ثانيًا: النظر

لما كان النظر أساس العمل، فكلاهما جانبان لشيءٍ واحد، كان تحديد الإيمان أولًا بالنظر. النظر عمل لم يتحقق بعد، والعمل نظر قد تحقَّق وأصبح فكرًا واقعًا. ولكن يظل النظر هو الأساس والبداية وليس العمل، وإلا كان العمل أهوج عشوائيًّا اندفاعيًّا بلا أساس. العمل في حاجة إلى أساسٍ أوَّلي هو النظر. والتوحيد بلا نظر لا يكون معرفة. والإيمان ليس موقفًا وجدانيًّا خالصًا؛ لأن الوجدان يتأسس نظريًّا في الفكر، وإلا كان انفعالًا أهوج أو هوًى أعمى. المعرفة ضرورية. والدليل على صدق النبي واجب، ولو قام به واحد فقط؛ فلا نبوة بلا دليل، ولا وحي بلا برهان. المعرفة سابقة على التصديق كسبق النظر على العمل. الإيمان إذن هو الإيمان العاقل، أو هو باختصارٍ النظر.١ ومن ثَم تكون مشكلة الإيمان والعمل هي المشكلة التقليدية المعروفة في تاريخ الفكر باسم النظر والعمل؛٢ فالإيمان يحتوي على تصور للعالم، ويعطي الأساس النظري الذي يقوم عليه العمل. الإيمان، إن شئنا بلغة العصر، هو الأيديولوجية التي تُمارَس وتتحقَّق في صورة عمل. الإيمان ليس مجرد تقبل عاطفي انفعالي، وليس قرارًا فرديًّا أو فعل إرادة، بل هو موقفٌ نظري مُتكامل، موقف واعٍ يمكن البرهنة على صحته وعلى خطأ نقيضه.
والنظر إما أن يكون ضرورةً أو اكتسابًا، بداهةً أو استدلالًا، حدسًا أم برهانًا. يمكن إذن تحويل الإيمان إلى نظر بأحد هذين الطريقين. وبالنسبة للمعرفة التي تجعل النص في قلبها، فإن الحدس هو الاستخراج من النص. الوضوح في النص والبرهان مستخرج من قضايا العقول. ومع ذلك يظل السؤال الأول قائمًا في نظرية العلم، وهو: هل المعرفة الضرورية معرفةٌ نقلية أم أنها المعرفة الواضحة بذاتها؟ وإذا كان النقل خاضعًا للتأويل ومبادئ اللغة ولأسباب النزول، تظل المعرفة العقلية الواضحة بذاتها هي الأساس. والعجيب أن يأتي إثبات الإيمان كنظرٍ من إثبات النقل أساسًا للعقل؛ مما يدل على أن الهدف ليس دفاعًا عن النظر أي العقل، بل إخراج للتصديق والإقرار والعمل من الإيمان! والعجيب أن تكون المعرفة إيمانيةً خالصة وليست معرفةً عقلية! المعرفة الإيمانية لفظٌ آخر للإيمان، وكأن العقل لا يدخل كجزء من التصديق بالرسل كجزء من الإيمان!٣
ولما كان النظر هو أساس العمل كان من الضروري أن يتأسس النظر على أسسٍ يقينية، ولا يمكن أن يتمَّ ذلك إلا بالشك في النظر السابق حتى يتأسس النظر الجديد على يقين. الشك نظر في النظر، ونقد للموروث النظري، وتأسيس لليقين النظري، بل إن الشك قد يكون أول الواجبات قبل النظر؛ فالشك هو الطريق إلى النظر. ليس الشك شكًّا في اليقين، بل هو تأسيس له. ولا يوجد يقينٌ نظري مسبق قبل الشبك كبداية للنظر، وإلا فإن هذا اليقين الأول لا يكون موقفًا نظريًّا. كل يقين يحتاج إلى تأسيسٍ نظري.٤ ولما كانت الحجة النظرية عقلية ونقلية، وكان النقل لا يستقلُّ عن العقل، بل يعتمد عليه، ظهرت ضرورة التأويل؛ وبالتالي لا يمكن تكفير أحد من المُتأولين ما دامت الغاية هي المعرفة الاستدلالية، وليست إخراج العمل من الحساب حرصًا على الوحدة النظرية للأمة وإن تضارب سلوكها. وإن تحريم التأويل لهُو أداة لتكفير الخصوم، تحريمه على الغير وتحليله للنفس.٥
إن التأويل عن حسن نية أو عن خطأٍ غير مقصود له أجران. أما التأويل عن سوء نية أو بخطأٍ مقصود ففسق. والمُتأول معذور إذا كان من داخل الأمة وليس من خارجها، يعمل لصالحها وليس ضدها.٦ الخطأ بالجهل إذن مقبولٌ ما دام الأساس هو المعرفة، سواء أكانت نقلية أم عقلية، نصية أم برهانية، تعتمد على بداهة النص أم على حجة العقل.٧ ولا يكفُر من لم تبلغه الرسالة، أو من نُقل إليه قولٌ آخر مع خطأ في النقل؛ لأن شرط المعرفة لم يتحقق، وهو الإعلان عنها وتبليغها ثم نقلها نقلًا صحيحًا مُتواترًا. ولا يمنع ذلك من إمكانية وصول العقل البشري إلى حقائق التوحيد والعدل دونما حاجة إلى نقل، واتفاق العقلاء على تصوراتها العقلية الخالصة بلا تجسيم أو تشبيه.٨

(١) هل هناك كفرٌ نظري؟

إذا كان الإيمان هو المعرفة النظرية، فهل هناك كفرٌ نظري؟ هل المعرفة النظرية المجردة مقياس للإيمان والكفر؟ إن جعل حقائق الإيمان نظريةً صِرفة مستقلَّة بذاتها عن العمل والسلوك هو تحويل للوسيلة إلى غاية، والطريق إلى هدف، وقلب البداية إلى النهاية، بل إن المُعاند في الحقيقة النظرية الصرفة المنكِر لها دون أن يؤثر ذلك في سلوكه، فإنه يصبح شاكًّا أو لا أدريًّا أو نافيًا على مستوى النظر فحسب، دون أن يؤثر ذلك على سلوكه العملي ووضعه الاجتماعي. الكفر حقيقة، ولكنه ليس بحقٍّ عملي، وهناك فرق بين الحقيقة والحق.٩
والحقيقة أن الذهن البشري قادر على الوصول إلى حقائق التوحيد والعدل، وهما الأصلان العقليان اللذان يتفق عليهما جمهور العقلاء. أما السمعيات، مثل النبوة والمعاد والأسماء والأحكام والإمامة، فهي أمورٌ عملية لا يكفر فيها أحد؛ فالنبوة تجد كمالها في العقل، والمعاد يتحقق في الدنيا، والأسماء والأحكام خصوماتٌ سياسية، والإمامة موقفٌ عملي ونضالٌ سياسي.١٠ وقد تحوَّل هذا التكفير النظري إلى عرض لتاريخ الأديان بالنسبة للعقائد النظرية التي يجب تكفيرها بصرف النظر عن أثرها في الحياة الاجتماعية وكيفية ممارستها العملية، وكأن هناك خطأً نظريًّا مجردًا له مقياسٌ نظري خالص، وذلك مثل القول بإلهين أو ثلاثة، أو عبادة الكواكب والأصنام والنار، أو القول بالاتحاد والحلول، سواء أكانت هذه الأقوال من داخل الحضارة أم من خارجها. قد يحدث إنكارٌ نظري لأمورٍ عملية، ويظل الإنكار أيضًا على مستوى الكفر النظري، ودون أية علاقة مُمكنة بين هذا الكفر النظري والممارسة العملية التي قد تكون أقرب إلى العمل الصالح الذي يُعبر عن الإيمان النظري، ويكون مُطابقًا له.١١
والحقيقة أن المهم ليس هو الإيمان النظري والكفر النظري، ولكن مضمون كل منهما، إيمان بماذا وكفر بماذا؟ أليست كل معرفة معرفةً بشيء؟ وإذا كان مضمون المعرفة إما العقليات أو السمعيات، وشملت العقليات أصلَي التوحيد والعدل، وضمَّت السمعيات النبوة والمعاد والأسماء والأحكام والإمامة، فإن الإيمان بالرسل أدخل في السمعيات. ويمكن الوصول إلى أصلَي التوحيد والعدل بالعقل دونما حاجة إلى النبوة أي إلى الرسل، بل إن الإيمان بالسمعيات مثل النبوة إنما ناتج عن الإيمان بالعقليات بأصلَي التوحيد والعدل؛ نظرًا لأن العلم والكلام من صفات الذات؛ وبالتالي إمكانية الوحي الذي هو إيصال للعلم من خلال الكلام. كما أن الإيمان النظري لا يقوم على الترغيب والترهيب، أي على الوعد والوعيد، بل على النظرة العلمية للواقع، وعن رغبة الإنسان في تجاوز الحاضر والتعرف على المستقبل للإعداد له. أما موضوع الأسماء والأحكام وموضوع الإمامة فهما مسألتان عمليتان يمكن معرفتهما بتحديد السلوك الأخلاقي للأفراد والنُّظم السياسية للمجتمعات، وليسا موضوعًا للإيمان النظري.١٢ وقد لا يتطلب الإيمان بالرسل ضرورة التعيين؛ أي تعيين الرسول كشخصٍ محدَّد في التاريخ؛ فالرسول مجرد حامل الرسالة، والرسالة يتم تبليغها ونقلها نقلًا صحيحًا متواترًا. لا يوجد تكفير في خطأ تعيين موضوعات العقائد في التاريخ؛ فالتصديق لا يعني تطابق العقيدة مع الواقع، بل تطابق العقيدة مع النفس، وقدرتها على التأثير فيها، والفاعلية في السلوك.١٣ وهل العقائد وقائع تاريخية خالصة تكون الأعذار بالجهالة فيها أعذارًا في واقعة وليست في عقيدة؟ إن العقائد تصورات وبواعث على السلوك، وليست وقائع تاريخية يمكن التحقق من صدقها بعلم الآثار. والروايات تُثبت صحة الأقوال، وليست صحة الحوادث؛ أي تطابق الرسول مع الراوي، وليس تطابق أقوال الرسول أو الراوي مع الواقع.
ليس المهم هو الإيمان أو الكفر النظريان، ولكن مدى تأثير كل منهما في الحياة العملية، وتوجيههما سلوك الناس نحو الخير والعدل؛ فالتوحيد لا يعني إثبات ذات مُشخصة فاعلة خارج العالم والإنسان، بل يعني وجود الوعي الخالص داخل الإنسان باعتباره ذاتًا. ومعرفة أسماء الله ليست مجرد معرفة نظرية صورية خالصة، بل هي معرفة بالأسس النظرية للعمل. وليست المعرفة بأن للعالم صانعًا معرفةً نظرية خالصة، بل هي معرفة موجَّهة للسلوك العملي في نطاق عالم مخلوق يمكن تغييره وبناء نظمه. إن العقائد هي الأسس النظرية للسلوك، والسلوك هو الممارَسات العملية للعقائد؛ وبالتالي لا يوجد فصل بين النظر والعمل. العقائد دوافع للسلوك، والسلوك توجيهات للعقائد. وما الفائدة من عقائد ميتة؟ ما فائدتها لو آمن بها الإنسان دون أن تُحدِث سلوكًا أو تُغير واقعًا؟ ألم يربط الوحي بالإيمان والعمل الصالح في كل آياته؟ بل إن العمل الصالح يغفر الكفر النظري، والأصعب يجبُّ الأسهل ويحتويه. وماذا عن الإيمان النظري الذي لم يشفع لصاحبه لأنه بلا عملٍ صالح؟ ألا يُشجع هذا الإيمان النظري على الفسق والعصيان، وعلى أن يعيش الإنسان مُزدوجًا، مؤمنًا نظرًا، وفاسقًا عملًا، بشرعيةٍ تامة وتبرير للنفس؟ ألا يعطي ذلك شرعية للعصيان؟ أليس هذا هو حال الأمة اليوم، إيمان نظرًا، وفسق عملًا، باسم الدين وباسم الشرعية التاريخية التي تُساندها بعض الأمثال العامية في المساجد ومن خلال أجهزة الإعلام؟ إن المعاصي لا تقع عن جهل بالله، ولكن لعدم تحوُّل المعرفة إلى سلوك، ووجود دوافع في الإنسان أقوى من الدوافع النظرية، وهي الدوافع الوجدانية والفعلية. المعرفة النظرية أحد أبعاد الشعور، وليست كل أبعاده. وقد تكون المعاصي مصدرًا للمعرفة بالتجربة للتحقق من صدق المعرفة النظرية؛ وبالتالي تكون الأفعال جزءًا من المعارف النظرية من حيث المصدر ومن حيث التحقق.١٤ إن المعرفة ما هي إلا أحد أبعاد الشعور مع التصديق والإقرار والعمل، وهي لا تعني بالضرورة الخضوع والاستسلام والقَبول والرضا؛ لأن الفكر يتحول إلى بناءٍ شعوري يرمي إلى تغيير الواقع؛ لذلك لم يكن إبليس مخطئًا في الرفض، ولم يكن مُستكبرًا، بل كان واعيًا نظريًّا ومحققًا لفعل الرفض، ولكنه أخطأ في تحليل الموقف؛ فقد خلط بين الكم والكيف؛ فالتفاضل في الكم بين النار والطين لا يؤدي بالضرورة إلى تفاضل في الكيف، كما أنه رفض الاعتراف بأن الإنسان سيد الكون، وأن كل شيء مسخَّر له. ومع ذلك فإن موقف إبليس يدل على شيئين؛ الأول الموقف الواعي وعدم الخضوع، الرفض نتيجة لإعمال الفكر، والثاني تحدي الآخر والثقة بالنفس.١٥
إن تعدُّد المعارف النظرية ممكن، ولكن وحدة العمل واجبة؛ إذ لا يمكن توحيد الأُطر النظرية لكل الناس، في حين أنه يمكن الاتفاق على برنامجٍ عملي موحَّد. وطالما صالت وجالت الحناجر والأفواه وتصارعت العقول في مسائل نظرية خالصة دون أن يؤدي ذلك إلى اختلاف في وحدة العمل؛ أي أكبر قدر ممكن من الخلاف النظري، وأكبر قدر ممكن من الاتفاق العملي. لا يكفر أحد في الإطار النظري، وهو التوحيد والعدل، أي العقليات، والأولى لا يحدث ذلك في السمعيات التي ليس فيها يقين أصلًا. إن التناقض في القول والخلاف في النظر ليس كفرًا؛ فليس لأحدٍ قول إلا وله قول مُخالف، فكلنا رادٌّ وكلنا مردود عليه. ليس ذلك وقوعًا في تكافؤ الأدلة أو في النسبية، بل هو مراعاة لتعدُّد الأُطر النظرية مع وحدة العمل والسلوك.١٦ إن التكفير النظري هو سلاحٌ مشهور باستمرار في مواجهة الخصوم، واعتبار أفكار الذات وتصوراتها هي مقياس أفكار وتصورات الآخرين. ويستحيل توحيد التصورات والآراء والمذاهب، في حين أنه يمكن توحيد الأهداف. وإن أية محاولة للتوحيد النظري إنما تهدف في الحقيقة إلى تواري الأفعال ونسيانها وإخراجها من دائرة الحساب، أو إن شئنا من تحت طائلة العقاب. ولقد اعتبرت الفِرقة الناجية نفسها صاحبة المعارف الحقة، وقنَّنتها، ثم حكمت على معارف الآخرين بالكفر. وتم قياس الإيمان طبقًا لهذا التقنين في منظومةٍ عقائدية، كما كان الحال في الديانات السابقة؛ وبالتالي ضاعت خصوصية اكتمال الوحي وختم النبوة وكمال العقل وممارسة الحرية.١٧ لقد كان التكفير دائمًا سلاحًا ضد الخصوم والمُخالفين في الرأي، سواء أكان رأيًا نظريًّا في الاعتقادات أو رأيًا عمليًّا في العمليات، وليس ضد المُخالفين في العمل. وخطورة ذلك هو إسقاط العمل من الحساب، وهو العنصر الموحِّد للأمة، وتوحيد الأمة بعد ذلك بالنظر وتكفير فِرقها، وهو ما يستحيل عملًا. كما أنه يصعب التعبير عن المعرفة النظرية الخالصة إلا في تصديق أو إقرار أو عمل حتى يقتنع بها الناس. إن خطورة التكفير في الاعتقاديات هي ضياع الوحدة الوطنية، وعدم السماح بالخلاف النظري الخلَّاق، ثم الاستبداد بالرأي. إن التمايز في العمليات وارد، وهو مقياس التفاضل بين الأفراد والجماعات من حيث السبق والتنافس نحو الخير والعدل.١٨ وليس التكفير في النظريات مجرد حكم نظري، بل تنتج عنه مواقف عملية شرعية؛١٩ فالتكفير حكمٌ شرعي ينتج عنه مواقف عملية في المجتمع؛ وبالتالي يدخل في الفقه أكثر منه في التوحيد. كما تُحيل مسائل الإيمان والكفر والفسوق والعصيان إلى مسائل السياسة؛ إذ إنها أحكامٌ تُطلقها الجماعة على الأفراد، سواء كانوا في السلطة أو في المعارضة لتحديد سلوكهم؛ وبالتالي لتحديد أوضاعهم الاجتماعية والسياسية. ويُستعمل الرصيد السابق من الأحكام للمقارنة والمشابهة؛ فالقدرية مجوس، والمُشبهة يهود، والرافضة نصارى. سلاح الألقاب إذن هو سلاح التكفير؛ فالخصوم معتزلة يعتزلون الجماعة، وبالتالي هامشيون، والثوار خوارج أو رافضة، والمُدافعون عن الحق شيعة يتشيعون، أي غير مُحايدين، أصحاب هوًى وأنصار طائفة. أما الفِرقة الناجية فهم أهل الحق والاستقامة، أهل السنة والحديث، جمهور الأمة، أصحاب الفتيا والحديث. لا تجوز مناكحة الخصوم أو وراثتهم، وحلالٌ أموالهم، وغنيمةٌ ثرواتهم وكُراعهم. دارهم دار حرب … إلخ؛ وبالتالي تُعلن الدولة الحرب على خصومها السياسيين؛ تُكفرهم أولًا ثم تستأصلهم ثانيًا.٢٠

(٢) هل يوجد إيمانٌ نظري بلا تصديق أو إقرار أو عمل؟

إن الإيمان باعتباره معرفةً خالصة يبتسر أبعاد الشعور كلها في أحدها، وهو النظر، ويُسقط التصديق والإقرار والعمل من الحساب. لا يكفي تحديد الإيمان بالمعرفة وحدها لأن الفكر خاضع للتفسير والتأويل، وقابل للتجديد والتطوير. الفكر وحده صورة بلا مضمون، ومضمون الفكر جزءٌ لا يتجزأ منه، وعلى أساس هذا المضمون يتوجه السلوك. كما أن الفكر منفتح على القول، وقائم على الوجدان، ويتحقق في العمل. يتخارج في الإقرار حيث يتم الإعلان عنه، ويُصدقه الوجدان، ثم يتحقق في العالم بالفعل. صحيحٌ أن النظر هو التصور للعالم، وهو أساس الممارسة العملية في العالم من أجل فهمه وتغييره؛ فالنظر بهذا المعنى تصور ونظام، أو كما يقول القدماء عقيدة وشريعة، معنًى واتجاه، رأي والتزام؛ وبالتالي فهو لا ينفصل عن الإقرار، وإلا بقي الشعور في حالة من العزلة الفكرية والوجدانية؛ فالكلمة أيضًا فِعل وكشف وفضح للمستور؛ لذلك أتى الوحي كلامًا، وكان الله مُتكلمًا، وعالم الكلام مُتكلم بهذا المعنى مثل الأصولي الفقيه، ولكن النظر أيضًا وجدان وتصديق ويقينٌ داخلي. النظر وجدانٌ عاقل، نظرٌ شعوري، تأملٌ واعٍ؛ فهو في نفس الوقت نظر وباعث. فإذا كان الكفر إنكارًا للحقيقة وجحودًا بالنعم وسترًا وتغطيةً، يكون الإيمان كشفًا واعترافًا وبيانًا. ولما كان كل موضوع عملية تموضع، فالإيمان ليس موضوعًا معطًى سلفًا يوجد أو لا يوجد، بل هو عملية تموضع تُشير إلى كشف الغطاء أو إزاحة الستار طبقًا للمعنى الاشتقاقي للكفر من أجل التصديق.٢١ وإذا كان الكفر هو إنكار الوحي في ذاته أو في مصدره، فإنه قد لا يكون إنكارًا للفكر على الإطلاق أو للوجدان على الإطلاق، وقد لا يكون صمتًا عن القول أو نكوصًا عن الفعل. الكفر رفض لتصوير معيَّن من تصورات الوحي، سواء من حيث التسمية أو من حيث الاتجاه، ورفض التعالي والمفارقة من أجل التحول نحو الواقع ذاته باعتباره مصدرًا لكل فكر. وإن رفض التعالي يُحدِث في الحقيقة نتيجة لتحليل التعالي تحليلًا نفسيًّا واجتماعيًّا وليس قبله. الكفر ليس تعصبًا أو إيمانًا بعقيدةٍ مضادَّة، أو حتى أزمة نفسية، أو تقليدًا، بل هو كفرٌ واعٍ بناءً على تحليل لتصورات الإنسان عن الألوهية في لحظات ظهورها في التاريخ.

(٢-١) هل الإيمان معرفة بلا تصديق؟

كيف يكون الإيمان معرفة فقط وهو لغةً يعني التصديق؟ كيف يتحول الإيمان إلى علمٍ خالص بلا وجدان، إلى نظر عقل دون شهادة قلب، إلى فكرةٍ مجردة دون يقين بالمعنى، إلى معرفةٍ نظرية دون أساس شعوري؟ الإيمان معرفةٌ قلبية، أو بلغة العصر نظرٌ شعوري. المعرفة دون تصديق مجرد معادلات صورية فارغة لا تصدق إلا من حيث اتساقها مع نفسها دون أن تكشف عن شيء في الشعور، أو تطابق دلالة في التجربة الإنسانية. المعرفة الشعورية من خلال التصديق أولى درجات المعرفة. قد يعرف الكفار دون تصديق، وتظل معرفتهم عاجزة عن أن تؤثر في سلوكهم أو في تغيير نظرتهم للعالم. قد يعرف المنافقون، ولكن تظل معرفتهم مجردة لا فاعلية لها؛ لأنها لم تتحول بعدُ إلى تصديق. فالمعرفة كتصديقٍ أولى درجات التفسير ابتداءً من الشعور الفردي حتى البنية الاجتماعية.٢٢

(٢-٢) هل الإيمان معرفة دون إقرار؟

إذا ما تحوَّلت المعرفة إلى تصديق فإنه سرعان ما يتخارج في القول والإعلان؛ فلا توجد معرفة بلا تصديق، ولا يوجد تصديق بلا قول؛ فالمعرفة كتصديق سرعان ما تتحول إلى طاقة تُعبر عن نفسها من خلال مَنفذين، اللسان والجوارح، الكلام والحركة، أي الإقرار والعمل، الكلمة والفعل، اللغة والسلوك. الإقرار هو النطق بالشهادتين كتعبير عن معرفة التوحيد، وإلا ظلَّت المعرفة صوريةً صِرفة إذا انفصلت عن التصديق، مجرد تصور دون لغة، أو حد دون قضية. وإذا ما كانت المعرفة تصديقًا بلا إقرار فإنها تظل شهادةً باطنية للنفس، وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. أضعف الإيمان الذي لا يتخارج في أضعف المظاهر وهو القول، الكلمة الصادقة، الدين النصيحة. والقول ليس مجرد إقرار، بل هو فعل. وشهادة «أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» فعل. الإقرار فعل باللسان، الكلمة فعل، والنطق فعل، واللغة فعل، وكلمة الله لا تعود فارغة، والساكت عن الحق شيطانٌ أخرس. ونظرًا لزيف الكلمة أو الخرس والصمت ظهرت ضرورة النطق في جيلنا، وظهر سحر الكلمات وضرورة القول، وأصبحت الكلمة دار نشر وديوان شعر، كلمة الإنسان، وكأنها الله قد تجسَّد من جديد. وفي البدء كانت الكلمة، كلمة الحق والشهادة، وهي الكلمة الفاعلة التي تقيس الفارق بين المثال والواقع، وليست الكلمة الفارغة بلا مضمون. قد تحدث المعرفة، ولكن يكون العارف أخرس أو مكرَهًا. وهنا تظل المعرفة عقليةً صرفة أو وجدانيةً خالصة، داخلية بلا تخارج. في حالة الخرس لا يبقى إلا الفعل كمَنفذٍ وحيد لتصريف الطاقة، أما حالة الإكراه فهي مؤقَّتة صرفة. ويمكن التحايل عليها بالرمز كما هو الحال في الأدب المعاصر تحت ظروف القهر والطغيان.٢٣

(٢-٣) هل الإيمان معرفة دون عمل؟

إذا كان الإيمان معرفة، وتحوَّلت المعرفة إلى تصديق، أي إلى شهادةٍ باطنية، فإنها لا بد وأن تتخارج في العمل؛ فالطاقة الوجدانية والمعرفة الشعورية لا يكفيها الكلام، ولا تُعبر عنها الكلمة وحدها، بل تتحول الكلمة إلى فعل، والقول إلى سلوك. إن المعرفة النظرية الخالصة بلا عملٍ تكون مجرد معرفة أشبه بمعارف الصوفية أو الحكماء وكأن المعرفة غاية في ذاتها. إن جعل الإيمان معرفةً، والكفر جهلًا، وإخراج العمل كتحقيق للمعرفة، قد يتصور العمل على أنه عمل الشعائر والطقوس، أعمال الجوارح، في حين أن عمل الحق والخير والعدل، عمل الفضيلة، تعبيرٌ أصدق عن المعرفة. وإخراج العمل من المعرفة مثل إخراج الإقرار؛ أي كل مظاهر التخارج للمعرفة الباطنية، سواء كان هذا التخارج في الإقرار أو في العمل. واقتران الإيمان بالعمل واضحٌ في الوحي، ولو أنه لم يظهر عند بعض القدماء كبداهة نظرًا لسيادة بعض الاتجاهات الإشراقية، سواء كانت في علوم الحكمة أو في علوم التصوف؛ إبعادًا للوعي الجماعي عن العمل والممارسة، في حين ظهر في الحركات الإصلاحية الحديثة دعوة لقرن العمل بالإيمان نظرًا لتخلُّف العمل عن النظر في سلوك الجماهير في عصرنا الحاضر. صحيحٌ أن الإيمان ذُكر في أصل الوحي أكثر من العمل، ولكن كان تثبيتًا لإيمان العوام، وليس لعمل الخواص. ومع ذلك يظل الاقتران قائمًا.٢٤

(٢-٤) هل الإيمان معرفة وتصديق دون إقرار وعمل؟

بعد العلاقات الثنائية التي تقوم على إثبات طرف واستبعاد طرف آخر، المعرفة والتصديق، المعرفة والإقرار، والمعرفة والعمل، تأتي علاقاتٌ ثنائية أخرى تقوم على إثبات طرفين من الأبعاد الأربعة واستبعاد طرفين آخرين؛ وبالتالي يثبت الإيمان كمعرفة وتصديق لما كانت المعرفة شهادةً باطنية وتجربةً شعورية، ثم يتم استبعاد الإقرار والعمل؛٢٥ فهل تكفي الشهادة الباطنية دون الشهادة الخارجية؟ وما الفائدة من طاقةٍ باطنية دون تحقُّق خارجي؟ ويظل هذا الاختيار هو الأمثل لدى الصوفية أصحاب التجارب الباطنية دون الإعلان عنها لا بقول ولا بفعل. وإذا كانت الغاية من الطاقة هي تحويلها إلى حركة فإن بقاءها في المعرفة والتصديق دون القول والفعل لهو كتمان لها، ثم تفريغها تدريجيًّا حتى تفرغ الذات ويبقى الواقع كما هو بلا تغيير.

(٢-٥) هل الإيمان معرفة وإقرار دون تصديق وعمل؟

وقد يُستبقى بُعْدان، وهما الإيمان والمعرفة، ويُستبعد بُعْدان هما التصديق والعمل.٢٦ وفي هذه الحالة يكون الإيمان مجرد معرفة نظرية تتخارج في القول، من الذهن إلى اللسان، من العقل إلى الشفتين، معرفة رياضية منطقية لغوية دون أن تتحول إلى تصديق؛ أي إلى تجرِبةٍ معيشة وبرهانٍ وجداني، ودون أن تتحقق في فعل بالجهد والمعاناة والمقاومة؛ فالمعرفة لا تتضمن التصديق؛ أي استحالة تعيين مضمون في النفس أو في الواقع. قد يعلم الإنسان تحريم الخمر، ولا يعلم هذا اللحم بالذات هل هو لحم خنزير أم لا؛ ويعلم الصلاة إلى الكعبة كفرض، ولكنه لا يعلم هل هذا الاتجاه هو الكعبة أم لا؛ وقد يعلم أن الرسول محمد، ولكنه لا يعلم هل هو هذا العربي أم الزنجي! فما الفائدة إذن من المعرفة بلا برهان وبلا تعيين؟ وما فائدة الإقرار حينئذٍ. صحيحٌ أن التطابق مع الواقع ليس مقياسًا للحقيقة، ولكن التطابق مع النفس ومع التجربة يجعل للمعنى واقعًا، وللفكر مضمونًا، وإلا أدَّى عدم التعيين إلى فصل الفكر عن الواقع، وعزلة الشعور عنه، وإخراجه من الزمان والمكان، والاكتفاء بالعمومية والصورية الفارغة. إن تعيين التوحيد والعدل لا يكون في أشخاص أو وقائع، ومع ذلك فإن التصديق بهما هو شرط تحويل هذين الأصلين العقليين إلى بنيةٍ اجتماعية وإلى مجتمع يقوم على المساواة والعدل. وحتى لو كان في العقل واجبٌ مبدئي، فإن ذلك لا يُغني عن التصديق؛ أي وجود هذا الواجب في التجربة البشرية، فلا يكون فقط واجبًا عقليًّا، بل رسالة إنسانية. والخضوع ليس بُعدًا من أبعاد الشعور، ولكنه نتيجة للمعرفة والقول، وأقل من التصديق والعمل، مجرد تمثل للمعرفة واستسلام لها. ولكن قد تؤدي المعرفة أيضًا إلى الثورة والغضب والتمرد، وليس بالضرورة إلى الخضوع؛ فالخضوع للفكر قد يعني التمرد على الواقع. والمحبة بالقلب مثل الخضوع نتيجة طبيعية للمعرفة وقبل التصديق. والمعرفة بالقلب أقل من التصديق؛ فالقلب هنا لا يعني إلا الذهن أو العقل، ولكنه لا يعني التحقق من صدق المعرفة بتطابقها مع الدلالة في الشعور. وإن اللجوء إلى الخضوع مرة وإلى المحبة مرةً أخرى يجعل المعرفة أقرب إلى الطريق الصوفي؛ مما سهَّل بعد ذلك ازدواج الأشعرية بالتصوف منذ القرن الخامس حتى قُبيل الحركات الإصلاحية الأخيرة. ومع ذلك فإنه على هذا النحو يقترب الشعور من التعين والخصوصية وإتيان الأفعال، وعدم الاقتصار على شمول المعرفة وعمومية الإقرار. وقد يخرج الشعور أيضًا من المعرفة والإقرار الباردين إلى محبة الأولياء وكراهية الأعداء، أو تحليل ما أحلَّه الله وتحريم ما حرَّم الله، وهو وسط بين التصديق والفعل، أكثر من التصديق، وأقل من الفعل. وقد تكون المعرفة دون الإقرار إيمانًا، والإقرار دون معرفة إسلامًا، واجتماع المعرفة والإقرار هو اجتماع الإيمان والإسلام. ومع ذلك يظل التصديق والعمل أقرب إلى الإحسان. وإذا كان الإيمان قد أصبح المعرفة والإقرار، أي الداخل والخارج، فأسهل أن يكتمل ويصبح التصديق والعمل؛ فالمعرفة والتصديق جانبان لشيءٍ واحد، وهو التحقق بالكلمة وبالفعل. وإذا كان القول أحد أنماط السلوك، فإن العمل المباشر أيضًا تعبير عن التصديق بالفعل. وعلى هذا النحو يتحقق الداخل ببُعدَيه في الخارج بأفقَيه، وتكتمل وحدة النظر سواء كان معرفة أو تصديقًا، وفي العمل سواء كان إقرارًا أو عملًا.

(٢-٦) هل الإيمان معرفة وعمل دون تصديق وإقرار؟

وإذا تم إثبات البعدين؛ الأول وهو المعرفة، والأخير وهو العمل؛ واستبعاد البعدين الأوسطين، الثاني وهو التصديق، والثالث وهو الإقرار؛ فهل يمكن أن تتحقق المعرفة والعمل دون تصديق وإقرار؟ ليس الإيمان فكرًا فقط يتحول إلى عمل فقط؛ لأن الفكر بناءٌ شعوري، والقول أحد مظاهر السلوك؛ فإذا كان الشعور في حالة من الفكر والعمل فإنه يكون شعورًا آليًّا يُعطي أساسًا نظريًّا، ويتَّجه تلقائيًّا إلى العمل المباشر دون أساس وجداني ودون إعلان بالقول. وإذا تخارجت المعرفة في العمل، فلماذا لا يتخارج التصديق في القول؟ وأيُّهما أفضل؛ أن تتحقق المعرفة مباشرةً في العمل، فيكون الإنسان أشبه بالحاسب الآلي الذي يعرف ويُقرر، أم أن تكون المعرفة شعورية، وأن يتم الإعلان عن العمل بالكلمة كمن يُبارز مُنشدًا، ويُحارب شاعرًا؟ إذا كانت بالمعرفة والعمل برودة الآلة، فإن بالتصديق والإقرار حرارة الشعر.٢٧

(٢-٧) هل الإيمان معرفة وتصديق وإقرار دون عمل؟

في العلاقات الثلاثية إذا تم إبقاء الأبعاد الثلاثة الأولى واستبعاد الرابع، يصبح الإيمان معرفةً وتصديقًا وإقرارًا دون عمل، فهل هذا ممكن؟ إذا ثبتت المعرفة كنظر وتجربةٍ باطنية، كاستدلال ويقين داخلي، ثم تخارجت في القول والإعلان، فما المانع أن تتخارج بالفعل وتتحقق في الممارسة؟ إن مِثل هذا الموقف قد يُشابه موقف المثقَّف المتأزِّم العاجز عن الإتيان بأي فعل بالرغم من معرفته ووجدانه وقوله وكلمته. وهل يكفي الشاعرَ شعرُه، والأديبَ روايتُه وقصته، دون ممارسة كل منهما لصدقه الفني في قيادته لأمته ونضاله في سبيلها؟ وإذا كانت المعرفة بالقلب، أي معرفة وتصديق، وتخارج الطاقة في الكلمة، فالكلمة ما هي إلا مقدمة للفعل و«خرطوشة» طلقة، وصوت قذيفة.٢٨ صحيحٌ أن اجتماع المعرفة والتصديق والإقرار يمنع الكذب من النفس، ولكنه لا يمنع الفسق والعصيان إذا ما عارض الفعل المعرفة أو التصديق أو الإقرار. وكيف يقول المسلم شيئًا ويفعل نقيضه؟ وإذا فعل الشيخ ذلك فإنه ينطبق عليه كثير من الأمثال العامية التي تشير إلى هذه الثنائية في هُزءٍ وسخرية. وإذا كانت المعرفة صادقةً مرةً بتحولها إلى تجربةٍ ثانية، وقد بلغت قوة صدقها إلى أن تحوَّلت كلمة، فإن وقوعها قبل الفعل عجز لا مُبرر له، إلا نقص في التصديق العملي، وحصار لامتداد الكلمة في الواقع. إن اجتماع أبعاد الشعور الثلاثة الأولى، المعرفة والتصديق والإقرار، يمنع النفاق، وهو القول بلا تصديق، كما يمنع الجبن وهو المعرفة بلا إقرار، ويمنع عدم الالتزام وهو المعرفة بلا تصديق. ومع ذلك فإنه يمنع من الفعل المباشر، ويُحاصر الشعور، ويجعل الإنسان شاعرًا غير مُناضل. فإذا كان الكفر ضد الإيمان، أي معرفة بمعرفة، فإنه ضد الفسق أيضًا، أي دون إسقاط العمل. وإذا كان جحد الله بالقلب فقط كفرًا وليس باللسان، فإن لَبْس الإيمان بظلم هو إسقاط العمل منه. وإذا كان الكفر يزيد وينقص، وكذلك الجزاء، فإن ذلك ليس فقط بسبب المعرفة، ولكن أيضًا لتفاضُل الأعمال. وإذا كان الكافر يكون كذلك لتركه المعرفة أو التصديق والإقرار، فالأولى أن يكون ذلك بتركه الأعمال. وإذا كان بعض الإيمان إيمانًا، فالأولى أن يكون العمل بعض الإيمان، وليس المعرفة أو الإقرار أو التصديق. وإذا كان السكوت عن الحق كفرًا، والجهل كفرًا، والنفاق كفرًا، فالأولى أن يكون الفسوق، أي إخراج العمل عن الإيمان، كفرًا. وإذا كان الكفر جحدًا بالقلب، أو معرفة لا يحصل عليها الجميع، أو إقرارًا لا يقدر عليه الكل، فالأولى أن يكون ترك العمل الذي يقدر عليه عامة الناس كفرًا. ولم يكفُر إبليس لأنه لم يعرف، لأنه كان عارفًا بربه؛ ولأنه لم يُقر، لأنه أقر؛ ولأنه لم يُصدق فقط، بل كفر لأنه لم يعمل، ولم يُنفذ إرادة الله. إن الجزاء في الآخرة ليس فقط على المعرفة والتصديق والقول، بل على العمل، وعلى العمل وحده، حتى ولو كانت المعرفة والتصديق بها والإعلان عنها معرفةً مُخالفة للإيمان. يبطل الإيمان إذا سقطت الأعمال، وتتفاضل التصديقات بتفاضل الأعمال. وإن الشعر بالرغم من جمعه بين المعرفة والتصديق والقول إلا أن الشعر المقرون بالعمل هو كمال له، وإلا كان الشعر مجرد غواية وخيال.٢٩

(٢-٨) هل الإيمان معرفة وتصديق وعمل دون إقرار؟

وفي العلاقات الثلاثية أيضًا إذا ما تم استبقاء الأبعاد الثلاثة، الأول والثاني والرابع، واستبعاد الثالث، يصبح الإيمان معرفةً وتصديقًا وعملًا دون إقرار، فهل هذا ممكن؟ إن اجتماع المعرفة والتصديق والعمل يؤدي لا محالة إلى العمل الصامت؛ إذ يتحقق الفعل دون إعلان عنه بالقول، فعلٌ صامت، وكأنه يتم في مرحلة تنظيم سِري. وإذا ما خُيِّر الإنسان بين استبعاد العمل أو القول، فإن استبعاد القول في مجتمعٍ مُتكلم بطبيعة الحال أفضل. والعمل في صمتٍ أفضل من القول بلا عمل.٣٠

(٢-٩) هل الإيمان معرفة وإقرار وعمل دون تصديق؟

وفي نطاق العلاقات الثلاثية أيضًا يمكن استبقاء الأبعاد الأولى والثالثة والرابعة، واسبتعاد الثاني، وفي هذه الحالة يكون الإيمان معرفةً وإقرارًا وعملًا دون تصديق. وإن غياب الوجدان من السلوك يجعله سلوكًا آليًّا خالصًا، وكأن الإنسان مجرد وسيلة لتحقيق أمر لا يعيشه ولا يحياه، ولا يُعبر عن صالحه وطبيعته. وإن المعرفة لَتكون أكثر تحققًا إذا ما كانت تصديقًا، أي اقتناعًا باطنيًّا قبل أن تتخارج إلى قوًى وفعل. قد يكون الفعل إيجابيًّا، فعل الطاعات، وقد يكون سلبيًّا، اجتناب المعاصي. ولكن في هذه الحالة لا يتحقق فعلٌ واعٍ، بل مجرد فعل آلي بلا اقتناع. قد يظهر التصديق مُتضمَّنًا في المعرفة عندما تكون المعرفة بالقلب، أي عقدًا بالقلب؛ فالمعرفة بهذا المعنى فعل للشعور. وقد يكون الخضوع بالقلب والتسليم والانقياد جامعًا للتصديق وللعمل تحت أثر التصوف؛ فالخضوع هو تصديق، أي فعل داخلي، عندما تحوَّلت الأفعال الخارجية إلى أفعال داخلية، وأصبحت أفعال الجوارح أفعال القلوب. ومع ذلك يظل أقل من التصديق؛ لأنه ليس فعلًا تأمليًّا يُحيل المعرفة إلى دلالة في الشعور. وهو أقل من الفعل؛ لأنه لا يتجه نحو الخارج مُغيرًا للعالم. وما أسهل أن تتحول المعرفة إلى تصديق قبل أن تتخارج في قول أو فعل حتى تتحول إلى طاقةٍ وجدانية وتجربةٍ بشرية تُعبر عن الوجود البشري، ولا تكون مجرد وسيلة لإصدار قرار أو إحداث أثر.٣١

(٢-١٠) الإيمان معرفة وتصديق، إقرار وعمل

وهي العلاقة الرباعية الوحيدة التي تكتمل فيها أبعاد الشعور الأربعة، فيصبح الإيمان معرفةً وتصديقًا وقولًا وعملًا. بُعْدان للداخل، معرفة وتصديق؛ وبُعْدان للخارج، قول وعمل. وعلى هذا النحو تكتمل وحدة الداخل بين النظر والوجدان، العقل والشعور، الفكر والتجربة، كما تكتمل وحدة الخارج في القول والعمل، في اللغة والسلوك، في الكلمة والفعل. ويتحقق الإيمان في صورته المثلى بوحدة الشعور في أبعاده الأربعة، الفكر والقول والوجدان والعمل؛ فالفكر هو الذي يُعطي الأساس النظري. والوجدان هو الذي يُحول الفكر إلى موقفٍ شعوري، وإلى وعيٍ نظري وتجربةٍ معيشة. والقول هو الذي يُعلن عن هذا الموقف الفكري الشعوري، ويدعو الآخرين إليه. والفعل أخيرًا هو الذي يُحقق ذلك كله، ويُحوله إلى واقع مُغيرًا العالم، ومُحولًا إياه إلى نظامٍ مثالي يكتمل هذا العالم فيه. وفي هذه الحالة يمكن للحالات المُتوسطة أن تجد مكانًا لها؛ فالمحبة هي علاقة تصديق وفعل؛ لأنها فعلٌ داخلي؛ وبالتالي فهي تصديق، وتتعلق في الوقت نفسه مع موضوعها فتكون فعلًا خارجيًّا. والخضوع أيضًا بين التصديق والفعل؛ فهو تصديقٌ عملي وإن لم يكن تصديقًا برهانيًّا معرفيًّا. وفي الوقت نفسه يظهر في سلوك الطاعة، وهي فعلٌ خارجي.٣٢
١  اختلفت المرجئة في الاعتقاد بالتوحيد بغير نظر، هل يكون علمًا وإيمانًا أم لا؟ أثبته البعض ونفاه البعض الآخر (مقالات، ج١، ص٢٠٧). وعند الصالحية من المرجئة، الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط، والصلاة ليست عبادة الله، والقول بأن الله ثالث ثلاثة ليس كفرًا، ولكنه لا يظهر إلا من كافر (الفرق، ص٢٠٧). ويُخرِج أبو الحسين الصالحي الصلاة من العبادة؛ لأن العبادة هي الإيمان بالله، أي معرفته؛ فالإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط … من جحد الرسول لا يكون مؤمنًا لأن الجهل بذلك مُحال، وقد قال الرسول: من لا يؤمن بي فليس مؤمنًا بالله. والصلاة والزكاة والصيام والحج طاعات، وليس بعبادة الله، وأنه لا عبادة إلا الإيمان به، وهو معرفة (الفرق، ص٢٠٧). الإيمان هو المعرفة بالله على الإطلاق، وهو أن للعالم صانعًا فقط، والكفر هو الجهل به على الإطلاق، معرفة الله هي المحبة والخضوع له (المِلل، ج٢، ص٦٦). الكفر يكون بالقلب وبغير القلب. الكفر جهل؛ فالبغض لله والاستكبار عليه كفر، والاستخفاف بالله وبرسله كفر، وقاتل الرسول ولاطمه لم يكفر من أجل القتل واللطمة، بل من أجل الاستخفاف، وكذلك تارك الصلاة مستخفًّا لتركها يكفُر بالاستحلال لتركها لا لتركها (مقالات، ج١، ص١٩٨). وهو أيضًا موقف جهم بن صفوان؛ فالإيمان والكفر لديه في القلوب دون الجوارح. الكفر خصلةٌ واحدة في القلب (مقالات، ج١، ص٢٠٥-٢٠٦). الكفر هو الجهل بالله فقط، ولا يكفُر بالله إلا الجاهل به (مقالات، ج١، ص٢١٣). الإيمان معرفة بالله ورسله وما جاء من عند الله، ومحبة الله، والتعظيم لهما، والخوف منهما. أما العمل بالجوارح فغير إيمان (شرح التفتازاني، ص١٣٩، ١٣٠؛ مقالات، ج١، ص١٩٧). الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه فإنه لا يكفر بجحده (مقالات، ج١، ص١٩٨). الكفر فقط هو الجهل بالله، وقول الإنسان إن الله ثالث ثلاثة لا يكفر، ولكنه لا يظهر إلا من كافر. والصلاة ليست عبادة الله، وأنه لا عبادة إلا الإيمان، وهو معرفته (مقالات، ج١، ص١٩٨، ص٣١٢؛ الفرق، ص٢١١). الكفر خصلةٌ واحدة بالقلب، وهو الجهل (مقالات، ج١، ص٢٠٥؛ الأصول، ص٢٤٩). الإيمان معرفة الله بالقلب فقط، وإن أظهر اليهودية والنصرانية وسائر أنواع الكفر بلسانه (الفصل، ج٣، ص١٣٧). وهو أيضًا رأي المعلومية والمجهولية من الحازمية (العجاردة الخوارج)؛ فقد خالفت المعلومية سلفها في شيئين؛ أحدهما دعواها أن من لم يعرف الله بجميع أسمائه فهو جاهل به، والجاهل به كافر. والمجهولية يزيدون من عرف الله ببعض أسمائه، فقد عرفه، وأكفروا المعلومية (الفرق، ص٩٧). وقد كانا في الأصل حازمية ثم انفصلا بعد ذلك (المِلل، ج١، ص٥١-٥٢؛ اعتقادات، ص٥١؛ الأصول، ص٢٦٩؛ الفرق، ص١٢٦). وهو أيضًا رأي محمد بن كرام والأشعري في أحد أقواله (المِلل، ج٢، ص١٠٦؛ الفصل، ج٣، ص١٣٧). وعند بعض القدرية، الإيمان هو المعرفة (شرح، ص١٧٣؛ التفتازاني، ص١٢٩-١٣٠). وعند الإباضية، لا يرسل الله نبيًّا إلا إذا نصب عليه دليلًا لا بد أن يدل عليه (مقالات، ج١). وعند الشيعة، الإيمان هو المعرفة (الدر، ص١٦٠).
٢  وهي المعروفة في الفكر الغربي باسم Logos and Praxis.
٣  هذا هو موقف الأشاعرة بوجهٍ عام، والمرجئة بوجهٍ خاص؛ فمضمون الإيمان عند أبي شمر من المرجئة ما جاء من عند الله منصوصًا عليه أو مستخرَجًا بالعقول مما فيه إثبات عدل الله ونفي التشبيه والتوحيد. وعند غيلان وأنصاره، الإيمان معرفةٌ ثابتة بالله تقوم على النظر والاستدلال؛ لأن المعرفة الأولى اضطرار لا تدخل في الإيمان (مقالات، ج١، ص٢٠٧، ص٢٠–٢٠١). وهو أيضًا موقف محمد بن شبيب والشمرية؛ فالمعرفة الأولى الضرورية لا خلاف عليها، والاستدلالية ما عليها خلاف. وعند الغسانية أصحاب غسان الكوفي، الإيمان هو المعرفة بالله ورسوله وبما جاء من عندهما إجمالًا (المواقف، ص٤٢٧). وعند الجاحظ، لا يجوز أن يبلغ أحد فلا يعرف الله. والكافر إما مُعانِد أو عارف قد استغرقه حب مذهبه (الفرق، ص١٧٥-١٧٦). وعند أصحاب أبي ثوبان من المرجئة، الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله. ولما كان لا يجوز في العقل إلا أن يفعله، وما كان جائزًا في العقل ألا يفعله فليس جزءًا من الإيمان (مقالات، ج١، ص١٩٩).
٤  تُشنع المرجئة على الأشعرية بأنهم قالوا إن النظر في دلائل الإسلام فرض، وإنه لا يكون مسلمًا حتى ينظر فيها، وإن من شرط النظر فيها أن يكون ولا بد شاكًّا في الله وفي صحة النبوة. ولا يصح النظر في دلائل النبوة ودلائل التوحيد لمن يعتقد صحتها. ويُدافع ابن حزم عن الأشعرية وكأن الشك تهمة في ذلك. إن الشك أول الواجبات قبل النظر عند الجبائي (الفصل، ج٥، ص٥٩). ويُكفر معتزلة بغداد معتزلة البصرة؛ فالقول في الشاك، والشاك في الشاك. من شك في كافر فهو كافر؛ لأن الشاك في الكفر لا إيمان له. زاد معتزلة بغداد على معتزلة البصرة أن الشاك في الشاك، والشاك في الشاك إلى الأبد كلهم كفار، وسبيلهم الشاك الأول (التنبيه، ص٤٠-٤١؛ انظر أيضًا الفصل الثالث: نظرية العلم، وجوب النظر، أول الواجبات).
٥  لا تكفر أكثر المرجئة أحدًا من المتأولين إلا من أجمعت الأمة على إكفاره (مقالات، ج١، ٢٠٧). أما شمر فإنه يُكفر من رد قوله وقول أصحابه في القدر والتوحيد، ويُكفر الشاكَّ في الشاك (مقالات، ج١، ص٢١٣). وما حكاه زرقان عن المرجئة في أنها لا تُكفر المُتأول خطأ؛ لأن الأكثر يقولون كلُّ معصية كفر، ويُفسقون الخوارج بسفكهم الدماء وسَبْيهم النساء وأخذ الأموال. وقال أكثر المرجئة كلُّ مُرتكب بتأويل أو بغير تأويل فهو فاسق.
٦  وهو في العادة موقف الفقهاء مثل ابن حزم؛ فمن تأوَّل من أجل الإسلام فأخطأ دون أن تُقام عليه الحجة أو يتبين له الحق، فهو معذورٌ مأجور أجرًا واحدًا، وإن كان مُصيبًا فله أجران، وإلا فهو فاسق … عدم عذر تأويل اليهود والنصارى (الفصل، ج١، ص٢١–٢٥).
٧  عذر أهل الخطأ في الاجتهادات بالجهالات (الفرق، ص٨٨-٨٩). عذر الأطرافية الخوارج أصحاب الأطفال في ترك ما لم يعرفوه من الشريعة إذا أتَوا بما يُعرَف لزومه عن طريق العقل، وأثبتوا واجبات عقلية مثل القدرية (المِلل، ج٢، ص٤٧). أما النجدات الخوارج أتباع نجدة بن عامر الحنفي، فقد أعذر أهل الخطأ بالجهالات؛ فالدين أمران؛ أحدهما معرفة الله تعالى ومعرفة رسله، وتحريم دماء المسلمين وغصبِ أموالهم، والإقرار بما جاء من عند الله جملةً؛ فهذا واجبٌ معرفته على كل مكلَّف، وما سواه فالناس معذورون بجهالته حتى تقوم عليهم الحجة في الحلال والحرام؛ فمن استحلَّ باجتهاده شيئًا محرَّمًا فهو معذور، ومن خاف العذاب على المجتهد قبل قيام الحجة عليه فهو كافر (الفرق، ص٨٨-٨٩، ص١١٨).
٨  عند ابن حزم، كل من كان على غير الإسلام وبلغه الإسلام فهو كافر. ولا يكفُر أحد حتى يبلغه أمر النبي. وأما من كفَّر الناس بما تئول إليه أقوالهم فخطأ؛ لأنه كذب على الخصم وتقويل له (الفصل، ج٤، ص٢٤-٢٥).
٩  هذا هو سؤال: في أن المُخالف من أهل القِبلة، هل يكفر أم لا؟ عند الجمهور لا يكفر أحد من أهل القبلة؛ فالمسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من كون الله عالمًا بعلم أو موجدًا لفعل العبد أو غير متميز ولا في جهة ونحوها، لم يبحث النبي عن اعتقاد من حكم بإسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون؛ فعُلِم أن الخطأ فيها ليس قدحًا في حقيقة الإسلام (المواقف، ص٣٩٢). لا نُكفر أحدًا ممن صلَّى بصلاتنا، وتوجَّه لقبلتنا، وصدَّق وأذعن بما عُلم بالضرورة من ملتنا (القول، ص١٤-١٥). أما عند النظَّام فالجاهل بأحكام الدين كافر، والمتعمد للخلاف بلا حجةٍ مُنافقٌ كافر أو فاسقٌ فاجر، وكلاهما من أهل النار خلودًا (الفرق، ص٣١٩). أما عند الجاحظ فالخلق صنفان؛ عالم بالتوحيد وجاهل به. الجاهل معذور، والعالم محجوج. من انتحل دين الإسلام فإن اعتقد أن الله ليس بجسم ولا صورة، وهو عدل، ثم أقرَّ بذلك، فهو مسلم. وإن عرف ذلك ثم جحده ودان بالتشبيه والجبر فهو مشرك. وإن لم ينظر في شيء، واعتقد أن الله ربه وأن محمدًا نبيه، فهو مؤمن (المِلل، ج١، ص١١٢-١١٣). أما الأشعرية فهي التي تُفرق بين الحق والحقيقة؛ فالكفر حقيقة وليس بحق، وهو ما يرفضه ابن حزم (الفصل، ج٥، ص٥٠).
١٠  عند جمهور أهل السنة لا يكفُر أحد من أهل القبلة إلا بدليلٍ مُنفصل (المعالم، ص١٥٢-١٥٣). لا يكفُر أحد من أهل القبلة إلا بما فيه نفي الصانع القادر المختار العليم، أو بما فيه شرك أو إنكار النبوة، أو ما جاء به محمد ضرورةً، أو أمر جُمع عليه قطعًا، أو استحلال المحرَّمات وغير ذلك؛ فالقائل به مُبتدع (العضدية، ج٢، ص٢٩١–٢٩٣). لا يكفُر أحد (حاشية المرجاني، ج٢، ص٢٩٢؛ الخلخالي، ج٢، ص٢٩٢؛ الدواني ج٢، ص٢٩٣؛ الدر، ص١٦٨-١٦٩). بل لا يجوز تكفير المعتزلة في رأي أبي قاسم الأنصاري من تلامذة إمام الحرمين؛ لأنهم نزَّهوه عما يُشبِه الظلم والقبح وما لا يليق بالحكمة. ولا يكفُر أهل الجبر؛ لأنهم عظَّموه حتى لا يكون لغيره قدرة وتأثير وإيجاد (شرح الدواني، ج٢، ص٢٩١–٢٩٣). لا يجب تكفير القائلين بخلق القرآن (حاشية المرجاني، ج٢، ص٢٩٢). وعند الأشعري ليس من جحد الله وأنكره مشركًا حتى يجعل معه إلهًا غيره. كل جحد بأية جهة كان فهو شرك وكفر (مقالات، ج١، ص١٧٢-١٧٣). وعند ابن حزم، من كفَّر إنسانًا بنفس مقالته دون أن تقوم عليه حجة يُعاند رسول الله (الفصل، ج٤، ص١٩-٢٠). وعنده أيضًا، عدم تكفير أحد من أهل القبلة إلا نفي الصانع، أو إنكار النبوة، أو ما عُلم ما جاء به الرسول ضرورةً، أو لإجماع عليه كاستحلال المحرَّمات، وما عدا ذلك فالقائل به مُبتدعٌ غير كافر. وهناك خلاف بين الفقهاء في وضعهم الاجتماعي، وهو خارج عن علم أصول الدين، وأدخل في علم الفقه (المواقف، ص٤١٥). وعند الحفصية الخوارج، بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده؛ فمن عرف الله ثم كفر بما سواه أو عمل بجميع الخبائث فهو كافرٌ بريء من الشرك، ومن جهله فهو المشرك (مقالات، ج١، ص١٧٥؛ الفرق، ص١٠٤-١٠٥؛ المِلل، ج٢، ص٥٤-٥٥؛ الفصل، ج٥، ص٣٢؛ المواقف، ص٤٢٥).
١١  وذلك عند الثنوية والوثنية وعبَدة الكواكب والأصنام والنار والنصارى واليهود والمجوس والمُعطلة والمُتصوفة الحلولية (الدر، ص١٧٠–١٧٣). ومثل إنكار البراهمة وبعض الملاحدة النبوة، وإنكار الأركان الخمسة أو المعاد الجسماني، أو حرمة الخنزير والخمر (شرح الدواني، ج١، ص٢٩١–٢٩٣؛ الاقتصاد، ص٨٦–٨٨؛ المواقف، ص٣٨٨-٣٨٩).
١٢  عند أبي يونس وأبي شمر من المرجئة الإيمان، هو معرفة الله؛ فإذا جاءت الرسل وجب التصديق بهم، ولكن المعرفة بما جاء من عند الله غير داخلة في الإيمان (المواقف، ص٤٢٧). الإيمان هو المعرفة بالله والإقرار بما جاء من عنده، ومعرفة العدل؛ أي القول في القدر ما كان من ذلك منصوصًا عليه أو مستخرَجًا بالعقول مما فيه إثبات عدل الله ونفي التشبيه والتوحيد (مقالات، ج١، ص١٩٩). وأصحاب هذا القول، وهم المرجئة، لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول، وأنه لا يؤمن بالله إذا جاء الرسول إلا من آمن بالرسول؛ ليس لأن ذلك يستحيل، ولكن لأن الرسول قال: من لا يؤمن بي فليس بمؤمن بالله (مقالات، ج١، ص١٩٨). وعند محمد بن زياد الحريري الكوفي، من آمن بالله وكذَّب برسول الله فليس مؤمنًا على الإطلاق ولا كافرًا على الإطلاق، ولكنه مؤمنٌ كافر معًا؛ لأنه آمن بالله فهو مؤمن، وكفر بالرسول فهو كافر (الفصل، ج٣، ص١٣٨). وعند الحفصية، من عرف الله وكفر بالنبي فهو كافر وليس بمشرك، وإن جهل الله أو جحده فهو حينئذٍ مشرك (الفصل، ج٥، ص٣٢). وعند البهيسية الخوارج، الناس مشركون بجهل الدين (مقالات، ج١، ص١٨١). الإيمان أن يُعلَم كل حق من باطل (المِلل، ج٢، ص٤٠).
١٣  من قال أشهد أن محمدًا رسول الله، ولا أدري هل هو قرشي أم تميمي أم فارسي، ولا هل كان بالحجاز أو بخراسان، وهل حي أم ميت، وهل هو هذا الرجل الحاضر أم غيره، لو كان الجهل نقصًا في الأخبار، فلا حرج، أما عن عناد فهو كفر وارتداد. «وقد علمنا أن كثيرًا ممن يتعاطى الفُتيا في دين الله، نعم وكثيرًا من الصالحين، لا يدري كم لموت النبي، ولا أين كان، ولا في أي بلد كان، ويكفيه من كل ذلك إقراره بقلبه ولسانه أن رجلًا اسمه محمد أرسله الله إلينا وبهذا الدين.» وكذلك من قال إن الله جسم إن كان جاهلًا أو مُتأولًا فهو معذور؛ فإن قامت عليه الحجة وخالف عنادًا فهو كافرٌ مرتد (الفصل، ج٤، ص١٧-١٨). ونفس الشيء لمن قال: أنا أدري أن الحج إلى مكة فرض، ولكن لا أدري أهي بالحجاز أم بخرسان أم بالأندلس؛ وأدري أن الخنزير حرام، ولا أدري هو هذا الموصوف الأقرن أم الذي يُحرَث به (الفصل، ج٤، ص٢٣). وقالت طائفة من الصفرية: إذا بُعث النبي في ذلك الوقت من ذلك اليوم لزم جميع أهل المشرق والمغرب الإيمان به، وإن لم يعرفوا جميع ما جاء به من الشرائع؛ فمن مات منهم قبل أن يبلغه شيء من ذلك مات كافرًا (الفصل، ج٥، ص٣١-٣٢).
١٤  عند العبيدية أصحاب عبيد المكبت، ما دون الشرك مغفور لا محالة، وأن العبد إذا مات على التوحيد لم يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات (المِلل، ج٢، ص٦٠). وعند المكرمية أصحاب مكرم بن عبد الله العجلي (الثعالبة الخوارج)، تارك الصلاة كافر، لا من أجل ترك الصلاة، ولكن لجهله بالله؛ فكل الكبائر ناتجة عن جهل بالله؛ فالعارف بالله وبأنه المُطَّلع على سره وعلانيته، المُجازي على طاعته ومعصيته، لن يُتصوَّر منه الإقدام على المعصية والاجتراء على المخالفة، ما لم يغفل عن هذه المعرفة، ولا يُبالي بالتكليف فيه. وعن هذا قال النبي: «لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» (المِلل، ج٢، ص٥٠-٥١؛ اعتقادات، ص٥٠-٥١؛ مقالات، ج١، ص١٦٩؛ الفرق، ص١٠٣؛ الفصل، ج٥، ص٣٢؛ المواقف، ص٤٢٧). وعند اليونسية، الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له والمحبة بالقلب، والإقرار بأنه واحد ليس كمثله شيءٌ ما لم تقم عليه حجة الأنبياء؛ فإن قامت فالإيمان والإقرار بهم والتصديق لهم، ولا يضر معها ترك الطاعات، وكذلك أصحاب بني هاشم (مقالات، ج١، ص١٩٨). الكفر عبارة عن إنكار ما عُلم بالضرورة مَجيئه من الرسول؛ وبالتالي فلا يكفر أحد من أهل القبلة يعلمون الرسول ضرورةً أو نظرًا (المحصل، ص١٧٥-١٧٦).
١٥  كان إبليس عارفًا بالله ثم كفر باستكباره على الله (المِلل، ج٢، ص٥٩-٦٠؛ المواقف، ص٤٢٧). إبليس عرف الله وأقرَّ به، ولكنه كفر لأنه استكبر، في حين أنه عند الأشاعرة لم يعرف الله حقًّا (الفصل، ج٥، ص٤٨).
١٦  عند أبي الهذيل، من شبَّه لله بخلقه أو جوَّره في حكمه، أو كذَّبه في خبره، فهو كافر (مقالات، ج٢، ص١٥١-١٥٢). ويُشير ابن حزم إلى ذلك أيضًا بقوله: «فالمعتزلة تنسب إلينا تجوير الله وتشبيهه بخلقه، ونحن ننسب إليهم مثل ذلك سواءً بسواء، ونُلزمهم أيضًا تعجيز الله، وأنهم يزعمون أنهم يخلقون كخلقه، وأن لا شركاء في الخلق، وأنهم مُستغنون عن الله. ومن اثبت الصفات يُسمِّي من نفاها باقية؛ لأنهم قالوا تعبدون غير الله لأن الله له صفات، وأنتم تعبدون من لا صفة له. ومن نفى الصفات يقول لمن أثبتها أنتم تجعلون مع الله أشياء لم تزل، وتشركون به، وتبعدون غير الله؛ لأن الله لا أحد معه، ولا شيء معه في الأزل، وأنتم تعبدون شيئًا من جملة أشياء لم تزل. وهكذا في كل ما اختُلف فيه، حتى في الكون والجزء، وحتى في مسائل الأحكام والعبادات؛ فأصحاب القياس يدعون علينا خلاف الإجماع، وأصحابنا يُثبتون عليهم خلاف الإجماع وإحداث شرائع لم يأذن الله بها. وكل فِرقة فهي تنتفي بما تُسميها به الأخرى، وتُكفر من قال شيئًا من ذلك؛ فصحَّ أنه لا يكفر أحد إلا بنفس قوله ونص معتقده، ولا ينتفع أحد بأن يُعبر عن معتقده بلفظ يحسن به قبحه، لكن المحكوم به مقتضى قوله بلفظه» (الفصل، ج٤، ص١٨).
١٧  هذا ما يفعله أهل السنة بوجهٍ عام، والمرجئة بوجهٍ خاص. «والصحيح عندنا أن أمة الإسلام تجمع المُقرِّين بحدوث العالم وتوحيد صانعه وقِدمه وصفاته وعدله وحكمته ونفي التشبيه عنه، ونبوة محمد ورسالته إلى الكافة، وبتأييد شريعته، وبأن كل ما جاء به حق، وبأن القرآن مَنبع أحكام الشريعة، وأن الكعبة هي القبلة التي تجب الصلاة إليها؛ فكل من أقرَّ بذلك كله ولم يشُبْه ببدعةٍ تؤدي إلى الكفر فهو السُّني الموحِّد» (الفرق، ١٣).
١٨  اختلف الناس فيمن يكفُر ومن لا يكفُر: (أ) ذهبت طائفة إلى أن من خالفهم في شيء من مسائل الاعتقاد أو الفُتيا فهو كافر. (ب) وذهبت طائفةٌ أخرى إلى أنه كافر في بعض ذلك، فاسق في بعضه، طبقًا لعقولهم وظنونهم. (ﺟ) كافر في الاعتقادات، وليس في العمليات كافرًا ولا فاسقًا، بل مجتهدٌ معذور، إن أخطأ مأجور بنيته. (د) مثل السابقة فيمن خالفهم في العمليات. أما في الاعتقاديات إن كان الخلاف في صفات الله فهو كافر، وإن كان دون ذلك مأجور، أجران إن أصاب، وأجر إن أخطأ، وهو رأي ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسليمان الثوري وداود بن علي، وقول الصحابة. فلم يكفر أحد باستثناء من ترك الصلاة أو الزكاة أو الحج أو الصيام أو شرب الخمر عامدًا (الفصل، ج٤، ص١٦). حجج تكفير الخصوم في الاعتقاديات … والحق أن كل من ثبت له عقد الإسلام فإنه لا يزول عنه إلا بنفي أو إجماع دون الدعوى والافتراء. لا يكفر من قال لا إله إلا الله (الفصل، ج٤، ص١٦-١٧). اختلاف الصحابة في الفتيا دون تكفير بعضهم البعض، بل أنكر بعضهم القضاء والقدر في أيامهم، فما أكفرهم أكثر الصحابة. واختلافهم في الفتيا والاقتتال وسفك الدماء كاختلافهم في تقديم بيعة علي على النظر في قتَلة عثمان (الفصل، ج٤، ص٢٣-٢٤).
١٩  أصحاب أبي شمر يُكفرون من رد قولهم في القدر والتوحيد والشاكَّ في الشاك (مقالات، ج١، ص٢١٣، ص٢٠٧). تحامل كل فريق على فريق وكفَّره. كل من يُكفرنا نُكفره (المواقف، ص٣٩٢–٣٩٥). وكفرت المعتزلة في أمور: نفي الصفات، إنكار إيجاد فعل الله لفعل العبد، خلق القرآن، إنكار ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، المعدوم شيء، إنكارهم الرؤية. وتكفير المعتزلة الأصحاب في: إنكار كون العبد فاعلًا، نسبة فعل العبد إلى الله، إثبات الصفات، قِدم القرآن. تكفير المُجسمة في عدة أشياء منها: التجسيم، عبادة غير الله، تأليه المسيح عيسى بن مريم. وتكفير الخوارج والروافض في عدة أمور منها: القدح في أكابر الصحابة، تكفيرهم وتكفير الكل (المواقف، ص٣٩٢–٣٩٥).
٢٠  التكفير حكمٌ شرعي، والتصويب حكمٌ عقلي؛ فمن مُبالِغ مُتعصب لمذهب وضلَّل مُخالفه، ومن مُتساهلٍ مُتألف لم يُكفر. ومن كفَّر قرن مذهبه ومقاله بمقالة واحد من أهل الأهواء والمِلل كتقرين القدرية بالمجوس، وتقرين المُشبهة باليهود، والرافضة بالنصارى. ومن تساهل ولم يُكفر قضى بالتضليل، وحكم بأنهم هلكى في الآخرة. واختلفوا في اللعن على حساب اختلافهم (المِلل، ج٢، ص١٦٧). وعند جمهور الإباضية مُخالفوهم في الصلاة كفار وليسوا مشركين، حلالٌ نكاحهم ومواريثهم، وحلالٌ غنيمة أموالهم، وأسلحتهم حرام. حرامٌ قتلهم وسَبْيهم في الأسْر إلا من دعا إلى شرك في دار التقية ودان به. دار مُخالفيهم دار توحيد إلا عسكر السلطان، فإنه دار كفر. أجازوا شهادة مُخالفيهم على أوليائهم. حرَّموا الاستعراض إذ أخرجوا، وحرَّموا دماء مُخالفيهم حتى يدعوهم إلى دينهم. برئت الخوارج منهم وقالوا: كل طاعة إيمان ودين، وإن مُرتكبي الكبائر موحِّدون وليسوا بمؤمنين (مقالات، ج١، ص١٧١-١٧٢؛ انظر أيضًا الخاتمة: من الفِرقة المذهبية إلى الوحدة الوطنية).
٢١  الكفر لغةً الستر (الأصول، ص٢٤٨؛ مقالات، ج١، ص٢٠٥؛ الفصل، ج٣، ص١٥٣-١٥٤). وعند ابن الراوندي، الكفر هو الإنكار والستر والتغطية، وكذلك عند أتباع بشر المريسي (الفرق، ص٢٠٤-٢٠٥).
٢٢  من قتل نبيًّا أو لطمه كفر، لا من أجل القتل واللطم، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض (المِلل، ج٢، ص٦٤-٦٥). وقد عرف أبو جهل ومن معه مراد النبي؛ إذ قال للرجل قل لا إله إلا الله، ولكنه لم يصدق (الكتاب، ص٤٢). فالإيمان معرفة وتصديق ومحبة وإخلاص وإقرار بما جاء به الرسول، والكفر عدم تصديق الرسول، وليس ارتكاب المعاصي (المواقف، ص٣٨٨). وعند أهل السنة، أصل الإيمان المعرفة والتصديق بالقلب (الإنصاف، ص٣٥١-٣٥٢). من الكفار من كان يعرف الحق يقينًا، وكان إنكاره عنادًا واستكبارًا (شرح الدواني، ص٢٨٥-٢٨٦).
٢٣  الحقيقة أن هناك حيرة وترددًا في بنية هذا الفصل كانت سببًا في وقوعه في بعض التعسف أحيانًا والتَّكرار أحيانًا أخرى؛ هل تُعرَض أبعاد الشعور الأربعة المعرفة والتصديق والإقرار والعمل، أم الثلاثة فقط بعد ضم المعرفة والتصديق على أساس أنهما البُعد الداخلي، والإبقاء على الإقرار والعمل على أساس أنهما البُعدان الخارجيان؟ هل يُعرَض كلٌّ بعد أولًا، المعرفة ثم التصديق ثم الإقرار ثم العمل؛ ثم تُعرَض العلاقات الثنائية ثانيًا، المعرفة والتصديق، المعرفة والقول؛ ثم تُعرَض العلاقات الثلاثية ثالثًا، مثل المعرفة والتصديق والإقرار، المعرفة والتصديق والعمل، المعرفة والإقرار والعمل، وأخيرًا التصديق والإقرار والعمل؛ ثم تُعرَض العلاقة الرباعية أخيرًا، وهي العلاقة الكاملة، المعرفة والتصديق والإقرار والعمل؟ وعيب هذا الاختيار هو تكرار بعض العلاقات الثنائية، مثل المعرفة والتصديق، والتصديق والمعرفة؛ المعرفة والإقرار، والإقرار والمعرفة؛ المعرفة والعمل، والعمل والمعرفة؛ التصديق والإقرار، والإقرار والتصديق؛ التصديق والعمل، والعمل والتصديق؛ الإقرار والعمل، والعمل والإقرار. ولكن حرصًا على البنية النظرية للفصل آثرنا الإبقاء عليه حتى ولو كان هناك بعض التكرار. والصعوبة الثانية تتعلق بالفِرق المُمثلة لكل اختيار؛ إذ يصعب إيجاد فرقة لكلٍّ منها. تتداخل الفِرق وتوجد في أكثر من اختيار. ومع ذلك وحرصًا على البنية النظرية للفصل يمكن رؤية الفِرق الرئيسية في الاختيارات الأساسية، خاصةً في العلاقات الثلاثية التي تستبعد العمل مثل المرجئة، أو التي تستبقيه مثل المعتزلة والخوارج؛ لذلك لا تتساوى العلاقات؛ فبينما تكثُر الأمثلة في علاقاتٍ معيَّنة خاصةً الثلاثية قد تقلُّ جدًّا في علاقةٍ أخرى خاصةً الثنائية، مثل المعرفة والعمل.
٢٤  هذا هو موقف غلاة الرافضة التي كانت تزعم أن المعرفة إذا حصلت لم يبقَ شيء من الطاعات واجبًا (اعتقادات، ص٥٩). وهو أيضًا موقف الباطنية بقولها إن من عرف معنى العبادة أسقط عنه فرفضها (الفرق، ص٢٩٦). وعند بعض أهل السنة، الإيمان لا يزول بذنب دون الكفر، ويكون مؤمنًا وإن فسق بمعصية (الإنصاف، ص٣٥١-٣٥٢). في حين أن الإيمان مقرون بالعمل الصالح، ورفعه هو لَبْسه بالظلم (المواقف، ص٣٨٥). وقد كان عمق علم الصحابة لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بالعمل وحرصهم على الخير. ويتَّضح ذلك أيضًا في الآيات المشهورة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وقد ذُكر لفظ الإيمان في القرآن حوالَي ٥٣٧ مرة، في حين ذُكر لفظ العمل حوالَي ٣٦٠.
٢٥  عند البهيسية الخوارج، الإيمان هو العلم بالقلب دون القول والعمل (المِلل، ج٢، ص٤٠).
٢٦  هذا هو المشهور عند أبي حنيفة؛ فالإيمان هو المعرفة والإقرار بالله وبرسله وبما جاء من عند الله ورسله في الجملة دون التفصيل (الفرق، ص٢٣). وهو بهذا المعنى أحد فِرق المرجئة؛ فالإيمان معرفة باللسان، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفصيل (مقالات، ج١، ص٢٠٢–٢٠٤). إن الله بعث محمدًا رسولًا، ولا يدري لعله هذا الزنجي (شرح الفقه، ص٦٤؛ الأصول، ص٢٤٩). وعند الغسانية أصحاب غسان الكوفي، الإيمان هو المعرفة بالله ورسوله، والإقرار بما أنزل الله ممَّا جاء به الرسول في الجملة دون التفصيل. لو قال قائلٌ أعلم أن الله قد حرَّم أكل الخنزير، ولا أدري هل الخنزير الذي حرَّمه هذه الشاة أم غيرها، كان مؤمنًا. ولو قال أعلم أن الله قد فرض الحج إلى الكعبة، غير أني لا أدري أين الكعبة، ولعلها بالهند، كان مؤمنًا (المِلل، ج٢، ص٦١). وعند أبي شمر (رواية محمد بن شبيب وعباد بن سليمان)، الإيمان هو المعرفة بالله، وإقرار بما جاء من عنده، ومعرفة العدل، أي القدر والتوحيد. لا تكون المعرفة إيمانًا ما لم تضم الإقرار (مقالات، ج١، ص١٩٩). الشاكُّ في ذلك كافر، والشاكُّ في الشاك كافر أبدًا. ويقول أبو شمر: لا أقول في الفاسق المِلِّي فاسق مطلَقًا دون أن أقيِّد فأقول فاسق في كذا (مقالات، ج١، ص١٩٨-١٩٩). وعند محمد بن شبيب، الإيمان هو الإقرار بالله، والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء، والإقرار والمعرفة بأنبياء الله ورسله، وبما جاءت به من عند الله دون خلاف. الإيمان إقرار بالله، ومعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء (مقالات، ج١، ص٢٠١-٢٠٢؛ الفرق، ٢٠٦-٢٠٧). وعنده أن الخضوع لله هو ترك الاستكبار، وأن إبليس قد عرف الله وأقرَّ به، وإنما كان كافرًا لأنه استكبر، ولولا استكباره ما كان كافرًا (مقالات، ج١، ص٢٠١). وعند الثوبانية المرجئة أتباع أبي ثوبان، الإيمان هو الإقرار والمعرفة بالله وبرسله وبكل ما يجب في العقل. وما جاز في العقل ألا يفعل فليست المعرفة به من الإيمان. وفارقوا اليونسية والغسانية بإيجابهم في العقل شيئًا قبل ورود الشرع بوجوبه (الفِرق، ص٢٠٤؛ المواقف، ص٤٢٧-٤٢٨). وعند النجارية (المرجئة)، الإيمان معرفة بالله وبرسله وفرائض المجتمع عليها، والخضوع له بجميع ذلك، والإقرار باللسان (الفرق، ص٢٠٨). المعرفة ثلاثة أشياء؛ معرفة وإقرار وخضوع (الأصول، ص٢٤٩). أما الغيلانية فالإيمان هو المعرفة الثانية بالله والمحبة والخضوع والإقرار؛ وذلك لأن المعرفة الأولى اضطرار، وليست في الإيمان، بينما الثانية نظر واستدلال، وهو جمع بين القدر والإرجاء؛ لذلك كانت الفرقة بين المرجئة والمعتزلة (مقالات، ج١، ص١٩٩-٢٠٠؛ الفرق، ص٢٠٦؛ المِلل، ج٢، ص٦٧-٦٨). عند أصحاب يونس وأتباعه من اليونسية، الإيمان معرفة بالله، وخشوع له، ومحبة بالقلب، والإقرار بأنه واحد ليس كمثله شيءٌ ما لم تقم عليه حجة الأنبياء؛ فإن قامت فالإيمان والتصديق لهم والمعرفة بما جاء من عند الله غير داخل في الإيمان (مقالات، ج١، ص١٩٨، ١٩٩). ويُشارك أبو حنيفة في هذا أيضًا في أحد أقواله، وهو أن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان؛ فإذا عرف المرء الدين بقلبه وأقرَّه بلسانه فهو مسلمٌ كامل الإيمان، وأن الأعمال لا تُسمَّى إيمانًا، كلها شرائع الإيمان (الفصل، ج٣، ص١٣٧-١٣٨؛ شرح الفقه، ص٦٤-٦٥). وهو أيضًا رأي الفضل الرقاشي والعقابي وأخيه وصالح قبة (المِلل، ج٢، ص٦٢). وعند الأشعري وأصحابه، الإيمان له في أفعاله، وأن محمدًا أرسله بالهدى، وإن طرأ عليه تغيُّر حُكِم عليه بالكفر، وإن اعتقد مذهبًا مُخالفًا يُحكَم عليه بالضلالة والبدعة (النهاية، ص٤٧٢-٤٧٣). وعند أبي بهيس من الخوارج، الإيمان هو الإقرار والعلم، وليس هو أحد الأمرين دون الآخر (المِلل، ج٢، ص٣٩-٤٠). لا يُسلِم أحد حتى يُقرَّ بمعرفة الله ورسوله وما جاء به، والولاية لأولياء الله، والبراءة من أعداء الله وما حرَّم الله مما جاء فيه الوعيد؛ فلا يسع الإنسانَ إلا معرفته بعينه وتفسيره. ومنها ما ينبغي معرفته باسمه ولا يُبالي ألا يعرف تفسيره وعينه حتى يُبتلى به، وعليه أن يقف عندما لا يعلم، ولا يأتي شيئًا إلا بعلم (مقالات، ج١، ص١٧٨؛ المِلل، ج٢، ص٣٩-٤٠). وقد يلزم الذهاب إلى الإمام لمعرفة الحلال والحرام، لا حرام إلا ما في قوله: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا … (المواقف، ص٤٢٤). وهو أيضًا موقف النجدات الخوارج؛ فقد عززت بالجهالات لأن الدين أمران؛ معرفة الله ومعرفة رسله، وتحريم دماء المسلمين وأموالهم، وتحريم الغصب، والإقرار بما جاء من عند الله؛ فهذا واجب، وما سوى ذلك فالناس معذورون بجهالته حتى تقوم عليهم الحجة في جميع الحلال؛ فمن استحلَّ شيئًا عن طريق الاجتهاد مما لعله محرَّم فمعذور، ومن خاف العذاب على المجتهد في الأحكام المُخطئ قبل أن تقوم عليه الحجج فهو كافر (مقالات، ج١، ص١٦٣؛ الفرق، ص١٦٩؛ المِلل، ج٢، ص٣٥-٣٦). وعند جمهور الروافض، الإيمان هو الإقرار بالله وبرسوله وبالإمام وبجميع ما جاء عندهم؛ فأما المعرفة بذلك فضرورة؛ فإذا أقرَّ وعرف فهو مؤمنٌ مسلم، وإذا أقرَّ ولم يعرف فهو مسلم وليس بمؤمن (مقالات، ج١، ص١١٩-١٢٠). وعند الزيدية الشيعة، الإيمان معرفة وإقرار، واجتناب ما جاء فيه الوعيد وموافقة ما جاء فيه الوعد كفر ليس بشرك ولا جحود، بل كفر نعمة. والمُتأولون عُصاةٌ فسَقة (مقالات، ج١، ص١٤٠).
٢٧  أحيانًا يكون الاختيار نظريًّا صرفًا، ولا توجد له فِرقة تُمثله، ولكن حتمًا هناك قول لفِرقةٍ ضاع أثرها تُمثل هذا الاختيار في الماضي، أو هي فرقةٌ آتية في المستقبل.
٢٨  عند عبد الله بن سعيد، الإيمان هو الإقرار بالله وبكتبه ورسله إذا كان ذلك عن معرفة وتصديق بالقلب؛ فإن خلا الإقرار عن المعرفة بصحته لم يكن إيمانًا (الأصول، ص٢٤٩). وعند بعض القدماء، الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار بها (الإرشاد، ص٣٩٦). وعند جمهور أهل السنة، الشهادة هي الركن الأول من أركان الإسلام. الشهادة وشروطها معرفة صحتها وتصديق القلب لها؛ وبالتالي لا يُطلِقها المنافق لأنه قول بلا تصديق، ولا ينجو من العقاب في الآخرة (الأصول، ص١٨٨-١٨٩).
٢٩  هذه هي اعتراضات المرجئة على إدخال العمل كجزء من الإيمان مع المعرفة والتصديق والإقرار، واعتراضات ابن حزم عليها وتفنيدها، وهي حججٌ اثنتا عشرة. وحجة الشعر هي بيت الأخطل:
إنَّ الكَلامَ لَفِي الفؤادِ وإنما
جُعل اللسانُ على الفؤاد دليلا
والأخطل في رأي ابن حزم نصراني، وحجته لغوية وليست شرعية (الفصل، ج٣، ص١٥٤–١٥٦). في حين أن حجة القرآن عملية: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٦: ٢٢٤–٢٢٦).
٣٠  بالرغم من أهمية هذا الاختيار، سواء فيما يُطابق نشأة الحركات السِّرية قديمًا أو كثرة الكلام حديثًا، إلا أنه ليست له فِرق تُمثله. إنما تنعى الحركات الإصلاحية الحديثة كثرة الكلام وقلة العمل.
٣١  هذا هو أيضًا موقف أصحاب الحديث؛ فالإيمان معرفة بالجَنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان (الإرشاد، ص٣٩٦). وعند سائر الفقهاء والشيعة وجميع الخوارج، الإيمان معرفة بالقلب والدين، والإقرار به باللسان، والعمل بالجوارح (الفصل، ج٣، ص١٣٨). الإيمان عقد وقول وعمل (الفصل، ج٣، ص١٤٠). وهو أيضًا موقف إحدى فِرق المرجئة؛ فالإيمان لديها معرفة بالله وبرسله وفرائضه للمجتمع عليها، والخضوع له بجميع ذلك، والإقرار باللسان. فمن جهل شيئًا من ذلك وقامت عليه حجة، أو عرفه ولم يُقر به، كفر. وهو أيضًا موقف بعض الروافض الذين يجعلون الإيمان معرفةً وإقرارًا وطاعةً، وهو الإيمان الكامل لديهم؛ فإذا خرج العمل عن الدائرة فهو الفسوق. وقد اختلفت الروافض في الإيمان ما هو وفي الأسماء على ثلاث فِرق؛ منها أصحاب علي بن متيم، الإيمان لديه اسم المعرفة والإقرار ولسائر الطاعات؛ فمن جاء بذلك كان مُستكمل الإيمان، ومن ترك شيئًا مما افتُرض عليه غيرَ جاهل له فليس بمؤمن، ولكن يُسمَّى فاسقًا، وهو من أهل الملة، تحلُّ مناكحته وموارثته. ولا يُكفرون المُتأولين (مقالات، ج١، ص١٢٠). واختلفت الزيدية في الإيمان والكفر فِرقتين: (أ) الإيمان هو المعرفة والإقرار واجتناب ما جاء فيه الوعيد، وجعلوا موافقة ما فيه الوعيد كفرًا ليس بشرك ولا جحود، بل هو كفر نعمة، وكذلك قولهم في المُتأولين إذا قالوا قولًا هو عصيان وفسق. (ب) الإيمان جميع الطاعات، وليس ارتكاب كل ما جاء في الوعيد كفرًا (المتأخرون منهم) (مقالات، ج١، ص٤٠).
٣٢  الإيمان فعل القلب والجوارح؛ فهو إما فعل القلب فقط، وهو المعرفة أو التصديق؛ وإما فعل الجوارح فقط، وهو إما اللسان وهو الكلمتان، أو غيره وهو العمل بالطاعات، وإما فعل القلب والجوارح معًا، والجارحة إما اللسان أو سائر الجوارح (المواقف، ص٣٨٥). الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (هناك كتابٌ مفرد في الإيمان) (الأصول، ص٢٥٠-٢٥١). وعند معاذ التومني، الإيمان هو المعرفة والتصديق والمحبة والإخلاص والإقرار بما جاء به الرسول (المِلل، ج٢، ص٦٥).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١