. إذا ادَّعى أنه منهم يُدفَع إليه بأسيرٍ من مُخالفيه، إن قتله صدَّقوه، وإن لم يقتله قتلوه! (الفرق، ص٨٣). وعند طائفة من البهيسية، الدار شرك، وأهلها جميعًا مشركون، قتل أهل القبلة وأخذ الأموال، استحلَّت القتل والسبي (مقالات، ج١، ص١٨١، ص١٩٠).
٣١  العوفية (البهيسية الخوارج) فرقتان: (أ) من رجع عن دار هجرتهم ومن الجهاد إلى القعود تتبرَّأ منهم. (ب) لا تتبرَّأ منهم لأنهم رجعوا إلى أمر كان حلالًا لهم (مقالات، ج١، ص١٧٩؛ الفرق، ص١٠٩؛ المِلل، ج٢، ص٤٠). أما الإباضية فتقول بالسيف ولا تراه! (مقالات، ج١، ص١٨٩). لا ترى اعتراض الناس بالسيف، ولكنهم يرون إزالة أئمة الجور ومنعهم عن أن يكونوا أئمة بأي شيء، فردوا عليه بالسيف أو بغير السيف (مقالات، ج١، ص١٨٩). دار مُخالفيهم دار توحيد، إلا عسكر السلطان فإنه دار كفر (مقالات، ج١، ص١٧١؛ المِلل، ج٢، ص٥٣). مُخالفوهم كفار غير مشركين، تجوز مناكحتهم وغنيمة أموالهم من سلاحهم وكراعهم عند الحرب دون غيره، ودارهم دار إسلام إلا معسكر السلطان (المواقف، ص٤٢٥). استتابة مُخالفيهم في تنزيل أو تأويل، فإن تابوا وإلا قُتلوا، سواء كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا يسع جهله (الفرق، ص١٠٧). لا يُتبَع المُدبِر في الحرب إذا كان من أهل القبلة وكان موحدًا، ولا تُقتَل منهم امرأة ولا ذرية. وأباحوا قتل المُشبهة واتِّباع مُدبِرهم وسبي نسائهم وذراريهم. وهذا ما فعله أبو بكر بأهل الردة (الفرق، ص١٠٧). مُخالفوهم من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع حلال، وما سواه حرام، وحرامٌ قتلهم وسبيهم في السر غيلة إلا بعد نصب القتال وإقامة الحجة (المِلل، ج٢، ص٥٢؛ الفصل، ج٥، ص٢٩-٣٠). وعند الشمراخية الخوارج أصحاب عبد الله بن شمراخ، دماء قومه حرام في السر، حلال في العلانية، وقتل الأبوين حرام في دار التقية ودار الهجرة وإن كانا مُخالفين. وتتبرأ منه الخوارج (مقالات، ج١، ص١٨٤).
٣٢  ترى الشيبانية (الثعالبة العجاردة الخوارج) قتل المسلمين وأخذ أموالهم (مقالات، ج١، ص١٦٧-١٦٨؛ المِلل، ج٢، ص٤٩). ووالى حمزة القعَدة من الخوارج مع قوله بتكفير من لا يُوافقه على قتال مُخالفيه مع فِرق هذه الأمة، مع قوله بأنهم مشركون. وكان إذا قاتل قومًا وهزمهم أمر بإحراق أموالهم وعقر دوابهم، وكان مع ذلك يقتل الأسرى من مُخالفيهم. كان الصليدية من الخمرية يقتلون ويستحلُّون الأموال على الأموال كلها، ولا يستحلُّون مال أحد حتى يقتلوه. فإن لم يجدوا صاحب المال لم يتناولوا من ذلك شيئًا دون أن يظهر صاحبه فيقتلوه، فإذا قتلوه استحلُّوا ماله! (التنبيه، ص٥٣؛ المِلل، ج٢، ص٤٣). وعند النجدية (الخوارج)، من ثقل عن هجرتهم مُنافق (مقالات، ج١، ص١٦٣). أكفروا من أكفر القعَدة منهم (الفرق، ص٨٧). كل من ضعف عن الهجرة إلى عسكرهم منافق، واستحلُّوا دمه وماله (الفصل، ج٥، ص٣١). استحلُّوا دماء أهل المقام وأموالهم في دار التقية، وبرئوا ممن حرَّمها، وتولَّوا أصحاب الحدود والجنايات من مُوافقيهم (مقالات، ج١، ص١٦٣). يستحلُّون قتل الأطفال وسبي النساء وإهراق الدماء واستمراء الفروج والأموال، وكانوا يُكفرون السلف والخلف (التنبيه، ص٥٢). استحلُّوا دماء أهل العهد والثقة وأموالهم على دار التقية، وتبرَّءوا ممن حرَّمها (المِلل، ج٢، ص٣٦). مُخالفوهم كفرة غير مشركين، وعذروا بالجهالة في الفروع، وأسقطوا حد الخمر (الأصول، ص٣٣٢). يرون قتل من خالفهم (اعتقادات، ص٤٧). أما الحسينية (الخوارج) فيعتبرون الدار دار حرب. ولا يجوز الإقدام على من فيها إلا بعد المحنة. يقولون بالإرجاء في مُوافقيهم خاصةً، ويقولون فيمن خالفهم إنهم بارتكاب الكبائر كفارٌ مشركون (مقالات، ج١، ص١٨٤). واختلفت الضحاكية (الواقفة الخوارج) في أهل دار الكفر، منهم من قال كفار إلا من عرفنا إيمانه بعينه، ومنهم من قال هم أهل دار خلط، فلا نتولى إلا من عرفنا فيه إسلامًا، ونقف فيما لم نعرف إسلامه. وتولَّى بعض هؤلاء بعضًا على اختلافهم. وقالوا «الولاية تجمعنا»، فسُمُّوا أصحاب النساء، وسمَّوا من خالفهم من الواقفة أصحاب المرأة (مقالات، ج١، ص١٧٦). ويعتبر الصفرية مُخالفيهم مشركين كالذين حاربهم الرسول (مقالات، ج١، ص٦٩). لم يُكفروا القعَدة إذا كانوا مُوافقين في الدين والاعتقادات (المِلل، ج٢، ص٥٦). وجوب قتل كل من أمكن قتله من مؤمن أو كافر، يئولون الحق بالباطل (الفصل، ج٥، ص٣١؛ المواقف، ص٤٢٤). أما الأخنسية الثعالبة الخوارج فتتوقف في دار التقية من مُنتحلي الإسلام وأهل القبلة إلا من عرفوا منه إيمانًا فيتولونه، أو كفرًا فيتبرَّءون منه. يُحرمون الاغتيال والقتل في السر، وأن يبدأ أحد من أهل البغي من أهل القبلة بقتال حتى يُدعى إلا من عرفوه بعينه (مقالات، ج١، ص١٦٧؛ المواقف، ص٤٢٦). وقد اجتمع من القرامطة خلقٌ كبير، وقطعوا الطريق على الحج، وقتلوهم وأرادوا تخريب مكة (اعتقادات، ص٧٩). والقرامطة والديلم في الحرب لا يُدبرون حتى يُقتَلوا، ويقولون بحياة بعد القتل والموت لتخليص الأرواح من قذر الأبدان وشهواتها، ويلحقون بالنور. يرون قتال من خالفهم، ولا يتحاشَون من قتل الناس، وليس عندهم في ذلك شيءٌ يكرهونه (التنبيه، ص٢٢).
٣٣  ساعد الباطنية بقية من أولاد العجم من المجوس لما كان في قلوبهم عداوة لدين المسلمين، وأضلُّوا خلقًا كثيرًا (اعتقادات، ص٧٧).
٣٤  إذا كانت المعارضة العلنية الانفعالية الخارجية هم الخوارج، فالمعارضة العلنية العقلية الداخلية هم المعتزلة. فعند ثمامة، دار الإسلام دار شرك، ويحرم السبي لأن المسبيَّ عندما عصى ربه لم يعرف، وإنما العاصي عنده من عرف ربه بالضرورة ثم جحده أو عصاه. وفي هذا إقرار بأنه ولد زنًا؛ لأنه كان من الموالي وأمه مسبيَّة، ووطء من لا يجوز سبيها على حكم السبي الحرام زنًا، والمولود منه ولد زنًا (الفرق، ص١٧٣). المدينة والبصرة وسائر دور الإسلام دار كفر، وأهلها كفار مشركون. ويُدافع الخياط عنه بأن الدار عنده دار إيمان وإسلام، وأهلها مؤمنون مسلمون (الانتصار، ص٨٧-٨٨). وقال الفوطي بقتل مُخالفيه في السر غيلةً وإن كانوا من أهل الإسلام (الفرق، ص١٦٤). كان يستجيز الغيلة، ويرى الفتك بمُخالفيه، وأخذ أموالهم بغير حق، وإنكار الخياط ذلك دفاعًا عنه (الانتصار، ص٦٢).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١