ثالثًا: هل هناك تكفيرٌ شرعي عملي؟

لم يكن التكفير العقائدي النظري إلا وسيلة لتكفيرٍ أعظم وأهم، وهو التكفير الشرعي العملي بُغيةَ العزل السياسي لفِرق المعارضة، ودفاعًا عن النظام القائم. تلك طريقة إدارة الصراع السياسي في المجتمعات التي تكون فيها الحجج نقلية اعتمادًا على سلطة التراث. ليس الأمر إذن مجرد فِرق عقائدية، بل يتجاوزها إلى حقوق الأفراد المدنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ لذلك ارتبط علم أصول الدين بعلم أصول الفقه، والعقيدة بالشريعة، والأصول بالفروع. وقد اعتُبر هذا الموضوع خارجًا عن علم الأصول وأدخل في علم الفروع، مسألة فقهية لا تدخل في علم أصول الدين.١

وإذا كان موضوع التكفير الشرعي العملي لا دخل للعقل فيه، وإنما يعتمد على الأدلة السمعية وحدها، فكيف يكون موضوعًا في علم أصول الدين الذي يعتمد على الأدلة العقلية والسمعية معًا، والذي تكون فيه الأدلة العقلية أساس الأدلة السمعية حتى يتحول ظن النقل إلى يقين العقل، على ما هو معروف في نظرية العلم في المقدمات النظرية؟ إن أقصى ما يمكن عمله هو اعتباره من السمعيات، مثل النبوة والمعاد والأسماء والأحكام والإمامة، التي ليس فيها يقين، وتظل ظنيةً خالصة، ولكن تزداد الخطورة أكثر لأن الموضوعات السمعية الأربعة نظريةٌ خالصة لا يترتب عليها كفرٌ شرعي عملي، في حين أن الكفر الشرعي العملي تترتَّب عليه آثارٌ اجتماعية واقتصادية وسياسية تؤدي إلى الحصار والعزلة لمن يُشهَر ضده سلاح التكفير، بل إن معرفة الكافر تأتي من أضعف الروايات، من الأخبار عن حال الآخرة وأمور المعاد، وأنه في النار على التأييد أولًا، ثم حكمه في الدنيا ثانيًا فيما يتعلق بالقصاص والنكاح وعصمة المال؛ أي فيما يتعلق بحقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

والعجيب أنه طبقًا لعقائد الفرقة الناجية أن القول الكاذب أو الاعتقاد الجاهل ليس موجبًا للتكفير، وعلى أسوأ الأحوال بالسمع، في حين أنه يمكن معرفة الكذب والجهل بالعقل. وقد يكون الدافع على هذا التأكيد رفض المحاجَّة في الأحكام الشرعية، واعتبار الحكم على الناس بالكفر لا رجعة فيه ولا مراجعة لأنه لا دخل للعقل فيه، مع أن كل الأحكام الشرعية التي بها قطعٌ وظن تصدُر عن أصل واجتهاد، واحتمال المراجعة فيها وارد، ومع ذلك فالأمر كله لا يخلو من تعصب وهوًى. كل فرقة تكفر ما سواها؛ فالتكفير سلاحٌ ضد الخصوم. وتاريخ الفِرق ليس تاريخًا موضوعيًّا مُحايدًا؛ لأنه لا يوجد مِقياسٌ واحد لصحة العقائد. ولما كانت الفرقة الناجية هي فرقة السلطان كانت هي المَحكَّ الذي تُقاس صحة عقائد فِرق المعارضة.٢ ومع ذلك وضعت الفرقة الناجية مقياسَين للتكفير؛ الأول إنكار أصل شرعي معلوم بالتواتر، والثاني ما عُلِم صحته بالإجماع. وكأن التكفير ليس للعقائد، بل لمناهج النظر وطرق الاستدلال، هو تكفيرٌ منهجي وليس تكفيرًا موضوعيًّا؛ فالتواتر مصدر للعلم ولا يمكن إنكاره؛ لأنه جزء من نظرية العلم، وشرط يقين الحجج النقلية؛ وبالتالي هو أساس التسليم بالأصول والمصادر الشرعية. وشروط التواتر الأربعة؛ العدد الكافي، استقلال الرواة، الإخبار عن حس، التجانس في الزمان؛ تجعله يقينيًّا. ولكن هل هناك من يُنكر أصلًا شرعيًّا معلومًا بالتواتر بالفعل أم أنها حالةٌ افتراضية خالصة؟ وإن وُجدت، فهل هي فرقة من فِرق المعارضة أم فرقة من فِرق الأمة، من داخل الأمة، من داخل الحضارة أو من خارجها؟ في الحقيقة لا يمكن لأحدٍ إنكار التواتر شرعًا أو عقلًا؛ لأنه أساس المعرفة التاريخية قديمًا وحديثًا. وهو أحد أبواب علم أصول الفقه للتحقق من الصحة التاريخية للمصدر الثاني للتشريع، وهو السنة. ولكن يظل السؤال بالنسبة لعلم أصول الدين قائمًا: هل يكون مضمون الإيمان الوقائع التاريخية، الأشخاص والوقائع والحوادث والبُلدان، تُعرَف بالتواتر شأن المعارف التاريخية، أو حتى الشعائر والطقوس بما في ذلك التجارب التاريخية ورصيد الشعوب من الخبرات المشتركة؟ هل مضمون الإيمان الفتنة ووقائعها، وحياة الرسول مناكحه وأزواجه وأصحابه، أم نسق من العقائد تُعطي تصوُّرات للعالم ودوافع للسلوك؟ فقد يحدث إنكار للوقائع التاريخية كأحد الحلول للمشاكل النظرية بصعوبة إصدار أحكام على الأحداث، أو إغراقًا في الذاتية والانفعال ضيقًا بالعالم. فهل يكون الصوفية بهذا المعنى كفرة نظرًا لأن الواقع الصوفي شعوري وليس واقعًا تاريخيًّا، وكذلك المعتزلة في تأويلهم صفات التجسيم والتشبيه؟ ليست الوقائع التاريخية ووجود الأشخاص أصلًا من أصول الدين، بل المعاني والدلالات كتصورات للعالم وبواعث للسلوك ومقاصد للتحقيق. ولما كان لا تواتر إلا في المحسوسات؛ لذلك لا يمكن إثبات حدوث العالم بالتواتر لأنه غير محسوس، إنما يمكن إثباته بالدليل العقلي، وإذا كان واضعو شروط التواتر وجامعو الأحاديث من الفِرق الناجية، فإن هذا القياس الأول للتكفير «إنكار أصل شرعي معلوم بالتواتر» يظلُّ سلاحًا في الفرقة الناجية ضد الخصوم السياسيين.٣ أما القياس الثاني «إنكار ما عُلِم صحته بالإجماع»، فإن الإجماع حجةٌ غير قاطعة لورود شُبَه كثيرة، وإن تطابق العدد الكبير على رأيٍ واحد لا يوجب إلا العلم الشرعي دون العلم النظري. ولا يشهد التواتر بحجية الإجماع؛ فهذا إثبات شيء بشيءٍ آخر مطلوبٍ إثباته، فيلزم التسلسل. لا يستند الإجماع إلى دليلٍ شرعي متواتر، وإلا لما كانت هناك حاجة إلى الإجماع. وإنكار الإجماع دليلٌ عقلي قطعي؛ لأن فيه تنازلًا عن الرأي حتى تجتمع الآراء كلها على رأيٍ واحد، وإن كان هناك تواتر فإنه يحتمل التأويل. ولا يمكن الحكم على تأويل النصوص بالإجماع؛ لأن الإجماع سابق على العقل، كما أن السنة سابقة على الإجماع، والكتاب سابق على السنة. لا يمكن إذن اتِّهام أحد بأنه خارق للإجماع؛ لأن الإجماع فيه شك، وهو المطلوب إثباته. إنما أتى إثبات الإجماع لناحيةٍ عملية صرفة، ولأن إنكاره يجرُّ إلى «أمور شنيعة». وإذا كان الإجماع هو إجماع السابقين، ومُلزمًا لإجماع اللاحقين، فإنه يتحول إلى حجة سلطة في أيدي الفرقة الناجية. والأمثلة على إنكاره كلها قياساتٌ إخراجية، مثل الخروج على الإجماع على اكتمال الوحي ونهاية النبوة. ويدل ذلك كله على أن مسائل علم أصول الدين تجد حلها في علم أصول الفقه.٤

(١) حقوق الأفراد

يترتب على التكفير الشرعي العملي نتائج تتعلق بحقوق الأفراد والمساس بها. وإن إنهاء العقائد النظرية بهذه الأحكام الفقهية العملية لَتدلُّ على مدى ارتباط علم أصول الدين بعلم أصول الفقه، وكيف أن الهدف النهائي للعقائد هو هدفٌ سياسي بالأصالة، اعتبار الفرد جزءًا من الأمة مُطيعًا لأُولي الأمر أو خارجًا عليها خارجًا على السلطان. الهدف من التكفير إما الضم السياسي للفرد مع النظام السياسي، أو العزل السياسي له وحصاره بين رجال الشرطة وفقهاء السلطان.

وتنقسم حقوق الفرد إلى حقوقٍ يحصل عليها أثناء حياته، مثل الشهادة والإسلام وأكل الذبيحة والتزاوج … إلخ، وحقوقٍ يحصل عليها بعد مماته، مثل الصلاة عليه ودفنه والإرث منه. ولا يمكن تقسيمها أيضًا إلى حقوقٍ فردية وحقوقٍ اجتماعية؛ لأنها كلها حقوقٌ اجتماعية؛ فإمامة الصلاة عملٌ فردي وقيادةٌ جماعية، والسلام عملٌ فردي ولكنه يدل على علاقةٍ اجتماعية، والشهادة عملٌ فردي ولكنه حكم على الآخرين. ولكن يمكن تصنيف حقوق الأفراد إلى اجتماعية واقتصادية وسياسية بالرغم من إمكانية التداخل بينها أو الجمع.٥

(١-١) الحقوق الاجتماعية

تشمل الحقوق الاجتماعية إمامة الصلاة أثناء حياة الفرد، أو الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين بعد مماته، ورد السلام عليه وأكل ذبيحته والتزاوج معه. فصاحب الرأي الذي سُمِّي الضالَّ أو صاحب الهوى، وهو المُعارض للنظام السياسي وممارساته، لا تجوز له إمامة الصلاة؛ لأن إمامة الصلاة هي الإمامة الصغرى التي تقود إلى الإمامة الكبرى، ونظرًا للقوة المعنوية والثقة الدينية التي يتمتع بها الإمام. وما دام يقول الحق، ويقوم بخطبة الجمعة، ويُلقي الدروس، يستمع إليه الناس، ويكون مؤثرًا في طاعتهم أو ثورتهم على الحكم. كما أن الصلاة عليه بعد موته اعتراف من الجماعة بإمامته وقيادته للثورة كما هو الحال مع القادة العظام. أما الدفن في مقابر المسلمين فهو أيضًا اعتراف بالوحدة في الحياة والموت بين الإمام وجمهور المُصلين، وبأنهم معه في الحركة والثبات، فوق الأرض وتحت الأرض، روحًا وبدنًا، ثورةً وثرًى.٦ وكيف للناس الدخول في قلوب الناس، والتفتيش في ضمائرهم، والتعرف على عقائدهم، ثم الحكم عليهم بالنجاة أو الضلال، بالإيمان أو الكفر؟ وما أدراني أن يكون المؤمن منافقًا؟ أما رد السلام فإنه يُشير إلى الترابط الاجتماعي بين الناس طبقًا للنصيحة: «ألقِ السلام على من تعرف وعلى من لا تعرف.» فإلقاء السلام بداية التعارف، والإعلان عن رابطةٍ مبدئية بين الناس، ورد السلام هو استجابة لهذا النداء الأول. وبعد السلام يأتي الكلام.٧ أما الشهادة فهي عنوان الثقة، ودليل على قول الحق؛ فالساكت عن الحق شيطانٌ أخرس. الشهادة هي الإعلان؛ لذلك كان أول فعل للشعور إعلان الشهادة حتى ولو سقط دونها شهيدًا. ولا تقع الشهادة فقط على الصغائر، بل على الكبائر، لا تقع على الجرائم الفردية للمحكومين، بل على الجرائم الجماعية للحكام. ولما كانت شهادة المعارضة على جبروت السلطة مؤثرة في الناس، وجب استبعادها وإسقاطها من فقهاء السلطان.٨ أما أكل الذبيحة فإنه دليل على وجود ترابط اجتماعي أقوى من مجرد إلقاء السلام والرد عليه، بل التزاور والتعارف والتصادق والتحالف والعِشرة «العيش والملح». وإن تحريم الفرقة الناجية أكل ذبائح الفِرق الضالة لهُو حصارٌ اجتماعي، وقطيعة بين الأهل والجيران والمعارف والأصدقاء. وكيف تحرُم ذبائح المسلمين وقد ذُكر اسم الله عليها؟ ألم تُحلَّل ذبائح أهل الكتاب؟ هل أهل الكتاب الذين لا يُشاركون المسلمين في العقائد أقرب إليهم من أهل الأهواء الذين يُشاركون المسلمين في العقائد ولكن يختلفون فقط في تأويلها؟ وكلما حرَّم فقهاء السلطان ذبائح الفِرق الضالة ردَّت عليهم هذه بالمثل، وزادت القطيعة، واحتنقت القلوب، وزاد الغيظ في النفوس، ولم يعفُ أحد عن أحد، وانهارت العروة الوثقى التي لا انفصام لها.٩ أما التزاوج فهو قمَّة الترابط الاجتماعي بعد الصلاة والسلام والشهادة والطعام، اختلاط الدم والنسب، وتحويل الترابط الاجتماعي إلى لحم ودم. فإذا ما تم عزل الفِرق الضالة من المصاهرة والنسب مع باقي الأمة، فإنه يسهل بعد ذلك استئصالها واستبعادها، فتضمُر وتموت. وهل يدخل الزوج في عقائد الزوجة حين طلبها للزواج؟ وإذا كنَّا نتزاوج مع أهل الكتاب الذين يُخالفون الأمة في العقائد، أفلا نتزاوج من أهل الرأي الذين يختلفون مع فقهاء السلطان في تأويلها؟ وهل يصل الأمر إلى فسخ العقد ووجوب العدة والصداق؟١٠

(١-٢) الحقوق الاقتصادية

فإذا ما تم العزل السياسي الاجتماعي يستمرُّ إحكام العزل اقتصاديًّا، ويُحرَم صاحب الرأي من حقوقه الاقتصادية، مثل حقه في الإرث، وحقه في الغنيمة والفيء، وحقه في المبايعة والعقود. فبالنسبة للإرث لا يرث صاحب الرأي ولا يُورَث، وهو حكمٌ مُخالف لنص القرآن الذي يجعل الإرث مشروطًا برابطة الدم وحدها كعامل من عوامل توزيع الثروة مع الوصية، أي إرادة الميت، وقضاء الدين، أي حق الآخر. وقد يزداد الحصار الاقتصادي بتصفية أموال صاحب الرأي ومصادرتها، وتسربها إلى الجماعة باسم الإرث؛ فهو لا يرث من الأمة، ولكن الأمة ترثه؛ وبالتالي تنتهي أموال المعارضة ويتم تصفيتها اقتصاديًّا. وهل يسهل التمييز بين الكسب قبل البدعة والكسب بعدها من أجل تحليل الإرث قبلها وتحريمه بعدها، وكأن الرأي يتم في وقتٍ معلوم؟ وهل المسلم صاحب الرأي أشرُّ على الأمة من الكتابي المُخالف لها في العقيدة، ويحرم عليه من التوارث بينما يحل للكتابي؟١١ كما يحرم على صاحب الرأي المبايعة وعقود المعاوضة؛ حتى يتمَّ أيضًا حصاره اقتصاديًّا عن طريق النشاط التجاري، وهو المَورد الرئيسي للثروة في المجتمع، فلا يحقُّ له البيع والشراء. ويُحكَم الحصار عندما يحرُم عليه العوض؛ وبالتالي يجوز حرق ممتلكاته وإتلاف زراعته وتبديد ثورته دون أن يكون له حق العوض! ثم ترك حق قتله للسلطان، أي التصفية الجسدية الأخيرة، بعد أن تمَّت تصفيته من قبلُ اجتماعيًّا واقتصاديًّا.١٢

(١-٣) الحقوق السياسية

ويُعتبر صاحب الرأي المُخالف عدوًّا للأمة يجب قتاله، أمواله غنيمة للمُحاربين وفيء لبيت المال، داره دار حرب. وإن كان فيها مسلمٌ ينتسب إلى الفرقة الناجية تكون داره دار إسلام. يُعلَن الحرب عليه، القتال أو الجزية، وكأنه عدو للمسلمين، يُبلَّغ بالدعوة، الإسلام أو القتال أو الجزية. وإن كان أهل السنة في داره ظاهرين، يُظهرون السنة بلا خفير ولا جِوار من مُجير، حينئذٍ تكون داره دار إسلام ما دامت الغلبة للفرقة الناجية! واللقيط فيها حرٌّ مسلمٌ ما دامت الأغلبية فيها لأهل السنة. وإن لم تكن الأغلبية لأهل السنة فهي دار حرب، واللقيط فيها كاللقيط في دار الحرب، وما يؤخذ منها غنيمة وفيء بخُمس أو بغير خُمس. وأهل الدار تجب عليهم الجزية مثل المجوس، لكن المُرتدين لا تُقبَل منهم الجزية مثل الكفار. وقد يجوز استرقاقهم واسترقاق أولادهم من بعدهم، فيؤخذ الصغار بجريرة الكبار! فالحكم على المُخالفين في الرأي إنما يتحدد بمقدار حضور أهل السنة معهم، أغلبية أم أقلية، كما هو الحال في الأخلاق اليهودية عندما يُشفَع للأغلبية العاصية من أجل القلة المؤمنة، ولكن هذه المرة يُشفَع للأغلبية المعارضة من أجل الأغلبية السائدة أصحاب السلطة.١٣
فماذا يبقى لصاحب الرأي المُخالف كحياةٍ اجتماعية دون الصلاة مع جماهير المسلمين، وإلقاء السلام عليهم، والشهادة معهم، وأكل ذبيحتهم، والتزاوج منهم، والتوارث والمبايعة والعقود معهم؟ وهل وصل الأمر إلى حد اعتبار المُخالف في الرأي أشد على المسلمين من أعدائهم، داره دار حرب، يُعرَض عليه إسلام الفرقة الناجية أو القتال أو الجزية، أمواله غنيمة وفيء؟ وهل يُحارَب المسلمون المُخالفون في الرأي على أحكامٍ فقهية ظنية عليها خلاف بين الفقهاء، ومعرَّضة للصواب والخطأ؟ وماذا عن روح الشريعة التي تسمح بالتعدد في الرأي وتصويب المجتهدين؟ لقد وصل الأمر أيضًا إلى حد عدم جواز السماح بالشك في كفر أهل الأهواء، وضرورة تكفيرهم قطعًا. وهذه قطعية وجزم في أمورٍ نظرية صرفة، في موضوعاتٍ خلافية يجوز فيها الصواب والخطأ. ومن هنا ينشأ الرأي الواحد والفكر الواحد والمذهب الواحد، وكأن الأمر سباقٌ مُتبادل في تكفير الشاك بين الدولة وخصومها. أليس الشك في تكفير الآخر هو بداية المصالحة الوطنية بُغيةَ المحافظة على وحدة الأمة؟١٤

(٢) فِرق الأمة

وتصنف فِرق الأمة ليس بناءً على عقائدها النظرية واختلافها حولها، بل طبقًا لما يترتب على ذلك من أحكامٍ شرعية؛ ففِرق الأمة إما أن تكون خارجة على الأمة كليةً، ضدها في كل الأحكام، أو تكون خارجة عليها جزئيًّا، معها في بعض الأحكام وضدها في البعض الآخر. في الخلاف العقائدي النظري ينشأ الاختلاف التشريعي العملي، ومدى الاتفاق أو الاختلاف في العقائد هو الذي يُحدد طبيعة العلاقات الاجتماعية. الفِرق الأولى المخالفة للأمة كليًّا هي الفِرق التي تنتسب إلى مذاهب وعقائد انتشرت داخل الحضارة ومن خارجها، وأصبحت تُكون روافد فيها. والفِرق الثانية المخالفة للأمة نسبيًّا هي فِرق المعارضة التي تأتي من داخل الحضارة، وتُعطي تأويلًا لعقائدها مُخالفًا لتأويل الفرقة الناجية، حزب السلطان. وقد تنضمُّ غُلاة فِرق المعارضة إلى الفِرق الأولى نظرًا لسهولة تعرُّضها لآثار من البيئة الحضارية والمذاهب المُجاورة التي دخلت ضِمن الحضارة الجديدة الناشئة. وإذا تم التقارب مع الفرقة الناجية، فإن ذلك يتم على مستوى الدفن والفيء والغنيمة والصلاة، ولكن تظل فِرق المعارضة معزولة عن جماهير الأمة؛ إذ لا تجوز الصلاة عليها أو خلفها، أو أكل ذبيحتها، أو التزاوج منها؛ حتى يظلَّ الحصار الاجتماعي مضروبًا حولها.١٥
وعلى هذا النحو يصبح علم أصول الدين هو الحاوي لتاريخ الفِرق داخل الحضارة وخارجها. وتضم الفِرق داخل الحضارة ليس فقط الفِرق الكلامية، بل أيضًا باقي العلوم، مثل الحكمة وأصول الفقه والتصوف، بل وباقي العلوم النقلية والعلوم العقلية والعلوم الإنسانية، وتدور كلها حول موضوع الحضارة. الإنسان هو موضوع الحضارة وبؤرتها؛ فالإنسان قابع في قلب الوحي، مقصد الله له، والكلام ذراعه الأيمن لدفع التأليه والتجسيم والتشبيه، والحكمة ذراعه الأيسر لدفع قِدم العالم وفناء البدن، والأصول قدمه اليسرى يقف بها على الأرض ويُثبت نفسه في الواقع، والتصوف قدمه اليمنى يرفعها إلى أعلى ليستريح من هموم الدنيا. فالعلوم الأربعة هي أطراف الإنسان الأربعة، والوحي قلبه في صدره، وكلها مرتبطة بالفهم في الرأس ومركز الحركة للأطراف. وتضمُّ الفِرق خارج الحضارة كل المذاهب والديانات والعقائد التي أتت من البيئات المُجاورة ثم أصبحت محليةً بعد انتشار الحضارة الجديدة الناشئة فوقها، وضمها إياها، واحتوائها لها. وأحيانًا لا ينفصل الحديث عن الفِرق خارج الحضارة، أي فِرق الأمة، عن الفِرق داخلها، أي فِرق المعارضة. فهي حضارةٌ واحدة أصبحت مُمثلة للبيئات الحضارية القديمة المُجاورة، بعد أن تم التعرف عليها وترجمتها وتمثُّلها، ومُبدِعة لفِرقها الخاصة؛ وبالتالي أصبحت الحضارة حلقةً من تاريخ الحضارات البشرية، كما أصبح علم أصول الدين مُمثلًا لعلم تاريخ الأديان.١٦ وغالبًا ما يحكم التصنيفَ الأصولُ لا الفروع، مناهج النظر لا نتائجه، رغبةً في التأصيل دون التفصيل، بل إن التكفير العقائدي النظري ذاته إنما يرجع إلى التكفير المنهجي النظري على الرغم من غلبة النظرة الفقهية أحيانًا، والكلامية أحيانًا أخرى، والأصولية أحيانًا ثالثة.١٧

(٢-١) هل هناك كفَرة لا تُقبَل منهم الجزية؟

وتُصنَّف فِرق الأمة ابتداءً من الكفر العام إلى الكفر الخاص؛ فهناك الكفَرة الذين لا تؤخذ منهم الجزية، والذين لا صلح معهم أو مُهادنة، إما الإسلام وإما القتال، وكأن الفِرق الكلامية الحضارية قد تحوَّلت إلى فِرقٍ عسكرية تستدعي النزال بالسيف. وإن حصرها في خمس عشرة فرقةً أمرٌ تعسُّفي خالص، ورغبة في الإبقاء على هذا العدد الرمزي في تبويب الأصول وتأصيل الأبواب. ولا يوجد ترتيب معيَّن بين الفرقة والموضوع الذي عُرفت به. واتفاقًا مع العدد المقترَح تكرَّرت المواقف نفسها في فِرقٍ متعددة.١٨ ويدخل معها مشركو العرب؛ فالعرب كلها لا بد وأن يكونوا مسلمين، والإسلام دين الجزيرة، مُوحدًا لقبائلها. لا يوجد فيها وثني، وإن أمكن كتابي أو صابئي أو مجوسي.١٩ فوحدة الجزيرة مقدمة للانطلاق بوحدة خارجها. ولكن طبقًا لنسق العلم ومنظومة العقائد الثلاثية بين المقدمات النظرية الأولى (نظرية العلم ونظرية الوجود)، والإلهيات (العقليات)، والسمعيات (النبوات)، يمكن القول إن معظم الفِرق تتعلق بنظرية الوجود، ويتم تكفيرها بسببها، وهي مجرد مقدمة نظرية للإلهيات، يتلوها التوحيد ثم النبوة والمعاد. ولكن لا يظهر على الإطلاق أصل العدل أو موضوع الإيمان والعمل أو موضوع الإمامة؛ لأنها موضوعاتٌ عقائدية صرفة لا تمسُّ الفِرق الحضارية، في حين أنها الموضوعات الرئيسية لفِرق المعارضة.
ففي نظرية العلم تبدو السوفسطائية أولى فِرق الكفرة الذين لا تؤخذ منهم الجزية؛ فهي إنكار للحقائق، والحقائق أساس الاعتقادات؛ فالسوفسطائية تُنكر العلم، وتُنكر وجود أي شيء يمكن معرفة حقيقته. وإن خفَّت فإنها تقف موقف اللاأدرية بين الإثبات والنفي. وإن وُجدت مثل هذه الحقائق فإنها تكون تابعة للاعتقادات؛ أي نسبية خالصة دون إمكانية الاتفاق عليها موضوعيًّا. تكفي إذن السوفسطائية ولا تُقبَل منها الجزية، إما الإسلام أو القتال. فالحقيقة موجودة ويمكن معرفتها، وتكون معرفتها شاملة وموضوعية. ويهمُّ الفرقة الناجية القطع والحسم والإثبات حتى يمكن تربية جماهير الأمة على الاعتقاد الثابت الذي يقترب من التعصب؛ فالسلطان موجود، وشرعيته معروفة ولا خلاف عليها. فالشك يُولد التفكير، والتفكير يؤدي إلى الرفض. وقد انتهى الأمر إلى القطيعة الخالصة؛ فبانتهاء الشك ينتهي الفكر، مع أن الشك أساس اليقين. أما السُّمنية فإنها تُقرُّ بشيءٍ يمكن معرفته، ولكنها لا تُثبت إلا المعرفة الحسية فقط. أما النظر فتتكافأ فيها الأدلة، وتتعادل فيه الحجج؛ وبالتالي يبطُل النظر كطريق إلى المعرفة؛ فهي أيضًا لا يُقبَل منها الجزية، إما الإسلام وإما القتال. فلا يكفي التسليم للسلطان حسيًّا عن طريق القوة والغلبة والعسكر، بل لا بد من التسليم عقليًّا وشرعيًّا حتى يتأصل الاعتقاد، ولا يأتيَ سلطانٌ آخر أكثر غلبةً يُدركه الحس فيستسلم له. وقد أدَّى إنكار المعرفة الحسية إلى أن أصبح وِجداننا القيمي لا يعتمد عليه، وهو في النهاية أساس النظر، وأصبح النظر خاويًا من غير مضمون.٢٠
أما بالنسبة لنظرية الوجود فتتنوع الفِرق، وتشمل الدهرية وأصحاب الطبائع وأصحاب الهيولى وأصنافًا من الفلاسفة وكفرة المنجمين. فعند الدهرية، العالم قديم طبيعةً وإنسانًا، لا أول له، والتسلسل إلى ما لا نهاية غير مستحيل. وهل لا بد أن يوجد إنسانٌ أول أو سنبلةٌ أولى أو علةٌ أولى مُنفصلة عن معلولها؟ ألا يؤدي ذلك إلى التشخيص وتصور الإله على أنه صانع؟ وإذا هوت الأرض أبدًا إلى ما لا نهاية فإن طاقتها تتناقص. إن القول بعدم البداية الأولى ليس إلحادًا، بل هو أكثر عقلانية من حيث الفهم. التواصل أقرب إلى العلم، والانقطاع أقرب إلى الدين. والعالم موضوعٌ علمي، والقول بقِدمه فكرٌ علمي. أما الخلق فموضوعٌ ديني، والقول بحدوثه فكرٌ ديني. ولكن لماذا تكفير الدهرية وهي تؤمن بوجود الله، ولكنها فقط تتصور العالم قديمًا بقِدمه حتى لا تتصوره صانعًا، وبناءً على حججٍ عقلية تُثبت قِدم العالم، وفي مقدمتها قِدم العلم، وقد كان العالم فكرة في الذهن الإلهي قبل خلقه بالإرادة أو الأمر؟ أما أصحاب الطبائع فيقولون بقِدم العناصر الأربعة، وكل أنواع النبات والحيوان والجواهر مركَّب منها، وقد اختلفت باختلاف الصور لاختلاف المزاج في التركيب. والأفلاك طبيعةٌ خامسة قديمة غير قابلة للاستحالة والتغير. والصانع قديم، لوجوب سبق الفاعل للفعل. فالقدماء ستة؛ العناصر الأربعة والفلك والصانع. وهي تصوراتٌ فلسفية مُمكنة سادت الحضارة لا تستوجب التكفير والقتال.٢١ ولا يفترق أصحاب الهيولى عن أصحاب الطبائع إلا في التفاصيل؛ فعند أصحاب الطبائع للعالم هيولى قديمة وأعراضٌ حادثة، وأن الأعراض تظهر من الجواهر القديمة طباعًا، ولكل جنس من العالم هيولى مخصوصة؛ أي إن الهيولى الأولى تتعين في جواهر خاصة، كلٌّ منها قديم. وهو تصورٌ ممكن لا يستوجب التكفير أو القتال. أما الفلاسفة فإنهم أصناف؛ صنفٌ يقول بقِدم العالم ونفي الصانع، وصنفٌ ثانٍ يقول بقِدم العالم وأن له علةً قديمة، وصنفٌ ثالث يقول بأن الصانع متصور بالعقل. فالصنف الأول القائل بقِدم العالم ونفي الصانع يُعطي الأولوية للموضوع على الذات، ولا يقع في التشخيص، ويتصور أن لكل شيء علة، وأن الشيء هو معلول؛ أي مفعول وليس شيئًا. وهي بداية القسمة بعد ذلك في السياسة إلى حاكم ومحكوم. والصنف الثاني القائل بعالمٍ قديم وعلةٍ قديمةٍ يظل على الموقف الأول الطبيعي، ولكنه يقترب من الثاني الديني دون الوقوع في التشخيص، فيكون الشيء علةً ومعلولًا، ذاتًا وموضوعًا. والصنف الثالث القائل بأن الصانع متصور بالعقل هو قمَّة الإيمان العاقل، فالعقل أساس النقل، وبداية علم أصول الدين، والانتقال من الطبيعة إلى ما وراء الطبيعة عن طريق الأدلة على وجود الله. فهل في هذا كفرٌ يستوجب القتال؟ وهل تأويل الفلاسفة مُخالف لنصوص الشرع أم أنه تعقيل لها لمزيد من الإنسانية والعقلانية والروحانية والشمول؟ أليس إنكار علم الله بالجزئيات صورًا إنسانية عن العلم الاستنباطي ضد العلم الاستقرائي، وهو أقرب إلى الفلاسفة، على حين أعطى علماء أصول الفقه الأولوية للمنطق الاستقرائي على المنطق الاستنباطي من أجل إصدار الأحكام على الجزئيات؟ أليس إنكار حشر الأجساد، والتعذيب بالنار، والتنعيم في الجنة بحور العين والمأكل والمشرب والملبس من أجل إثبات المعاد الروحي والنعيم الروحاني، أقرب إلى العقل والإنسانية؟ أليس القول بتقدُّم الله على العالم هو تقدُّم بالرتبة كتقدم العلة على معلولها دون أن يعني ذلك تقدمًا في الزمان، إحدى التصورات الممكنة التي لا يرفضها العقل؟ إن تأويل الفلاسفة للنصوص والانتهاء إلى هذه القضايا الثلاث إنكار علم الله بالجزئيات، وإنكار حشر الأجساد، والقوم بقِدم العالم، ليس تكذيبًا للنبوة وللرسالة، بل تحويل للعقائد إلى مَعانٍ عقلية تتَّفق وطبيعة العصر والروح المثالية للفلسفات القديمة؛ نعمة العقل، ومنهج الاستنباط، ولذة الدهشة والمعرفة. وإن التعديل الفاسد ليس كذبًا أو كفرًا، بل هو اجتهادٌ خاطئ له أجر. فهل يستوجب قول الفلاسفة تكفيرًا أو قتالًا؟٢٢ أما كفرة المنجمين فإنهم يقولون بقِدم الأفلاك والكواكب، وبأن حركاتها سبب وقوع الحوادث في العالم. يقول البعض منهم بألوهة الشمس وعبادتها، والبعض الآخر بألوهة الشمس والقمر. الأول سلطان النهار، والثاني سلطان الليل. ويقول فريقٌ ثالث بعبادة الكواكب السبعة مُدبرات العالم. ويُفضل فريقٌ رابعٌ القول بقِدم زُحل وحده لأنه أعلاها. كلها فِرقٌ جعلت العالم العُلوي بين الإلهيات والطبيعيات كخطوة انتقال من الفكر الديني إلى الفكر العلمي. فهل تكفر وتُستباح دماؤها؟ ولماذا اعتُبرت الصابئة، وهم عبَدة الكواكب، مع أهل الكتاب يُقبَل منهم الجزية ويبقَون على عقائدهم؟٢٣
أما بالنسبة للإلهيات فيكفر الذين عبدوا إنسانًا محدودًا، مع أن المسيحية تقول بذلك أيضًا بتأليه المسيح، بل وتقول الفرقة الناجية أيضًا بتأليه الإنسان الكامل.٢٤ كما يكفر الذين قالوا بعبادة رأس مخصوصة من رءوس الناس وكتمان الدين على غيرهم. فهل هذا دين؟ وما دام أمره مكتومًا على العامة، فلِمَ تعمُّ به البلوى، وليس له دلالة إلا من حيث عبادة الإنسان وتأليهه.٢٥ ويكفر الذين يقولون بعبادة الملائكة، مع أنها جواهر مفارقة مثل العقل والنفس والله، فلا غرابة أن تكون موضوعًا للعبادة، ووضعها كذلك في كل دين وملة، هي أقرب إلى الإناث منها إلى الذكور، وتعكس طبيعة التكوين الاجتماعي ووضع المرأة في تفضيل الذكور على الإناث. وفي النهاية هي فِرقٌ تاريخية صرفة لم يعد لها وجود، ولكن يظل سلاح التكفير مشهورًا ضدها إلى حد القتال منعًا للخروج على عقائدها الفرقة الناجية؛ وبالتالي منعًا للخروج على السلطان.٢٦ أما الحلولية فإنها تقول بعبادة كل صورة حسنة لأن الله حل فيها، أو بحلول الله في الأنبياء ثم في الأئمة.٢٧ وهي أقرب إلى الرومانسية الأدبية التي توجد في مجتمع الاضطهاد من أجل رفع العالم بعد سقوطه، وتثبت الزعماء بعد استشهادهم أو اختفائهم. ومثلها التناسخية التي تقول بانتقال الأرواح في الأجساد ثوابًا وعقابًا.٢٨
وبالنسبة للسمعيات تكفر البراهمة بالرغم من إقرارهم بحدوث العالم وتوحيد صانعه وعدله وحكمته؛ لأنهم أنكروا النبوات والشرائع، وأثبتوا تكليف المعرفة من وجهة خواطر العقول؛ فقد كلَّف الله العباد بأن يعرفوه بعقولهم، وأن يشكروه على نعمه، وألا يظلم بعضهم بعضًا. وحرَّموا ذبح البهائم وإيلامها بلا ذنب. وإيلام الله لها في الدنيا لأجل عوضها في الآخرة. فأين الكفر في ذلك؟ ألا يتفق ذلك مع اكتمال الوحي وانتهاء النبوة، واكتمال الوعي الإنساني باستقلال العقل والإرادة؟ وما العيب في قانون الاستحقاق، وأنه لا ذنب دون استحقاق إلا بعوض؟ وما المانع من نظرةٍ إنسانية عامة ترفع الحيوان من حيث هو روح إلى مستوى الإنسان؟ أليست البراهمة أولى بالاعتبار من اليهود والنصارى الذين يُنكرون خاتم النبوة؟ وهل يكفر أحد في السمعيات أم أنه لا كفر إلا في العقليات؟٢٩ أما النظر والعمل فيكفُر كل من ينتهي إلى الإباحة. وقد تحدث الإباحة نتيجةً للقول بالحلول، فيحدث اطمئنانٌ داخلي لتأييد الروح للبدن؛ أو نتيجةً للقول بإلهَين والصراع بين النور والظلمة، فإذا ما تغلَّب النور حدثت الإباحة؛ أو نتيجةً للقول بالطبائع، فيصبح الشرعي هو الطبيعي. والإباحة رد فِعل طبيعي على النفاق في التمسك بالشريعة في الظاهر وعصيانها في الباطن، ورد على قهر الأوامر، ورد اعتبار إلى ميول الطبيعة التي يتم إثباتها في علم أصول الفقه، كما هو الحال في التوحيد بين المباح أو الحلال وبين الطبيعي وهو ما تُمليه الفطرة.٣٠

(٢-٢) هل هناك كفَرة تُقبَل منهم الجزية؟

وهؤلاء أقل شرًّا من الكفرة الذين لا تُقبَل منهم الجزية؛ إذ يمكنهم أن يتعايشوا مع الأمة، وأن تَقبلهم الفرقة الناجية بين ظهرانيها، ولديهم خيارٌ ثالث بين الإسلام والقتال، وهو خيار الجزية حفاظًا على عقائدهم، وأمانًا للأمة من عداوتهم. وهم أربع فِرق؛ الصابئة واليهود والنصارى والمجوس. فهل هذه الفِرق الأربع على مستوًى واحد؟ هل الصابئة والمجوس مثل اليهود والنصارى؛ وبالتالي تتساوى ديانات خارج الوحي مع ديانات الوحي؟ وهل عبادة الكواكب عند الصابئة، والقول بإلهين عند المجوس، مقبول من الفرقة الناجية؟ ولماذا إذن تكفير الدهرية وأصحاب الطبائع والهيولى والفلاسفة والمُنجمين، وهم يقولون بقِدم العالم والأفلاك، وهي تُشارك الصابئة في عبادة الكواكب؟ ولماذا تكفير من يقول بإلهين والمجوس تقول به؟ وهل الصابئة عبَدة أوثان أم عبَدة طبيعة؟٣١
تقول الصابئة بحدوث العالم وإثبات الصانع، وأنه لا يُشبه شيئًا، ولكن الصانع خلق الفلك حيًّا ناطقًا سميعًا بصيرًا مُريدًا مُدبرًا العالم، والكواكب ملائكة. وهو قولٌ مُشابه للتوحيد باستثناء حياة الأفلاك. وما دام الأمر كله تشبيهًا، قياسًا للغائب على الشاهد، فلا فرق بين إسقاط الحياة والسمع والبصر على الوعي الخالص أو على الطبيعة. وهو مُشابه لقول الفلاسفة. فلِمَ لا يُقبَل منهم إلا الإسلام أو القتال دون الجزية ويُقبَل من الصابئة الجزية؟ وإن عدم الوصف بصفات الإثبات أفضل من الوقوع في التشبيه، كما أن نفي صفات النقص عنه أقرب إلى التنزيه؛ فلا يُقال حي عالم قادر، ولا يُقال ليس بميت ولا جاهل ولا عاجز. وإن الزيادة في عدد الأنبياء لا يخرج عن النبوة؛ وذلك لأن الوحي قص بعض الأنبياء ولم يقصص البعض الآخر. كما أن ممارسة الشعائر مثل الصلاة والصيام كيفًا لا تستلزم كمًّا معيَّنًا، ولا تتطلب الالتزام بقوانين الطعام أو قواعد الطهارة شكلًا خاصًّا ما دام الاتفاق قد تم على الجوهر والقصد. وقد تكون الأحوال الشخصية أكثر إحكامًا، فلا طلاق إلا بحكم ولا جمعًا بين امرأتين. إن لم تكن الصابئة قد وُجدت في الماضي، فإنها ستوجد في المستقبل برسول من العجم ينزل عليه كتاب من السماء جملةً واحدةً ينسخ به الشرائع السابقة، ويُعلن الاتفاق بين دين الوحي ودين الطبيعة ودين الأخلاق.٣٢ والسؤال: هل ما زالت الفِرق القديمة موجودة حتى يمكن التعامل معها؟ وإن لم تكن موجودة ولم توجد بعد، فكيف يتم إصدار حكم عليها؟ وهل توجد فِرق حاليًّا ليس لها حكمٌ شرعي حتى يمكن التعامل معها؟ وهل تُشير الصابئة إلى فِرقٍ تاريخية معيَّنة، أم أنها اختيارٌ نظري من طبيعة العقل لدين الطبيعة؟
أما اليهود فهم أهل كتاب بالرغم من اختلافهم فيما بينهم، وتعدُّد فِرقهم واختلافهم حول توراتهم وشرائعهم وعدد أنبيائهم، وحول النسخ وإثبات اكتمال الوحي ونهاية النبوة. وهناك فِرقٌ أخرى أقرب إلى توحيد المسلمين قديمًا وحديثًا، وتُشاركهم في أصلَي التوحيد والعدل؛ وبالتالي يصعب تكفيرهم في العقليات.٣٣ أما النصارى فليس كلهم مشركين غير مُوحدين، وإن كانت الغالبية تقول بالتثليث على اختلاف درجات التركيز حول طبيعة المسيح، إله أو ابن الله أو ثلاثة أقانيم في جوهرٍ واحد، وعلى اختلاف درجات تصور اتحاد الله بالابن بين الاتحاد على الحقيقة، وبين ظهور النقش في الطين والشمع وظهور الشعاع على ما ظهر عليه. وهي أقوال لا تختلف كثيرًا عن أقوال الصوفية في الاتحاد بالله، وحلول الله في الإنسان ووحدته في العالم. وهي تصوراتٌ نظرية ترفضها فِرقٌ أخرى قديمًا وحديثًا تقول بالتوحيد. وتظلُّ الممارسة العملية لبعض الفِرق التي تُمارس التقوى والفضيلة، وتأتي بالأعمال الصالحة، هي المَحك في ولايتها، التزاوج منها وأكل ذبائحها واعتبارها ضِمن فِرق الأمة.٣٤ وأخيرًا أشكل الأمر في المجوس؛ هل هم أهل كتاب أحدثوا القول بصانعين، أحدهما بخلق الخير والآخر بخلق الشر، ثم رُفع كتابهم كما هو الحال في رفع السيد المسيح؟ هل هم ثنوية في الأصل من أصحاب النور والظلمة ودانوا بعبادة النار؟ هل تؤخذ منهم الجزية كأهل الكتاب، ويكونون كأهل أوثان في الذبائح والنكاح؟ وما دية المجوسي، مُساوية لدية المسلم نفسًا بنفس، أو لا تُساويها لأن المسلم لا يُقتَل بالذمي؟ وما دية الذمي، نصف دية المسلم أو ثلثها؛ وبالتالي تكون دية المجوسي خُمس دية الذمي أو جزءًا من خمسة عشر جزءًا؟ ألا يُساوي إنسان إنسانًا آخر في القصاص؟ وهل يتدخل الخلاف العقائدي في قيمة الإنسان، أم أن الغرض من ذلك كله هو تجويز فشل المُخالف في الرأي والتخلص منه؟٣٥

(٢-٣) حكم من لم يبلغهم الإسلام أو المرتدِّين عنه

وهذه ليست فرقة بقدر ما هي جماعة لم تبلغها دعوة الإسلام، أو بلغتها ثم ارتدَّت عنه. الأولى معذورة لأنه لا حكم إلا بعد البلاغ، والثانية لا عذر لها للنكوص والارتداد. وفي كلتا الحالتين تنبع قيمة الإنسان من فكره، ويستمد وجوده من عقيدته؛ فالذين لم تبلغهم دعوة الإسلام إن كانوا وراء السد أو في طرف من أطراف الأرض ولم تبلغهم دعوة الإسلام، وكانوا مُعتقدين لما دل عليه العقل من حدوث العالم وتوحيد الصانع وصفاته، فهم كالمسلمين؛ فالعقل والوحي طريقان يُوصلان إلى الحقيقة نفسها، ولكن لما كان الإسلام عقيدة وشريعة يظل السؤال: هل لا بد لهم من شريعة؟ لو بلغتهم دعوة الإسلام فإنهم يُدعَون إلى أحكام الشريعة. فإن امتنعوا عن قبولها ولم يكونوا على شرع أهل الكتاب، صاروا كالوثنية الذين لا تُقبَل منهم الجزية. وفي هذه الحالة ألَا تشفع لهم معارفهم النظرية، خاصةً إذا ما أدَّت إلى السلوك الفاضل والعمل الصالح؟ ألا تكفي شريعة العقل العملية، شريعة الطبيعة والفطرة، وهو الإسلام الطبيعي؟ وإن كانوا أهل كتاب ولم تبلغهم دعوة الإسلام، ثم امتنعوا عن قبوله بعد إبلاغهم، صاروا مثل أهل الجزية، ولا يجوز قتلهم قبل دعوتهم إلى الإسلام وإقامة الحجة عليهم، فلا عقيدة بلا حجة. ولكن ما العمل إذا غلبوا بالحجة، أو إذا لم يقتنعوا بالحجة وأصرُّوا على طلب البرهان؟ وما ديته في حالة القتل؟ أيكون بغيرِ ديةٍ ما دام بغير عقيدة، فقيمة الإنسان بعقيدته، أم له دية المسلم، فلا فرق بين إنسان وآخر من حيث قيمته، أو كدِية أهل دينه يهوديًّا كان أم نصرانيًّا، أو كدِية المجوسي إن لم يكن له دين؟٣٦
أما المرتدُّ فإنه يُستتاب وإلا قُتل، ولا تُقبَل منه الجزية حتى تُستباح دماء المُخالفين في الرأي باعتبار الرأي المُخالف ردَّة. ولما كان الرجال هم أداة المقاومة أكثر من النساء، فقد خفَّ الحكم على المرأة المرتدَّة. قد يكون حكمها كالرجل تُستتاب، ولا تُقتَل دون أن تسترق أو لا تُقتَل. فإن لحِقت بدار الحرب جاز استرقاقها بعد السَّبي حتى لا تُفكر في المقاومة والخروج على السلطان. ويجب قضاء الصلوات والصوم المتروكين في حالة الردة دون الحج. وقد لا يوجب ذلك، وإنما الذي يوجب هو الحج قبل الردة. وأداء الشعائر لا يتم إلا بالعقيدة، حيث يجب الاستسلام المطلق لعقائد الفرقة الناجية ولأوامر السلطان. أما أولاد المرتدِّين فيجوز استرقاقهم إرهابًا للآباء، وقد يُتركون لحالهم رحمةً بالآباء. وارتداد الصبي غير صحيح، ويظلُّ على عقائد السلطان. أما إسلامه فصحيح أيضًا إلا إذا رجع عنه بعد بلوغه فيصير مرتدًّا. وإن إظهار الصبي الإسلام يُفرق بينه وبين أبوَيه حتى لا يفتناه عن دينه، وإن رجع إلى دين أبويه كان من أهل الجزية وليس من المرتدين. وإذا ارتدَّ الزوجان انفسخ النكاح إن كانت الردة قبل الدخول، ويوقف على العدة إن كانت بعد الدخول، فإن انقضت التوبة قبل الرجوع إلى الإسلام انفسخ النكاح، وإن أسلما قبل العدة بقيا على النكاح الأول. وقد يبقى النكاح إعطاءً للأولوية للعِشرة التي تجمع بين الزوجَين على العقيدة التي تُفرق بينهما. وهكذا تصبح الفرقة العقائدية وسيلة لفكِّ أواصر الرباط الاجتماعي، وكأن السلطان هو الأب والزوج لجميع المؤمنين، يُشاطرونه عقائده ويمتثلون لأوامره. إنما الغاية من الحكم على المرتد عزله اجتماعيًّا، فلا تحل ذبيحته ولا نكاحه، ولا دية له، ولا قصاص على قاتله.٣٧ وكثيرًا ما يُستعمل قانون الردة حاليًّا للإرهاب الفكري والسياسي. وهي واقعة لا تعمُّ بها البلوى، وتبلغ ندرتها إلى حد استحالتها. وأين السبي والاسترقاق الآن، ومن الذي يُمارسه؟ إنما تقضي الردة الآن الرجوع إلى الوراء وتبنِّي مرحلة سابقة من مراحل سابقة من مراحل الوحي دون مرحلته الأخيرة، حيث يكتمل الوحي وتُختتم النبوة، ويُعان عن استقلال الإنسان عقلًا وإرادةً؛ فالردة نكوص وتراجع، في حين أن الإسلام تأكيد لتحقيق الوحي لغايته، تقدُّم الوعي الإنساني حتى يصل إلى مرحلة الاستقلال.

(٣) فِرق المعارضة

فِرق المعارضة في مقابل فِرق الأمة هي التي تنشأ من الداخل أساسًا قبل أن تنشأ من الخارج، وتُعبر عن قوًى اجتماعية وسياسية داخلية، ثم تلتحم فيما بعدُ مع فِرق الأمة لتقوية مواقفها وتدعيم عقائدها. وهي على ثلاثة أنواع؛ الأول فِرق المعارضة السرية في الداخل التي تقوى على المعارضة العلنية في الداخل أو في الخارج، والتي تُعبر عن مجتمع الاضطهاد عن الأقلية المحاصَرة من الأغلبية. رفضت المساومة، وعجزت عن استئناف المقاومة بعد أن استشهد أئمتها، فتحوَّلت إلى حركةٍ سرية تحت الأرض تنتظر الفرصة السانحة لمعاودة النشاط العلني واستمرار المقاومة الفعلية. والثاني المعارضة العلنية في الخارج التي تستأنف النضال العلني، ولكن في جماعاتٍ مُنفصلة على هوامش المجتمع وفي مُحيطه، وليس في وسطه ومركزه، لتقويض مجتمع البغي بالانقضاض على أطرافه من الخارج بدل تقويضه من الداخل، عن طريق إفراغ قلبه وهدم سلطته. والثالث المعارضة العلنية في الداخل، وهي المعارضة المستمرة التي تبغي الدخول في الصراع العقلي أولًا؛ فهي مقدمة للصراع الفعلي وشرطه. تعتمد على العقل والحوار، وعلى استعمال الحجج والبراهين. تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علنًا بالحق مستوفيةً شروطه كأصلٍ من أصول الدين، ولا تستعمل إلا السلاح العقلي من أجل تنوير الناس وتثوير الجماهير. فإذا غاب الانفعال والفعل على الفريقين الأولين، فإن العقل والتنوير هما الغالبان على الفريق الثالث. وإذا سهُل اتهام الفريقين الأولين بقلب نظام الحكم واستعمال العنف، فإنه يصعب اتهام الفريق الثالث لأنه يجهر بالحق ولا يُخفي شيئًا، ويدعو إلى إعمال العقل ويطلب البرهان، ولا يتسلح إلا بحرية الفكر الذي لا يعيش القهر والبغي إلا في غيابه؛ لذلك كان الهجوم الأكبر من فريق السلطان على المعارضة العلنية في الداخل؛ فالأولى يسهُل حصارها عقائديًّا لمُغالاتها في تصوير العقائد وقيامها بالنشاط السري، والثانية يسهُل حصارها عمليًّا لانقضاضها بالسلاح على جماهير الأمة. أما الثالثة فيصعب حصارها نظريًّا لقوة أصلَيها، التوحيد والعدل، وعمليًّا لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنصح الحكام، وتدعو إلى الشورى علنًا والناس شهود، وليس أمام السلطان إلا الإقناع أو الاقتناع.٣٨

(٣-١) المعارضة السرية في الداخل

وتشمل كل الفِرق التي ظهرت في مجتمع الاضطهاد، يغلب عليها طابع التحول إلى الداخل، والانقلاب إلى الباطن، والمُغالاة في الرفض، والتشيع والتحزب لفريقٍ دون فريق.٣٩ تغلِب على عقائدها موضوعات الألوهية والنبوة والإمامة، دون العدل بعد أن كفروا بالعدل في الدنيا، ودون المعاد بعد أن رفضوا العدل في الآخرة. وفي مقابل الاختيار الإنساني يضعون القدر، وفي مقابل العقل يضعون الروح. ويرون الإيمان نفاقًا، والعمل تبريرًا للظالم. غرض المعارضة السرية في الداخل تقويض الدولة وهدم النظام، والقضاء على السلطة اللاشرعية. فإذا ما اتَّحدت مصالحها مع إحدى فِرق الأمة الحضارية، فإن المؤامرة تتحوَّل إلى نظام الإسلام ذاته من أجل ضياع شوكته، ابتداءً من ضياع العقيدة والقضاء على أسباب قوَّتها. ففي الإلهيات تظهر الثنائية بديلًا عن التوحيد؛ ثنائية الله والشيطان، الخير والشر. ومع أن الأول خلق الثاني إلا أنهما معًا مُدبران للعالم؛ وبالتالي يُقضى على الدين الجديد القائم على التوحيد، وتُعاد الثنائية القديمة، وتُساعد ثنائية الخير والشر فِرق المعارضة على مقاومة سلطة البغي؛ لأنها عقائد صراع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين المقهور والقاهر، وكما تُساعد عقائد التوحيد عند الفرقة الناجية على قهر المعارضة باسم الإله الواحد والسلطان الأوحد. وبالنسبة للنبوات، لما كان تركيز فرقة السلطان على أن المعجزة هي الدليل على صدق النبوة، فقد أنكرت المعجزات الخارقة للعادة من أجل إنكار النبوة وتقوية الأئمة. كما تم إنكار الملائكة من السماء الحاملين للوحي في مَعرِض إنكار النبوة من أجل تقويض مصدر النبوة في الوحي. وتم تأويل الملائكة لحساب المعارضة؛ فجبرائيل وميكائيل وإسرافيل زعماؤها، أما الشياطين فهم مُخالفوهم، الأبالسة علماء السلطان.٤٠ ليس الأنبياء سحَرة، بل قادة. هم قومٌ أحبُّوا الزعامة، فساسوا العامة بالنواميس والحيل طلبًا للزعامة وبدعوى النبوة، ثم استعبدوهم بالشرائع من أجل إبقاء الناس تحت إمرتهم، على عكس الأئمة الذين يأتون لتحرير الناس، لكل نبي دور سبع، إذا انقضت ظهر في دور آخر. يقومون بتأويل الشرائع حتى تخفَّ قبضتها على الناس ويتحرَّرون منها؛ فالصلاة الثناء على الإمام، والزكاة دفع الخُمس إليه، والصوم الإمساك عن إفشاء أسرارهم عند مُخالفيهم، والزنا إفشاء أسرارهم بغير عهد. وينتهي التأويل إلى إسقاط العبادات والحدود؛ فيُباح الخمر، ويُباح نكاح ذوات المحارم، ويعود دين المجوس. فإذا كانت الثنائية عقيدة صراع لمجتمع الاضطهاد في مُقابل عقيدة التوحيد لمجتمع الغلبة، فإن الإمامة أيضًا تكون في مجتمع الاضطهاد ووسيلة تحرُّر من النبوة كعنصر قهر في مجتمع الغلبة. وإذا كان تطبيق الحدود والشرائع في مجتمع القهر وسيلة للضغط الاجتماعي، فإن تأويل الشرائع في مجتمع الاضطهاد وسيلة للتحرر من الشريعة حتى تسقط نهائيًّا، ويتحرَّر الإنسان مع نفسه أولًا قبل أن يتحرر من الآخر، وإلى الداخل قبل أن يتحرر إلى الخارج؛ فالإباحة رد فِعل طبيعي على الكَبْت. وإن طبيعة السلوك في المجتمع المغلَق هو التحرر في إطار الانغلاق، التحرر المُنعكس على الذات كوسيلة لتقويض مجتمع القهر من الداخل.٤١ وكان من الطبيعي أن تحكم عليها فرقة السلطان بأنهم مجوس، تؤخذ منهم الجزية، وتحرم ذبائحهم ونكاحهم، أو بأنهم زنادقة تُقبَل توبتهم إذا جاءوا تائبين، ولا تُقبَل بعد ضبطهم مُتلبسين في خلاياهم السرية.٤٢
وقد تعتمد عقائد أخرى للمقاومة السرية لا على الثنائية المُتعارضة بين الخير والشر، بل على الحلول، حلول الله في الإنسان، وحلول الروح في البدن. فنتيجةً لإبعاد الله عن العالم يأتي إليه، ونتيجةً لإبعاد المظلوم وإنكار حقه فإنه يتأكد بحلول الله فيه. يظلُّ الله حاضرًا حتى ولو فنِيَ الإنسان، فالحقُّ باقٍ حتى ولو انهزم أنصاره. وكما يحلُّ الله في الإنسان يحلُّ في الكون، ويصبح الله والإنسان والطبيعة شيئًا واحدًا. هذا الإنسان الذي يحلُّ فيه هو الإنسان المُتميز، القائد الزعيم، وهو الإمام الذي يقوم بالتبليغ عن الرسالة ثانيةً باسم الله إلى الأمة ليمحق الظلم، ويُعيد الحق، ويؤسِّس العدل. فإذا ما حلَّت الروح في البدن أصبح سلوك الجوارح شرعيًّا بفعل الروح، فتسقط العبادات والمحرَّمات والشرائع التي تُمارسها وتطلبها فرقة السلطان، وتكون للجماعة السرية شريعتها الخاصة التي تقوم على التحرر الذاتي مع النفس إن استحال التحرر من الآخر في الخارج. وتجوز شهادة الزور على مُخالفيهم، بل وخنقهم تقويةً لأواصر الجماعة السرية، وتفكيكًا لنظام جماعة الغلبة والقهر. كل من عداهم كافر، كافرون الذين لا يُناصرون الإمام الحق، وكافرٌ الإمام الحق الذي يترك قتال أعدائه. ونتيجة ذلك كان حكم فرقة السلطان عليهم بالردة، وحكمهم حكم المرتدِّين.٤٣
وقد تأخذ عقائد المعارضة صورًا أبسط بدلًا من الثنائية بين الله والشيطان، أو حلول الله في الإمام، وهي عقائد التجسيم والتشبيه؛ ففي التجسيم يكون لله حد ونهاية من جهة السفل، ومنها يماس عرشه، ويكون محلًّا للحوادث، يرى الشيء برؤيةٍ تحدُث فيه، ويدرك ما يسمعه بإدراك ما يحدُث فيه. وفي التشبيه يكون الله على صورة إنسان. وإذا ما عبد الإنسان الله فإنه يعبد إنسانًا مثله. والحقيقة أن التجسيم والتشبيه إنما يُمثلان رد فِعل على إبعاد الله عن حياة البشر، واعتباره الفوق المطلَق الذي ليس كمثله شيء، ثم يعتمد السلطان على هذا التصور ليتمثله ويصبح هو الله. فبدلًا من الله السلطان أو السلطان الله، هناك الإله التاريخ أو التاريخ الإله، الذي يحدُث فيه كل ما يقع في العالم من حوادث ومآسٍ. وهناك الإله الإنسان والإنسان الإله، أيُّ إنسان وليس السلطان القريب من المباشر والشبيه به. ولا يعني ذلك إفساد دلالة الحدوث على التوحيد؛ لأنه إن لم يكن العالم حادثًا ثم يكن هناك طريق لمعرفة الصانع، فالعالم ليس سلمًا لغيره، وإثبات الله لا يكون على حساب العالم بنفيه. فالله هو العالم، والعالم هو الله. وبالتالي تعود الروح إلى الطبيعة كي ترفعها إليه. وكلهم في حكم الكفرة عبَدة الأوثان عند فرقة السلطان.٤٤
وفي صياغةٍ أخرى لعقائد المعارضة بالإضافة إلى الثنائية المتعارضة بين النور والظلمة، أو حلول روح الله في شخص الإمام، أو القول بالتجسيم والتشبيه، يتم الإعلان عن ألوهية الأئمة. فالإمام لم يمُت، بل هو حيٌّ قائم في الجبال يعيش مع الأُسود والنمور وفي الكهوف والوديان، تأتيه الملائكة برزقه غدوةً وعشيَّة، لا يموت إلا بعد أن يُعيد الحق إلى نِصابه، ويملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا. يتَّحد بالعالم وبالكون فيأتي في السحاب. والتصديق به داخليٌّ محض عن اقتناعٍ باطني، وليس عن شهادة حسية، حتى ولو أُوتي أنصاره بدماغه سبعين مرة لم يُصدقوا بموته.٤٥ وما دام الإمام إلهًا حيًّا لم يمُت فإنه يعود ويرجع، ينتظره الناس حتى يقودهم للقضاء على نُظُم البغي وشرائع البُطلان. ومن الطبيعي في مجتمع الاضطهاد أن يتحول الموت إلى حياة، والهزيمة إلى نصر، والزعيم إلى إله؛ فالتقصير في حق الإمام يؤدي إلى الغلو فيه. وقد ترتبط ألوهية الأئمة بالتجسيم، فيكون الرب سبعة أشبار بشبر نفسه؛ نظرًا لأن العدد سبعة عددٌ رمزي، والله يكون مقياس نفسه ذاتًا وموضوعًا، ولا يُقاس بشيءٍ غيره. لحم ودم على صورة إنسان ترِد عليه الشمس مرتين، على رأسه تاج، أعضاؤه على عدد حروف الهجاء، الألف للساقَين. لما أراد أن يخلق تكلَّم باسمه الأكبر، فوقع التاج؛ فالله كلمة، أي إن جسمه حروف، وعدد أعضائه بعدد الحروف، الألف للساقين، والخلق جزء منه بالكلمة، تاج على رأسه. فالله إنسان وكون، ثم يتحول التوحيد إلى العدل عندما يكتب الله بأصبعه أعمال العباد من المعاصي والطاعات؛ أي إنه كل شيء مقدَّر سلفًا، ولا حرية ولا اختيار للعباد. ولما كانت رؤية المعاصي مُثيرة للإزعاج والغضب، انفضَّ عرقًا واجتمع منه بحران؛ الأول مالحٌ مُظلم للمعاصي، والثاني عذبٌ نيِّر للطاعات. وكأن العالم في البداية أصله الشر. فلما رأى ظلمة في البحر وأتى ليأخذها، طار وأخذه، وقلع عينَي الظل، وخلق منه الشمس وشمسًا أخرى، الكفار من الملح المظلم، والمؤمنون من العذب النير. هذه أسطورةٌ تُمثل الصراع بين الخير والشر بين العدل والظلم، بين مجتمع الاضطهاد ومجتمع القهر. مصائر البشر طبقًا لخطةٍ كونية، وليست طبقًا لاختيار العباد بعد أن أساء العباد الاختيار، أو وقعوا تحت ضغوط الرشوة والتعذيب، فتأفَّفوا واختاروا على غير ما اعتقدوا.٤٦ وإذا كان الله قريبًا من العباد فإن علمه مُحدَث، لم يكن يعلم شيئًا حتى أحدث لنفسه علمًا. والله يريد الشيء ويعزم عليه، ثم تبدو له البداوات؛ لأن علمه حادثٌ مُتغير. وقد رجع ذلك إلى قوة الحوادث وإلى قرب الله، وأن الله يصبح كصفحة للتاريخ تُسطَّر فيها الحوادث، وتُسجَّل مآسي البشر.٤٧
وفي السمعيات، تظهر النبوة على أنها الموضوع البارز في عقائد المعارضة السرية في الداخل، فالنبوة تعني القدرة الخارقة، وهي مستمرة في الأئمة. وهم مثل خاتم الأنبياء حرفيون، بشرٌ عاديون، وليسوا من الأشراف بالضرورة. فكما تحلُّ روح الله في الأئمة تستمرُّ النبوة فيهم.٤٨ وقد تأتي النبوة للإمام من الأساس بعد غلط جبريل وخلطه بين محمد والإمام. وبصرف النظر عن تعارض ذلك مع العقل، كيف يغلط جبريل سهوًا أو عمدًا والملائكة لا تُخطئ، وإن أخطأت فالله يُصححهم كما يفعل مع الأنبياء؟ وكيف يتعمَّد جبريل الخطأ وهو مُطيع بالضرورة، معصوم من الخطأ؟ وهل يمكن الخطأ بين أوصاف خاتم الأنبياء وأوصاف الإمام النبي؟٤٩ والإلهام طريق المعرفة وللإمام، وهو أوثق من القرآن الذي بُدل وزِيد فيه ونُقص منه.٥٠ كل ذلك إنما يهدف إلى إعطاء قوة لزعيم جماعة الاضطهاد حتى يستطيع الوقوف على قدم المساواة مع النبي في مجتمع القهر والغلبة. وفي المعاد تفنى الجنة والنار، ويكون الثواب والعقاب في هذه الدنيا إلى أبد الآبدين دونما انتظار إلى حياة بعد الموت ما دامت الأرواح تُتناسخ؛ الخيِّرة في ملائكة، والشرِّيرة في حيوانات. الخيِّرة هم دعاة مجتمع الاضطهاد، والشريرة زعماء مجتمع الغلبة.٥١ وفي الإيمان والعمل، وطبقًا لطبيعة المجتمعات السرية، فإنه تسقط الشرائع التي تُمثل أداة ضغط وضبط اجتماعي في يد مجتمع القهر والغلبة، ويُباح كل شيء. وفي الوقت نفسه يخلق المجتمع السري شريعته الخاصة التي تُساعد على تماسكه الاجتماعي، ويخلق محرَّماتٍ جديدةً فيه؛ فيتراوح سلوك المجتمعات السرية بين التوسع والتضييق، بين الإباحة والتحريم، بين اللين والتشدد، دون توسط أو اعتدال؛ فالسلوك باستمرار في أحد الطرفين.٥٢ وفي الإمامة الكلُّ كافر، من بايع غير الإمام، والإمام لرفضه حرب من لم يُبايعه. وقد كان الإمام مرتدًّا قبل أن يتولى الإمامة. وقد يكون النبي هو المسئول عن هذا الخطأ لعدم توضيحه الأمر عن الإمامة من بعده.٥٣ ويبدو أن النماذج الدينية من البيئات الحضارية المُجاورة قد ساهمت في إثراء الصور الفنية وتنوع أشكال التعبير، خاصةً من اليهودية والمسيحية. وقد شاركت اليهودية مجتمع الاضطهاد في الظروف الاجتماعية والسياسية نفسها فيما يتعلق بألوهية الأنبياء والأئمة، أو مشاركتهم في الخلق باعتبارهم أول المخلوقات، ونزولهم آخر الزمان أو رجعة الأموات. وقد تداخلت البيئتان ليس فقط بفعل الترجمة، ولكن بفعل التعايش بين الأمم داخل الأمة الكبرى. ولكن يظل العامل الغالب هو الظروف النفسية والاجتماعية لمجتمع الاضطهاد الذي قد ظهر في شكلٍ سياسي كما هو الحال في فِرق المعارضة، أو في شكل احتفالي كما هو الحال في جماعات الصوفية.٥٤

(٣-٢) المعارضة العلنية في الخارج

وتشمل كل فِرق المعارضة التي آثَرت حمل السلاح لتقويض دولة الظلم علنًا. ولما استحال ذلك في الداخل لاصطدامها مع فرقة السلطان والعسكر والشرطة، فإنها خرجت على أطراف الأمة للعودة إليها غزوًا وفتحًا جديدًا. ويستحيل تكفير عقائدها في الإلهيات؛ لأنها تقوم على أصلَي التوحيد والعدل، كما هو الحال في المعارضة العلنية في الداخل، ولكن يأتي التكفير أساسًا موجهًا ضد السمعيات (النبوات)، خاصةً في موضوعَي النظر والعمل والإمامة، أي في عمل الفرد وعمل الجماعة، فعل الفرد وفعل الدولة. فإذا كانت قوة المعارضة السرية في الداخل في الإلهيات في عقائد التأليه والتجسيم والتشبيه، فإن قوة المعارضة العلنية في الخارج في النبوات في النظر والعمل وفي الإمامة. ويصعب على فرقة السلطان تكفير التنزيه وتكفير أصلَي التوحيد والعدل. ونظرًا لأن المعارضة العلنية في الخارج أهل عمل وليسوا أهل نظر، مُتحمسون سياسيًّا، فإنهم يعتمدون في نظرهم على المعارضة العلنية في الداخل، وهم أصحاب النظر والمعارضة العقلية.٥٥
ففي السمعيات لا يظهر موضوع النبوة إلا قليلًا؛ فتحتَ وطأة المعارضة لفرقة السلطان وللنظام اللاشرعي تُستلهم نبوةٌ أخرى قادمة من قومٍ آخرين تنسخ النبوة التي تحوَّلت إلى شريعةٍ ظالمة. تستمرُّ النبوة ولا تنقطع؛ لأن تحوُّل النبوة إلى خلافةٍ ظالمة لا تقضي عليها إلا نبوةٌ جديدة. ويكون الدين الجديد عودًا إلى الدين الطبيعي بعد أن انهار دين الوحي ومثَّلته دولةٌ ظالمة. ويكون للدين الجديد كتابٌ آخر مُطابق للدين الطبيعي ينزل مرةً واحدة، ويكشف الحقائق مرةً واحدة دون تغير أو تطور أو نسخ طبقًا لمصالح أحد، حتى ولو كان الإنسان نفسه أو جماعة المؤمنين. ويكفي للإيمان الشهادتان حتى ولو كانت النبوة للعرب وحدهم، والتزم الناس بالشهادة الأولى، ثم طبَّقوا شرائع اليهودية أو النصرانية؛ فشريعة خاتم الأنبياء تحوَّلت على أيدي الناس إلى شريعةٍ ظالمة. في هذه الأمة إذن شاهدان؛ الأول خاتم الأنبياء، والثاني شاهدٌ آخر قد لا يتعين ظهوره قبله أو بعده. وهنا تلحق المعارضة العلنية في الخارج بالمعارضة السرية في الداخل في إثبات الحاجة إلى إمامٍ آخر؛ أي إلى قيادةٍ جديدة للأمة. وتعبيرًا عن التطهر والتزهد والتعفف تُنكَر إحدى سور القرآن التي تُشير إلى الغواية تمسكًا بالنقاء والطهارة الروحية.٥٦
وبصرف النظر عن إشارةٍ عابرة إلى المعاد، واعتبار أن عذاب النار ليس هو العذاب الوحيد، وأن العذاب لمُخالفيهم وليس للمُوافقين معهم، لغيرهم وليس لهم، فإن الموضوع الغالب على المعارضة العلنية في الخارج في السمعيات هو النظر والعمل والإمامة. وهما مُتشابكان؛ إذ إن الثاني، إيمان الإمام أو كفره، يقوم على الأول، تحديد معنى الكفر والإيمان. فمرتكب الكبيرة كافر، ومن لا عمل له لا إيمان له، ولا وسط بين المؤمن والكافر، فاسقًا كان أم عاصيًا أم منافقًا؛ ففي لحظات المقاومة لا وجود للحلول الوسط، ولا يثبت إلا طرفا الصراع، الشيء ونقيضه. وكيف يوجد وسط بين الإيمان قولًا دون التصديق وجدانًا أو التحقيق عملًا؟ والمعصية جهل، وليست مجرد ارتكاب فعل مُخالف للإيمان. ومن أتى بكبيرة فقد جهل، ليس من أجل الفعل، ولكن من أجل المعرفة؛ فالفعل معرفة، والعمل نظر؛ فلو ضاع الفعل والعمل ضاعت المعرفة والنظر. وقد تكون المعرفة بالله والمعرفة بالنبي؛ فمن عرف الله وكفر بالنبي فهو كافر لا مشرك، ومن جحد الله أو جهله فهو مشرك. فالمعرفة بالله، أي التوحيد، أساس الإيمان والكفر تأصيلًا للأصول وبحثًا عن الجذور.٥٧ وإذا كانت الكبيرة هي ما طُبق فيه الحد، فإن أي فعل مهما كان صغيرًا وكان به الإصرار كان كبيرًا.٥٨ ويظهر التأرجح بين الشدة مع الخارج واللين مع الداخل في قوانين الطعام والنكاح؛ فيكفر الإمام في كل مكان، وتحرم المياه كلها لو وقعت فيها قطرة خمر! ويحرم طعام أهل الكتاب، وتحرم أنواعٌ من الطعام مثل ذكر الحيوان، رمز الحياة والقوة والعنف، أو طهارةً واستحياءً وتعففًا، والقضاء على من نام في رمضان فاحتلم واجب، ويحرم أكل السمك حتى يُذبَح، ويكفر من يخطب في العيدين، الفطر والأضحى. ومن مظاهر اللين الشرب من ماء الحموم، ولا صلاة واجبة إلا ركعة واحدة بالغداة وأخرى بالعشي، وأن الواجب في الزكاة نِصف العُشر مما سُقي بالأنهار والعيون، والحج في جميع شهور السنة، ولا تؤخذ الجزية من المجوس، بل يصل الأمر باللين إلى تصور أن أهل النار في لذةٍ مِثل لذة أهل الجنة. ويمكن إسقاط حد الخمر، ويُجاز نكاح البنات وبنات البنين وبنات الإخوة وبنات الأخوات حفاظًا على جماعة المؤمنين.٥٩ وتبلغ حماية مجتمع الاضطهاد ولذَّاته ومقاومته لمجتمع الغلبة ونصرته لإمام العدل في مواجهة الإمام الظالم في تكفير المخالفين. ولا فرق بين البالغين والأطفال، بين الرجال والنساء. وكل من قعد عن نصرتهم أيضًا فهو كافر؛ فالحقُّ مع الخروج على الإمام الظالم، ولا سبيل للقضاء على الظلم إلا بالخروج بالسلاح، واستعمال العنف، وقتل المُخالفين، والقسوة على المُخالفين أشد من القسوة على أهل الكتاب.٦٠ وبالرغم من استطاعة الناس الاستغناء عن الإمام نظرًا لطبيعتهم الخيِّرة، والتي لا تفسُد إلا بالسلطة الجائرة، فإن الإمام هو الذي يقوم بتطبيق الحدود؛ وبالتالي هو الذي يُحدد الكفر، وإذا كفر الإمام كفرت رعيته معه مهما امتدَّت أطراف البلاد شرقًا وغربًا، ومن مات قبل أن تبلغه الرسالة فقد كفر أيضًا. يُكفرون الأمة، والأمة تُكفرهم، ومع ذلك يمكن التعايش بينهم ما داموا لا يحملون السلاح؛ فالمحكُّ هو الطاعة لأُولي الأمر والإذعان للسلطان.٦١

(٣-٣) المعارضة العلنية في الداخل

وتُمثل المعارضة العلنية في الداخل أقوى أنواع المعارضة وأمضاها؛ نظرًا لأنها معارضةٌ شرعية تقوم على النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس في أصولها النظرية الخمسة، التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما يستوجب التكفير إلا عن سوء نية وتعمُّد حصار. وهي معارضةٌ عقلية لا انفعالية، علنيةٌ لا سرية، تعتمد على الحجة والدليل، وتطلب مقارعة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان. يصعب إذن تكفيرها على مستوى العقائد النظرية أو الممارسات العملية. وهي التي أنشأت الحضارة؛ لأنها تعمل عقليًّا من الداخل، كما أنها كانت الدافع على صياغة عقائد فرقة السلطان كردِّ فِعل عليها، ولتحقيق غايات مُضادَّة لها. ويمكن عرضها بطريقتين؛ الأولى بعقائدها الرئيسية، ثم بعقائدها الفرعية طبقًا لتنوعات الفِرق داخلها؛ والثانية طبقًا لموضوعات علم أصول الدين بصرف النظر عن فِرقها الرئيسية أو الفرعية. الأولى الموضوعات من خلال الفِرق، والثانية الفِرق من خلال الموضوعات.٦٢ وإن تسمية الفِرق بأسماء مؤسِّسيها لأولى وسائل الإبعاد والمحاصَرة، وكأن الفرقة تدعو لأفكار مؤسِّسها وليست نسقًا عقائديًّا مُكتملًا يبني موضوعات عقائدية وأصولًا عقلية، بل توضع مع المُشبهة، وفرق بين التنزيه والتشبيه؛ أو مع الجبرية، وفرق بين الجبر وخلق الأفعال.٦٣ ولا تُذكَر من فِرق الأمة إلا فِرق المعارضة دون فِرق التأييد مثل الصوفية، مع أن عقائدهم مُخالفة تمامًا لعقائد فِرق السلطان؛ مما يدل على أن مقياس التكفير ليس العقائد، بل طاعة السلطان. فالصوفية ليسوا من قُوى المعارضة، بل نزعةٌ هروبية من العالم في البداية، وتنتهي بالاستسلام والرضوخ والإذعان. تؤيدها الدولة نظرًا للمصالح المشتركة بينهما في إبعاد الناس عن العقل، والوقوع في أَسْر الشعوذة والسحر. وقد قامت عقائد الفرقة الناجية وازدوجت بعقائد الصوفية ما دامت الغاية واحدة. كما تم استثناء الفلاسفة عن التكفير، وعقائدهم شبيهة بعقائد المعارضة السرية من الداخل، ويعتمدون على التأويل مثلهما. ولا تُقسَّم الفِرق حسب العقائد، بل حسب التطرف والاعتدال، الإسراف والاقتصاد، المغالاة والتوسط، وكأن الهدف هو القضاء على التطرف والإسراف والمُغالاة حتى يبقى النظام قائمًا على الحلول الوسط بعد استبعاد وحصار كل الحلول الجذرية. فكل الفِرق تقوم على التأويل، والتأويل مشروعٌ بناءً على حق الاجتهاد؛ فدماء المسلمين وأموالهم محرَّمة فيما بينهم بواقع الشهادتين، وإنَّ ترك ألف كافر في الحياة خيرٌ من الخطأ في سفك دم مسلم واحد. التكفير إذن ليس من أجل العقائد، بل من أجل المواقف السياسية، وهذه تتحدد بالتطرف أو التوسط تجاه السلطان.٦٤
ففي المقدمات النظرية الأولى في نظرية العلم، ما العيب في القول بأن المعارف ضرورية؟ أليست المعارف الضرورية هي المعارف الفطرية المغروزة في النفس، والتي تدل على أن الطبيعة البشرية عاقلة؟ أليست المعرفة الضرورية شرطًا للمعرفة الاستدلالية، وكلاهما شرط التكليف؟ إن رفض المعارف الضرورية من فرقة السلطان، والتركيز على المعارف المكتسَبة، إنما يهدف إلى زعزعة ثقة الإنسان بعقله، وإيمانه بالمعارف الآتية من الخارج، والتي تأتي من نظام الدولة، وليست من داخل الفرد. وإن الصراع بين المعارف الداخلية والمعارف الخارجية هو صراعٌ سياسي بين الحرية الطبيعية والقهر الاجتماعي، بين المساواة الطبيعية واللامساواة الاجتماعية. أما التدقيق في شروط التواتر وتصعيبها، فإن ذلك رد فِعل على التساهل فيه، ومن أجل التخفيف من سلطة النقل؛ فتحديد العدد بخمسة، وأن يكون من بينهم ولي، إنما هو إمعان في الدقة، وتركيز على شرط الأمانة الداخلية والورع في النقل، بعد أن خضع النقل أحيانًا للهوى والتحزب والمصلحة.٦٥
ولكن الغالب في التكفير هو نظرية الوجود؛ لأنها تتعلق بالعالم والسيطرة عليه؛ فالوجود في ظاهره طبيعيات، ولكن في حقيقته إلهياتٌ مقلوبة على الطبيعة؛ وبالتالي أمكن التكفير فيها لأنها ليست مسائل طبيعية خالصة لا تمس العقائد. فإذا تكوَّنت نظرية الوجود من الأمور العامة (الميتافيزيقا) ومبحث الأعراض (الظاهريات) ومبحث الجواهر (الأنطولوجيا)، فقد كان الغالب هو مبحث الأعراض والجواهر أكثر من ميتافيزيقا الوجود الخالصة التي هي مبادئ صورية عامة يحكمها العاقل، مثل الوجود والماهية والعدم والوحدة والكثرة والعلة والمعلول والوجوب والإمكان والاستحالة، باستثناء إثبات المعدومات أشياء على الحقيقة لا نهاية لها، وذلك تعبير عن قوة الإحساس بالظلم من أجل إثبات الشر، وليس مجرد تبخيره بتفاؤل المُتنصر الذي بيده الأمر.٦٦ وفي مبحث الأعراض غلَب مبحث الكيف على أنه تحليل للحواس، وخاصةً الرؤية. والقول بأن الحواس أكثر من خمس، سبع مثلًا، من أجل التركيز على أهمية المعارف الحسية وتنوعها.٦٧ ويطغى مبحث الجواهر والأجسام على مبحث الأعراض والكيف؛ وذلك تكفيرًا للقائل بالموقف الطبيعي من أجل هدم القانون وإثبات لقدرة الله المطلَقة القادرة على إيجاد جواهر بلا أعراض، أو أعراض بلا جواهر، وإنكار نظريات الكون والطفرة والتولد وخلق الأجسام لأعراض بذاتها؛ وبالتالي يتم تدمير الطبيعة لحساب الله، أي القضاء على العالم لحساب السلطان، مع أن خلق الطبيعة لذاتها ليس إنكارًا للخلق. والخلاف هو: هل الخلق من الخارج أم من الداخل؟ هل هو خلقٌ وفق إرادة مطلَقة أم أنه يتم وفقًا لقانون؟ وكيف يخلق الله الشرور والآثام والعقارب والحيَّات والآفات؟ وهل يصدُر عن الخير شر، وعن الحكمة سفه، وعن الإتقان خلل؟ وأيهما أكثر تنزيهًا لله؛ أن يكون هو خالق الشر أم أن يكون الإنسان مصدر الشر؟ وإذا كان الخير من الله، والشر من الإنسان، أليس سوداويةً صرفة، واتهامًا للذات أن يكون السلطان مصدر الخير، ولا يفعل إلا الخير، وأن الشر مصدره الإنسان الشرير، وهو المُعارض الرافض لأوامر السلطان؟ ولصالح مَن إنكار العلل الثانية، وإرجاع كل شيء إلى العلة الأولى؟ ألا يعني ذلك إنكار إرادات البشر، وتحويلها كلها إلى إراداتٍ واحدة يصعب بعدها معرفة إرادة من، إرادة الله أم إرادة السلطان؟ ولماذا تكفير القائل بأن الأعراض كلها من جنسٍ واحد؟ ولماذا التمايز في المادة؟ إن الهدف من الفكر العلمي هو إيجاد قانون مُطرد، وإيجاد المتشابهات في الأشياء، في حين أن الهدف من الفكر الديني هو إيجاد الاستثناءات والمختلفات في الأشياء. وإن إثبات الأعراض حركةٌ أقرب إلى العلم من إثباتها أشياء ثابتة. ولماذا تكفير القبائل بأن الأجسام خلقت الأعراض بأنفسها؟ وهل يحتاج كل عرَض إلى خلقٍ مستقل وتدخُّل الإرادة الإلهية في كل لحظة، وكأن الشيء ليس له قوة طبيعية من داخله؟ وما الكفر في أن يخلق الله قوانين الطبيعة، وأن تكون هي أسباب الحركة والثبات في الكون؟ وما العيب في أن يكون الإنسان خالقًا للإدراكات على سبيل التولد؟ أليس الإنسان صاحب أفعاله الجسمية العضوية؟ وهل تدخل قدرة الله في عمل العين أو الأذن؟ هل هذا تنزيه لله وتقديره حق قدره أم هو تصور اللاهوت القاهر ضد العلم وضد قوانين الطبيعة؟ وأيهما أقرب لإثبات القدرة الإلهية؛ خلق الأعراض أم خلق الأجسام؟ ما العيب في القول بأن الإنسان مُدبر الجسد، وأن الله مُدبر الكون، وأن مملكة الإنسان في بدنه كما مملكة الله في الطبيعة؟ هل هذا شرك؟ وهل من عظمة الله الاستئثار بكل شيء دون قوانين ودون أسباب أو وسائط؟ أليس ذلك تبريرًا للسلطة المطلَقة في السياسة والاجتماع، أو في غيرها من النشاطات الإنسانية ابتداءً من بنية النفس وتصورات الذهن؟ وما المانع من إثبات أعراض لا نهاية لها؟ وهل يوقع ذلك في الشرك لأن الله لا نهاية له؟ وهل التفرد بالوحدانية يعني الاستئثار بها أم تعميمها حتى تكون الوحدانية في كل شيء؟ ألا يمكن التفكير في الطبيعة دون حدود لاهوتية؟ إن اللاهوت موقفٌ نفسي خالص، وليس موقفًا علميًّا، يُعبر عن وضعٍ وجداني تجاه العامل، وليس عن اتجاهٍ علمي نحو الطبيعة. وما العيب في القول بالطباع أو قانون الجاذبية وباقي قوانين الطبيعة؟ هل مهمة اللاهوت إدانة العلم وإثبات العقيدة ضد قوانين الطبيعة وتصور الله مُضادًّا للعالم؟ ألا يؤدي ذلك إلى النتيجة العكسية بإثبات الطبيعة ضد الله، وقوانين العلم ضد قواعد الإيمان؛ ومن ثَم ينتهي علم العقائد إلى القضاء على نفسه بنفسه، وإثبات شرعية مكتسَبة للعلم؟ وما المانع أن تكون الرؤية بين الرائي والشيء المرئي تفاعلًا مشتركًا بين الذات والموضوع، وأن تكون الأجسام كيفياتٌ محضة تتلاقى فيها الذاتية والموضوعية، بدلًا من الذاتية الخاصة والموضوعية الخالصة، ووضع الله كذاتٍ مُطلق يرى الأشياء بدل الإنسان ولا ينفعل بها؟ وما الداعي لإدخال الله في خلق الإدراكات الحسية بعد تقابل الذات والموضوع؟٦٨ ولماذا تكفير القائل بأن الإنسان جسد لا روح؟ وماذا يكون الإنسان إذن إن لم يكن هذا المرئي أمامنا؟ إن علاقة الله بالعالم مثل علاقة الروح بالبدن، مُدبر له دون أن يكون حالًّا فيه. وما العيب في تعريف النفس بأنها ماهية لا وجود، ماهية خالصة؟٦٩
وفي الإلهيات كان القول بحدوث الصفات حرصًا على الذات الإلهية، وتنزيهًا لها من الشرك والقول بتعدُّد القدماء، الذات والصفات، واعترافًا بأن الصفات هي في النهاية تشبيه، تُطلَق على الإنسان حقيقةً، وعلى الله مجازًا. وإنكار الصفات ليس وقوعًا في التعطيل، بل حرص على التنزيه الخالص، وعلى أن الله ليس كمثله شيء، تعالى عما يصفون. كما أن ذلك سيحلُّ قضية خلق الأفعال، ويُعطي الإنسان القدرة على خلق أفعاله بنفسه؛ فإنكار الصفات أو القول بحدوثها هو إثباتٌ سلبي لحرية الأفعال عن طريق القضاء على موانعها، وفي مقدمتها عِلم الله المسبق وإرادته المطلَقة. فلماذا إذن تكفير القائل بقسمة العلم إلى قسمين؛ الأول العلم بالعام والشامل، والثاني العلم بالخاص؛ الأول قبلي، والثاني بعدي؟ ليس في ذلك وقوع في التناقض أو إثبات جهل الله، وليس ظاهره علمًا وباطنه جهلًا، إنما الغاية إثبات العلم الاستقرائي الإنساني الذي يقوم على الكسب والمعارف الخارجية، ثم إنقاذ الحرية الإنسانية من علم الله المسبق الحاوي لكل شيء. وإن اعتبار الصفات أحوالًا هو تحوُّل الموضوع من مستوى الطبيعة، الجوهر والأعراض، إلى مستوى النفس، فأحوال النفس هي أحد الحلول الوسط بين الذاتية والموضوعية، بين الإثبات والنفي، بين القِدم والحدوث، بين التشبيه والتنزيه، بل إن التجسيم أيضًا دافعه عند الصوفية وعند جماعات الاضطهاد. فالواقع أبلغ من الفكر، والمادة أكثر حضورًا من الروح، والحس مشاهدة، والعقل تصور. وإن اعتبار الأفعال من العرش وليس من الله هو زيادة في التنزيه حتى يبقى الله، وليس كمثله شيء، غير متصل بالحوادث. والسمع والبصر وسائل للعلم، وليسا صفاتٍ مستقلةً حتى يمكن رد التشبيه إلى التنزيه. وما المانع أن يُقال إن الله عقل وعاقل ومعقول كما هو الحال عند الحكماء، فالمثل الأعلى هو وحدة الذات والموضوع؟ إن إثبات الحدوث في الذات أو في الصفات هو في النهاية إثبات للزمان والتغير والحركة والتاريخ، ورفض تصور الله فاعلًا بلا مضمون، فالله محل للحوادث، وكل ما يحدث في التاريخ إنما يحدث فيه، فلا شيء خارج الله ما دام الله هو كل شيء. وإن خلق الأشياء على مِنوالٍ سابق ونمط في الذهن صورةٌ إنسانية لِما يكون عليه الخلق يُقاس فيها الغائب على الشاهد. وإن نفي الرؤية إنما هو رفض لتحويل الذات إلى موضوع، والوعي الخالص إلى مادة. وفي الوقت نفسه يكون إثبات حدوث الكلام عودًا إلى تجسيم الكلمة وتحقيقها في التاريخ، ما دامت أصبحت مقروءة ومسموعة ومكتوبة ومرئية كصوت وحرف، أو محققة ومطبقة كمعنًى وشريعة. وإنه لَمن الأجدى الاعتراف بأن الإنسان لا يقدر على أن يصف الله في ذاته، بل أن يُدركه قياسًا للغائب على الشاهد، وأن الأصل في الوصف هو النفي؛ نفي النقائص الإنسانية وقلبها إلى أوصاف الكمال الإلهي.٧٠
وفي أصل العدل، لماذا يكون خلق الإنسان لأفعاله ومسئوليته عنها كفرًا؟ ولماذا تكون حرية الاختيار كشرط للتكليف كفرًا؟ إن استرداد الإنسان لأفعاله، وجعلها إما له أو للطبيعة، لأنه لا يمكن أن يكون لا فاعل لها أصلًا، أو أن يكون فاعلها هو الله، لأن الله لا يفعل مباشرةً في الطبيعة، ذلك ليس تجديفًا على الله أو إنكارًا لسلطانه؛ لأن قوانين الطبيعة مِن خلق الله، وسنن الكون مِن وضعه. ليس في خلق الأفعال أي خروج على التوحيد، بل هو إكمال له وإثبات للوسائط والأسباب. وهل الله ساحر ومُشعوذ، يقلب القوانين رأسًا على عقب، يجعل الشيء ساكنًا متحركًا أو في مكانين معًا أمام دهشة الناس؟ إن بعض العبارات بالرغم من صياغتها التي قد تصطدم بإيمان العوام تحت سيطرة فرقة السلطان تُدافع عن القدرة الإنسانية والقانون الطبيعي. إن القول بفناء مقدَّرات الله إنما يهدف إلى إثبات حرية الإنسان، وإن إثبات الإنسان خلق أفعاله ليس وقوعًا في الشرك، بل وحدانية الفعل ومسئولية الإنسان، بدلًا من إعزاء الوحدانية والمسئولية إلى الله كما هو الحال في الجبر، أو إثبات الشركة بين الله والإنسان كما هو الحال في الكسب. وما المانع، بصرف النظر عن الصياغة، أن يُقال إن الله مُطيع لعباده إذا فعل مُرادهم؟ لهذا الحد بلغت قيمة الإنسان واحترامه لنفسه ولفعله.٧١ وما العيب في أن تكون للإنسان استطاعة قبل الفعل لأخذ القرار، ومع الفعل للتنفيذ، وبعد الفعل لاستمرار النتائج وبقاء الأثر؟ وهل في إثبات استطاعة الإنسان وقدرته أي خروج على العقيدة أو الشريعة؟ وكيف تُقام الشريعة إن لم يكن للإنسان استطاعة على الفعل؟ وكيف يقع التكليف والاستحقاق دون استطاعة؟ ولماذا لا يكفي القول بالجبر وإنكار الاستطاعة والفعل؟ هل العدل أقل قيمة من التوحيد؟ ولماذا لا يكفر القول بالقضاء على حرية الإنسان وعقله؟ هل التكفير فقط في حق الله وليس في حق الإنسان؟ وهل يكفر الإنسان لقوله بفناء الجنة والنار أو بحدوث علم الله، ولا يكفر لقوله بالجبر وإنكاره المسئولية، وكأن إيمان الناس بالجبر في صالح فرقة السلطان، ويظل القائل به مؤمنًا مُطيعًا ومُواطنًا صالحًا؟ يكفر الإنسان إذا ما قال بعقائد فِرق المعارضة، ويؤمن إذا قال بعقائد فرقة السلطان!٧٢
وفي العقل الغائي الشِّق الثاني في أصل العدل، ما الكفر في القول بالصلاح والأصلح أو بالعلية والغائية في الخلق؟ ما العيب في أن يوجب الله على نفسه القانون درسًا للإنسان وتعليمًا له بأن كل شيء يخضع لقانون، وأن لا شيء متروك للهوى أو للمصادفة؟ وبصرف النظر عن الصياغة التي قد تبدو مُتناقضة — كيف يوجب الله على نفسه فعلًا وكيف يُخضع نفسه لقانون — وبصرف النظر عن النتائج المتخوَّف منها — كيف تكون أفعال الله الحادثة — فإن الغاية هي تصور عالم يخضع لقانون حتى يمكن تسخيره والعيش فيه. إن وجود قانون خلقي أو طبيعي لا يعني تحديد أية قدرة مطلقة؛ وذلك لأن صفات هذا القانون الاطراد والعموم والشمول، وهي صفات مطلقة يُدركها الإنسان ويمتد بها، فيكون قادرًا على خلق أفعاله وممارسة حريته. وما العيب في أن يكون الإنسان خالقًا، والتضحية بالله في سبيل الإنسان يرضاها الله؟ بل إن خلق الإنسان لأفعاله لا حدود لها، ويستطيع المسلم أن يفعل حسنات أكثر من النبي لو طال عمره. ولماذا سد الطريق أمام إمكانيات الإنسان وتفاؤله؟ بل إن الله يُزيح علل العباد حتى يجعلهم أكثر قدرةً مما هم عليه. وهو لا يفعل بهم إلا الصلاح، ولا يختار إلا الأصلح لهم. لم يخلق الإيمان ولا الكفر ولا أفعال العباد، ولكن العباد هم خالقو أفعالهم الداخلية والخارجية والطبيعية والاجتماعية. وهو لا يظلم أحدًا، ولا يخرق قانون الاستحقاق، ولا يقلب الأضداد، ولا يفعل الشر. وأيهما أكثر تنزيًها لله إذن؛ جعل الله وهو الخير مصدر الشر، أم تبرئته عن فعل الشر؟ أيهما أخطر؛ ارتكاب خطأ في الصياغة اللغوية بقول «الله لا يقدر على …» أم ارتكاب خطأ فعلي وهو جعل الله مسئولًا عن الظلم؟ الله خيرٌ محض ولا يفعل الشر، بعكس الإنسان الذي يفعل الحسن والقبيح. ليس معنى ذلك أن الإنسان أقدر من الله، بل إن للإنسان حرية الاختيار، ولله ضرورة الخير. فما البديل عن هذا التصور بحيث يحفظ لله ضرورته، وللإنسان حريته؟٧٣
وبالنسبة للسمعيات، فإن القول باستمرار النبوة هو رغبة في استمرار المقاومة بالسلاح الفكري نفسه. ولما أوَّلت فرقة السلطان النبوة لصالحها، فإن فِرق المعارضة قالت باستمرارها. فليس من العدل أن تتحول النبوة إلى خلافةٍ ظالمة، ولا تستمر كي تُحقق غايتها من إقرار العدل. فالنبوة مستمرة في المقاومة، والإمام العادل وليس الإمام الظالم هو خليفة النبي، والزمان لم ينتهِ بعد، والتطور لم يكتمل بعد، والنبوة لم تُحقق غايتها بعدُ طالما أن حكم العدل لم يتحقق، وأن حكم الظلم هو الذي يسود. ولا يتطلب ذلك إلهامًا من الله أو وحيًا منه بالضرورة، بل يمكن أن تكون النبوة مكتسَبة؛ فكلُّ من بلغ الغاية من الصلاح وطهارة النفس أدرك النبوة، فالنبوة ليست هبة أو اختصاصًا أو وقفًا على أحد، بل هي عامة في كل من يبغي الإصلاح ويهدف إلى الكمال؛ فكل داعية رسول، وكل رسول داعية. الرسل مثل الزعماء والقادة والمصلحين والثوار، يهدفون إلى تغيير مجتمعاتهم إلى ما هو أفضل، ولا حاجة إلى ألقابٍ مثل رسول الله أو نبي الله خشيةَ أن يتحول اللقب إلى شخص، وتنقلب اللغة إلى وجود، والمظهر إلى الحقيقة، والنداء إلى مُنادٍ. يكفي النداء على الرسول أو على المُصلح باسمه دون ألقاب؛ منعًا للتأليه أو التعظيم الزائد كما حدث في الديانات السابقة. والقرآن هو تجسيد النبوة، ليس بالضرورة في المصاحف المكتوب في الورق بالحبر بين دفتَي الكتاب، بل هو إحدى صياغاته أو رواياته أو حكاياته؛ فالوحي أكثر من صياغاته الزمانية، وتجربةٌ أعم من التجسيدات الوقتية. ولا حرج في إنكار بعض حروف القرآن، أي قراءاته؛ لأنها اجتهادات شخصية تُصيب وتُخطئ.٧٤
وفي موضوع المعاد، لماذا لا يكون العقاب في الدنيا قبل الآخرة، في العاجل قبل الآجل؟ وهل يتحمل العقاب على الظلم التأجيل؟ وإذا كان الأمر كله مجرد تشبيهات وصور وقياس للغائب على الشاهد، فلماذا يكون تشبيهٌ أفضل من آخر وأولى منه؟ إن العقاب في الدنيا أفضل من العقاب في الآخرة، ويُعطي المظلوم أملًا لرفع الظلم عنه في الدنيا برؤيته عقاب الظالم والقصاص منه تطبيقًا لقانون العدل، وإلا كان فارغًا من غير مضمون بلا زمان ولا مكان، بلا شعب وبلا تاريخ. وأيهما أفضل؛ تصور الثواب في جنةٍ حسية بها طعام وشراب ونكاح، أم جنةٍ روحية أرفع قدرًا بها معرفة وحكمة وتأمل؟ وأيهما أفضل؛ القول ببقاء الجنة وأهلها فيُشاركان الله في صفة البقاء، أم القول بفناء الجنة وأهلها حتى يظل الله متفردًا وحده بالبقاء؟ وإذا كان الأمر كله تشبيهًا في تشبيه، وقياسًا للغائب على الشاهد، فما المانع أن تجذب النار أهلها طباعًا لما كانت الطبائع أساس الحركة والاندفاع؟ أليست كل إلهيات طبيعياتٍ مقلوبةً، كما أن كل إلهيات طبيعياتٌ مقلوبة؟ وإذا عمَّ قانون الاستحقاق على كل كائن حي، فلماذا لا يُحشَر يوم القيامة الكلاب والخنازير والحشرات وكل مخلوق حي؟ وما المانع أن يكون العقاب على كل كائن حي ترابًا؛ أي تنعدم منهم حياة الوعي ويقظة الشعور؟ وهل يألم الأطفال وهم غير عاقلين مكلَّفين، والهدف من العقاب تصحيح حياة الوعي وبناء الشعور؟ وإذا كان الأمر كله أمنيات وتمنيات، فما المانع أن يُرى الله يوم القيامة في صورة يخلقها ويُكلم عباده منها؟٧٥
وفي النظر والعمل، لماذا تكفير القول بالمنزلة بين المنزلتين؟ ألم يؤدِّ دورًا في التخفيف من حدة تكفير العصاة أو التضييق على جعلهم مؤمنين؟ لماذا لا يكون المسلم فاسقًا أو عاصيًا أو منافقًا إذا ما ارتكب الكبيرة، ويكون وسطًا بين المؤمن والكافر بحيث يتأكد على رد الفعل وأثره في كمال الإيمان؟ وإذا كان من شروط التوبة ترك الزلة في الحال، والندم على ما فات، والإصرار على عدم العودة عليها في المستقبل، فما وجه الضلال في ذلك؟ وإذا كانت التوبة من ذنبٍ تقتضي التوبة من جميع الذنوب، فإن ذلك لتحميس التائب وجعله أقرب إلى الكمال الكمي بالإضافة إلى الكمال الكيفي. لا يكون ذلك قسوةً بقدر ما هو سلوكٌ مبدئي لا يعرف الاستثناء؛ فالمعصية تُساوي جميع المعاصي، ومن قتل النفس فكأنما قتل الناس جميعًا. والسلوك المبدئي العقلي في المعارضة العلنية لا يفترق عن أسلوب التطرف والمغالاة عند المعارضة السرية في الداخل. وإن العاصي قد تتحول عنده المعصية إلى طبيعةٍ ثانية، فيُطبَع على قلبه، وتنتهي لديه حرية الاختيار، ولا يمكن تغييرها إلا بطبيعةٍ ثانية أقوى، أو بالرجوع إلى الطبيعة الأصلية الأولى. والشهادة لا تُطلَب للشهادة؛ لأنها تعني إنهاء المقاومة وتغليب الظلم، بل تعني الإعداد للنصر، وأن تكون فرص النجاح أكبر من احتمال الهزيمة. وإذا كان أساس الجزاء والعقاب هو قانون الاستحقاق، فمن الطبيعي ألا يدخل الأطفال أو غير العقلاء؛ إذ ليس لهم ثواب ولا فضل، ويصيرون ترابًا؛ أي يتحولون إلى جماد. وإذا كانت الحياة نعمة وتقدمًا بالنسبة إلى الجماد، ولا يمكن إرجاعها إلى الوراء، فقد يصير الأطفال إلى الجنة لتغليب الحياة على الموت، ونظرًا لطبيعة الخير. وما المانع من البعث الروحي دون الجسدي، والروح أفضل من الجسد؟ وما المانع من بقاء المادة دون فنائها، والقول بدوراتٍ لا مُتناهية، وتحوُّل المادة وتعاقُّب الأشكال والصور على مادةٍ لا تفنى؟٧٦ أما بعض المسائل العملية الأخرى، فإنها ترتبط بطبيعة مجتمع المقاومة من أجل توثيق الروابط الاجتماعية فيه وشحذ المقاومة، ولمزيد من الضبط والإحكام في مواجهة الآخر، وفي الوقت نفسه التراضي والتسامح واللين مع النفس تخفيفًا عنها؛ فقد يُحلَّل شحم الخنزير ودماغه وتفخيذ الذكور، وقد يُحرَّم أكل الثوم والبصل، ويوجب الوضوء عن قرقرة البطن. ونظرًا للحساب العقلي الكمي للمعارضة العقلية العلنية، فقد يُحدَّد نِصاب السرقة تحليلًا رياضيًّا دونما مراعاة للقصد والنية، دون أن يستوجب ذلك الكفر أو الضلال.٧٧
وينتهي موضوع الإيمان والعمل في موضوع الإمامة الذي يتراوح أيضًا بين الشدة واللين؛ الشدة مع مجتمع القهر، واللين مع مجتمع المعارضة؛ التصلب مع الخارج، والتراخي مع الداخل؛ القسوة مع الآخر، والعطف مع الذات. فإذا كانت الثروة في مجتمع القهر أقرب إلى الحرام منها إلى الحلال في صناعة أو تجارة، فإنه لا يجوز للمعارضة إلا قوت يومها تعففًا عن المال الحرام، وتكون دماء مجتمع القهر وأمواله مُباحة. وفي مقابل هذا التشدد مع الآخر يجوز نكاح المتعة تساهلًا مع النفس. ولا يجوز الطلاق بكنايات وإن قارنتها نية الطلاق تعبيرًا عن الدقة المُتناهية والتشدد في حقوق الغير. ويمكن الشك في شهادة المجتمع كله تحريًا للعدالة.٧٨ فإذا ما صعب تجريح عقائد المعارضة فإنه يسهل اتهامها بالعمالة للخارج، وتبعيتها لأفكارٍ أجنبية، وترويجها لأفكارٍ مستوردة من الكفار، سواء من البراهمة أو النصارى أو المجوس،٧٩ ويصبح حكم المعارضة العلنية في الداخل حكم المجوس أو المرتدين،٨٠ وتتوحد الفرقة الناجية بالأمة كلها، وتُكفر فِرق المعارضة بأنواعها باسم الأمة، وهي في النهاية إحدى الفِرق، فرقة السلطان. فإذا شابهت عقائد الفِرق الضالة عقائد الفِرق الناجية نجت، وإذا خالفتها هلكت.٨١ ونظرًا لضيق فِرق المعارضة بفرقة السلطان فإنه ينتهي ضيقها ببعضها البعض، ويُكفر بعضها بعضًا، كلٌّ منها يعتبر نفسه الوريث الشرعي لها، فتفتَّت المعارضة، وينتهي الأمر بمزيد من السيطرة لفرقة السلطان.

(٤) فرقة السلطان

إذا كانت الفِرق الهالكة هي فِرق المعارضة بأنواعها، فإن الفرقة الناجية هي فرقة السلطان. وعلى هذا الأساس، الاختلاف في الموقف السياسي، يتم التكفير تحت ستار الخلاف العقائدي. ولكن هل عقائد الفرقة الناجية تعلو على النقد ولا تجد من يجرحها ويُخطِّئها؟ ومن هي الفرقة الناجية؟ هل هي فرقةٌ واحدة أم فِرقٌ عديدة؟ وهل هناك عقائد مُوحدة لها أم أن الخلافات بينها لا تقل عن الخلافات بين الفرقة الناجية والفِرق الضالة؟ يرفض التراث الفقهي كل علم العقائد بما في ذلك عقائد الفرقة الناجية، ويُبين أنها لا تستقيم مع العقائد كما تعرضها النصوص الدينية، كما أنها لا تستقيم مع العقل. وهو نقدٌ عقائدي صرف، وليس نقدًا سياسيًّا تحت ستار العقائد؛ لأن الفقهاء في معظمهم ليسوا من فرقة السلطان ولا من فِرق المعارضة، بل هم حُماة الشرع والمُدافعون عن مصالح الأمة دفاعًا مباشرًا، مُتجاوزين الأحزاب السياسية ودوائر البلاط. وتتعدد الفِرق داخل الفرقة الناجية بحيث تتشعب داخل فِرق المعارضة، وتصبح لا وجود لها إلا من خلال بعض فِرق المعارضة. فالجميع أهل سنة وحديث. وهي فِرقٌ خاطئة في تصورها وصياغتها للعقائد، ولكن دون تكفير أو تضليل.٨٢
ويتوجه النقد الفقهي لعقائد الفرقة الناجية مباشرةً إلى الإلهيات في الذات والصفات، ثم إلى السمعيات في النبوة والإيمان والعمل، دون التعرض للمقدمات النظرية الأولى، نظريتَي العلم والوجود. فمصطلحا الذات والصفات ليسا مصطلحَين شرعيَّين، ولم يرِدا في الوحي، باستثناء لفظ الاسم. إنما هي كلها تشبيهاتٌ إنسانية وليست مصطلحات، يستعملها الإنسان طبقًا لمعانيها ومدى تطابقها مع التجارب النفسية الفردية والاجتماعية. الاسم من الشرع، أما التسمية فمن الإنسان، لا تشبيهًا ولا تنزيهًا، بل خروجًا أصلًا على المصطلحات الشرعية ولغة الوحي. ليس لله إلا اسمٌ واحد شرعي، والباقي كلها تأويلات للإنسان، وتعبيرات عن أحواله وتجاربه وأذواقه. وإن وصف الذات أو الصفات أو الأسماء لَيدلُّ على خلقها كلها. فماذا يعني أن صفات الله ليست باقية ولا فانية ولا قديمة ولا حديثة، ولكنها لم تزل غير مخلوقة بالرغم من القول بأن الله باقٍ؟ فإن استعصى مفهوم الصفة يُستبدل بمفهوم الحال أو المعنى، وهما مفهومان إنسانيان صرفان مثل الصفة. وماذا يعني أن للناس أحوالًا ومعاني لا معدومة ولا موجودة، ولا معلومة ولا مجهولة، ولا مخلوقة ولا غير مخلوقة، ولا أزلية ولا محدثة، ولا حق ولا باطل، وهي علم العالم بأن له علمًا ووجود الواجد لوجوده؟ هذا كله هوس، مثل القول بأن الحق غير الحقيقة، وهو ما ليس في لغة ولا شرع. هل الكفر حقيقة وليس بحق؟ إن القول بصفاتٍ قديمة فيه إبطال للتوحيد، وإثبات للتعدد والشرك. وإن إثبات علم الله وقدرته لا يأتي بطريقة إثبات صفات قديمة؛ إذ لا يجوز تسميته إلا بنص وبلفظٍ شرعي، من كلام الله ذاته، وليس من كلام الإنسان.٨٣ ومهما تم من إثبات التغاير بين علم الله وعلمنا، وبين قدرة الله وقدرتنا، فنظرًا لاشتراك الاسم فإن كلا العلمين والقدرتين يدخلان تحت صفة واحدة هي العلم أو القدرة. فهل يجوز أن يُشارك الإنسان الله في صفاته، أو أن يُشارك الله الإنسان في تسمياته؟ ومهما تم من إثبات قِدم علم الله وقدرته، وحدوث علمنا وقدرتنا، يظل الاشتراك قائمًا في وقوع العلمين أو في وقوع القدرتين تحت جنس واحد. ومهما أفردنا الله بهذه الصفات، وأطلقنا عليه وحده هذه التسميات، فإن الإنسان مُحتاج إليها، والخلق يوصف بها، والحاجة تقتضي التلبية؛ وبالتالي زاحم الإنسان الله في الصفات والأسماء. صفات الله إذن هي نسبة الإنسان صفاته له، ولا يمكن فصلها بعد نسبتها إلى الله عن الإنسان قياسًا للغائب على الشاهد. وإذا كان المعنى صوابًا فإن التسمية خطأ. وإذا كانت النية صحيحة فإن النتيجة خاطئة. لم يخلق الله الإنسان إذن على صورته ومثاله، بل إن الإنسان هو الذي سمَّى الله على صورته ومثاله؛ فبدلًا من أن يكون الله تصورًا حديًّا أو فكرةً محدَّدة للإنسان، أصبح الإنسان هو التصور الحدِّي أو الفكرة المحدَّدة لله. وبدل أن يكون الإخلاف هو الأساس بين الغائب والشاهد، أصبح التماثل هو الأساس. إذا كان الله مُريدًا بنفسه فإن الإنسان مريد بإرادة، أو إذا كان الإنسان مُريدًا بإرادة فإن الله، لأنه أعظم، مُريد بنفسه. كما أن الأمر بالشيء لا يدل على كونه مُرادًا، والنهي عنه لا يدل على كونه مكروهًا، إلا بناءً على قياس الغائب على الشاهد.٨٤ لم تمنع عقائد الأشاعرة إذن من الوقوع في التجسيم والتشبيه، ولم يمنعها الاحتراز بقولها «بلا كيف» عن ذلك؛ لأنه مجرد تحصيل حاصل، خطوة إلى الوراء وخطوة إلى الخلف، هروب والعقل إقدام. إن القول بقِدم الصفات يؤدي إلى القول بأزلية الكلام؛ وبالتالي أزلية القرآن وهو كتاب، حبر وورق، كما يؤدي إلى القول بأزلية العالم لما كان العالم مخلوقًا بالعلم الإلهي والإرادة الإلهية.٨٥ وقد أدَّى هذا التصور لقِدم الصفات إلى خطأٍ أعظم في تصور قانون للطبيعة بدعوى الرد على الدهرية والحكماء والثنوية في القول بحتمية قوانين الطبيعة، وانتهى الأمر إلى إنكار سنن الله في الكون، ورفض العلل المباشرة، وإنكار حرق النار وإذابتها، وسكر الخمر، وشبع الخبز، وري الماء للشجر، وبرودة الثلج، وشبع الطعام، وسقوط الحجر، وحلاوة العسل، ومرارة الصبر، وكأن الله خلق ذلك عند اللمس والذوق، حتى ولو بدون حواس، عندما يكون لقشور العنب رائحة، وللحصى والفلك طعم ورائحة. وهو حمقٌ أدَّى إلى إنكار الطبائع. كما انتهى الأمر إلى الوقوع في الأساطير الكونية، مثل أن يكون في الأجرام جسمٌ عظيم يُمسكها من أن تهوي، ثم أفناه وخلق غيره إلى ما لا نهاية، وإنكار قوانين الجاذبية.٨٦
أما فيما يتعلق بأصل العدل، فإن نقد الفقهاء لعقائد الفرقة الناجية إنما يتَّجه نحو سوء استعمال العقل في تأصيل العقائد، وهو أيضًا نقد الحكماء لعقائد الأشعرية.٨٧ فالعقل عند الفرقة الناجية لا هو عقل ولا هو نقل؛ فالحجج العقلية لا تستقيم، وتأويل النصوص بعيد؛ فلا هي أحسنت التأويل، ولا هي تركت النصوص على ظاهرها. وقد اقتربت الفرقة الناجية من بعض نظريات العدل عند المعارضة العلنية في الداخل فيما يتعلق بوجوب الصلاح والأصلح، واستحالة الظلم والفساد على الله، وهو ما يُناقض عقائد الأشعرية بأنه لا يجب شيء على الله، وبأن القول بالصلاح والأصلح تكذيب لله، وبأن عدم قدرته على إظهار المعجزات على يد كذاب تعجيز لله.٨٨
وتأخذ السمعيات نصيبًا أوفر من نقد الفقهاء للفرقة الناجية، خاصةً النبوة والإيمان والعمل. فبالنسبة للنبوة كان محمدٌ رسول الله في الماضي، في فترة نبوته وفي حياته، ولكنه ليس كذلك اليوم. فالنبوة موقوتة بزمان، وظاهرة في عصر؛ لأنها تعبير عن تطور الوحي طبقًا لتطور الوعي البشري. وليس السبب طبيعيًّا، أن الأرواح أعراضٌ تفنى ولا تبقى وقتَين. أما الدليل على صدق الرسول فليس إطعامه المِئين والعشرات من صاع شعير٨٩ مرةً بعد مرة، وسقيه الألف والألوف من ماءٍ يسير ينبع من بين أصابعه، وحنين الجذع، ومجيء الشجرة، وتكلم الذراع، وشكوى البعير، ومجيء الذئب؛ وذلك لأنه لم يتحدَّ الناس بذلك، ولا توجد آية إلا ما تحدَّى به الكفار فقط. وهي معجزات بها كثير من الخيال الشعبي وأنماط البيئات الحضارية الأخرى.
وعلى العكس من ذلك وفي مواجهة المعارضة العقلية يكون النظر في دلائل الإسلام فرضًا، ويكون الشك في صحة النبوة شرط النظر، وهما طرفا نقيض، إما الخرافة أو الشك. في الأول لا فرق بين النبي والساحر، وفي الثاني لا فرق بين النبي والفيلسوف. وقد يأتي يقين النبوة من التواتر. أما إعجاز القرآن فإنه قد يكون النظم وهو ما تقول به فِرق الأمة كلها، أو القرآن القديم الذي لم ينزل، ولم يقرأه أحد، ولم يسمعه أحد! فكيف يكون هذا المجهول معجزًا؟ وكيف يدخل به الناس التحدي؟ والقرآن الذي بين دفتَي المصحف فإنه مقدور عليه، أقل سورة منه ليست كذلك، بل مقدور على مثله. أما تقسيم آيات القرآن وترتيب مواضع السور فمن الناس، وليس من الله؛ وبالتالي يُنكر بعض الأشاعرة التوقيف. هو من الإجماع وليس من النبي. ويمكن قراءة القرآن بالفارسية على خلاف إجماع الأمة على قراءته بالعربية. وعند أحد الأشاعرة، خالف كل من فقهاء الأمة الإجماع، إما في سجدة في قراءة القرآن، أو في اعتبار البسملة جزءًا منه، أو إبطال القياس مصدرًا من مصادر التشريع.٩٠ أما بالنسبة لشخص النبي فلا يلزمه زكاة مال؛ لأنه اختار أن يكن عبدًا، والعبد لا زكاة عليه، فلم يورث ولم يرث، وخشي العامة. وقد اختلفت الفرقة الناجية في كون النبي أفضل أهل زمانه حالةَ إرساله أو ما بعدها حتى موته، والناس فيه بين مُقصر ومُطول، بين مُخصص ومُعمم. وتجوز الكبائر من الأنبياء حاشا الكذب في البلاغ، وقد يجوز للنبي الكفر بعد الرسالة، وجميع المعاصي الصغار والكبار، بما في ذلك قتل النساء وتعريضهن، وتفخيذ الصِّبيان. ولما ازدوج التصوف بالأشعرية، وأصبح كلٌّ منهما يدعم الآخر لحساب السلطان؛ الأول صعودًا إلى الله واتحادًا به، والثاني نزولًا من الله وطاعة له؛ فقد جعل بعض الصوفية الأشعرية الأولياء أفضل من الأنبياء والرسل، فسقطت عنهم الشرائع، وحلَّت لهم المحرَّمات، واستباحوا نساء غيرهم. وفي الوقت نفسه رأينا أنهم يرون الله ويُكلمونه، ويقذف الله في قلوبهم علمًا لدنًّا! يُجالسون الله ويرونه في صورة إنسان لحمًا وعظمًا، فرحًا وحزنًا، يعيش معهم في الأزقَّة وهم وراءه كمجنون الحارة!٩١ وفي أمور المعاد تفنى الجنة والنار حتى يبقى الله وحده لا يُشاركه أحد في صفة البقاء. وتسري الروح وتنتقل من جسم إلى آخر كما تنتقل أرواح الشهداء إلى حواصل خُضْر، فالروح تبعد وتقرب، تسكن وتتحرك. تعود الحياة إلى «عجب الذَّنَب»، منه خُلق ومنه يعود من جديد.٩٢
ويظهر موضوع الإيمان والعمل أكثر من الإمامة، وبه كل نقائص الصلة بين الإيمان والعمل؛ فقد يكون الإيمان قولًا وإقرارًا باللسان فحسب، أو تصديقًا بالوجدان فقط، أو معرفةً نظريةً صرفة، أو عملًا أهوج لا يسنده نظر. فالإيمان ليس معرفة فقط، وإنَّ كفر فرعون وإبليس لم ينشأ من نقص في المعرفة. ولا يمكن أن يكون الإيمان عقدًا بالقلب فقط وتصديقًا بالوجدان بلا تقيَّة، وإن عبد الأوثان أو التزم باليهودية أو النصرانية وعبد الصليب وأعلن التثليث، وإلا ففيمَ الإيمان؟ وكيف يتخارج في قول أو في فعل؟ ولا يمكن أن يكون الإيمان بالقول وحده، وإن اعتقد الكفر بقلبه، وأن تكون له الجنة، فالقول ما هو إلا دليل على الوجدان، والوجدان تصديق للمعرفة، والكل يتخارج في الفعل. ولا يكفي أن يكون الإيمان فعلًا ظاهريًّا بالإسلام وتكذيبًا باللسان بلا تقية؛ فالقول تعبير عن معرفة وتصديق، ولا يمكن إخراج الفعل من الإنسان حتى لا تضرَّ مع الإيمان سيئة، ولا تنفع مع الكفر طاعة. ولماذا لا تُقبَل التوبة إذا ما استوفت شروطها من الندم على ما فات، وترك الزلة في الحال، وعقد العزم على عدم العودة لها في المستقبل، وتكفي في ذلك معصيةٌ واحدة دون كلها؟ ولماذا لا يغفر الله الصغائر بارتكاب الكبائر؟ فإذا ما تم اقتران المعرفة بالتصديق بالقول بالفعل ظهر الإيمان الكامل المؤدِّي إلى الجنة بالضرورة دونما كسر لقانون الاستحقاق، فالبداية الحسنة تؤدي إلى النهاية الحسنة دونما تدخُّل في علم الله أو إرادته.٩٣ وفي موضوع الإمامة يشترط البعض أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه، ويُجيز البعض الآخر وجود إمامَين في وقتٍ واحد. وفي العمليات لا يُجيز البعض تنفيذ حكم شرعي اجتهادي في نازلة بعد الانتقال إلى نازلةٍ أخرى، بينما يُحرم البعض الآخر ذبائح أهل الكتاب، ويُخطِّئ فريقٌ ثالث حروب الردة، ويرى الصواب في الرجوع.٩٤
وفِرق المعارضة بأنواعها هي في الأساس أحزابٌ سياسية اتَّخذت العقائد سلاحًا لتثبيت السلطة أو للقضاء عليها؛ وبالتالي لا تُفهَم العقائد إلا من خلال المعارك السياسية. وكان سلاح التكفير في أيدي السلطة وخصومها سلاحًا سياسيًّا مُتسترًا وراء الدين في مجتمعٍ العقائدُ فيه مصدر سلطة، والنص مَرجع وحكَم. ولا فرق بين فرقة ناجية وفِرق ضالة، كلها سواء. وما كفَّرته الفرقة الناجية هي نفسها وقعت فيه، وأتاها الفقهاء يُضللون عقائدها كما ضلَّلت هي عقائد الفِرق الضالة. ومن أعلى من الفقهاء سلطةً في مجتمعٍ ديني أو سياسي يقوم على الدين؟ لقد تبارت جميعها في الكلام وتركت الفتوح، وشقَّت وحدة الأمة، وزرعت الأحقاد، وأشعلت الفتن فيها، وسفكت الدماء باسم العقيدة، كلٌّ منهم يُدافع عن إله السماء ويترك إله الأرض. وجرى الحكام مجراهم وراء المذاهب النظرية، فتحوَّلت السلطة السياسية إلى حكم بين المذاهب، وأصبح السيف هو الفيصل بين الأقلام. لا فرق إذن بين تراث السلطة وتراث المعارضة، بين فرقة السلطان وفِرق المعارضة، في ضياع جهد الأمة فيما لا يُفيد تأكيدًا لاغتراب الناس عن مواقعهم، وتعميةً للناس عن مشاكلهم الحقيقية ورؤية واقعهم. وإن لُجوء الفقهاء إلى النص الخام أقرب إلى العودة إلى منبع الطاقة الحية والقوة الضاربة الطبيعية ضد صياغات الفكر ومتاهات العقول. ومع ذلك يظل هو أيضًا سلاحًا مُتبادلًا بين الفقهاء، فقهاء الأمة وفقهاء السلطان.٩٥
١  وللفقهاء في معاملتهم خلافٌ هو خارج عن فنِّنا هذا (المواقف، ص٤٣٠).
٢  في بيان ما يجب تكفيره من الفِرق. اعلم أن للفِرق في هذا مُبالغاتٍ وتعصبيات؛ فربَّما انتهت بعض الطوائف إلى تكفير كل فِرقة سوى الفرقة التي ينتمي إليها، فإذا أردت أن تعرف الحق فاعلم قبل كل شيء أن هذه مسألةٌ فقهية، أعني الحكم بتكفير من قال قولًا وتعاطى فعلًا، فإنها تارةً تكون معلومًا بأدلةٍ سمعية، وتارةً تكون مظنونًا بالاجتهاد، ولا مجال لدليل العقل فيها البتة … معنى أن هذا كافرٌ يرجع إلى الأخبار عن مستقره في الدار الآخرة، وأنه في النار على التأييد، وعن حكمه في الدنيا، وأنه لا يجب القصاص بقتله، ولا يمكن من نكاح مُسلمة، ولا عصمة لدمه وماله، إلى غير ذلك من الأحكام. وفيه أيضًا أخبار عن قولٍ صادر منه هو كذب، أو اعتقاده وهو جهل. ويجوز أن يُعرَف بأدلة العقل كون القول كذبًا وكون الاعتقاد جهلًا، ولكن كون هذا الكذب والجهل مُوجبًا للتكفير أمرٌ آخر. ومعناه كونه مُسلَّطًا على سفك دمه، ومُبيحًا لإطلاق القول بأنه مخلَّد في النار، وهذه الأمور شرعية. ويجوز عندنا أن يرِد الشرع بأن الكذاب أو الجاهل أو الكذب مخلَّد في الجنة وغير مُكترَث بكفره، وأن ماله ودمه معصوم، ويجوز أن يرِد بالعكس أيضًا. نعم، ليس يجوز أن يرِد بأن الكذب صدق وأن الجهل علم، وذلك ليس هو المطلوب بهذه المسألة، بل المطلوب أن هذا الجهل والكذب هل جعله الشرع سببًا لإبطال عصمته والحكم بأنه مخلَّد في النار. وهو كنظرنا في أن العبد إذا تكلَّم بكلمتَي الشهادة فهو كافر بعدهما أو مسلم، أي هذا اللفظ الذي صدر منه وهو مُصدق، والاعتقاد الذي وُجد في قلبه وهو حق، هل جعله الشرع سببًا لعصمة دمه وماله أم لا، وهذا إلى الشرع. فأما وصف قوله بأنه كذب أو اعتقاده بأنه جهل فليس إلى الشرع، فإذنْ حرمة الكذب والجهل يجوز أن يكون عقليًّا، وأما معرفة كونه كافرًا أو مسلمًا فليس إلا شرعيًّا، بل هو كنظرنا في الفقه أن هذا الشخص رقيق أو حر، ومعناه أن السبب الذي جرى هل نصَبه الشرع مُبطلًا لشهادته وولايته، ومُزيلًا لأملاكه، ومُسقطًا للقصاص عن سيده المُستولي عليه إذا قتله، فيكون كل ذلك طلبًا لأحكامٍ شرعية لا يُطلَب دليلها إلا من الشرع، ويجوز الفتوى في ذلك بالقطع مرةً، وبالظن وبالاجتهاد أخرى. فإذا تقرَّر هذا الأصل فقد قرَّرنا في أصول الفقه وفروعه أن كل حكم شرعي يدَّعيه مُدَّعٍ، فإما أن يعرفه بأصل من أصول الشرع من إجماع، أو نقل بقياس على أصل، وكذلك كون الشخص كافرًا إما أن يُدرَك بأصل أو بقياس على ذلك الأصل. والأصل المقطوع به أن كل من كذَّب محمدًا فهو كافر؛ أي مخلَّد في النار بعد الموت، مُستباح الدم والمال في الحياة، إلى جملة الأحكام (الاقتصاد، ص١٢٤-١٢٥).
٣  من ترك التكذيب الصريح، ولكن يُنكر أصلًا من أصول الشرعيات المعلومة بالتواتر من الرسول، كقول القائل: «الصلوات الخمس غير الواجبة.» فإذا قُرئ عليه القرآن والأخبار قال: لست أعلم صدور هذا من الرسول، فلعله غلط وتحريف. وكمن يقول أنا مُعترف بوجوب الحج، ولكن لا أدري أين مكة وأين الكعبة، ولا أدري أين البلد الذي تستقبله الناس ويحجُّونه، هل هي البلد التي حجَّها النبي ووصفها في القرآن؟ فهذا أيضًا ينبغي أن يُحكَم بكفره لأنه مُكذِّب، ولكنه مُحترز عن التصريح، وإلا فالمتواترات تشترك في إدراكها العوام والخواص. وليس بُطلان ما يقوله كبُطلان مذهب المعتزلة، فإن ذلك يختصُّ لدركه أُولو البصائر من النظار، إلا أن يكون هذا الشخص قريب العهد بالإسلام، ولم يتوافر عنده بعدُ هذه الأمور، فيجعله إلى أن يتواتر عنده. ولسنا نُكفره لأنه أنكر أمرًا معلومًا بالتواتر، وأنه لو أنكر غزوةً من غزوات النبي المتواترة، وأنكر نكاحه حفصة بنت عمر، أو أنكر وجود أبي بكر وخلافته، لم يلزم تكفيره؛ لأنه ليس تكذيبًا في أصل من أصول الدين مما يجب التصديق به، بخلاف الحج والصلاة وأركان الإسلام؛ ولسنا نُكفره لمخالفة الإجماع، فإن لنا نظرًا في تكفير النظام المُنكر لأصل الإجماع؛ لأن الشُّبه كثيرة في كون الإجماع حجةً قاطعة، وإنما الإجماع التطابق على رأيٍ نظري، وهذا الذي نحن فيه تطابق على الأخبار غير محسوس، وتطابق العدد الكبير على الأخبار غير محسوس على سبيل التواتر الموجب للعلم الضروري، وتطابق أهل الحل والعقد على رأيٍ واحد نظري لا يوجب العلم إلا من جهة الشرع؛ ولذلك لا يجوز أن يُستدل على حدوث العالم بتواتر الأخبار من النُّظار الذين حكموا به، بل لا تواتر إلا في المحسوسات (الاقتصاد، ص١٢٦-١٢٧).
٤  ألا يُصرح بالتكذيب، ولا يُكذب أيضًا أمرًا معلومًا على القطع بالتواتر من أصول الدين، ولكن مُنكرًا ما عُلِم صحته إلا الإجماع. فأما التواتر فلا يشهد له كالنظام مثلًا؛ إذ أنكر كون الإجماع حجةً قاطعة في أصله، وقال: ليس يدل على استحالة الخطأ على أهل الإجماع دليلٌ عقلي قطعي ولا شرعي مُتواتر ولا يحتمل التأويل. فكل ما تستشهد به من الأخبار والآيات له تأويل بزعمه. وهو في قوله خارق لإجماع التابعين؛ فإنَّا نعلم إجماعهم على أن ما أجمع عليه الصحابة حقٌّ مقطوع به لا يمكن خلافه، فقد أنكر الإجماع وخرق الإجماع، وهذا في محل الاجتهاد. ولي فيه نظر؛ إذ الإشكالات كثيرة في وجه كون الإجماع حجة، فيكاد يكون ذلك كالمُمهد للعذر، ولكن لو فُتح هذا الباب انقاد إلى أمورٍ شنيعة، وهو أن قائلًا لو قال يجوز أن يُبعَث رسول بعد نبينا محمد، فيبعُد التوقف في تكفيره. ومستنَد استحالة ذلك عند البحث تُستمد من الإجماع لا محالة، فإن العقل لا يتخيله. وما نُقل فيه من قوله «لا نبيَّ بعدي»، ومن قوله تعالى «خاتم النبيين»، فلا يعجز هذا القائل عند تأويله أنه أراد به «أُولي العزم من الرسل»، فإن قالوا «النبيين» عام فلا يبعد تخصيص العام، وقوله «لا نبي بعدي» لم يُرِد به الرسول، وفرقٌ بين النبي والرسول، والنبي أعلى رتبة من الرسول، إلى غير ذلك من أنواع الهذيان؛ فهذا وأمثاله لا يمكن أن ندَّعي استحالته من حيث مجرد اللفظ؛ فإنَّا في تأويل ظواهر التشبيه قضينا باحتمالاتٍ أبعد من هذه ولم يكن ذلك مُبطلًا للنصوص، ولكن الرد على هذا القائل أن الأمة فهمت بالإجماع من هذا اللفظ ومن قرائن أحواله أنه فهم عدم نبي بعده أبدًا، وعدم رسول الله أبدًا، وأنه ليس في تأويل ولا تخصيص؛ فمنكر هذا لا يكون إلا مُنكر الإجماع. وعند هذا تتفرع مسائل مُتقاربة مُتشابكة يفتقر كل واحد إلى نظر. وللمجتهد في جميع ذلك يحكم بموجب ظنه يقينًا وإثباتًا (الاقتصاد، ص١٢٨–١٣٩).
٥  يتم الجمع بين الحقوق الثلاثة وإسقاطها جميعًا إذا ما أظهر المُنافق بدعةً شنعاء كبدعة القرامطة، وكبدعة الغلاة من الرافضة الحلولية، فإنه مرتدٌّ يُقتل (سياسي)، ولا يُصلَّى عليه (اجتماعي)، ويكون ماله فيئًا للمسلمين (اقتصادي) (الأصول، ص١٨٨-١٨٩).
٦  أجمع الفقهاء من أصحابنا على أنه لا تصحُّ الصلاة خلف المعتزلي ولا عليه (الأصول، ص١٨٨-١٨٩). وأوجب الشافعي ومالك وداود وأحمد من حنبل وإسحاق بن راهويه إعادة صلاة من صلَّى خلف القدري والرافضي وكل مبتدع تُنافي بدعته التوحيد. وروى هشام بن عبيد الله عن محمد بن الحسن أن من صلَّى خلف من يقول بخلق القرآن يُعيد الصلاة. وقال أبو يوسف والقاضي في المعتزلة إنهم زنادقة. وبالنسبة للصلاة على الميت، كل من لا تجوز الصلاة خلفه لا تجوز الصلاة عليه إذا مات (الأصول، ص٣٤٠–٣٤٢).
٧  أجمع الفقهاء والمتكلمون من أصحابنا أنه لا يصحُّ رد السلام عليه (الأصول، ص١٨٨-١٨٩).
٨  اختلفوا في قبول شهادة أهل الأهواء؛ ردَّها مالك، وأشار الشافعي وأبو حنيفة إلى قبولها سوى الخطابية التي ترى شهادة الزور. وقف الشافعي على تكفير غلاة الروافض، فأشار في كتاب القياس إلى رجوعه عن قبول شهادة أهل الأهواء (الأصول، ص٣٤٠–٣٤٢).
٩  أجمع الأصحاب على أنه لا يحلُّ أكل ذبائحهم (أهل الأهواء)، وأكثر المعتزلة مع الأزارقة والخوارج يُحرمون ذبائحنا، وقولنا فيهم أشد من قولهم فينا (الأصول، ص٣٤٠–٣٤٢). أجمع الفقهاء والمتكلمون من أصحابنا على أنه لا يحل أكل ذبيحته (الأصول، ص١٨٨-١٨٩).
١٠  عند الأصحاب، لا يجوز زواج المسلمة منهم، ويكون العقد مفسوخًا. فإن لم تعلم المرأة حتى وطئها فعليها العدة، ولها مهر المِثل بالوطء دون المهر المُسمَّى. والمرأة منهم يحرُم نكاحها. ومن الكرامية من لا يعرفون من الجسم إلا اسمه، ولا يعرفون أن خواصهم يقولون بحدوث الحوادث في ذات الباري، فهؤلاء لا يحلُّ نكاحهم وذبائحهم والصلاة عليهم (الأصول، ص٣٤٠–٣٤٢).
١١  أجمع الأصحاب على أن أهل الأهواء لا يرثون من أهل السنة، واختلفوا في ميراث الشخص منهم إلى فريقين: (أ) الحارث المحاسبي قطع الموارثة من الطرفين، ولم يأخذ ميراث والده لأنه كان قدريًّا. (ب) توريث السُّني منهم طبقًا لقول معاذ «إن المسلم يرث من الكافر، وإن الكافر لا يرث من المسلم»، وقول أبي حنيفة «يرث الشيء من المبتدع الضال ما اكتسبه قبل بدعته»، كما قال في المسلم «يرث من المرتد ما اكتسبه قبل ردته، ويكون كسبه بعد الردة فيئًا للمسلمين»، وقول الشافعي «مال الزنديق وكل كافر ببدعة فيءٌ فيه الجزية» (الأصول، ص٣٤٠–٣٤٢). إن كانت بدعته كبدعة القدرية فإن المتكلمين من أصحابنا قالوا بانقطاع التوارث بينهم وبين أهل السنة؛ ولذلك امتنع الحارس المحاسبي من غنم ميراث أبيه لأن أباه كان معتزليًّا. وقال الفقهاء من أصحابنا إن قريبه السني يرث منه، كما أن أهل الذمة يرث بعضهم بعضًا مع اختلافهم في الأديان (الأصول، ص١٨٨-١٨٩).
١٢  في مبايعة أهل الأهواء. أجازه الأصحاب في البياعات وسائر عقود المعارضة؛ لأن وجوب قتلهم بعد امتناعهم عن التوبة هو واجب السلطان، وليس للرعية إقامة الحد على المرتد. أهل الأهواء كأهل الحرب يجوز للمسلم مبايعتها (الأصول، ص٣٤٠).
١٣  في حكم دُور أهل الأهواء. كل دار غلبت عليها بعض الفِرق الضالة إن كان فيها أهل السنة ظاهرين يُظهرون السنة بلا خفير، ولا جِوار من مُجير، ولا خوف على النفس والمال، فهي دار إسلام، واللقيط فيها حرٌّ مسلم لا يسترق، ويجب تعريف اللقطة فيها. وإن لم يقدر أهل السنة على إظهار الحق إلا بجوار أو مالٍ يبذلونه، فهي دار حرب وكفر، واللقيط فيها كاللقيط في دار الحرب، وما يوجد فيها فهو فيء بخُمس. ثم اختلف الأصحاب في حكم أهل الدار إلى فريقين: (أ) تحريم ذبائحهم، ونكاح نسائهم، وجواز وضع الجزية عليهم مثل المجوس (أبو إسحاق الإسفراييني). (ب) مرتدُّون لا تُقبَل منهم الجزية، ولا يجوز استرقاقهم، وهو ما نقول به. وفي سؤال هل يجوز استرقاق أولادهم فيه خلاف؛ أفتى أبو إسحاق المروزي بجوازه، وأبو حنيفة وافقه، ومنع ذلك بعض الأصحاب (الأصول، ص٣٤٢-٣٤٣).
١٤  الشاكُّ في كفر أهل الأهواء. إن شكَّ في أن قولهم فاسد أم لا فهو كافر. وإن علِم أن قولهم بدعة وضلال وشك في كونه كفرًا، بين أصحابنا في تكفير هذا الشاك خلاف؛ قال أكثر المعتزلة بتكفير الشاك في كفار مُخالفيهم، ونحن بتكفير الشك في كفرهم أولى (الفرق، ص١٣-١٤).
١٥  الفِرقة الخارجة على الأمة الباطنيةُ والمغيرية والخطابية لتأليه الأئمة أو لقولهم بالحلول والتناسخ، أو الميمونية الذين أباحوا نكاح بنات البنات وبنات البنين، أو الإباضية لقبولهم بنسخ شريعة الإسلام إلى آخر الزمان، أو ما أباح ما نص القرآن على تحريمه، أو حرَّم ما نص القرآن على إباحته. والفِرق الخارجة نسبيًّا على الأمة، مثل المعتزلة والخوارج والرافضة الإمامية والزيدية والنجارية والجهمية والضرارية (المجسمة)، يجوز لأصحابها الدفن والفيء والغنيمة والصلاة في المساجد، ولكن لا تجوز له الصلاة عليه أو خلفه، ولا تحلُّ ذبيحته ولا نكاحه (الفرق، ص١٣-١٤).
١٦  إذا ما دافع المتكلمون عن بداهات الحس ضد العقليين الصوريين، فإنهم يُشيرون إلى أفلاطون وأرسطو وبطليموس وجالينوس بعد أن انتشرت آراؤهم في الحضارة الإسلامية، وبعد حديث الباقلاني عن حدوث العالم (التمهيد، ص٤٤–٤٦) انتقل إلى نقد الطبيعيين القائلين بالطباع (ص٥٢–٦١). فهل هم المتكلمون الإسلاميون (النظَّام)، أم مُمثلو الطبيعيات اليونانية، أم مُتمثلوها الإسلاميون (الفلاسفة)؟ ثم انتقل إلى الكلام عن المُنجمين (ص٦٠–٦٨) القائلين بتأليه الكواكب، فهل هم الصابئة أو الفلاسفة؟ ثم انتقل إلى الكلام عن أهل التثنية، فهل هم المانوية وهو أوضح، أم فرقةٌ إسلامية؟ (ص٦٨–٧٥). وكلما تعدَّدت الفِرق ظهرت على أنها أجنبية مثل المجوس.
١٧  النظرة الفقهية في «أصول الدين» للبغدادي، والكلامية في «المواقف» للإيجي و«الفصل» لابن حزم، والأصولية في «الاقتصاد» للغزالي. ويقول الغزالي: والغرض الآن تحرير معاقد الأصول التي يأتي عليها التكفير. وقد ترجع إلى هذه المراتب الستة، ولا يعترض فرع إلا ويندرج تحت رتبة من هذه الرتب؛ فالمقصود التأصيل دون التفصيل. فإن قيل: السجود بين يدَي الصنم كفر، وهو فعلٌ مجرد ولا يدخل تحت هذه الروابط، فهو من أصلٍ آخر. قلنا: لا، فإن الكفر في اعتقاده تعظيم الصنم، وذلك تكذيب للرسول والقرآن، ولكن يُعرَف اعتقاده تعظيم الصنم تارةً بتصريح لفظ، وتارة بالإشارة إن كان أخرس، وتارةً بفعلٍ يدل عليه دلالةً قاطعة كالسجود. وحيث لا يحتمل أن يكون السجود لله، وإنما الصنم بين يدَيه كالحائط وهو غافل عنه، أو معتقد تعظيمه، وذلك يُعرَف بالقرائن. وهذا كنظرنا أن الكافر إذا صلَّى بجماعتنا هل يُحكَم بإسلامه، أي هل يُستدل على اعتقاد التصديق، فليس هذا إذن نظرًا خارجًا عما ذكرناه. ولْنقتصرْ على هذا القدر في تعريف مَدارك التكفير، وإنما أوردنا من حيث إن الفقهاء لم يتعرَّضوا له، والمتكلمون لم ينظروا فيه نظرًا فقهيًّا إذ لم يكن ذلك من فنهم، ولم ينبه لها لقرب المسألة من الفقهيات؛ لأن النظر في الأسباب الموجبة للتكفير من حيث إنها أكاذيب وجهالات نظرٌ عقلي، ولكن النظر من حيث إن تلك الجهالات بُطلان العصمة، بل والخلود في النار، فنظرٌ فقهي، وهو المطلوب (الاقتصاد، ص١٢٨-١٢٩).
١٨  يجعلها البغدادي خمس عشرة فرقةً حرصًا على العدد الذي اختاره منذ البداية. والفِرق هي: (١) السوفسطائية. (٢) الدهرية. (٣) السُّمنية. (٤) أصحاب الهيولى. (٥) أصحاب الطبائع. (٦) أصناف من الفلاسفة. (٧) كفَرة المُنجمين. (٨) الذين عبدوا إنسانًا محدَّدًا. (٩) عبادة رأس مخصوصة من رءوس الناس، وكتمان الدين عن غيرهم. (١٠) عبادة الملائكة. (١١) الحلولية. (١٢) أهل التناسخ. (١٣) الخرمدينية. (١٤) الباطنية. (١٥) البراهمة.
١٩  حكم الكفرة الذين لا تؤخذ منهم الجزية. عند أبي حنيفة، الجزية مقبولة من كل من بذلها من الكفرة إلا مشركي العرب. وعند الشافعي، الجزية مقبولة من أهل الكتاب (اليهود والنصارى والصابئة والسامرة)، والخلاف في المجوس؛ في الجزية كأهل الكتاب، وفي النكاح والذبيحة كأهل الأوثان. ودِيَتهم خُمس دية اليهود والنصارى، ودية هؤلاء ثلث دية المسلم (الاقتصاد، ص١٢٤).
٢٠  والسُّمنية مثل الدهرية في نظرية الوجود، تقول بقِدم العالم (الأصول، ص٣١٨–٣٢٠).
٢١  يشير البغدادي إلى القول بالقدماء الستة إلى ابن قبيس (الأصول، ص٣٢٠–٣٢٤).
٢٢  يُنسَب القول بقادرين، العالم والعلة، إلى أرسطو في البداية، ولكنه أصبح أحد الفِرق الحضارية داخل الحضارة الإسلامية في النهاية، وله مُمثلون محليُّون يعقلون الموقف القديم ويزيدون عليه. وعند الغزالي، الفلاسفة يُصدقون بالصانع والنبوة يُصدقون النبي، ولكن يعتقدون أمورًا تُخالف نصوص الشرع، ولكن يقولون إن النبي مُحقٌّ، وما قصد به ذكره لإصلاح الخلق، ولكن لم يُقرر على التصريح بالحق لغلال أفهام الخلق عن دركه. هؤلاء هم الفلاسفة، ويجب القطع بتكفيرهم في ثلاث مسائل: (أ) إنكارهم لحشر الأجساد والتعذيب بالنار والتنعيم في الجنة بالحور العين والمأكل والمشرب والملبس. (ب) قولهم إن الله لا يعلم الجزئيات وتفصيل الحوادث، وإنما يعلم الكليات، وإنما الجزئيات تعلمها الملائكة السماوية. (ﺟ) قولهم إن العالم قديم، وإن الله مُتقدم على العالم بالرتبة مثل تقدم العلة على المعلول، وإلا فلم ترَ في الوجود إلا مُتساويين. وهؤلاء إذا أوردوا عليهم آيات القرآن زعموا أن اللذَّات العقلية تقصر الأفهامُ عن دركها، فمثَّل لهم ذلك باللذات الحسية. وهذا كفرٌ صريح، والقول به إبطال لفائدة الشرائع، وسدٌّ لِباب الاهتداء بنور القرآن، واستبعاد الرشد من قول الرسول؛ فإنه إذا جاز عليهم الكذب لأصل المصالح بطلت الثقة بأقوالهم، فما من قولٍ يصدُر عنهم إلا ويُتصور أن يكون كذبًا، وإنما قالوا ذلك لمصلحة. فإن قيل: لمَ قلتم مع ذلك بأنهم كفرة؟ قلنا لأنه عُرِف قطعًا من الشرع أن من كذَّب رسول الله فهو كافر، وهؤلاء مُكذبوه، ثم مُعلِّلون للكذب بمعاذير فاسدة، وذلك لا يُخرج الكلام عن كونه كذبًا (الاقتصاد، ص١٢٥-١٢٦). رفض إلهيات الفلسفة، نظرية الصدور أو الفيض (المحصل، ص١٤٥–١٤٧). أقوال المنانية والديصانية والمرقونية وأصحاب الطبائع وأصحاب الهيولى في الإنسان (مقالات، ج٢، ص٢٦-٢٧).
٢٣  يُنسَب القول بإلهية الشمس وعبادتها إلى بلقيس (الأصول، ص٣٢٠–٣٢٤).
٢٤  وذلك مثل تأليه جمشيد وفرعون ومرزوز بن كنعان وزرج الهندي.
٢٥  يوضع إنسان في الزيت أيامًا ثم ينخلع رأسه مع عروقه عن بدنه، فيعبدون الرأس في حران وأذربيجان (الأصول، ص٣٢٠–٣٢٤).
٢٦  كان ذلك في الهند زمان يهوذاسف الذي نقلهم إلى عبادة الأصنام. وكان أيضًا عند قوم من العرب في الجاهلية زعموا أن الملائكة بنات الله تشفع لهم، ونزلت فيهم: وَيَجْعَلُونَ لِلهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ، أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا، إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (الأصول، ص٣٢٠–٣٢٤).
٢٧  الحلول في الصور الحسنة عقيدة أبي حلمان الدمشقي، والحلول في الأئمة عند بيان بن سمعان وأبي الخطاب الأسدي وأبي مسلم والمقنع. ووُجدت الفرقة في المبيضة فيما وراء النهر (الأصول، ص٣٢٠–٣٢٤).
٢٨  يُنسَب ذلك إلى سقراط وإلى أحمد بن حابط من القدرية، وعلي بن فانوس من تلامذة النظام، من أجل اعتبار القدرية أصل البدع! (الأصول، ص٣٢٠–٣٢٤).
٢٩  التكذيب على مراتب؛ تكذيب البراهمة المُنكرين لأصل النبوات، والدهرية المُنكرين لصانع العالم. وهذا ملحق بالنصارى بطريق الأولى؛ لأن هؤلاء كذَّبوه وكذَّبوا غيره من الأنبياء، أعني البراهمة، فكانوا بالتكفير أولى من النصارى واليهود! والدهرية أولى بالتكفير من البراهمة؛ لأنهم أضافوا إلى تكذيب الأنبياء أفكار الرسل، ومن الضرورة إنكار النبوة. ويلتحق بهذه الرتبة من قال قولًا لا يُثبت النبوة في أصلها، أو نبوة محمد على الخصوص، إلا بعد بُطلان قوله (الاقتصاد، ص١٢٥).
٣٠  تستحلُّ غلاة الروافض الميتة وذوات المحارم، ومنهم من يستمتع بامرأة صاحبه. وكان الباطنية في الأصل مجوسًا وثنوية، أشهرهم عبد الله بن ميمون القداح وحمدان بن قرمط، تأوَّلوا الشرائع على وفق مذهب المجوس أيام المأمون. دعَوا إلى صانعين؛ الأول والثاني، النور والظلمة، أشرُّ أصناف الكفر وأعظمهم على المسلمين بلاءً. وتُبيح الخرمدينية كل ما يميل إليه الطبع من نكاح المحارم والخمر والميت وكل ما فيه طيب ولذة، وإسقاط وجوب الصلوات وسائر الفرائض، ومنها المزدكية والمنصورية والأبيقورية (الأصول، ص٣٢٠–٣٢٤).
٣١  المرتبة الأولى تكذيب اليهود والنصارى وأهل المِلل كلهم من المجوس وعبَدة الأوثان وغيرهم؛ فتكفيرهم منصوص عليه في الكتاب، ومُجمَع عليه بين الأمة، وهو الأصل، وما عداه كالمُلحَق به (الاقتصاد، ص١٢٥).
٣٢  الصابئة فرقة من اليونانية ترى أن هرمس المنجِّم كان نبيًّا، تقول بثلاث صلوات كل يوم، وثماني ركعات في كل ركعة، وثلاث سجدات قبل زوال الشمس ومِثلها عند الغروب، والوضوء قبل الصلاة، والصيام ثلاثين يومًا أولها ٨ أذار، والذبح من ذوات الأربع الذكور من البقر والضأن والماعز، ومن سائر ذوات الأربع غير المجزور ما ليس له أسنان في الشِّدقَين، ومن الطير ما ليس له مِخلب، ولا يذبحون ما لا رئة له. حرَّموا لحم الخنزير والكلب والحمار والجزور والحمام وما له مِخلب. حرَّموا المُسكِر من الشراب والأختان، وأوجبوا الغسل من الجنابة ومن مس الميت والحائض، وأوجبوا مجانبة الأبرص والمجذوم وكل ذي عاهة تُعدي. لا طلاق إلا بحكم أو بنية عن فاحشة، ولا يرون رجعة ولا جمعًا بين امرأتين. وهناك خلاف في أكل الخنزير والصلاة إلى القطب الشمالي (الحرانية تُصلي والقطب وراءها، والواسطية على دين شيث بن آدم، وأن صحفه معهم). وعند الزيدية (الخوارج)، الصابئة المذكورة في القرآن لم يوجدوا بعد، وأن الله يبعث رسولًا من العجم وينزل عليه كتابًا من السماء جملةً واحدةً يكون فيه دين الصابئة، ينسخ به شريعة محمد. وهم أكفر من الصابئة الأصلية (الأصول، ص٣٢٤-٣٢٥).
٣٣  اليهود فِرق العنانية والربَّانية، وهم الجمهور الأكبر؛ والسامرة، ولهم توراةٌ غير الجمهور؛ والشاذانية، وهم مثل أهل الأهواء من المسلمين. وبين الربانية الشاذلية خلاف في إباحة الخمر. وادَّعى الجمهور الأعظم تسعة عشر نبيًّا بعد موسى. وأقرَّت السامرة بثلاثة كتب فحسب. واختلفوا في النسخ بين من يأباه عقلًا ومن يُجيزه عقلًا. ويقولون بتأييد شرع موسى أخيرًا. وكلهم يُنكرون نبوة محمد، إلا العيسوية التي زعمت أنه نبي العرب (الأصول، ص٣٢٥–٣٢٧).
٣٤  الموحدون قديمًا مثل الأريوسية، وحديثًا مثل الموحدين (الأصول، ص٣٢٥–٣٢٧).
٣٥  المجوس أشكل أمرهم: (أ) قال بعض السلف: كانوا أهل كتاب، فلما أحدثوا القول بصانعين، أحدهما يخلق الخير والآخر يخلق الشر، أُسريَ (رفع) بكتابهم. (ب) كانوا في الأصل ثنوية من أصحاب النور والظلمة، وانتقلوا إلى القول بيزدان وأهرمان، وأقروا بحدوث أهرمان، ودانوا بعبادة النار. دعاهم إليها زرادشت في أيام كشتاسب وأسفنديار. فلما وقع الإشكال في أمرهم رُوي أن النبي أخذ الجزية من مجوس هجر كأهل كتاب في الجزية، وكأهل أوثان في الذبيحة والنكاح. اختلفوا في دياتهم؛ عند أبي حنيفة مثل دية المسلم، وأجاز قتل اليهودي بالواحد من أهل الجزية. وعند الشافعي ومالك لا يُقتل المسلم بالذمي. عند مالك، دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم، وعند الشافعي الثلث. ودية المجوسي خُمس دية اليهودي والنصراني، أحد خُمس ثلث دية المسلم (جزء من خمسة عشر جزءًا!) (الأصول، ص٣٢٥–٥٢٧).
٣٦  عند أبي حنيفة لا دية عليه، وعند الشافعي تجب ديته، والخلاف فقط في المقدار (الأصول، ص٣٢٧-٣٢٨).
٣٧  أجمعوا على أن الرجل المرتد يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل، ولا تُقبَل منه الجزية. واختلفوا في المرأة المرتدة؛ فعند الشافعي إن تابت وإلا قُتلت كالرجل ولا تُسترق، وعند أبي حنيفة لا تُقتَل، فإن لحقت بدار الحرب جاز استرقاقها بعد السبي. واختلفوا في أولاد المرتدين؛ فعند أبي حنيفة يجوز استرقاقهم، واختلف أصحاب الشافعي بين النفي والإثبات (استولد عليٌّ خولة الحنفية وكانت من سَبْي بني حنيفة بعد ارتدادهم). ولا تحلُّ ذبيحة المرتد ولا نكاحه، ولا دية ولا قصاص على قاتله. واختلفوا في الزوجين المرتدين؛ عند أبي حنيفة يبقى النكاح، وعند الشافعي إن كانت الردة قبل الدخول انفسخ النكاح كما لو ارتدَّ أحدهما، وإن كانت بعد الدخول يوقف النكاح على العدة. فإن انقضت توبتها قبل الرجوع إلى الإسلام انفسخ النكاح، وإن أسلما قبل انقضاء العدة بقيا على النكاح الأول. واختلفوا في قضاء الصلوات والصوم المتروكين في حالة الردة؛ يوجب الشافعي قضاءها ولا يوجب قضاء الحج، وعند أبي حنيفة لا قضاء، وواجبٌ قضاء الحج الذي أتى به قبل الردة. كما اختلفوا في ارتداد الصبي؛ أجمعوا على أنه غير صحيح، واختلفوا في إسلامه. عند أبي حنيفة إسلامه صحيح، حتى إن رجع عنه وبعد بلوغه صار مرتدًّا. وعند الشافعي إن أظهر الصبي الإسلام فُرِّق بينه وبين أبوَيه لئلا يفتناه عن الإسلام. فإن بلغ وثبت على الإسلام، وإن رجع إلى دين أبوَيه كان من أهل الجزية وليس من المرتدين (الأصول، ص٣٢٨-٣٢٩).
٣٨  المعارضة السرية في الداخل الشيعة، والمعارضة العلنية في الخارج هم الخوارج، والمعارضة العلنية في الداخل هم المعتزلة.
٣٩  يعتبرها البغدادي الباطنية والغلاة من الروافض والمُجسمة والمُشبهة (الأصول، ص٣٣٠–٣٣٨). ويضمُّها كلَّها ابنُ حزم في الشيعة (الفصل، ج٥، ص٢٤–٢٩).
٤٠  هذه هي فرقة الباطنية واتحادها مع المجوس، حتى خرجت عن فِرق الأهواء ودخلت في فِرق الكفر. لم تتمسَّك شيئًا بأحكام الإسلام، لا في الأصول ولا في الفرع. دعا المجوس بالتمويه إلى دين الوثنية. وقد تشاوَر المجوس زمان المأمون في استدراك ملكهم، فعلِموا عجزهم عن قهر المسلمين، فدبَّروا في تأويل أركان الشريعة على وجوهٍ تؤدي إلى رفعها، وانتُدب لذلك حمدان بن قرمط زعيم القرامطة، وعبد الله بن ميمون القداح زعيم الباطنية بمصر. وخالفوا مع أتباعهما المسلمين في التوحيد؛ فالإله هو الأول الذي خلق شيئًا ثانيًا، فهو مع الثاني مُدبران للعالم. وهذا بعينه دين المجوس، أن الإله خلق الشيطان، ثم أنه مع الشيطان يُدبران العالم؛ فهو مُدبر الخيرات، والشيطان مُدبر الشرور. وقالوا في النبوات برفض المعجزات المُناقضات للعادة. وأنكروا نزول الملائكة من السماء. تأوَّلوا الملائكة على دعايتهم إلى بدعتهم، وزعموا أنهم كبراؤهم المُسمَّون بجبرائيل وميكائيل وإسرافيل. وتأوَّلوا الشياطين على مُخالفيهم، وعلماء مُخالفيهم الأبالسة (الأصول، ص٣٣٠-٣٣١).
٤١  عند الباطنية، الأنبياء قومٌ أحبُّوا الزعامة، فساسوا العامة بالنواميس والحيل طلبًا للزعامة بدعوى النبوة والإمامة. كل واحد منهم صاحب دور سبع، إذا انقضى دور سبعة تبِعهم في دور أخير (الفرق، ص٢٩٦). إن المسلمين كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وكل من ادَّعى النبوة، كانوا أصحاب نواميس ومخاريف، أحبُّوا الزعامة على العامة فخدعوهم بنيرنجات واستعبدوهم بشرائعهم. الأنبياء ساسةٌ احتالوا للزعامة على العامة بالنواميس، وكل واحد منهم صاحب دور، إذا مضى عن دوره سبعة انقضى دوره واستؤنف بغير أمره. الصلاة الثناء على الإمام، والزكاة دفع الخراج، والصوم الإمساك عن إفشاء أسرارهم عند مُخالفيهم، والزنا إفشاء أسرارهم بغير عهد. أسقطوا العبادات والحدود، وأباحوا الخمر ونكاح ذوات المحارم. وهذا هو التمجس (الفرق، ص٢٩٦).
٤٢  اختلف الأصحاب في حكمهم؛ فهم إما مجوسٌ تؤخذ الجزية منهم وتحرم ذبائحهم ونكاحهم، أو هم في حكم المرتدِّين إن تابوا وإلا قُتلوا، وهو الصحيح. وعند مالك، الباطني والزنديق إن جاءا تائبين ابتداءً قبِلنا التوبة منهما، وإن أظهرا التوبة بعد العثور عليهما لم تُقبَل التوبة منهما، وهو الأحوط (الفرق، ص٣٠).
٤٣  هذه هي فرقة الغلاة من الروافض. فعند البيانية، الله على صورة إنسان، يفنى كله إلا وجهه، تحل روح الله في بيان بن سمعان فصار إلهًا. وعند المغيرية، الله له أعضاء على صورة حروف الهجاء، الهاء فرج، خلق الشمس والقمر من عين ظل. وفيهم من ادَّعى حلول الله في زعيمهم المغيرة بن سعيد. ويُقال إن عبد الله بن معاوية حلَّت فيه الروح، كما يُقال بإباحة المحرَّمات وإسقاط العبادات. وعند المنصورية، عُرج بأبي منصور العجلي إلى السماء، وأن الله مسح بيده على رأسه وقال: يا بُني، بلِّغ عني. ثم أنزله إلى الأرض، فهو الكسف الساقط من السماء. استحلُّوا خنق مُخالفيهم. وعند الخطابية، جعفر الصادق إله، وادَّعى الألوهية، شهادة الزور لمُوافقيه على مُخالفيه. وادَّعى المقنع أن روح الله حلَّت فيه. وادَّعت السبئية ألوهة علي في حياته، وأنه في السحاب؛ الرعد صوته، والبرق سوطه. وأكفرت الكاملية الصحابة بتركهم بيعة علي، وأكفروا عليًّا بتركه قتالهم، وكلهم مرتدُّون من الدين حكمهم، حكم أهل الردة (الأصول، ص٣٣١-٣٣٢).
٤٤  هذه هي فرقة المُجسمة والمُشبهة. المُجسمة مِثل الكرامية في خراسان، والمُشبهة مثل البيانية والمغيرية والجواربية (داود الجواربي) والهشامية (هشام بن سالم الجواليقي). ومعهم من زعم أن بعض الناس إله، أو أن الله حل فيه كما تقول الحلولية، مثل الخطابية (جعفر الصادق) والرزامية (أبو مسلم) والمبيضة (المقنع)، وكلهم كفرةٌ مثل عُباد الأوثان (الأصول، ص٣٣٧-٣٣٨).
٤٥  هذه هي فرقة الشيعة عند ابن حزم. فعند الجارودية (الزيدية)، الإمام حي لم يمُت، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا (وهو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي القائم بالمدينة، يحيى بن عمر، محصن بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي، محمد بن علي وهو ابن الحنفية)، حي بجبال رضوى، عن يمينه أسد وعن يساره نمر، تُحدثه الملائكة، يأتيه رزقه غدوًّا وعشيًّا. وعند القطعية الإمامية، وهم جمهور الشيعة، محمد بن الحسن حي لم يمُت، وهو المهدي المنتظر (الفصل، ج٥، ص٢٣). والغالية تقول بالإلهية لغير الله. فعند السبئية، عليٌّ إله. وقال عبد الله بن سبأ لعلي: أنت، أنت هو، أنت الله. فحرقهم علي، فقالوا الآن صح أنه الله؛ لأنه لا يُعذب بالنار إلا الله. وقال ابن سبأ: لو أتيتمونا بدمائه سبعين مرةً ما صدَّقنا موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا. وعند المحمدية، محمد هو الله. وعند الخطابية، الآلهة آدم والنبيُّون، ثم الحسن والحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد. وتقول القرامطة بألوهة محمد بن إسماعيل، والبعض الآخر بألوهة أبي سعيد الحسن وأبنائه، أو بألوهة أبي القاسم النجار، أو عبيد الله ثم ولده حتى الآن، أو أبي الخطاب ثم الحلَّاج ثم محمد بن علي وشياش المقيم بالبصرة وأبو مسلم الراج المقنع الأعور القصار وأبو جعفر المنصور وعبد الله بن حرب (الفصل، ج٥، ص٢٧–٢٩).
٤٦  عند هشام بن الحكم، ربه سبعة أشبار بشبر نفسه. وعند داود الجواربي، ربه لحم ودم على صورة الإنسان، والشمس ردت على علي مرتين (الفصل، ج٥، ص٢٣). وعند المغيرة بن سعيد، معبوده في صورة رجل على رأسه تاج، أعضاؤه على عدد حروف الهجاء، الألف للساقين … لما أراد أن يخلق تكلَّم باسمه الأكبر، فوقع تاجه، ثم كتب بأصبعه أعمال العباد من المعاصي والطاعات. فلما رأى المعاصي انفضَّ به عرقًا، فاجتمع من عرقه بحران؛ أحدهما مالحٌ مظلم والثاني نيرٌ عذب، ثم اطَّلع في البحر فرأى ظلمة، فذهب فطار فأخذه، فقلع عين ذلك الظل ولمعه، فخلق من عينَيه الشمس وشمسًا أخرى، وخلق الكفار من البحر المالح، والمؤمنين من العذب (الفصل، ج٥، ص٢٥). عند بيان، كل شيء يفنى إلا وجهه: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. الله أخبر الفناء على الأرض فقط (الفصل، ج٥، ص٢٥–٢٩).
٤٧  عند هشام بن الحكم وتلميذه الضحاك، عِلم الله مُحدَث، يريد الشيء ويعزم عليه، ثم يبدو له فلا يفعل (الكيسانية) (الفصل، ج٥، ص٢٣).
٤٨  تقول الشيعة بنبوة علي، ثم الحسن والحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، والحسن بن محمد، والمنتظر بن الحسن، كلهم أنبياء. وتقول القرامطة بنبوة محمد بن إسماعيل بن جعفر. وتقول الكيسانية بنبوة علي وبنيه الثلاثة، الحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية. أراد المختار أن يدَّعيَ النبوة لنفسه، وسجع وأنذر بالغيب، وقال بإمامة محمد ابن الحنفية. وادَّعى كل الأئمة النبوة، مثل المغيرة بن سعيد وبيان بن سمعان «هذا بيان للناس»، ومنصور العجلي الملقَّب بالكسف «وإن يروا كسفًا من السماء»، الله عرج به إلى السماء، ومسح رأسه بيده وقال: ابني، اذهب فبلِّغْ عني. ومعمر بائع الحنطة بالكوفة، وعمر التبان، وقد قال: «لو شئت أن أعيد هذا التبن ثبرًا لفعلت.» ونبوة عمار الملقَّب بخداش، ونبوة بزيغ الماثل بالكوفة (الفصل ج٥، ص٢٤–٢٧).
٤٩  هذا هو موقف الغرابية إحدى فِرق الشيعة؛ فقد كان محمد أشبه بعلي من الغراب بالغراب، وأن الله بعث جبريل بالوحي إلى علي وغلط جبريل بمحمد، ولا لوم على جبريل لأنه غلط. وقالت طائفة إنه تعمَّد ذلك وكفَّروه. ومحمدٌ أربعون سنة، طويل القامة، كثُّ اللحية، مُمتلئ الساقَين، أولج العينين، قليل شعر الجسد. وعليٌّ صبي، أحد عشر عامًا، قصير، منكب، عظيم اللحية، مملوء الصدر، دقيق الساقَين، أصلع (الفصل، ج٥، ص٢٧–٢٩).
٥٠  قالوا حجتُنا الإلهام، ومن خالفنا ليس لرشده. والشيعة ليسوا رشَدة، بهم جنون. تقول الإمامية إن القرآن مبدَّل، زِيد فيه ما ليس منه، ونُقص منه (الفصل، ج٥، ص٢٢).
٥١  طائفة من الشيعة تقول بفناء الجنة والنار، ومن الكيسانية من يقول الدنيا لا تفنى أبدًا، وطائفةٌ أخرى تقول بتناسخ الأرواح. يضربون البغال ويُعطشونها على أنها روح أبي بكر وعمر (الفصل، ج٥، ص٢٢-٢٣).
٥٢  من الإمامية من يُجيز نكاح تسع نسوة منهم، ويُبيح أبو منصور العجلي المحرَّمات من الزنا والخمر والميتة ولحم الخنزير والدم، وقال: إنما هي أسماء رجال. وجمهور الرافضة اليوم على هذا. أسقط الصلاة والزكاة والصلاة والحج. أمر أحد أصحاب المغيرة بن سعيد بأن يفسق الأرفع قدرًا منهم به (محمد بن علي) ليولج فيه النور، وكانوا يقولون بالاشتراك في النساء. ومن ناحية التشدد، فرض عبد الله بن حرب على أتباعه تسع عشرة صلاة في اليوم والليلة، وفي كل صلاة خمس عشرة ركعة، حتى ناظره رجل من مُتكلمي الصفرية، ففارقه أصحابه ولعنوه، ورجعوا إلى القول بإمامة عبد الله بن معاوية. ومن الإمامية من يُحرم الكرنب؛ لأنه إنما ينبت على دم الحسين، ولم يكن قبل ذلك. العجلية ملعونون بكفرهم وصلاتهم خلاف صلاة المسلمين، لا يأكلون شيئًا من الثمار ذيل أصله. وأصحاب أبو منصور العجلي مُنافقون ورضاخون. وأصحاب المغيرة بن سعيد لا يستحلُّون حمل السلاح حتى يخرج الذين ينتظرونه ويقتلون الناس بالخنق والحجارة والخشب والكسفية، يقتلون من كان منهم ومن خالفهم، ويقولون: نُعجل المؤمن إلى الجنة والكافر إلى النار. يؤدون الخُمس ممن خنقوه إلى الحسن بن أبي منصور. ويرى ابن سعيد أن الأنبياء لم يختلفوا قطُّ في شيء من الشرائع. ويُحرم ماء الفرات، وكل ماء نهر أو عين أو بئر وقعت فيه نجاسة (الفصل، ج٥، ص٢٣–٢٥).
٥٣  كفَّرت الكاملية جميع الصحابة بعد موت النبي؛ إذ جحدوا إمامة علي، وأن عليًّا كفر إذ سلَّم الأمر إلى أبي بكر ثم عمر ثم عثمان. وقال جمهورهم إن عليًّا ومن اتبعه رجعوا إلى الإسلام بعد أن ادَّعى الإمامة إلى نفسه بعد مَقتل عثمان، وكشف وجهه وسلَّ سيفه، وقبل ذلك كانوا مرتدين مشركين كفارًا. ومنهم من يجعل الذنب على النبي الذي لم يُبين الأمر رفعًا للإشكال (الفصل، ج٥، ص٢٣-٢٤).
٥٤  يُكثر ابن حزم من الإشارة إلى اليهودية والنصرانية، حتى إنه يُفرد لهما أجزاءً بأكملها من «الفصل» «في بيان وجوه النقل عندهم» نظرًا لوجوده في الأندلس، حيث تعايش اليهود والنصارى مع المسلمين في أمةٍ واحدة. فالسبئية أصحاب ابن سبأ اليهودي، وقوله إن عليًّا في السحاب، والرعد صوته، والبرق سوطه، صورٌ من التوراة. والكيسانية تقول إن أبا مسلم أو عبد الله بن معاوية حي وسيظهر، مثال اليهود القائلين بأن ملكي صدق بن عامر بن أرفخشذ بن سام بن نوح، والعبد الذي وجَّهه إبراهيم ليخطب ربقا بنت بنؤال بن ناقور بن تارخ على إسحاق ابنه، وإلياس وفنحاس بن الغازار بن هارون، أحياء إلى اليوم (الفصل، ج٥، ص٢٣). ويستشهد الشيعة برجعة الأموات بما حدث في بني إسرائيل، فليس عندهم شيء إلا وكان في هذه الأمة مثله (مقالات، ج١، ص٧٢). وينزل عيسى آخر الزمان مثل رجوع الإمام المنتظر. وإن محنة علي بين أصحابه وتأليههم له مثل محنة عيسى بين أصحابه (الفصل، ج٥، ص٢٧–٢٩). وزعم أبو منصور أن عيسى أول من خلق الله، ثم علي (مقالات، ج١، ص٧٤). ومن التراث الصوفي يُشار أيضًا إلى قصة الخضر وإلياس، فالخضر من الخضر والرجوع، وإلياس يُمثل الصحراء؛ فالتقابل بينهما هو التقابل بين المروج والجدب. وسلك هذا السبيلَ بعضُ الصوفية، فزعموا أن الخضر وإلياس حيَّان، يلقى الناس في الفلوات، والخضر في المروج والرياض، وأنه متى ذُكر حضر على ذاكره. وكفار براغواطة ينتظرون صالح بن طريفة إلى اليوم (الفصل، ج٥، ص٢١). كما تقول الصوفية بالحلول كما هو الحال عند الحلَّاج، وبإسقاط الشرائع أو التشدد فيها. وعلموا أن كل من كفر بهذه الكفارات الفاحشة ممن ينتمي إلى الإسلام فإنما عنصرهم الشيعة والصوفية. فإن من الصوفية من يقول إن من عرف الله سقطت عنه الشرائع. وزاد بعضهم «واتصل بالله». وسعيد بن أبي الخير مرةً يلبس الصوف، ومرةً الحرير المحرَّم على الرجال، ومرةً يُصلي في اليوم ألف ألف ركعة، ومرةً لا يُصلي لا فريضة ولا نافلة. وهذا كفرٌ محض (الفصل، ج٥، ص٢٧–٢٩).
٥٥  المعارضة العلنية في الخارج هم الخوارج، والمعارضة العلنية في الداخل هم المعتزلة. وتعتمد الخوارج في أصولها النظرية، التوحيد والعدل، على المعتزلة، ولكن لها أصولٌ عملية خاصة بها، والتي تختلف عن أصول المعتزلة العملية (المنزلة بين المنزلتين والوعد والوعيد)، وإن اشتركا بعد ذلك في الأصل الخامس؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد اختلف مؤرخو الفِرق في عدد فِرق الخوارج طبقًا لعلم كل منهم بها؛ فيذكر مثلًا ابن حزم الإباضية والفِرق المعروفة في شمال أفريقيا والأندلس، بينما يذكر مؤرخو الشرق فِرق الخوارج في البصرة وبغداد.
٥٦  الإباضية ثلاث فِرق: (أ) من يقول إن في هذه الأمة شاهدين عليها هو أحدهم، والآخر لا يدري من هو، ولا متى، ولعله كان قبله. (ب) من كان من اليهود والنصارى يقول لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله إلى العرب (العيسوية)، مؤمنون أولياء الله، وإن ماتوا على هذا العقد والتزام شرائع اليهود والنصارى. (ﺟ) دين الإسلام يُستنسخ بنبيٍّ من العجم يأتي بين الصائبة، وبقرآنٍ آخر ينزل عليه جملةً واحدة (الفصل، ج٥، ص٢٩). وعند اليزيدية أن الله سيبعث رسولًا من العجم ويُنزل عليه كتابًا من السماء، وتكون ملة الصائبة المذكورة في القرآن، وينسخ شريعة محمد. وتُنكر الميمونية سورة يوسف (الأصول، ص٣٣٢-٣٣٣).
٥٧  عند المكرمية، من أتى كبيرة فقد جهل الله فهو جاهل، ليس من أجل الكبيرة، لكن لأنه جهل، فهو كافر بجهل. وعند الحفصية، من عرف الله وكفر بالنبي فهو كافر لا مشرك، ومن جهل الله أو جحده فهو مشرك. وعند بعض الإباضية، المنافقون على عهد رسول الله كانوا مُوحدين أصحاب كبائر. وعند بكر ابن أخت عبد الواحد بن يزيد، كل ذنب صغير أو كبير ولو كان أخذ حبة خردل بغير حق، أو كذبة خفيفة على سبيل المزاح، فهو شرك بالله، وفاعلها مُشركٌ مخلَّد في النار، إلا أن يكون من أهل بدر، فهو كافرٌ مشرك من أهل الجنة، وهذا حكم طلحة والزبير. وعذر الفضيلة الصفرية من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله بلسانه ولم يعتقد ذلك بقلبه، بل اعتقد الكفر أو الدهرية أو اليهودية أو النصرانية، فهو مسلم عند الله مؤمن، ولا يضاره إذا قال الحق بلسانه ما اعتقد قلبه (الفصل، ج٥، ص٢٩–٣٣).
٥٨  عند النجدات، من كذب كذبةً صغيرة أو عمل صغيرًا وأصرَّ على ذلك فهو كافرٌ مشرك، وكذلك أيضًا في الكبائر، وأن من عمل من الكبائر غير مُصر عليها فهو مسلم (الفصل، ٢٩–٣٢). وعند طائفة أخرى من المكرمية، ما كان من المعاصي فيه حد كالزنا والسرقة والقذف فليس فاعله كافرًا ولا مؤمنًا ولا منافقًا، وما كان من المعاصي لا حد فيه فهو كافر، وفاعله كافر. وعند طائفة من الإباضية، من زنى أو سرق أو قذف فإنه يُقام عليه الحد، ثم يُستتاب مما فعل، فإن تاب تُرك، وإن أبى قُتل على الردة.
٥٩  لو وقعت قطرة خمر في جنب ماء بفلاة من الأرض، فإن كل من خطر ذلك فشرب منه وهو لا يدري ما وقع فيه كافر، والله يوفِّق المؤمن لاجتنابه. والأزارقة تُبطل رجم من زنى وهو محصن، وقطعوا يد السارق من المَنكب، وأوجبوا على الحائض الصلاة والصيام في حيضها. رفض البعض وقال: تقضي الصلاة إذا طهُرت كما تقضي الصيام. وعند الرشيدية الثعالبة الصفرية، الواجب في الزكاة نِصف العُشر مما سُقي بالأنهار والعيون. ومن مظاهر اللين ما قرَّره البطيحي من أنه لا صلاة واجبة إلا ركعة واحدة بالغداة وأخرى بالعشي، الحج في جميع شهور السنة، تحريم أكل السمك حتى يُذبَح، عدم أخذ الجزية من المجوس، كفر من يخطب في العيدين، الفطر والأضحى، لذة أهل النار في النار مثل لذة أهل الجنة في الجنة (الفصل، ج٥، ص٢٩–٣٢). وأسقطت النجدات حد الخمر. تُجيز الميمونية العجاردة الصفرية نكاح بنات البنات وبنات البنين وبنات الإخوة وبنات الأخوات.
٦٠  عند الأزارقة، مُخالفوهم مشركون، وأهل الكبائر من مُوافقيهم. استحلُّوا قتل النساء والأطفال من مُخالفيهم، مخلَّدون في النار، وأكفروا القعَدة منهم عن الهجرة إليهم. وترى الصفرية من بلغ الحلم من أولادهم وبناتهم فهو براء منه ومن دينه حتى يُقر بالإسلام فيتولَّوه، وإن قتله قاتلٌ قبل ذلك فلا عوض ولا دية، وإن مات لم يرث ولم يورث. وطائفةٌ أخرى من العجاردة لا تتولى الأطفال قبل البلوغ ولا تبرأ منهم؛ لكي تقف حتى يلفظوا بالإسلام بعد البلوغ. وعند عيسى تلميذ بكر، المجانين والبهائم والأطفال ما لم يبلغوا الحلم لا يألمون. أباحت الأزارقة دم الأطفال وقتل النساء ممن لم يكن في عسكرهم، وبرِئت ممن قعد عن الخروج لضعفٍ أو لغيره، كفَّروا مُخالفيهم. يستعرضون كل من لقُوه من غير أهل عسكرهم ويقتلونه إذا قال أنا مسلم، ويُحرمون قتل من ائتمن إلى اليهود والنصارى أو المجوس. شهد الرسول عليهم بالمُروق من الدين كمُروق السهم من الرميَّة. يقتلون أهل الإسلام ويتركون الأوثان (الفصل، ج٥، ص٢٩–٣٣).
٦١  عند النجدات، ليس على الناس أن يتخذوا إمامًا، بل يكفي تعاطي الحق بينهم. وعند البهيسية الصفرية إن كان صاحب كبيرة فلا يكفر حتى يُرفَع إلى الإمام، فإذا أقام عليه الحد كفر. وعند العوفية البهيسية، إذا قضى الإمام قضية جور بخراسان أو بغيرها حيث كان في البلاد، فيكفر هو والرعية حيث كانوا شرقًا وغربًا. وعند طائفة من الصفرية، إذا بُعث النبي ففرض بعثة في ذلك الوقت إلى اليوم لزِم جميع أهل المشرق والمغرب الإيمان به، وإن لم يعرفوا جميع ما جاء به من الشرائع، فمن مات قبل أن يبلغه شيء مات كافرًا (الفصل، ج٥، ص٢٩–٣٢). تكفير الأمة لهم بناء على تكفيرهم الأمة. تعتبرهم فرقة السلطان في عِداد المرتدِّين، وسائر أصنافهم كفرة في السر، ولكن لا يُتعرض لهم طالما لم يتعرَّضوا للمسلمين طبقًا لقول علي (لا حكم إلا الله): كلمةُ حق أُريدَ بها باطل، لكم علينا ثلاث؛ لا نبدؤكم بقتال، ولا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله (الأصول، ص٣٣٢-٣٣٣).
٦٢  اتبع البغدادي الطريقة الأولى، الموضوعات من خلال الفِرق، وعرض للمعتزلة والقدرية كفرقةٍ رئيسية، ثم لفِرق النجارية والبكرية والضرارية، وهي وسط بين المعتزلة والأشاعرة، والجهمية ونِصفها معتزلة في نفي الصفات، ونِصفها الآخر جبرية في الأفعال (الأصول، ص٣٣٤–٣٤٠). ويعرض الغزالي للمعتزلة والمُشبهة كفرقةٍ واحدة لا تقوم على التعليل بالمصلحة، بل على التأويل، وينقسم كلٌّ منهما إلى غلاة ومتوسطين، مُسرفين ومُقتصدين، وشتَّان بينهما في التأويل أو في العقائد أو حتى في التشريع (الاقتصاد، ص١٢٦). واتبع ابن حزم الطريقة الثانية، الفِرق من خلال الموضوعات (الفصل، ج٥، ص٤٢–٤٦).
٦٣  وذلك مثل وضع فِرق المعتزلة تحت اسم النجارية (الحسين بن محمد النجار) والضرارية (ضرار بن عمار) والبكرية (بكر ابن أخت عبد الواحد بن يزيد)، وتسميتها بالقدرية التي تُنكر القدر، ووضع الجهمية معها لأنها تُنكر الصفات وأمور المعاد وتقول بالجبر (البغدادي)، ووضع المُشبهة معها كي يُقضى على التنزيه (الغزالي).
٦٤  المعتزلة والمُشبهة والفِرق كلها سوى الفلاسفة، وهم الذين يصدُقون ولا يُجيزون الكذب لمصلحة أو لغير مصلحة، ولا يشتغلون بالتعليل لمصلحة الكذب، بل بالتأويل، ولكنهم مُخطئون في التأويل، فهؤلاء أمرهم محلُّ الاجتهاد. والذي ينبغي أن يميل المُحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلًا؛ فإن استباحة الدماء والأموال من المُصلين إلى القِبلة، المُصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك مِحجمة من دم مسلم، وقد قال النبي: «أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها.» وهذه الفِرق مُنقسمة إلى مُسرفين وغُلاة وإلى مُقتصدين بالإضافة إليهم، ثم المجتهد الذي يرى تكفيرهم، وقد يكون ظنه في بعض المسائل وعلى بعض الفِرق أظهر، وتفصيل آحاد تلك المسائل يطول، ثم تسير الفتن والأحقاد؛ فإن أكثر الخائضين في هذا إنما يُحركهم التعصب واتِّباع الهوى دون النظر للدين. ودليل المنع من تكفيرهم أن الثابت عندنا بالنص تكفير المُكذب للرسول، وهؤلاء ليسوا مُكذبين أصلًا، ولم يثبت لنا أن الخطأ في التأويل مُوجب للتكفير، فلا بد من دليل عليه. وثبت أن العصمة مُستفادة من قول لا إله إلا الله قطعًا، فلا يندفع ذلك إلا بقاطع. وهذا القدر كان في التنبيه على أن إسراف من بالغ في التكفير ليس عن برهان، إما أصل أو قياس على أصل. والأصل هو التكذيب الصريح، ومن ليس بمُكذب فليس في معنى الكذب أصلًا، فيبقى تحت عموم العصمة بكلمة الشهادة (الاقتصاد، ص١٢٦).
٦٥  عند الجاحظ، لا فِعل للإنسان إلا الإرادة، والمعارف كلها ضرورية، ومن لم يضطر إلى معرفة الله لم يكن مكلَّفًا ولا مُستحقًّا للعقاب. وعند ثمامة أيضًا، المعارف ضرورية (الأصول، ص٣٣٥–٣٣٧). عند خالد بن عبد الرحمن تلميذ أبي الهذيل، الحجة لا تقوم في الأخبار إلا بنقل خمسة يكون فيهم ولي الله لا يُعرَف بعينه، وعن كل واحد خمسة مِثلهم إلى ما لا نهاية (الفصل، ج٥، ص٤٥).
٦٦  عند جميع المعتزلة إلا هشامًا الفوطي، المعدومات أشياء على الحقيقة لم تزل، لا نهاية لها. وعند الفرقة الناجية هذه دهرية (الفصل، ج٥، ص٤٣).
٦٧  عند عباد، الحواس سبع (الفصل، ج٥، ص٤٥).
٦٨  عند معمر، الله لم يخلق شيئًا من الأعراض. وعند الإسكافي، الله لم يخلق القنابير ولا المزامير ولا العازف ولا الخمر ولا الخنازير ولا الشياطين (الفصل، ج٥، ص٢٤). وعند الجعد، إذا كان الجماع يتولد منه الولد، فأنا صانع ولدي ومُدبره وفاعله، لا فاعل له غيري، وإنما يُقال إن الله خلقه مجازًا لا حقيقة. وقد رد عليه الجبائي بأن الله هو الذي أحبل مريم (الفصل، ج٥، ص٤٤). عند النظام، الأعراض كلها حركات، وأنها جنسٌ واحد، الإيمان جنس الكفر، وفِعل النبي جنس فعل إبليس. وعند معمر، ما خلق الله لونًا ولا طعمًا ولا رائحة ولا حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا حياة ولا موتًا ولا صحة ولا سقمًا ولا قدرًا ولا عجزًا ولا ألمًا ولا لذة ولا شيئًا من الأعراض، وإنما خلق الأجسام فقط، والأجسام خلقت الأعراض نفسها. وعند بشر أن الإنسان قد يخلق الألوان والطعوم والروائح والرؤية والسمع والبصر وسائر الإدراكات على سبيل التولد. وأثبت بشر أعراضًا لا نهاية لها، وأن كل عرض يحلُّ محلَّه ما من سواه لا إلى نهاية. وعند الجاحظ، الله لا يُدخِل أحدًا النار، وإنما النار تجذب أهلها إلى نفسها، وتُمسكهم فيها على التأبيد بطباعها. ووافق ضرار النجار في أن الجسم أعراضٌ مُجتمعة من لون وطعم ورائحة وحرارة أو ضدها، أو الأعراض التي لا يخلو منها الجسم (الأصول، ص٣٣٩-٣٤٠). وعند النظام، الألوان جسم، وقد يكون جسمًا في مكانٍ واحد. لا نعرف الأجسام بالأخبار، لكن من رأى جسمًا فإن الناظر إليه اقتطع منه قطعةً اختلطت بجسم الرائي، ثم كل من أخبره الرائي، وهكذا إلى ما لا نهاية. إذن هناك قِطع من فرعون وإبليس وأبي جهل ومحمد وموسى في عين الرائي. وعنده أن لا سكون في العالم، بل كل شيء في حركة، وكل سكون يُعلَم بتوسط البصر فهو حركة. وعند معمر العكس، لا شيء حركة، وكل شيء سكون (الفصل، ج٥، ص٤٥). عند ضرار، الأجسام أعراضٌ مُجتمعة، والنار ليس فيها حر، والثلج ليس فيه برد، وإنما يخلق الله ذلك كله عند اللمس (الفصل، ج٥، ص٢٤).
٦٩  عند النظام هو الروح، وأن أحدًا ما رأى إنسانًا قط، وإنما رأى قالَبه. وعند بشر، الإنسان غير هذا الجسم، وأنه عالمٌ حكيم مُدبر للجسد، ليس بمتحرك ولا ساكن، ولا ذي لون ووزن، ولا حالٍّ في الجسد، ولا مُتمكنًّا فيه، ولكنه مُدبر له، فوصف الإنسان بما يصف به ربه (الأصول، ص٣٣٥، ٣٣٧). ووافقت البكرية أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد بن يزيد النظامَ في أن الإنسان غير الجسد. وعند معمر، النفس ليست جسمًا ولا عرَضًا، ولا هي في مكان أصلًا، ولا تماس ولا تباين، ولا تتحرك ولا تسكن (الفصل، ج٥، ص٤٣).
٧٠  محمد بن عبد الله بن مرة يُوافق المعتزلة في القدر، وأن علم الله وقدرته صفتان مُحدَثتان مخلوقتان. لله علمان أحدثهما؛ الأول أحدثه جملةً، وهو علم الكتاب، علم الغيب، كعلمه أنه يكون كفار ومؤمنون والقيامة والجزاء؛ والثاني علم الجزئيات، وهو علم الشهادة، وهو كفر زيد وإيمان عمر. فإن الله لا يعلم ذلك حتى يكون، «عالم الغيب والشهادة»؛ لذلك يكفر من قال إن الله لم يزَل يعلم كل ما يكون قبل أن يكون (الفصل، ج٥، ص٤٠). وعند معمر، الله ليس عالمًا بنفسه، فالعالم يعلم غيره لا نفسه (الفصل، ج٥، ص٣٥–٣٧). وعند البغداديين، الله لا يرى ولا يسمع شيئًا على معنى العلم بالمسموع والمرئي (الأصول، ص٣٣٥–٣٣٧). وعند أبي الهذيل، الله ليس خلافًا لخلقه. وهو يُنكر التشبيه لأنه ليس إلا «خلاف» أو «مثل» أو «ضد»، فإذا بطل أن يكون خلافًا وضدًّا فهو مثل. يقول إن الله لم يزل عليًّا، ويُنكر أن يُقال إن الله لم يزَل سميعًا بصيرًا (الفصل، ج٥، ص٣٤، ص٤١). وعند إسماعيل الرعيني، العرش هو المُدبر للعالم، وأن الله أجلُّ من أن يوصف بفعل شيء أصلًا. وعند أبي هاشم، لله أحوالٌ مختصة به، حامل للأعراض (الفصل، ج٥، ص٤١). وعند أبي عمر وأحمد بن موسى بن أحدير، الله عاقل. ومن «فضائح» الجهمية، عِلم الله مُحدَث مخلوق، وأنه لا يعلم شيئًا حتى أحدث لنفسه علمًا به. وكذلك قولهم في القدرة. ويُئول محمد بن عيسى الصوفي ألفاظه على التجسيم. أما مقاتل بن سليمان فخالَف جهمًا في التجسيم؛ فالله عنده جسم ولحم ودم على صورة الإنسان. وعند جهم، الله ليس شيئًا، وليس لا شيء؛ لأنه خالق كل شيء. وعند الكرامية، الله يفعل في ذاته، ولا يقدر على إفناء خلقه، ولا يقدر على غير ما فعل، متحرك أبيض، لا يقدر على إعادة الأجسام، بل يقدر على أن يخلق مثلها، كلام الله أصوات وحروف هجاء مُجتمعة كلها (ج٥، ص٤٤–٤٧). تقول الجهمية بحدوث علم الله؛ لأن هذا يوجب ألا يكون عالمًا قبل حدوث علمه (الأصول، ص٣٣٣). وعند ضرار بن عمر، يرى الله بحاسةٍ زائدة، يرى به المؤمنون ماهية الإله، ووصف الله بالماهية مثل أبي حنيفة وحفص الفرد، وينفي ضرار الصفات الأزلية، وأن معناها أنه حي قادر عالم هو أنه ليس بميت ولا عاجز ولا جاهل. وهذا يُحتم عليه أن يكون الفرد حيًّا عالمًا قادرًا لأنه ليس بميت ولا عاجز ولا جاهل (الأصول، ص٣٣٩-٣٤٠).
٧١  من شنع المعتزلة عند ابن حزم (حاشا ضرار وحفص وكلثوم) أن جميع أفعال العباد من حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم وأعمالهم وعقودهم لم يخلقها الله، ثم اختلفوا. قالت طائفة خلقها فاعلوها دون الله، وأخرى أفعالٌ موجودة لا خالق لها أصلًا، وثالثةٌ أفعال الطبيعة (الدهرية) (الفصل، ج٥، ص٣٣). عند المعتزلة كلها إلا ضرارًا وبشر بن المعمر، أن الله غير قادر على المُحال، جعل الجسم ساكنًا متحركًا، أو الإنسان في مكانين معًا، وهذا تعجيز لله. وعند أبي الهذيل لما يقدر عليه الله آخر ونهاية بعدها لا يقدر على خلق ذرة أو بعوضة أو تحريك ورقة. وعند بشر، الله لا يخلق لونًا ولا طعمًا ولا رائحة … ولا عرضًا، وأن الناس قادرون (الفصل، ج٥، ص٣٨). وعند الناشئ، الله لا يقدر أن يُسوي بنان الإنسان. وعند الجاحظ، الله لا يقدر أن يخلق دنيا مثل الدنيا قبلها أو بعدها، والله لا يقدر على إفناء الأجسام إلا بالتفريق والرتق دون الإعدام. وعند معمر وثمامة، الله فعل العالم بطباعه (الفصل، ج٥، ص٣٥–٣٧). ويقول أبو الهذيل بفناء مقدورات الله حتى لا يكون بعدها قادرًا على شيء، وقد كفر واصل في باب القدر لإثباته خالقَين لأعمالهم سوى الله. عند الجبائي، الله مُطيع عباده إذا فعل مُرادهم (الأصول، ص٣٣٥–٣٣٧).
٧٢  عند أبي الهذيل، الإنسان لا يفعل شيئًا في حال استطاعته، وإنما يفعل بالاستطاعة بعد ذهابها. فألزمه خصومه أن الميت يفعل (الفصل، ج٥، ص٤٦). الجبر وهو إن كان فاسدًا لا يوجب تكفيرًا لأنه خلاف في وصف العبد، وإنما يكفرون (الجهمية) في شيئين: (أ) قولهم بأن الجنة والنار تفنيان. (ب) قولهم بحدوث علم الله؛ لأن هذا يوجب ألا يكون عالمًا قبل حدوث علمه! (الأصول، ص٣٣٣). وتكفر النجارية كفرقةٍ مستقلة عن المعتزلة لقولهم في خلق أفعال العباد إن الاستطاعة مع الفعل، وفي أنه لا يكون إلا ما أراد الله. وقد وافق ضرار بن عمر المعتزلة في أن الاستطاعة قبل الفعل، وزاد أنها مع الفعل، وأنها بعض المستطيع، ووافق الأشاعرة في أن أفعال العباد مخلوقة لله، وأبطل القول بالتولد (الأصول، ص٣٣٩-٤٤٠).
٧٣  عند أبي هاشم، يجب على الله أن يُزيل علل عباده في كل ما أمرهم بهم. الله أوجب ذلك على نفسه (الفصل، ج٥، ص٤٢). لو طال عمر المسلم لجاز أن يعمل من الحسنات والخير أكثر مما عمل النبي. وقال المعتزلة كلهم إلا ضرارًا لو عاش المسلم لفعل خيرًا من النبي (الفصل، ج٥، ص٤٣-٤٤). وعند عباد بن سليمان تلميذ الفوطي أن الله لا يقدر على أن يخلق غير ما فعل من الصلاح. ولا يجوز القول بأن الله خلق الكافرين، بل خلق الناس. الله لا يقدر على أن يخلق غير ما خلق، وأن الله لم يخلق المجاعة ولا القحوط. لم يأمر الكفار بالإيمان في حال كفرهم، ولا نهى المؤمنين عن الكفر حال إيمانهم؛ لأنه لا يقدر على أحد الفعلين المتضادين. علم الله موجود حتى بالفعل الإنساني (الفصل، ج٥، ص٣٥، ٣٧-٣٨). وعند هشام الفوطي إذا خلق الله الشيء فإنه غير قادر على خلق مثله، بل غيره. وكان لا يقول حسبنا الله ونعم الوكيل، أو إن الله يُعذب الكفار بالنار، أو أن يحيي الأرض بالمطر. ويعتبر القول بأن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء إلحاد. يُقال ذلك عند قراءة القرآن فقط. يقول «حسبنا الله ونعم المتوكل عليه»، ولا يقول «الله ألَّف بين القلوب» (الفصل، ج٥، ص٣٧). وعند الأسواري أن الله لا يقدر على غير ما فعل، ولا أن يُميت من حيي، أو أن يُحييَ من يُميت، وأنه مرتبط بعلمه، وعلمه لا يتغير، وكذلك إرادته، في حين أن الناس يقدرون (الفصل، ج٥، ص٣٨-٣٩). وعند النظام لا يقدر الله على ظلم أحد أصلًا، ولا على شيء من الشر، وأن الناس قادرون عليه، وأنه لو كان قادرًا على ذلك لكنَّا لا نأمن أن يفعله (الفصل، ج٥، ص٣٤). وعند المعتزلة كلها إلا ضرارًا وبشرًا، الله لا يقدر على لطف يلطف به الكافر حتى يؤمن، وما فعله منتهى طاقته. وهذا تعجيز ونقص، وغير قادر على الكمال، جعل الجسم ساكنًا متحركًا، أو الإنسان في مكانين معًا. وهذا تعجيز لله (الفصل، ج٥، ص٣٣-٣٤).
٧٤  ادَّعى أحمد بن فانوس تلميذ أحمد بن حابط النبوة، وهو المراد: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ. وعند الرعيني، اكتساب النبوة ممكن، ومن بلغ الغاية من الصلاح وطهارة النفس أدرك النبوة، وأنها ليست اختصاصًا أصلًا. ومن أصحابه من يُصدقه. يفهم منطق الطير، وبأنه يُنذر بأشياء قبل أن تكون (الفصل، ج٥، ص٤١). ولماذا لا يُسمَّى كل داعية بعثة الرسول، رسول الله كما سُمِّي محمد، والأمر واحد، والتسمية لنا؟ (الفصل، ج٥، ص٤٢-٤٣). وعند جعفر القصبي والأشج، القرآن ليس في المصاحف، بل هو حكاية القرآن (الفصل، ج٥، ص٤١). أنكر ضرار بن عمر حرف أُبي بن كعب وابن مسعود في القرآن، وقال إن الله لم يُنزلهما، ونسب إليهما الضلال في مصحفَيهما (الأصول، ص٣٣٩-٣٤٠).
٧٥  يقول أحمد بن حابط الذي تضعه الفرقة الناجية مع المعتزلة بالتناسخ والكرور، وأن الله ابتدأ جميع الخلق خلقهم جملةً واحدة بصفةٍ واحدة، أمرهم ونهاهم. من عصى نسخ روحه في جسد بهيمة. القتال يُبتلى بكل ما يقتل من حيوانات وحشرات، ومن زنى كُوفئ بالمنع من الزنا، والجبَّار يُعاقَب بالمهانة حتى يطيع طاعة لا معصية فيها فيذهب إلى الجنة، أو يعصي معصية لا طاعة فيها فيذهب إلى النار. أصله أصل المعتزلة في العدل، وطرده إياه ومشيه معه. للثواب داران؛ أحدهما لا أكل فيها ولا شرب أرفع مكانًا من الثانية، والثانية بها أكل وشرب أنقص قدرًا (الفصل، ج٥، ص٣٩-٤٠). يقول النظام بحشر الكلاب والخنازير وسائر السباع الهمج إلى الجنة. وعند الجاحظ لا يدخل أحدٌ النار، وإنما النار تجذب أهلها إلى نفسها، وتُمسكهم فيها على التأبيد بطباعها. وعند ثمامة، عامة الدهرية وسائر الكفرة يصيرون في الآخرة ترابًا لا يُعاقَب واحد منهم (الأصول، ص٣٣٥–٣٣٧). عند معمر وثمامة، الكفار لا يدخلون النار، بل يصيرون ترابًا (الفصل، ج٥، ص٣٥–٣٧). وعند النظام، الله لا يقدر على إخراج أحد من الجنة أو النار، أو على إحراق طفل في جهنم، وأن كل واحد من الناس والجن والملائكة قادر على ذلك، فكان الله أعجز من كل ضعيف من خلقه (الفصل، ج٥، ص٣٤-٣٥). تقول الجهمية أيضًا بفناء الجنة والنار (الأصول، ص٣٣٣). عند البكرية، الأطفال لا يألمون في المهد وإن قُطعوا وحُرقوا، ولعلهم يكونون عند ضربهم مُتلذذين وإن صاحوا. لو لحقهم الألم بلا جرم منهم لكان ذلك ظلمًا عند الله، والله يُرى يوم القيامة في صورةٍ يخلقها، ويُكلم عباده في تلك الصورة (الأصول، ص٣٣٩-٣٤٠).
٧٦  تعيب الفرقة الناجية على واصل أنه أحدث القول بالمنزلة بين المنزلتين في الفاسق، ويؤيدون طرد الحسن البصري له (الأصول، ٣٣٥–٣٣٧). وعند البكرية، الكبائر نفاق، وصاحب الكبيرة منافق وعابد للشيطان، وفي الوقت نفسه مُكذب لله جاحد له، وفي الدرك الأسفل من النار مخلَّد فيها، ومع ذلك مسلمٌ مؤمن؛ وبالتالي عليٌّ وطلحة والزبير إن كانت ذنوبهم كفرًا وشركًا إلا أنها مغفورة لهم للخبر القائل: «إن الله اطَّلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.» وقد شكَّ ضرار بن عمر في جميع عامة المسلمين، وقال: لا أدري لعل سرائر العامة كلها كفر وشرك (الأصول، ص٣٣٩–٤٤٠). وعند معمر وثمامة، من مات مُصرًّا على كبيرة ولو مرةً واحدة فإنه مخلَّد في النار. وعند أحمد بن علي بن أحور بن الأخشيد، من ارتكب ذنبًا ثم ندم ثم عاد ثم ندم إلى ما لا نهاية يظل مؤمنًا (الفصل، ج٥، ص٤٥). وعند أبي هاشم، لا تُقبَل توبة أحد من ذنبٍ عمله حتى يتوب عن جميع الذنوب. تارك الصلاة وتارك الزكاة عاصٍ ذلك مخلَّد في النار (الفصل ج٥، ص٤٣). وعند بعض شيوخ المعتزلة إذا عصى الله طُبع على قلبه، فيصير غير مأمور ولا منهي. وعند المعتزلة حاشا بشر وضرار، لا يحل لأحدٍ تمنِّي الشهادة أو يريدها أو يرضاها؛ لأنها تغليب كافر على مسلم، وإنما يجب على المسلم الصبر على ألم الجِراح (الفصل، ج٥، ص٤٤). عند ثمامة، إبراهيم بن رسول الله وجميع أولاد المسلمين الذين يموتون قبل الحلم والمجانين يصيرون ترابًا ولا يدخلون الجنة. عند إسماعيل الرعيني لا تُبعَث الأجساد بل الأرواح، والحساب للأرواح. العالم لا يفنى أبدًا، ويكون الأمر بلا نهاية (الفصل، ج٥، ص٤٠-٤١).
٧٧  عند أبي عفار، شحم الخنزير ودماغه حلال، وتفخيذ الذكور أيضًا حلال (وربما أيضًا عند ثمامة) (الفصل، ج٥، ص٣٩). وعند العلَّاف من سرق عشرة دراهم غير حبة لا إثم عليه ولا وعيد، ومن سرق عشرةً خرج عن الإسلام، مخلَّد في النار إلا أن يتوب. وعند النظام إن سرق مائتين غير حبة لا إثم، وإن سرق مائتين خرج من الإسلام، وخُلد في النار إلا أن يتوب (الفصل، ج٥، ص٤٤–٤٦). وتُحرم البكرية أكل الثوم والبصل، وتوجب الوضوء عن قرقرة البطن (الأصول، ص٣٣٩–٤٤٠).
٧٨  كان الرعيني إمامًا واجب الطاعة يؤدُّون إليه الزكاة، وكان يذهب إلى أن الحرام قد عمَّ الأرض، وأنه لا فرق بين ما يكتسبه المرء من صناعة أو تجارة أو ميراث وبين ما يكتسبه من الرقاق، وأن الذي يحلُّ للمسلم من كل ذلك قوته كيفما أخذه. الدار دار كفر، مُباحةٌ دماؤهم وأموالهم إلا الأصحاب فقط. يقول بنكاح المتعة، وهذا لا يقدح في إيمانه أو عدالته لو كان مجتهدًا، ولم تقم عليه الحجة بنسخ (الفصل، ج٥، ص٤١). وأنكر النظام وقوع الطلاق بالكنايات وإن قارنتها نية الطلاق. شكَّ واصل في شهادة علي وعدالته، وأجاز أن يكون هو وأصحابه الفسقة، وأجاز أن يكون الفسقة أصحاب الجمل، فشكَّ في الفريقين؛ لذلك قال: لو شهد علي مع واحد من أصحابه. وكأنه حكم بفسقه، ومن قال بفسق علي فهو الكافر الفاسق دونه (الأصول، ص٣٣٥–٣٣٧).
٧٩  تُتَّهم الحابطية من القدرية أتباع أحمد بن حابط من المعتزلة المنتسبين إلى النظام بأنه شبَّه عيسى بن مريم بربه، وزعم أنه الإله الثاني، وهو الذي يُحاسب الخلق يوم القيامة (الفرق، ص٢٢٨). عند ابن حابط، فضل الحذاء المسيح هو الذي خلق العالم، وهو رب الأولين والآخرين، وهو المحاسب للناس يوم القيامة، والمُتجلي لهم، والذي عناه بقوله: «ترون ربكم كما ترون القمر، لا تضامون في رؤيته» (الانتصار، ص١٤٨-١٤٩). كما يُتهم المردار راهب المعتزلة بأن اللقب أخذوه من رهبانية النصارى (الفرق، ص١٦٤-١٦٥). وقد أكفر أبو موسى المردار النظام في قوله بأن المتولدات من فعل الله، وقال يلزمه أن يكون قول النصارى «المسيح» ابن الله من فعل الله (الفرق، ص١٦٦). وكان أبو الهذيل يتعامل مع الثنوية ويسألهم: إذا قلتم إن تباين النور والظلمة هو هما، وإن امتزاجهما هو هما، فقولوا إن التباين هو الامتزاج. وهو تناقض (مقالات، ج٢، ص١٥٧-١٥٨).
٨٠  اختلف الأصحاب في حكم فِرق المعتزلة، هل حكمهم حكم المجوس لقول النبي «القدرية مجوس هذه الأمة»، أو حكم المرتدين؟ (الأصول، ص٣٣٥–٣٣٧).
٨١  ضلَّت النجارية في قولها بنفي الصفات، ونجت بقولها في خلق أفعال العباد بأن الاستطاعة مع الفعل، وفي أنه لا يكون إلا ما أراد الله، وفي باب الوعد والوعيد المُشابه لقول السنة (الأصول، ص٣٣٤).
٨٢  هذا مثلًا موقف ابن حزم الرافض لعقائد الأشاعرة، وفي داخلها يضم الجهمية والكرامية والمرجئة والصوفية. ويرفض من الأشاعرة خاصةً الباقلاني والسمناني وابن كلاب. وركَّز ابن حزم خاصةً على شنع المرجئة (الفصل، ج٥، ص٥٥–٧٠؛ الأصول، ص٣٣٧-٣٣٨).
٨٣  يضع ابن حزم الباقلاني مع المعتزلة؛ لاستعماله لغة الذات والصفات ومصطلحاتهما، ويُهاجمه لأنه أقرب الأشاعرة إلى المعتزلة واستعمالًا للعقل والاستدلال. عند الباقلاني، ما وُجد لله من تسمياتٍ يجوز إطلاقها عليه، وإن لم يسمِّ بذلك نفسه دون أن يرِد شرع. وعند الجبائي، لو لم يجُز لنا أن نُسمِّي الله باسم حتى يأذن لنا لوجب ذلك على الله. وعند الباقلاني وابن فورك، ليس لله أسماء، بل اسمٌ واحد، والباقي تسميات (الفصل، ص٥٢، ص٥٥–٥٧). وعند عبد الله بن كلاب، صفات الله ليست باقية ولا فانية، ولا قديمة ولا حديثة، ولكنها لم تزَل غير مخلوقة بالرغم من قوله أنه باقٍ. ومن حماقات الأشعرية، للناس أحوال ومعانٍ لا معدومة ولا موجودة، ولا معلومة ولا مجهولة، ولا مخلوقة ولا غير مخلوقة، ولا أزلية ولا مُحدَثة، ولا حق ولا باطل، وهي علم العالم بأن له علمًا، ووجود الواجد لوجوده. هوس قولهم الحق غير الحقيقة، وهذا ليس في لغة أو شرع. هل الكفر حقيقة وليس بحق؟ عند الأشعري، مع الله أشياء سواه لم تزَل كما لم يزَل. وهذا إبطال للتوحيد، حملهم على الضلال، ظنُّهم أن إثبات علم الله وقدرته وعزته وكلامه لا يثبت إلا بهذه الطريقة الملعونة، لا يجوز تسميته إلا بنص. عند الباقلاني، لله خمس عشرة صفةً قديمة لم تزَل مع الله، وهي غير الله وخلاف الله، وكل واحدة غير الأخرى وخلاف لسائرها. وهذا أعظم من قول النصارى التي جعلت مع الله اثنين، وقد جعل الباقلاني مع الله خمسة عشر إلهًا (الفصل، ج٥، ص٤٩–٥٧).
٨٤  هذا هو نقد ابن حزم للسمناني الذي يعترف بهذا الاشتراك اللغوي في الصفات والأسماء بين الله والإنسان. فعند السمناني وابن فورك، الحدود لا تختلف في قديم ولا مُحدَث في تحديدهم لعلم الله الذي يقع تحته علم الله وعلوم الناس. وهو أيضًا موقف جهم الذي أدَّى به إلى إنكار الصفات احترازًا من الاشتراك. وعند السمناني، العالم والقادر والمريد من الله، وخلقه مُحتاج لهذه الصفات. وعنده أيضًا أن صفات الله لا يختلف فيها الشاهد والغائب. وهذا تصريح على أن الله حال لم يُخالفه فيها خلقه. الله إذا لم يكن غنيًّا بصفاته فهو فقير. الله ليس مريدًا لنفسه (النجار، الجاحظ) لأن الواحد منَّا مريد بإرادة، مُساواة الغائب والشاهد. عند السمناني أيضًا أن الله حامل لصفاته في ذاته، وسمَّى الله جسمًا لذلك. أصاب المعنى وأخطأ التسمية. الله مُشارك للعالم في الوجود، وفي قيامه بنفسه كقيام الجواهر والأجسام، وأنه ذو صفات قائمة به، موجودة بذاته، موصوف بصفاته من جملة أجسام العالم وجواهره. وهو آذى من المشبهة. معنى قول النبي «إن الله خلق آدم على صورته ومثاله» إنما هو على صفة الرحمن من الحياة والعلم والاقتدار وإجماع صفات الكمال فيه، وأسجد له ملائكته كما أسجدهم لنفسه، وجعل له الأمر والنهي على ذريته كما كان الله. ولا يقول السمناني إن الأمر بالشيء دال على كونه مُرادًا قديمًا كان أو مُحدَثًا، ولا يدل النص على كونه مكروهًا (الفصل، ج٥، ص٥٠–٥٢).
٨٥  عند الباقلاني والسمناني، كلام الله واحد، وليس له كلماتٌ كثيرة. وكان أحد الأشاعرة يطحن المصحف برجله، ويقول ليس فيه إلا السخام والسواد. والبعض قال: من قال «هو الله أحد» عليه اللعنة! وعند الأشعرية، الله لم يزَل قائلًا لكل ما خلق أو يخلق في المستأنف كُن، إلا أن الأشياء لم تكن إلا حين كونها؛ مما يدل على أن الأشاعرة قد قالت بأزلية العالم (الفصل، ج٥، ص٥٥).
٨٦  يدافع ابن حزم عن العلية بالنص ضد إنكار الباقلاني لها، مثل: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً …، «كل مُسكِر حرام» … قالت الأشاعرة لا حر في النار، ولا في الثلج برد، ولا في العسل حلاوة، ولا في الصبر مرارة، وإنما خلق الله ذلك عند اللمس والذوق. وهذا حمقٌ قادهم إلى إنكار الطبائع. وعند الباقلاني، لقشور العنب رائحة، وللزجاج والحصى طعم ورائحة، وللفلك طعم ورائحة. الله خلق الأرض وفيها جسمٌ عظيم يُمسكها أن تهوي هابطةً، ثم أفناه وخلق غيره إلى ما لا نهاية بلا زمان (الفصل، ج٥، ص٦٠–٦٥).
٨٧  يُشابه نقد ابن حزم لعقائد الأشاعرة في «الفصل» نقد ابن رشد لها في «مناهج الأدلة».
٨٨  عند الباقلاني، الله لا يجب الفساد لأهل الصلاح، وهذا تكذيب لله (الفصل، ج٥، ص٦٣–٦٥). وعند بعض الأشعرية، الله لا يقدر على ظلم أحد، ولا على الكذب. وقالت اليهود والنصارى ذلك، وإنه لا يقدر إظهار المعجزة على يد كذاب، وهذا تعجيز يعكس الساحر القادر، وكأن قدرة الله تُشابه قدرة الساحر! (الفصل، ج٥، ص٥٦).
٨٩  عند الأشاعرة والكرامية والجهمية، محمد بن عبد الله ليس رسول الله اليوم، بل كان رسول الله. وقُتل محمود بن سبكتكين بن فورك شيخ الأشعرية لذلك. والسبب أن الأرواح أعراضٌ تفنى ولا تبقى وقتَين. وهو ما قاله العلَّاف (الفصل، ج٥، ص٥٨).
٩٠  إطعام الرسول المئات والعشرات من صاع شعير مرةً بعد مرة، وسقيه الألف والألوف من ماءٍ يسير ينبع من بين أصابعه، وحنين الجذع، ومجيء الشجرة، وتكلم الذراع، وشكوى البعير، ومجيء الذئب، ليس من شيء من ذلك دلالة على صدق الرسول في نبوته؛ لأنه لم يتحدَّ الناس بذلك، ولا يكون عندهم آية إلا ما تحدَّى به الكفار فقط (الفصل، ج٥، ص٥٩-٦٠). النظر في دلائل الإسلام فرض، والناظر لا بد أن يكون شاكًّا في صحة النبوة (الفصل، ج٥، ص٥٩). عند الباقلاني لا فرق بين النبي والساحر والمُتنبي إلا التحدي. وعند الباقلاني لا يجب على من سمع القرآن من محمدٍ أن يبادر إلى القطع بأن له آية، أو أنه على يده ظهر، ومن قِبله نجَم، حتى يسأل النواحي والأطراف والنقَلة، ويتعرف حال المتكلمين، فإذا علِم صدَّق (الفصل ج٥، ص٦٦–٧٦). والأشعري له قولان في إعجاز القرآن: (أ) معجز النَّظم كما يقول المسلمون. (ب) المعجز الذي لم يُفارق الله، والذي لم يزَل غير مخلوق، ولا نزلنا ولا سمعناه ولا جبريل ولا محمد. أما الذي نقرأ في المصاحف فليس معجزًا، بل مقدور عليه (الفصل، ج٥، ص٤٨-٤٩). عند الباقلاني، أقل سورة في القرآن ليست بمعجزة، بل هي مقدور على مثله. الإعجاز التأليف والتركيب؛ وبالتالي شك في قدرة الله مثل أبي الهذيل (الفصل، ج٥، ص٦٣). وعند الباقلاني أيضًا، تقسيم آيات القرآن وترتيب مواضع سوره من الناس لا من السماء أو الرسول (الفصل، ج٥، ص٦٤). وعنده أيضًا أن إعجاز القرآن مما لا يقدر العباد عليه، وأن يكونوا عاجزين على الحقيقة، ووُضعت المعجزات قديمًا وإن لم يتعلق به عجز، لا تعجز العرب عن مثل القرآن (الفصل، ج٥، ص٦٥-٦٦). وقطع بخلاف الإجماع بإجازته القراءة بالفارسية، وصرَّح بأن ترتيب الآيات إجماع، وعنده مالكٌ مُخالف للإجماع في سجدة في قراءة القرآن، وأن الشافعي مُخالف للإجماع في اعتبار «باسم الله الرحمن الرحيم» من القرآن، وأن داود خالف الإجماع في إبطال القياس (الفصل، ج٥، ص٦٩).
٩١  عند محمد بن عيسى الصوفي الكرامي، لا يلزم النبيَّ زكاةُ مال؛ لأنه اختار أن يكون عبدًا، والعبد لا زكاة عليه؛ لذلك لم يورث ولا ورث، ولكنه خشي العامة (الفصل، ج٥، ص٤٦-٤٧). وعند الباقلاني والسمناني، اختلف الناس في وجوب كون النبي أفضل أهل وقته في حال الرسالة وما بعدها إلى حين موته. أوجب ذلك قائلون، وأسقطه آخرون وهو الصحيح. ويُكفرهما ابن حزم لذلك (الفصل، ج٥، ص٦٨). وعند الكرامية والسمناني والباقلاني، تجوز الكبائر من الأنبياء حاشا الكذب في البلاغ. ومنهم من يُجيز ذلك أيضًا (الفصل، ج٥، ص٤٧). لولا دلالة العقل عن العصمة في البلاغ لما كان معصومًا، جواز كفره بعد الرسالة وجميع المعاصي. أجاز ابن فورك صغار المعاصي فقط (قتل النساء وتعريضهن وتفخيذ الصِّبيان)، ومنع ابن مجاهد البصري ذلك تمامًا (الفصل، ج٥، ص٦٧-٦٨). شنع قوم لا نعرف فِرقهم (الصوفية) بأن في الأولياء من هم أفضل من جميع الأنبياء والرسل، وسقطت عنهم الشرائع، وحلَّت لهم المحرَّمات، واستباحوا نساء غيرهم، وادَّعَوا رؤية الله وكلامه، وقذف الله في قلوبهم علمًا. وعند ابن شمعون، لله مائة اسم، مائة وستة وثلاثون حرفًا، ليس منها من حروف الهجاء شيء إلا واحدًا فقط، وبذلك الواحد يصل أهل المقامات إلى الحق ويُجالسون الله. ويرى أبو شعيب جسم ربه في صورة إنسان، لحم ودم، يفرح ويحزن، يرضى ويضيق، يمشي في الأزقَّة في صورة مجنون تبعه صِبيان الحارة (الفصل، ج٥، ص٦٩-٧٠).
٩٢  عند الجهمية، الجنة والنار تفنيان (الفصل، ج٥، ص٥٥). وعند الباقلاني، الروح تنتقل من جسم إلى آخر (التناسخ). ويقول السمناني بنقل أرواح الشهداء إلى حواصل خضر، وانتقال روح الميت إليه. توصف الروح بالقرب والبعد والسكون والحركة؛ فذلك محمول على أقل جزء من الميت، وإعادة الحياة إليه في عجب الذنب لقول الرسول: «كل بني آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خُلق وفيه يُركب.» وهو ما يرفضه ابن حزم (الفصل، ج٥، ص٥٨-٥٩).
٩٣  عند بعض الأشاعرة، كفر إبليس لنقصه في المعرفة (الفصل، ج٥، ص٤٧-٤٨). ومِن شنع المرجئة أن الإيمان عقد بالقلب، وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقيَّة وعبد الأوثان، أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام، وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام، ومات على ذلك، فهو مؤمن من أهل الجنة. وهو أيضًا موقف جهم بن صفوان بخراسان، والأشعري ببغداد والبصرة وصقلية والقيروان والأندلس (الفصل، ج٥، ص٤٦). وعند طائفة أخرى من الكرامية، من آمن بالله وكفر بالنبي فهو مؤمنٌ كافر معًا (الفصل، ج٥، ص٤٦-٤٧) (محمد بن كرام وأصحابه بخراسان وبيت المقدس). عند بعض الأشاعرة إن شئتم من أظهر الإسلام وكذب باللسان بلا تقية لما كان دليل على أن في قلبه كفرًا. عند مقاتل بن سليمان من المرجئة، لا يضرُّ مع الإيمان سيئة، ولا ينفع مع الكفر حسنة (الفصل، ج٥، ص٤٦-٤٧) (محمد بن كرام وأصحابه بخراسان وبيت المقدس). عند ترك الصلاة، تضييع الزكاة … ثم تاب عن بعضها فإن توبته لا تُقبَل. وهو أيضًا قول الباقلاني والسمناني وأبي هاشم الجبائي. عند الباقلاني عن السمناني أن الله لا يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، ويُنكر الصغائر (الفصل، ج٥، ص٦١). عند هشام الفوطي، المسلم المُخلِص بالقلب واللسان والمجتهد في الأعمال، ولكن الله يعلم أنه يموت كافرًا، والكافر الذي يسجد للنار أو الصليب أو اليهودي والنصراني المُكذب للرسول إلا أن الله يعلم أنه يموت مؤمنًا، فهو مؤمن. ويلزمهم أن من كان صبيًّا ثم عاش حتى شاخ، أنه لم يكن عند الله إلا شيخًا (الفصل، ج٥، ص٦١).
٩٤  يشترط السمناني أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه (الفصل، ج٥، ص٦٨). وتُجيز الكرامية إمامَين في وقتٍ واحد (الفصل، ج٥، ص٤٧). ويرى الباقلاني أنه إذا نزل بالعامي النازلة وسأل أفقه أهل بلده ففرض له حكمًا، فإذا نزلت به ثانية لم يجُز له أن يعمل بالأولى، بل يسأل ثانيةً ذلك الفقيه أو غيره إلى ما لا نهاية. ويُحرم البعض ذبائح أهل الكتاب، ويُكفر البعض الآخر أبا بكر في قتال الردة، والصواب الرجوع (الفصل، ج٥، ص٦٩-٧٠).
٩٥  إن جميع فِرق الضلالة لم يُجرِ الله على أيديهم خيرًا، ولا فتح بهم من بلاد الكفر قرية، ولا رفع للإسلام راية، وما زالوا يسعَون في قلب نظام المسلمين، ويُفرقون كلمة المؤمنين، ويسلُّون السيف على أهل الدين، ويسعون في الأرض مُفسدين. أما الخوارج والشيعة فأمرهم في هذا أشهر من أن يُكلِّف ذكره ما توصَّلت إليه الباطنية إلى كيد الإسلام وإخراج الضعفاء منه إلى الكفر إلا على السنة والشيعة. وأما المرجئة فكذلك، إلا أن الحارث بن سريح خرج بزعمه مُنكرًا للجور، ثم لحق بالتُّرك فقادهم إلى أرض الإسلام، فنهب الديار، وهتك الأستار. والمعتزلة في سبيل ذلك إلا أنه بتقليد بعضهم المعتصم والواثق جهلًا، وظن أنهم على شيء، وكانت للمعتصم فتوحاتٌ محمودة كبابل والمازيار وغيرهم. فاللهَ اللهَ أيها المسلمون، تحصَّنوا بدينكم، ونحن نمنع لكم بعون الله ذلك الكلام؛ لذلك الزموا القرآن، وسنن رسول الله، وما مضى عليه الصحابة والتابعون وأصحاب الحديث عصرًا عصرًا، الذين طلبوا الأثر، فلزموا الأثر، ودَعُوا كل مُحدَثة، فكل مُحدَثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (الفصل، ج٥، ص٧٠).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١