ثانيًا: وجوب الإمامة

هل الإمامة واجبة، أي ضرورية، لا يرسل الله وحيًا إلا ذكرها، ولا تقوم حياة الناس إلا بها، أم أنها غير ضرورية يصلح حال الناس دونها؟ وهو موضوعٌ نظري صرف كما هو الحال في النبوة، إثبات وجوبها أو استحالتها أو إمكانها.١ وهناك احتمالاتٌ عدة؛ ألا تكون الإمامة واجبة أصلًا؛ إما لعدم حاجة الناس إليها والاستغناء بفطرتهم عنها، أو لأنها تُثير الفتنة والشقاق، أو لأنه يصعب تحقيق شروطها. وقد تكون واجبة على الله قبل وجوبها على العباد؛ لأنه لطيف بهم يرعى الصلاح ويبغي الأصلح. وقد تكون واجبة على العباد إما سمعًا أو عقلًا. وهو سؤالٌ عام في الفلسفة السياسية عن ضرورة السلطة في المجتمع.٢

(١) هل الإمامة غير واجبة أصلًا؟

قد تكون الإمامة غير واجبة أصلًا، لا على الله ولا على العباد، لا سمعًا ولا عقلًا، لا نظرًا ولا عملًا. وقد يُصاغ السؤال بطريقةٍ أخرى، فيكون: هل يجوز أن تخلو الأرض من إمام؟ فإذا كان السؤال الأول يتوجه نحو النظر والمبدأ، فإن السؤال الثاني يتوجه نحو الواقع والمشاهدة واستقراء التاريخ؛ فإذا تطابق الرأيان تصبح الإمامة غير واجبة أصلًا بحجة العقل وحجة الواقع.

ويُرفَض الوجوب النظري بعلَّتَين مُتضادتين؛ الأولى: أن الناس وقت السلم أخيار، وليسوا في حاجة إلى إمام. والثانية: أن الناس في وقت الفتنة يمتنع عليهم وجود الإمام. وهما حجتان مُتعارضتان مُتقابلتان لنفي وجوب الإمامة وإثبات استحالتها. حجةٌ مثال، وحجةٌ واقع. الأولى ترسم صورةً مثالية للعالم؛ ومن ثَم فلا حاجة إلى إمام، الثانية ترسم صورةً سوداوية للعالم؛ وبالتالي فتركُ الإمامة أفضل. تُبين الحجة الأولى أن الناس لو كفُّوا عن التظالم لاستغنَوا عن الإمام، فالناس أخيار بالطبع، يكفي اتِّباع الفطرة والعقد الاجتماعي الطبيعي دونما حاجة إلى سلطة تأخذ بزمامهم، وتُوجههم نحو الخير. الإنسان سيد نفسه، والجماعة ترعى مصالحها، والسلطة شر ومفسدة لا حاجة للناس بها.٣ والحقيقة أنه لا يمكن رد هذه الحجة بالحجة العكسية، وهو تصور الناس أشرارًا يأكل بعضهم بعضًا؛ وبالتالي لا بد من إمامٍ يحفظ أموال اليتامى وتوجيه السرايا والذب عن البيضة وتنفيذ الحدود، وكأن مصالح الناس تظل معطَّلة دون إمام، وكأن الناس بطباعهم ليست لهم أخلاقٌ اجتماعية يحفظون بها الحقوق ويُدافعون بها عن النفس؛ وبالتالي إنكار الحق الطبيعي، مثل حق الآخر، وحقوق الدفاع عن النفس.٤ وتُبين الحجة الثانية أن الأمة إذا اجتمعت كلمتها على الحق احتاجت حينئذٍ إلى الإمام. أما إذا عصت وفجرت وقتلت الإمام لم يجب على أهل الحق منهم إقامة إمام؛ فالشعب الغاضب الرافض هنا أقوى من الإمام، والإمام أضعف منه، والسلطة لا تقوى على تثبيت نفسها. ولما كانت السلطة تعبيرًا عن الشعب، والشعب رافض لها، فإن أية محاولة لتثبيت سلطة شعب رافض لها ستكون بالضرورة سلطةً قاهرة لا تُعبر عنه.٥ ويمكن الرد على هذه الحجة بأن الناس أحوج إلى الإمام في عصر الفتنة منهم في حال الاطمئنان واستتباب الأمن، وقد يكون تنصيب الإمام وقت الفتنة أدعى إلى القضاء عليها، ولكن يظل وكأنه أمير يُطيعه الناس خوفًا منه، ولكن الرد الأكثر إقناعًا هو أن هذا الرأي إنما هو تبرير لواقعٍ سياسي معيَّن من أجل غاية سياسية معيَّنة، وهو رفض إمامة الإمام الشرعي الذي بُويع في عصر الفتنة.٦ وقد تُنكَر الإمامة أصلًا بلا علة، سواء في حال السلامة أو في حال الفتنة.٧ أما القول بجواز أن تخلو الأرض من إمام حتى يُعقَد لواحد، وبالتالي فهي غير واجبة، وهي الصيغة الثانية من السؤال التي تعتمد على حجة الواقع، فإنه يمكن الرد عليها بحجة من نوعها، وهي أن الزمان لا يخلو من إمام، ليس بمعنى أنه لا بد من إمام ضرورةً يتصرف في أمور الناس، بل بمعنى أنه لا يجوز خلو الزمان ممن يصلح للإمامة؛ لأنها قضيةٌ مصلحية.٨
وقد تُعاد الحجتان المُتضادتان نفساهما بطريقةٍ أخرى. الأولى أن الناس لا يحتاجون لإمام لأنهم يعلمون كتاب الله فيما بينهم، يكفي أن يتناصحوا فيما بينهم، فإن رأوا إقامة إمام بينهم فعلوا، ولكن إقامته ليست ضرورية أصلًا. يكفي أن يتعاطى الناس بالحق ويتواصوا به دون أن تكون الإمامة واجبة شرعًا تستحق الأمة اللوم والعقاب في حال الامتناع عن القيام بها. وكل إنسان مثل غيره في التقوى والصلاح، فكيف يُنصَب إنسانٌ آخر إمامًا عليه وهو مثله ومُساوٍ له؟ في طباع الإنسان وأديانه وشرائعه ما يُغْني عن الإمام. وطالما انتظمت حياة البدو والعربان في البوادي بلا سلطان.٩ والحقيقة أن السلطة تنشأ في المجتمع طالما أن هناك أكثر من اثنين، «لو كنتم ثلاثة فأمِّروا عليكم واحدًا». ولا يكفي التناصف؛ إذ ينشأ النزاع ويبرز الخلاف، وهو طبيعي. ينشأ النزاع من الإرادات، فتظهر الحاجة إلى التنسيق والتوفيق بين المصالح المتعارضة، مثل الأسرة والمجتمع والسياسة الدولية. هي حالةٌ افتراضية صرفة تبدأ بالشرط المستحيل «لو» تناصفوا، وهو ما لا يحدث نظرًا؛ لأن الإنسان مجموعة من الأهواء والمصالح يعيش في طبقاتٍ اجتماعية مُتباينة، حتى الصحابة والتابعين بالرغم من إخلاصهم وتقواهم نشب بينهم خلاف، ولم يمنعهم تناصحهم وتناصفهم من الوقوع في الفتنة وإراقة الدماء. وإن وجود مساواة بين الناس في الفضل والحكمة لا يمنع من الإمارة، ثم الإمارة لا تعني الرفعة والسمو للبعض والطاعة والمذلَّة من البعض الآخر، بل تعني مجرد التوحيد بين المصالح التي قد تتعارض. والمحكوم حاكم بالرقابة. وهناك شرعٌ مستقل عن كليهما وهو الحاكم الفعلي. كما لا يعني الوجوب الشرعي استحقاق الثواب على الفعل والعقاب على الترك، بل الوجوب المصلحي العملي، حيث لا تستقيم الحياة بدونه. وإن وجود العربان وأهل البوادي بلا سلطان يعني أن حياتهم بدائية، وأن مظاهر إنتاجهم بسيطة، وليست الحياة المدنية المركَّبة، حيث الصناعة والتجارة وأنماط الإنتاج المُتشابكة التي تستدعي سلطةً وتنظيمًا وإدارة وإمارة. ليس الرد على هذه الحجة هو ضرورة وجود إمام مهمتُه تخويف الناس والتشدد عليهم، ولو باستعمال السيف، فذاك هو الإمام القاهر، ودرء شر بشرٍّ أعظم، ولكن بضرورة نشأة السلطة نشأةً طبيعية تحقيقًا لمصالح الجماعة عن طيب خاطر بناءً على عقدٍ اجتماعي شفاهي أو مكتوب. فهذا العقد تعبير عن الحرية الطبيعية، وليس سلبًا لها بالقهر. لا يكون إثبات الإمامة بالتخويف وحمل الناس حملًا عليها، فذلكم هم العبيد. وقد يكون الراد على عمر وهو يخطب أكثر سلطة من عمر نفسه كحاكم وكإمام من فوق المنبر.
والحجة الثانية أنه حتى في حالة الحاجة إلى إمام فإنه يصعب تنصيبه؛ لأن ذلك يُثير الفتنة نظرًا لاختلاف الأهواء، كل قوم يريدون الإمام منهم، فيقع التشاجر والتناحر، والتجربة خير شاهد على ذلك. كما يتعذر الوصول إلى آحاد الرعية لتنصيبه إمامًا عليها يُسير كل ما يعني لهم من شئون حياتهم. كما أن للإمامة شروطًا قلَّما توجد في كل عصر؛ فإن أقاموا من لم يتَّصف بها فقد أخلُّوا بالواجب، وإن لم يقوموا أحدًا فقد تخلَّوا عن الواجب؛ وبالتالي يرتكبون الذنب مرتين.١٠ والحقيقة أن تنصيب إمام لا يثير بغضًا ولا كراهيةً ولا تسابقًا على الإمامة. فإذا ما تسابق إمام عليها فإن ذلك يُسقط شرط إمامته؛ لأنه لا يمكن تولية هذا الأمر من يطلبه، ولا بد فيه من بيعة الآخرين له دون أن يطلبها هو لنفسه حياءً واستحياءً. ومن يبغي تحمُّل مسئولية أمة، يُعذَّب على كل محتاج ومظلوم؟ وإن صعوبة شروط الإمام لا تعني عدم وجوده بالفعل، بل تُطبَّق الشروط على مستوى الممكن والواقع، وليس على مستوى المستحيل والمثال. لا توجد استحالة في اختيار الإمام نظرًا لصعوبة تنفيذ الشروط؛ إذ يجتاز الأفضل فالأقل فضلًا. هناك أولويات في الشروط؛ الأعلم فالأروع فالأسن، ويمكن للأعدل وللأقوى.١١ ويبدو أن هذا الموقف بحجتَيه إنما هو رد فِعل على تشاحن الناس على الإمامة مما أدَّى إلى تركها، وتضارب الأهواء والمصالح حولها؛ الأمر الذي أدَّى إلى تنابذها. وقد أدَّى ذلك إلى تصور حالة طوباوية مُعاكسة، حيث يعيش الناس في جو من الأمن والسلام دون مشاحنة أو تقاتل حيث لا حاجة بهم إلى إمام. وعادةً ما يتم ذلك من إحدى فِرق المعارضة العلنية في الخارج التي ترفض إمام العصر، زمانه ومكانه، وتعيش في الفلاة حياةً طوباوية بلا إمام أو إمامة؛ فهم بهذا المعنى «خوارج» على الإمام وعلى مجتمع المدنية.
وقد يأتي إنكار وجوب الإمامة أصلًا من استحالة ثبوتها، سواء عن طريق النص أو عن طريق الاختيار، وليس فقط لعدم الحاجة إليها، أو عدم الانتفاع بها، أو وقوع المضرة بسببها، أو صعوبة تحقيق شروطها. فإذا كانت تثبت بالنص فإنه لا نص على أحد، وإن ثبتت بالاختيار من المجتهدين، والاختيار إجماع لا خلاف عليه، وهو ما لا يتصوره عقل أو واقع. لا يمكن تصوُّره عقلًا لأن الاختيار مبني على الاجتهاد، والاجتهاد على قدرات كل إنسان في إدراك الوجوه العقلية والسمعية. ولما كانت الطباع مختلفة تختلف الأحكام ضرورةً. وقد كانت الخلافة أحقَّ الأحكام بالاتفاق عليها، وأولى الأزمان هو الزمن الأول، وأولى الأشخاص بالصدق والإخلاص والصحابة، وأخصُّهم بالأمانة ونفي الخيانة المهاجرون والأنصار، وأقربهم إلى الرسول الشيخان، ومع ذلك وقع الخلاف. فإن لم يُتصوَّر إجماع الأمة في أهم الأمور وأولاها بالاعتبار دلَّ ذلك على أن الإجماع لن يتحقق قط، وليس دليلًا في الشرع.١٢ ويمكن الرد على ذلك بأن الخلاف في الإجماع جائز، وأن ذلك لا يطعن في حجته، فلا عصمة لأحد. يجوز الخطأ فيه والرجوع عنه، والشواهد كثيرة. وقد يكون الطعن في الإجماع سببه سياسيٌّ خالص لأن الأمة لم تجتمع على الإمام الشرعي بعد الإمام المقتول. لقد تم إدراك كثير من واجبات الشرع بالإجماع؛ فالإجماع دليلٌ شرعي، قد يقع عن نص، وقد يقع عن اجتهاد، ويتطلب اجتماع شخصين أو ثلاثة على رأي. وقد وقع ذلك في الصدر الأول، وله قرائن تدل عليه مثل النص أو التواتر أو القرينة اللفظية أو الفعلية. وكل حد للإجماع السابق له ما يُبرره، مثل غياب البعض وانشغال البعض الآخر. وقد يقع الخطأ في الإجماع عن اجتهاد ثم يُعاد تصحيحه بإجماع الآخر. وفي هذه الحالة لا يكون الإجماع الأول خطأً، والثاني صحيحًا، بل كلاهما صحيح طبقًا لتغير الظروف والأحوال.١٣ وقد يُقال إن الاختيار مُتناقض لوجهين؛ الأول: أن صاحب الاختيار ينصب الإمام ويُبايعه حتى يصير إمامًا، ثم تجب عليه طاعته بعد ذلك إذا بايع الناس الإمام، فكيف بالذي نصب الإمام يقوم بطاعته؟ والثاني: أنه يجوز أن يُخالف أحد المجتهدين الإمام في المسائل الاجتهادية، فكيف تجوز طاعة الإمامة والخلاف بينه وبين أحد الأئمة موجود؟١٤ والحقيقة أن الطاعة ليست للإمام بل للشريعة. وكما أن من نصب الإمام من حقه طاعته، فمن واجبه خلعه إذا ما تقاعس الإمام عن تنفيذ الشرع أو صالح الأعداء. إن الإمامة وظيفة وليست منصبًا. الشخص غير مهم، إنما المهم هو أداء الوظيفة، والقيِّم عليها هو جمهور الأمة الممثَّلة في أئمة المجتهدين وعلمائهم وورثة الأنبياء. وأن يُنصب الإمام من الناس خير من أن يطلب الإمامة لنفسه. وإن تنصيب واحد للإمامة إنما هو بداية البيعة، بعدها تتم البيعة من أهل الحل والعقد له؛ فالطاعة للناس بعد البيعة وليس لواحد بفعل التنصيب. كما أن الخلاف في المسائل الاجتهادية بين الأئمة والمجتهدين والإمام لا يمنع من الطاعة، فالأمر شورى بينهم. وإن الاتفاق على موضوع الاختلاف بالأغلبية يوجب الطاعة والنزول على رأي الجماعة. والخلاف النظري شيء، والخلاف العملي شيءٌ آخر. الأول جائز، والثاني لا يؤثر في وحدة العمل. وإن تعدُّد الأُطر النظرية ممكن، في حين أن وحدة العمل والممارسة ضرورية. وتظل مسئولية أخذ القرار للإمام، أي للسلطة الشرعية، وحق العلماء النصيحة والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد قيل: إذا جار الإمام وجبت مُنابذته وخلعه، فإن لم ينخلع قُتل طوعًا، وإن حدث شك قبل التحكيم في إمامته فقد يُقتل؛ وبالتالي فالإمامة في كلتا الحالتين تؤدي إلى القتل.١٥ والحقيقة أن حجة التاريخ والأحداث على الإمامة في عصرٍ كانت الدماء فيه تسيل، والرقاب فيه تتطاير، ولم يعد أحدٌ يعرف الحق من الباطل. ومع ذلك فالخلع لا يؤدي بالضرورة إلى القتل، والتحكيم مصالحةٌ يصعب رفضها، والاستثناء لا يكون قاعدة، كما أن الحجة العملية لا تكون حجة نظرية، والواقع لا يتحول إلى فكر. وكثيرًا ما خُلع الحكام ووقع التحكيم وحدثت المصالحة في جوٍّ مشحون بالانفعالات والصراع على السلطة. ومع ذلك تظل حجج نفي الإمامة أصلًا قويًّا، سواء من حيث النظر أو العمل. ولكن ما العمل؟ وما البديل؟ هل يُترَك الناس بلا سلطة والسلطة تنشأ طبيعيًّا في الجماعة؟ هل البديل هو الخروج المستمر على الإمام وتكوين جماعات رفض منعزلة على أطراف الأمة، أو تكوين جماعات سرية في المركز، لها إمامٌ غائب يظهر في نهاية الزمان ليملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا؟

(٢) الإمامة واجبة

الإمامة إذن واجبة وضرورية لتنفيذ الأحكام وإقامة الشرائع وتطبيق الحدود. فهذه لا بد لها من سلطةٍ عامة معترَف بها من الجميع. وإذا كان دفع الضرر وجلب المصالح حقًّا طبيعيًّا وأصلًا عقليًّا، فإن الإمامة ما يندفع بها الضرر وما تُجلَب بها المصالح. ولكن لا يعني ذلك أن الإمام رئيسٌ قاهر يخاف الناس بطشه ويرجون ثوابه، رئيس قاهر ضابط، بل هو واحد من الأمة بايعته على تنفيذ الشرائع والأحكام، تُطيعه طالما التزم بعقده، وتخرج عليه إذا أخلَّ بالتزامات العقد بعد أن تنصحه وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر. وإن تصور علاقة الإمام بالأمة على أساس أنها علاقة قهر وبطش، أو خوف وطمع، قد تكون قائمة على تصورٍ آخر للعلاقة بين الله والإنسان على الأسس نفسها، قهر وبطش من طرف، وخوف وطمع من طرفٍ آخر.١٦

(٢-١) هل الإمامة واجبة على الله أم على العباد؟

ولكن على من تجب الإمامة، على الله أم على العباد؟ وإذا كانت واجبة على العباد، فهل هي واجبة سمعًا أم عقلًا؟١٧ وقد تبدأ القسمة بالوجوب السمعي أو العقلي. فإذا ثبت الوجوب العقلي تأتي القسمة الثانية إما على الله أم على العباد نظرًا لإثبات الواجبات العقلية، ولكن لما ثبتت الواجبات العقلية من قبلُ يمكن إذن البداية بقسمة الوجوب إلى «وجوب على الله» ووجوب على العباد. قد بلغ إثبات وجوب الإمامة حد فرض وجوبها عقلًا على الله؛ فالإمام هو الذي يُعرَف بالله، وهو الذي يدل عليه، كما يدل على معرفة سائر المطالب. وكأن العقل غير كافٍ في معرفة الله وإرشاد الناس إلى شئون الدنيا. كما أنها لطفٌ في الزجر عن المقبَّحات العقلية، وكأن الوازع الفردي لا يكفي في ذلك. الإمامة إذن واجبة على الله لسببين؛ لنقص في العقل، ونقص في الإرادة. فالإمام معرَّف بالله ومرشد للشريعة، يُعطي المعارف النظرية والتوجيهات العملية.١٨ ويكون للإمام وظيفةٌ ثالثة، وهي تعليم اللغات، والتفرقة بين الأغذية والسموم، وكأن الإنسان لا يستطيع أن يتكلم لغة أو أن يقتات إلا بوجود الإمام. واللغة هنا هي المعرفة، ليست بالضرورة لغة الكلام، بل قد تكون لغة الإنسان أو لغة الطير. والقوت لا يعني بالضرورة الطعام، بل يعني كل ما به قوام الحياة. الإمامة إذن ضرورية للحياة الروحية والبدنية؛ لذلك فهي واجبة على الله.١٩
فإذا كانت الإمامة واجبة على الله، فإن معرفتها واجبة في الدين عقلًا وشرعًا، وجوب النبوة عقلًا وسمعًا. الإمامة والنبوة كلاهما واجبة بالعقل والسمع. تجب الإمامة عقلًا نظرًا لاحتياج الناس إلى إمام تجب طاعته؛ يحفظ الأحكام، ويُنفذ الشرائع، ويحمل الناس على مراعاة أوامر الدين واجتناب نواهيه، ويُساعدهم في تبيين الحلال من الحرام. وإن احتياج الناس إلى استمرار الشرع ورعايته وبقائه قدر حاجتهم إلى بدايته وإعلانه ومعرفته، وكلاهما واجب ولطف. كما تجب الإمامة سمعًا لأمر الله الناس بطاعة أولي الأمر، وهم الأئمة الهداة.٢٠ ولكن أليس العقل كافيًا لمعرفة الدين والتمييز بين الحسن والقبيح؟ صحيحٌ أن الإمام له وظيفةٌ تنفيذية صرفة بتطبيق الأحكام وإقامة الحدود، ولكن الوجوب لا يأتي من شخص الإمام، بل من وظيفته. كما أن طاعة أولي الأمر غير معيَّنة بشخص الإمام، بل بسلطةٍ غير مشخَّصة هي القائمة بتطبيق الحدود وتنفيذ الأحكام، سلطة تنفيذية خالصة؛ لذلك تكون معرفة الأئمة واجبة بالضرورة، «ومن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية»، ومن مات ولم يكن في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية؛ لأنه لم يعرف الله ولا الشرائع، وجهل المعارف النظرية والتوجيهات العملية. ولا يسع جهل الأئمة لأن معارفهم ضرورية، وهي أولى من المعارف النظرية التي عند غيرهم، وقد يسع جهل الأئمة ويكون الإنسان حينئذٍ لا مؤمنًا ولا كافرًا. وقد تصل معرفة الإمام إلى حدٍّ لا يلتزم بعده بشريعة، ولا تجب عليه فريضة. وكأن معرفة الأئمة كافية بذاتها وليست وسيلة لتطبيق الشرائع، كما يقول الصوفية في حب الله.٢١ والحقيقة أن التطرف في إثبات ضرورة معرفة الإمام بعد إثبات وجوب الإمامة يصل إلى حد إسقاط التكاليف بعد أن كانت الإمامة وسيلة للقيام بها؛ وبالتالي يصبح من لا يعلم الإمام غير مكلَّف، لا تقوم عليه الحجة، ويكون معذورًا ما دامت العلة قائمة، وإلا يكون مكلَّفًا أو معاقَبًا. وإن عدم العلم به الآن مُزيح للتكليف الآن، وطالما غابت المعرفة زِيحت التكاليف إلى نهاية الزمان. وهل يجب العلم بإمامٍ واحد أم بالأئمة كلها نظرًا أم حسب حاجة المكلَّفين؟ وماذا عن الفترة التي لا توجد فيها إمامة أو نبوة، هل تُلغى التكاليف، وقد ثبت وجود فترة بين الرسل، وهذا يوجب الانقطاع وزوال الاتصال؟ وينقلب في النهاية الهدف من الإمامة بدل أن تكون إقامة الشرائع فإنها تنتهي إلى إسقاط التكاليف. قد يرجع ذلك كله إلى ضياع المعرفة، والخلط في التكاليف، واضطراب الناس أيام الفتنة حتى لم يعد يعرف أحد من الإمام وما وظيفته.

(٢-٢) وجوبها على العباد سمعًا

إن لم تكن الإمامة واجبة على الله لأنها أمرٌ مصلحي صرف، دفع ضرر وجلب نفع، ولأنه لا يجب على الله شيء، وهو المُوجِب لكل شيء، فإنها واجبة على العباد. وكأن ما لا يجب على الله يجب على العباد، وكأن الوضع الطبيعي هو التقابل بين الله والناس إلى حد التعارض والتضاد. وإذا كانت الإمامة واجبة على الله فإنها كذلك من أجل الناس رعاية لمصالحهم، فالوجوب على الله هو وجوب من أجل المصلحة.٢٢ وإذا كان وجوب الإمامة وجوبًا سمعيًّا شرعيًّا فلأنه وجوبٌ مصلحي، فالشرع إنما يهدف لرعاية المصلحة.٢٣ والوجوب السمعي إن كان مضادًّا للاوجوب إلا أنه لا يكون مضادًّا للوجوب العقلي؛ إذ يجمع بينهما الوجوب المصلحي؛ فالسمع معتمد على المصلحة، ولكن ما هي هذه المصلحة؟ هل هي إقامة الشعائر الفردية مثل الصلاة، أو الاحتفالات الاجتماعية مثل الاحتفال أيام الجمعة والأعياد أو زواج الأيامى وإقامة الحدود، أم هي وظيفة سياسية في أصلها؛ الدفاع عن الحدود، وإقامة العدل بين الناس (توزيع الفيء)، وتوجيه مظاهر النشاط الاقتصادي؟ ليست وظيفة الإمامة مجرد إقامة الحدود وإقامة الصلوات، بل إعطاء الحقوق والدفاع عن المظلومين ورد المُعتدين. لا تُطبَّق الحدود إلا إذا عاش الناس في حكمٍ إسلامي يأخذون حقوقهم قبل أن يُطالَبوا بواجباتهم. فإذا ما طبَّق الإمام الحد، وكان قد تم تنصيبه بيعةً واختيارًا، فإن هذا التطبيق يجد صدًى وقبولًا عند الناس، وليس كإمامٍ أتى وراثة أو انقلابًا أو بناءً على بيعةٍ صورية أو انتخابٍ مزوَّر. وإذا كانت حرمات المسلمين اليوم مُستباحة، وحدودهم مخترَقة، واستقلالهم ضائعًا، وأراضيهم محتلة، فإن واجب الإمام أكثر ما يتوجه إلى سد الثغور، وتجهيز الجيوش، والوقوف أمام قُطاع الطرق، والقضاء على المُرابين والسماسرة وتجار السوق السوداء والمُهربين، أكثر من التوجه نحو الاحتفالات والموالد وتزويج الصغار. وظيفة الإمام عمليةٌ صرفة، أي تنفيذيةٌ خالصة، وليست نظرية، أي تشريعية أو قضائية. ليست مهمة الإمام إعطاء معارف، بل تنفيذ شرائع، وتأسيس دولة، والدفاع عن الحكومة، والذب عن البيضة. فكيف بكل هذه الوظائف وتكون الإمامة فرعية لا أصلية، وليست جزءًا من العقيدة مع أنها التحام العقيدة بالشريعة، والنظر بالعمل، وتحقيق وحدة الأصول بشقَّيه، أصول الدين وأصول الفقه؟ وإذا كانت الإمامة بمثل هذه الأهمية فمعرفة الإمام واجبة، ومن لم يعرف إمام زمانه مات يهوديًّا أو نصرانيًّا، أي بلا أمة.٢٤ وبهذا لا تفترق السلطة عن المعارضة السياسية في ضرورة الإمام، الإمام القاهر، والإمام العادل، سواء من حيث الوجوب السمعي أو الوجوب المصلحي، فلا قوام للجماعة بدونه.٢٥ وقد يتركب دليلٌ شرعي يعتمد على الإجماع المتواتر أو تواتر الإجماع. وفي هذه الحالة تظهر الحجة المصلحية كما ظهرت في الدليل النصي، بل إن الحجة المصلحية تظهر كمقدمةٍ جزئية مع الإجماع المتواتر كمقدمةٍ قطعية. الأدلة السمعية إذن اثنان؛ الأول: تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأولى بعد وفاة النبي على امتناع خلو الوقت عن إمام، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى تنصيب إمام متَّبَع. ومستند الإجماع نقلٌ متواتر توفَّرت الدواعي والقرائن عليه.٢٦ ولكن الطعن في حجية الإجماع يهدم الدليل؛ وبالتالي تُهدَم الإمامة، فجائزٌ أن يحدث خطأ في الإجماع، وأن يتغير من عصر إلى عصر طبقًا للظروف والمصالح، وأن يُخطئ كل فرد نظرًا لاختلاف الطباع، وأن تكون الأحاديث التي هي مستنَد الإجماع آحادًا ظنية، وأن يكون مُعارَضًا بحديثٍ آخر أو بإجماعٍ آخر، إلى آخر ما هو معروف من نقد بعض المتكلمين للإجماع، ونقد العقل لحجة السلطة؛٢٧ لذلك يُقرَن الإجماع بالدليل الثاني، وهو المصلحة، تفاديًا لنقد الإجماع؛ وبالتالي يصبح للدليل مقدمتان؛ الأولى: قطعية، وهي أن نظام الدين مقصود لصاحب الشرع قطعًا. والثانية: جزئية، وهي أنه لا يحصل نظام الدين إلا بإمامٍ مُطاع. وتكون النتيجة قطعية، وهي وجوب نصب الإمام. ويمكن البرهنة على المقدمة الجزئية الثانية بأمرين؛ الأول بأن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، والثاني أن نظام الدنيا لا يحصل إلا بإمامٍ مُطاع. وفي هذا الدليل تظهر حجة المصلحة أساس المقدمتين معًا كقصد للشرع، وكضرورة في الدنيا؛ فالمصلحة هي التي تجمع بين الدين والدنيا، أساس الدين، وضرورة في الدنيا.٢٨ ويمكن الجمع بين الحجتين، الإجماع والمصلحة، في حجةٍ واحدة، وهي أن ما دام فيه ضررٌ مظنون فإن دفعه واجب إجماعًا. وفي هذه الحالة إذا تم نقد الإجماع فإنه لا يمكن نقد المصلحة. وطالما قامت الفتن في حال وفاة إمام وتنصيب آخر. ليس في الإمامة إضرارًا منفيًّا لأنه لا ضرر ولا ضرار. وإن الإضرار الناشئ من ترك الإمامة أعظم من الإضرار الناشئ من تنصيبها، ودفع الضرر الأعظم عند التعارض واجب. وإن تولية الإنسان على مثله ليس ضررًا؛ لأن الولاية ليست للشخص، بل للشريعة، ولأن الوالي إنما تمَّت بيعته عن مثله؛ فالناس هم الولاة وليس الوالي. وإن استنكاف البعض من أن يُولي مثله عليه هو تشخيص للشريعة وضياع لها، وتحويلها إلى مجرد رغبة في السلطة وتنافس عليها. وإن عزل الإمام مصلحة وليس مفسدة، سلام وليس فتنة، وهو أخف ضررًا من إبقائه. فإذا كان تنصيب الإمام واجبًا إذا ما التزم بالشرع، فإن عزله يكون أيضًا واجبًا إذا ما أخلَّ به.٢٩ ويظل العيب في هذا التصور هو صورة الإمام القاهر المُستبد العادل الذي يُحقق مصالح الناس، ولكنه قاهرٌ يخشاه الناس، مع أن البيعة لا قهر فيها، والاختيار طواعية ورضًا. وقد أدَّت هذه الصورة إلى جعل الإمام باستمرار قاهرًا للأمة، وسلطانه غير مستمَد منها، يرعى مصالحهم بالقوة فيُرغمهم، فتسابق الناس على الإمامة، ونشأت الانقلابات كلٌّ منها يُعلن عن تحقيقه لمصالح الأمة.

(٢-٣) وجوبها على العباد عقلًا

مهما كانت هناك من حججٍ شرعية أو مصلحية لوجوب الإمامة، فإن الشرع والمصلحة كلاهما من مقتضيات العقل؛ فالوحي والعقل والواقع وحدةٌ واحدة تتأصل فيها حياة الناس. يقوم الشرع على العقل والمصلحة، كما تقوم المصلحة على الشرع والعقل، ويكون العقل دعامة الشرع والمصلحة. لا يمكن إذن رفض الوجوب العقلي أو الوجوب المصلحي؛ فهو وجوبٌ واحد مرةً في الشرع، ومرةً في المصلحة. والوجوب العقلي لا يُنافي الوجوب الشرعي لارتكازهما معًا في الوجوب المصلحي.٣٠ وإن كل الحجج والتحليلات التي تُقدَّم لنفي الوجوب العقلي بالرغم من تعدُّدها وتنوُّعها لا تنفي الوجوب العقلي، بل تُثبته مسبقًا أو تتركه جانبًا؛ فاعتبار الإمام من باب التمكين، لولا الإمام لما كانت السموات والأرض، ولما صح من العبد فعلٌ هو نقل للوجوب من العقل إلى الوجود. والعقل هو الوجود، والوجود هو العقل. يستحيل التمكين لأن المكلَّف قادر على التكليف دون إمام، خاصةً إذا كان الصفات المطلوبة في الإمام صعبة التحقيق. واعتبار الإمام من جانب البيان وجواز خلو المكلَّفين منه يجعل المعرفة منقولة وليست عقلية، ولا غنى للمعرفة النقلية عن المعرفة العقلية. وإذا كان الإمام حجة لله على خلقه، ولا يخلو زمن من حجة، سواء كان نبيًّا أو إمامًا، فإن ذلك إلغاء لحجة العقول. أما اعتبار الإمام من باب اللطف، فإن العقل أيضًا لطف، واللطف من الواجبات العقلية مثل المصلحة بالرغم من التقابل بين أنصار اللطف وأنصار المصلحة. اللطف هِبة من أعلى، والمصلحة اقتضاء من أسفل. واللطف يحتاج إلى دليل، وهو كونه معرفًا من جميع عامة المسلمين وجميع المكلَّفين.٣١ لا يمكن رفض التأسيس العقلي للمشكلة السياسية. وإن ضرورة وجود رئيس يجمع الكلم، ويُوفق بين الإرادات الفردية، ويُعبر عن الإرادة الجماعية، وهي ضرورةٌ عقلية ومصلحية في آنٍ واحد، يعلم اضطرارًا واكتسابًا، بداهةً واستقراءً. وكيف يؤدي التأسيس العقلي للقيادة، أي تأسيسها على أسسٍ لا عقلية؟ وإن الأدلة السمعية لتُشير إلى هذه الضرورة النظرية والعملية في آنٍ واحد؛ فالمصلحة ليست مجرد تحقيق منافع، بل هي أساسٌ عقلي. فإذا كانت وظيفية الإمام تعيين الولاة في الأمصار وإقامة الحدود وتجهيز الجيوش، ففي ذلك صلاح العباد، والصلاح أصلٌ عقلي كما هو وضعٌ اجتماعي وأساسٌ وجودي.٣٢ كما أن الوجوب السمعي من حيث أدلة التواتر والإجماع لا يُغْني عن الوجوب العقلي؛ فالاتفاق مع العقل شرط التواتر، كما أن الإجماع يقوم على رأي الجماعة واجتهاد المجتمعين، وهو ما لا يتم إلا بالعقل. وإن القول بوجوب الإمامة عقلًا لا يطعن في وجوبها سمعًا بالاعتماد على التواتر والإجماع، أو في وجوبها مصلحةً بناءً على استقراء أحوال الناس والأمم، ولكن بتضافر الحجج وتكملة بعضها بعضًا.٣٣ ولكن لا يعني ذلك القول بمواصفاتٍ معيَّنة للإمام مثل العصمة، أو ضرورتها التي تُعادل ضرورة النبوة وتفوقها، أو إيقاف الحدود وإبطال الشريعة في حال غيابه أو عدم ظهوره تقيةً حتى رجوعه، أو عدم صحة الصلاة إلا بالائتمام به، أو عدم كفاية الوحي ذاته إلا به، فذاك أدخل في صفات الإمام وشروط الإمامة.٣٤ أما إثبات وجوب الإمامة عقلًا عن طريق نقص البشر، وجواز الاختلاف في المذاهب، واحتمال خطأ الاستدلال، فذاك إثبات للعقل عن طريق الطعن فيه؛ فكمال البشر في العقل، واختلاف المذاهب إعمال للرأي، وهو من عمل العقل، وأخطأ الاستدلال نتيجة لإعمال العقل، ويمكن تصحيحها بالعقل.٣٥ قد تكون الحكمة في رفض وجوب الإمام عقلًا هي الإبقاء على المشكلة السياسية، إما مصلحيةٌ خاصة، وبالتالي لا بد من القضاء على وجوبها العقلي والسمعي، ونكون أمام إمامة الغلبة والقهر. أما إذا كان القصد الاكتفاء بالوجوب السمعي لحين تُقرر السلطة السياسية والدينية من هو الإمام، وبالتالي تتمكن وتفرض الطاعة لأولي الأمر، فإن الوجوب العقلي٣٦ يصبح ضروريًّا؛ فالعقل يدل على الوجوب، ويدل عليه مباشرةً دون اللجوء إلى اللطف؛ فالوجوب من المعارف الضرورية، والإمامة جزء من المعارف، وهي واجبة على العوام، وأوجب على الخواص؛ واجبة على الجمهور، وأوجب على العلماء. فإذا أمكن تزييف وعي الجمهور، فإن وعي العلماء يندُّ عن هذا التزييف. ولما كان العلماء ورثة الأنبياء، وكان الفقهاء قادة الأمة، فالإمامة أوجب عليهم. الإمامة فرض عين، وليست مجرد فرض كفاية. كل مسلم مسئول عنها ما دام قد بايع. الإمامة حق البيعة، والبيعة على الأمة عوامها وخواصها.٣٧
١  انظر الفصل التاسع: تطور الوحي (النبوة)، وجوبها واستحالتها وإمكانها.
٢  التفتازاني، ص١٤٢؛ الخيالي، ص١٤٢-١٤٣؛ الإسفراييني، ص١٤٢-١٤٣؛ الوسيلة، ص٩٨؛ المطيعي، ص٩٩؛ البيجوري، ج٢، ص١٠٠؛ عبد السلام، ص١٥٤؛ المسائل، ص٣٨٣-٣٨٤.
٣  منهم من قالوا تارةً هو حال الفتنة يزيدها، وتارةً حال الأمن لا حاجة إليه (المواقف، ص٣٩٧). الأولى حجة أبي بكر الأصم، والثانية حجة هشام الفوطي. فعند الأصم أن الناس لو كفُّوا عن التظالم لاستغنَوا عن الإمام (المواقف، ص٣٩٥–٣٩٨؛ المغني، الإمامة، ص١٦؛ مقالات، ج٢، ص١٣٣). لو أنصف الناس بعضهم بعضًا، وزال التظالم، وما يوجب إقامة الحد، لاستغنى الناس عن الإمام (المغني، الإمامة، ص٤٨).
٤  هذا هو رد أهل السنة على الأصم. أما قولهم بأن الأمة إذا تناصفت استغنت عن الإمام، فإنه لا بد لهم من قائم يحفظ أموال اليتامى والمجانين وتوجيه السرايا إلى حرب الأعداء والذب عن البيضة، ونحوها من الأحكام التي يتولاها الإمام أو منصوب من قِبله (المواقف، ص٣٩٥–٣٩٨؛ المحصل، ص١٧٦).
٥  هذه حجة هشام الفوطي. إذا أجمعت الأمة كلمتها على الحق احتاجت حينئذٍ إلى الإمام. وأما إذا عصت وفجرت وقتلت الإمام لم يجب حينئذٍ على أهل الحق منهم إقامة إمام (المواقف، ص٣٩٥–٣٩٨). إن الأمة إذا اجتمعت كلمتها وتركت الظلم والفساد احتاجت إلى إمامٍ يسوسها، وإذا عصت وفجرت وقتلت إمامها لم تُعقَد الإمامة لأحد في تلك الحال (الفرق، ص١٦٣-١٦٤). يجب نصبه وقت السلامة، أما في الحرب فلا؛ لأنه ربما صار نصبه سببًا لزيادة الشر.
٦  وأما قول الفوطي بسقوط الإمامة عند الفتنة، فضميره إبطال إمامة علي؛ لأنها عُقدت له في حال قتل عثمان ووقوع الفتنة فيه. وعليٌّ هو الإمام حقًّا على رغم الفوطي وأتباعه (الأصول، ص٢٧١-٢٧٢). وإنما أراد الطعن في إمامة علي لأنها عُقدت له في حال الفتنة وبعد قتل إمام قبله (الفرق، ص١٦٣-١٦٤).
٧  ومنهم من قال لا يجب في شيء من الأوقات دون تعليل بمصلحة.
٨  يجوز أن تخلو الأرض من إمام حتى يُعقَد لواحد؛ وبالتالي هي غير واجبة (مقالات، ج٢، ص١٣٤). مذهبنا أن الزمان لا يخلو من إمام، ليس بمعنى أنه لا بد من إمام يتصرف، فالمعلوم أنه ليس، بل المراد أنه لا يجوز خلو الزمان ممن يصلح للإمامة؛ أي إنها قضيةٌ مصلحية (الشرح، ص٧٥٨).
٩  هذا هو موقف فرقة النجدات الخوارج، إذ لا حاجة لإمام؛ إذ يعلمون كتاب الله فيما بينهم (مقالات، ج١، ص١٨٩-١٩٠). لا يلزم الناسَ فرضُ الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم (الفصل، ص٤، ص١٠٦-١٠٧). لا حاجة للناس إلى إمام عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن رأوا أن ذلك لا يتم إلا بإمامٍ يحملهم عليه فأقاموه، صار (المِلل، ج٢، ص٣٧). ليس على الناس اتخاذ إمام، بل تعاطي الحق (الفصل، ج٥، ص٣١). الإمامة غير واجبة في الشرع وجوبًا لو امتنعت الأمة عن ذلك استحقوا اللوم والعقاب، بل هي مبنية على معاملات الناس، فإن تعاونوا وتعادلوا وتناصروا على البر والتقوى، واشتغل كل واحد من المكلَّفين بواجبه وتكليفه، استغنوا عن الإمام ومتابعته؛ فإن كل واحد من المجتهدين مثل صاحبه في الدين والإسلام والله والاجتهاد، والناس كأسنان المشط، والناس كإبلٍ مائة لا ترى فيها راحلة، فأين يلزم وجوب الطاعة لمن هو مثله؟ (النهاية، ص٤٨١-٤٨٢). لا حاجة لإمام، ويجوز لهم نصبه (المواقف، ص٤٢٤). لو تناصف الناس وعدلوا استغنوا عن الإمام (النهاية، ص٤٩٠). لو توفَّر الناس على مصالحهم مما يحق عليهم طباعهم وأديانهم فلا حاجة إلى حكم السلطان (المواقف، ص٣٩٦-٣٩٧). وهو أيضًا موقف المُحكمة الخوارج، إذ لم توجب نصب الإمام (المواقف، ص٤٢٤)، ولم تقل بإمارة (المِلل، ج٢، ص٢٩). وقد جوَّزت المُحكمة الأولى ألا يكون في العالم إمام أصلًا وإن احتيج إليه (المِلل، ج٢، ص٢٦). وقد رد أهل السنة على ذلك بأن ذلك إن كان ممكنًا عقلًا فممتنعٌ عادة؛ لما يُرى من ثورات الفتن والاختلافات عند موت الولاة، والعربان والبوادي لا يُبقي بعضهم على بعض، ولا تُحافظ على سنة ولا فرض، وليس تشوُّقهم إلى العمل بموجب دينهم غالبًا؛ لذلك قيل: «يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن.» وقيل: «السيف والسنان يفعلان ما لا يفعل البرهان» (المواقف، ص٣٩٦-٣٩٧). ويرد أهل السنة على النجدات بأن هذا جائز في العقل جواز سداد الناظرين في نظرهم قبل ورود الشرع، ولكن العادة الجارية والسنة المضطردة أن الناس بأنفسهم لا يستقرُّون على مناهج العدل والشرع إلا بحاملٍ يحملهم على ذلك بالتخويف والتشديد على الظالم (النهاية، ص٤٩٠).
١٠  هذه أيضًا حجة الخوارج؛ فإن نصب الإمام يُثير الفتنة؛ لأن الأهواء مختلفة، فيدَّعي كل قوم إمامةَ شخص وصلوحه لها دون الآخر، فيقع التشاجر والتناحر، والتجربة شاهدة بذلك (المواقف، ص٣٩٧). ذهب بعض القدرية والخوارج إلى أن ذلك ليس واجبًا لا عقلًا ولا شرعًا (الغاية، ص٣٦٢). عند الخوارج لا تجب أصلًا، ومنهم من فصَّل فقال يجب إلا من دون الفتنة، وقال آخرون بالعكس (المواقف، ص٣٩٥؛ المطالع، ص٢٢٨-٢٢٩). ويُقدم الخوارج حجتين أُخريين: (أ) الانتفاع بالإمام إنما يكون بالوصول إليه، ولا يخفى تعذُّر وصول آحاد الرعية إليه في كل ما يعني له من الأمور الدنيوية عادةً. (ب) للزعامة شروط قلَّما توجد في كل عصر؛ فإن أقاموا فاقدها لم يأتوا بالواجب، وإلا يقيموه فقد تركوا الواجب (المواقف، ص٣٩٦-٣٩٧).
١١  يرد أهل السنة على هذه الحجج السابقة بأنه لا يهمُّ الإمام بشخصه، بل بأحكامه وسياسته، وبأن ذلك ليس شرطًا لترك الواجب إلا لا واجب أصلًا (المواقف، ص٣٩٦-٣٩٧). ويمكن تقديم الأعلم، فإن تساويا فالأسن؛ وبذلك تندفع الفتنة (المواقف، ص٣٩٧).
١٢  انحاز الأنصار إلى السقيفة، وقالوا: مِنا أمير، ومنكم أمير. وأجمعوا على سعد لولا أن تداركه عمر أن بايع بنفسه حتى شايعه الناس، وقال: ألا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فوقى الله شرها؛ فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه. فأيُّما رجل بايَع رجلًا من غير مشورة المسلمين فإنها مضرَّة أن يُقتلا. يعني أني بايعت أبا بكر وما شاورت الجماعة، ووقى الله شرها، فلا تعودوا إلى مثلها، ولم يكن وقتها اتفاق الجماعة. وفي الغد لما بايعوه انحاز بنو أمية وبنو هاشم، حتى قال أبو سفيان لعلي: لم ندع هذا الأمر حتى يكون في شر قبيلة من قريش! فأجابه علي: فتَنتنا وأنت كافر، وتريد أن تفتننا وأنت مسلم. وقال العباس قولًا مثل ذلك. وقد سمع النبي: أنت أبي وأبو بقية الأمة، الخلافة في ولدك ما اختلف الليل والنهار. ولم يخرج علي إلى البيعة حتى قيل إنه كانت بيعة في السر وبيعة في العلانية. وقد خرج جيش أسامة بن زيد وهو على جيشه أميرًا بتأمير النبي (النهاية، ص٤٨٢-٤٨٣).
١٣  لا تنعقد الإمامة إلا بإجماع، وقصد الطعن في إمامة علي لأن الأمة لم تجتمع عليه لثبوت أهل الشام على خلافته إلى أن مات. فأنكر إمامة علي مع قوله بإمامة معاوية لاجتماع الناس عليه بعد قتل علي (الفرق، ص١٦٣-١٦٤). ويرد أهل السنة على ذلك بإثبات حجة على أربعة أوجه: (أ) الواجبات بالشرع وإدراكه بإجماع الأمة، والخلاف يدل على وجوبه. (ب) الإجماع دليلٌ شرعي، قد يقع عن اجتهاد، وقد يقع عن نص. (ﺟ) اتفاق شخصين على رأي أو ثلاثة أو أكثر، وقد وقع في الصدر الأول. (د) للإجماع قرائن دالة عليه، مثل النص أو التواتر أو قرينة قولية أو فعلية (النهاية، ص٤٨٧-٤٨٨). ويمكن الرد على وقائع التاريخ كالآتي: إمامة أبي بكر من الجملة، وكان مشغولًا بدفن الرسول حزينًا على فراقه. ويُجيب الشيعة على ذلك بأنه كان لا يريد عرَض الدنيا. في حين أن موقف عمر مصلحيٌّ خالص. قتال الردة اجتهاد أبي بكر، وقتال مانعي الزكاة وسبي ذراريهم واغتنام أموالهم. ثم أدَّى اجتهاد عمر إلى رد سباياهم (النهاية، ص٤٨٩-٤٩٠).
١٤  نصب إمامة بالاختيار مُتناقض لوجهين: (أ) صاحب الاختيار موجب في النصب على الإمام حتى يصير إمامًا، وتجب عليه طاعته إذا قام الإمام، فكيف يكون إمامًا بإقامته ثم واجب الطاعة؟ (ب) يجوز لو خالف كل واحد من المجتهدين الإمام في المسائل الاجتهادية، فكيف تجوز الطاعة والخلاف موجود؟ إذن الإمامة غير واجبة بالشرع (النهاية، ص٤٨٣-٤٨٤).
١٥  لو احتيج إلى رئيسٍ يحمي بيضة الإسلام، وأدَّى الاجتهاد إلى نصب أحدهم، جاز ذلك بشرط أن يبقى في معاملاته على المَنصفة والعدل، حتى إذا جار في قضية على واحد وجب خلعه ومنابذته. وهكذا فعل المسلمون بعثمان وعلي، خلعوا عثمان بعد الأحداث، فلما لم ينخلع قتلوه. ولما رضي علي بالتحكيم شكُّوا في إمامته فخلعوه وقتلوه! (النهاية، ص٤٨٤).
١٦  أصحابنا من المتكلمين والفقهاء من الشيعة والخوارج وأكثر المعتزلة قالوا ضد الأصم والفوطي والنجدات بوجوب الإمام، وأنها فرض، وواجب اتِّباع المنصوب له، وأنه لا بد للمسلمين من إمام يُنفذ أحكامهم، ويُقيم حدودهم، ويُغزي جيوشهم، ويُزوج الأيامى، ويُقسم الفيء بينهم (المواقف ص٣٩٥–٣٩٨). ويقول الموجبون: إن أصل دفع المضرة واجب قطعًا، فكذلك المضرة المظنونة، وذلك مثل أن يعرف الإنسان أن كل مسموم يجب اجتنابه، ثم يظن أن هذا الطعام مسموم، فإن العقل الصريح يقضي بوجوب اجتنابه (المواقف، ص٣٩٠–٣٩٨). الإمام يتضمن دفع المضرة عن النفس فيكون واجبًا. إذا كان للخلق رئيسٌ قاهر يخافون بطشه، ويرجون ثوابه، كان احترازهم عن الفاسد أتم مما إذا لم يكن لهم هذا الرئيس. وأما أن دفع الضرر عن النفس واجب فبالإجماع عند من يقول بالوجوب العقلي، وبضرورة العقل عمن يقول به (المحصل، ص١٧٦). نصب الإمام يقتضي دفع ضرر لا يندفع إلا به فيكون واجبًا، وبيانه: (أ) إذا حصل رئيسٌ قاهر ضابط فإن حال البلد تكون أقرب إلى الصلاح. (ب) دفع الضرر عن النفس واجب، وما لا يندفع الضرر إلا به واجب. فإن قيل: هل القوم يستنكفون عن بيعة هذا الرئيس فيزداد ذلك الشر؟ قلنا: هذا محتمل، ولكنه نادر، والغالب راجح على النادر (المعالم، ص١٥٣-١٥٤). اتَّفقت جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمامٍ عادل يُقيم فيها أحكام الله، ويتولاها بأحكام الشريعة التي أتى بها الرسول (الفصل، ج٥، ص١٠١–١٠٦). ويقول علي بن أبي طالب: تقول المُحكمة لا إمارة، ولا بد من إمارةٍ برة أو فاجرة (المِلل، ج٢، ص٢٩).
١٧  الإمامة إما واجب على العباد أو على الله، والوجوب على العباد إما سمعًا أو عقلًا (المعالم، ص١٥٣-١٥٤).
١٨  انظر الفصل الثاني: العقل الغائي (الحسن والقبح)، الواجبات العقلية.
١٩  عند جمهور الروافض، الإمامة واجبة على الله (المطالع، ص٢٢٨-٢٢٩؛ التفتازاني، ص١٤٢؛ الخيالي، ص١٤٢-١٤٣؛ الإسفراييني، ص١٤٢-١٤٣؛ الوسيلة، ص٩٨؛ المطيعي، ص٩٩؛ البيجوري، ج٢، ص١٠٠؛ عبد السلام، ص١٥٤؛ المسائل، ص٣٨٣-٣٨٤). وعند الإمامية، الإمامة واجبة عقلًا على الله وتفصيلًا عند ثلاث فِرق: (أ) الاثنا عشرية، هي لطف في الزجر عن المقبَّحات العقلية. (ب) السبعية، هي معلمة بمعرفة الله. (ﺟ) يعلمنا اللغات ويرشدنا إلى الأغذية، ويميزها عن السموم. الذين قالوا بالوجوب على الله فرقتان: (أ) الشيعة، يجب على الله نصب الإمام ليُعلمنا معرفة الله ومعرفة سائر المطالب. (ب) الاثنا عشرية، يجب على الله نصبه لطفًا لنا في فعل الواجبات العقلية وفي ترك القبائح العقلية، وليكون مُحافظًا للشريعة مُبينًا لها (المعالم، ص١٥٣-١٥٤). عند الإمامية والإسماعيلية، الإمامة واجبة على الله، إلا أن الإمامية أوجبوها لحفظ قوانين الشرع، والإسماعيلية ليكون مُعرفًا لله (المواقف، ص٣٩٥). عند الإمامية يُحتاج إلى الإمام لنعرف من جهة الشرائع؛ فالإمامة لطف (الشرح، ص٧٥٠-٧٥١).
٢٠  عند الشيعة الإمامية، الإمامة واجبة في الدين عقلًا وشرعًا، كما أن النبوة واجبة في الفطرة عقلًا وسمعًا. وجوبها عقلًا نظرًا لاحتياج الناس إلى إمام واجب الطاعة يحفظ أحكام الشرع، ويحملهم على مراعاة حدود الدين، كاحتياج الناس أن يُشرع لهم الأحكام، ويُبين الحلال والحرام، واحتياج الخلق إلى استبقاء الشرع فور احتياجهم إلى تمهيده. وإذا كان الأول واجبًا إما لطفًا من الله أو حكمة عقلية واجبة، كان الثاني واجبًا. وأما السامع فإن الله أمر بمتابعة أولي الأمر وطاعتهم. فإذا لم يكن إمامٌ واجب الطاعة، فكيف يلزم ذلك؟ (النهاية، ص٤٨٤-٤٨٥). ذهبت أكثر طوائف الشيعة إلى وجوب ذلك عقلًا لا شرعًا (ص٣٦٤). كما ذهب أبو القاسم والإمامية إلى وجوب الحاجة إلى الإمام عقلًا (الشرح، ص٧٥٨–٨٦٠).
٢١  عند الروافض، معرفة الأئمة واجبة، وكذلك القيام بالشرائع. ومن جهل الإمام مات ميتةً جاهلية (مقالات، ج١، ص١١٦؛ النهاية، ص٤٨٤-٤٨٥). وعند الزرارية، المعرفة ضرورية، وأنه لا يسع جهل الأئمة، فإن معارفهم كلها ضرورية، وكل ما يعرف غيرهم بالنظر فهو عندهم أوَّلي ضروري، ونظرياتهم لا يُدركها غيرهم (المِلل، ج٢، ص١٣٦-١٣٧). وعند الإسماعيلية من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية، وكذلك من مات ولم يمكن في عنقه بيعة إمام مات ميتةً جاهلية (المِلل، ج٢، ص١٤٥). صنفوا فيها كتبًا، ودَعوا الناس إلى إمام في كل زمان يعرف موازنات هذه العلوم، ويهتدي إلى مدارج هذه الأوضاع والرسوم. ثم أصحاب الدعوة الجديدة تنكَّبوا هذه الطريقة حين أظهر الحسن بن الصباح دعوته، وحضر عن الإلزامات حكمة، واستظهر بالرجال، وتحصَّن بالقلاع، ودعا الناس أول دعوة إلى تعيين إمام صادق قائم في كل زمان، وهو أولهم إمامًا، وليس لغيرهم إمام (المِلل، ج٢، ص١٥١-١٥٢). وعند إحدى فِرق الرافضة، معرفة الإمام إذا أدركها الإنسان لم تلزمه شريعة، ولم تجب عليه فريضة، وإنما على الناس أن يعرفوا الأئمة فقط، فإذا عرفوهم فلا شيء عليهم (مقالات، ج١، ص١١٦). وعند اليعفورية قد يسع جهل الأئمة، وهم بذلك لا مؤمنون ولا كافرون (مقالات، ج١، ص١١٦). وعند فريق آخر، المعارف ضرورية، ويُفارقون اليعفورية في جهل الأئمة، ولا يستحلُّون الخصومة في الدين مثل اليعفورية (مقالات، ج١، ص١١٦-١١٧).
٢٢  هذا هو رد أهل السنة على الروافض؛ إذ يُوردون حجتين: (أ) عدم وجوبه على الله لأنه أمرٌ مصلحي، دفع ضرر. فإذا خلا البلد عن رئيسٍ قاهر، يأمر بالطاعات وينهي عن المعاصي، ويدرأ بأس الطاعة عن المستضعَفين، استحوذ عليهم الشيطان، ونشأ فيهم الفسوق والعصيان، وشاع الهرج والمرج، ودفع الضرر عن النفس بقدرٍ كان واجبًا بإجماع الأنبياء واتفاق العقلاء. وفساده أقل من فساد عدمه، والراجح أولى من المرجوح (الطوالع، ص٢٢٨).
٢٣  عند أهل السنة، الإمامة واجبة سمعًا (المُغْني، الإمامة، ص١٦). واجبة سمعًا عند جمهور الأصحاب وأكثر المعتزلة (المحصل، ص١٧٦؛ المطالع، ص٢٢٨-٢٢٩؛ التفتازاني، ص١٤٢؛ الخيالي، ص١٤٢-١٤٣؛ الإسفراييني، ص١٤٢-١٤٣؛ الوسيلة، ص٩٨؛ المطيعي، ص٩٩؛ الشرح، ص٧٥٨–٨٦٠). والوجوب بالسمع يرد على اللاوجوب أو على الوجوب العقلي (الإمامة، ص١٦؛ المسائل، ص٣٨٣-٣٨٤). وعند أبي الحسن الأشعري، الإمامة شريعة من الشرائع يُعلَم جواز ورود التعبد بها، ويُعلَم وجوبها بالسمع، فقد اجتمعت الصحابة على وجوبها، ولا اعتبار باختلاف الفوطي والأصم فيها مع تقدم الإجماع على خلاف قولهما. وقد وردت الشريعة بأحكام لا يتولاها إلا إمام أو حاكم من قِبله، كإقامة الحدود على الأحرار مع اختلافهم في إقامة الحدود على السادة المماليك، وكتزويج من لا وليَّ لها في قول أكثر الأمة، وكإقامة الجماعات والأعياد في قول أهل العراق (المواقف، ص٣٩٥–٣٩٨). عند أهل السنة وأكثر المعتزلة والزيدية، العقل لا يدل على هذا الوجوب بل السمع (المعالم، ص١٥٣-١٥٤). في بيان ما يدل من جهة السمع على وجوب إقامة الإمام واتباعه فرض على المسلمين شرعًا لا عقلًا (الغاية، ص٣٦٤). نصب الإمام عندنا واجب علينا سمعًا (المواقف، ص٣٩٥-٣٩٦). العلم بالحاجة إلى الإمام لا يجوز أن يكون عقليًّا، بل إنما يُعلَم شرعًا (الشرح، ص٧٥٨–٨٦٠). وقد قيل شعرًا:
وواجبٌ نصب إمام عادل
بالشرع فاعلم لا بحكم العقل
الجوهرة، ج٢، ص١٠٠
٢٤  والمسلمون لا بد لهم من إمامٍ يقوم بتنفيذ أحكامهم، وإقامة حدودهم، وسد ثغورهم، وتجهيز جيوشهم، وأخذ صدقاتهم، وقهر التغلبة وقُطاع الطريق، وإقامة الجُمع والأعياد، وقطع المنازعات الواقعة بين العباد، وقبول الشهادات القائمة على الحقوق، وتزويج الصغار الذين لا أولياء لهم، وقسمة الغنائم (النسفية، ص١٤٢-١٤٣؛ التفتازاني، ص١٤٣؛ الخيالي، ص١٤٣-١٤٤). قيام الإمام بما أوجبه الله عليه من أحكام في الأموال والجنايات والدماء والنكاح والطلاق ودفع الظالم وإنصاف المظلوم وأخذ القصاص على تباعد الأقطار واختلاف الآراء (الفصل، ج٤، ص١٠٦-١٠٧). الإمامة فرضٌ واجب على الأمة لأجل إقامة الإمام، وينصب لهم القضاة، ويضبط ثغورهم ويغزي جيوشهم، ويقسم الفيء بينهم، وينتصف لمظلومهم (الفرق، ص٣٤٩). يجب على المسلمين شرعًا نصب إمام يقوم بإقامة الحدود، وسد الثغور، وتجهيز الجيوش، وأخذ الصدقات، وقهر التغلبة والمُتلصصة وقُطاع الطريق، وتزويج الصغار والصغيرات الذين لا أولياء لهم، وقطع المنازعات بين العباد، وقبول الشهادات القائمة على الحقوق، وإقامة الجُمع والأعياد، ودرء المفاسد، وحفظ المصالح. يمنع مما تسارع الطباع، وتتنازع عليه الأطماع، يعول الناس عليه، ويصدرون عن رأيه على مقتضى أمره ونهيه (الحصون، ص١٢٨). عند أصحاب الحديث من الأشعرية والفقهاء وجماعة الشيعة والمعتزلة وأكثر الخوارج، وجوبها فرض من الله. هي فرضٌ واجب على المسلمين إقامته. وعند أتباع المنصور، فرضٌ واجب عليه، لا بد لكافتهم من إمام يُنفذ أحكامهم، ويُقيم حدودهم، ويحفظ بيضتهم، ويحرس حصنهم، ويُهيئ جيوشهم، ويقسم غنائمهم وصدقاتهم، ويتحاكموا إليه في خصوماتهم ومناكحاتهم، ويراعي فيه أمور الجُمع والأعياد، وينصف المظلوم، وينتصف من الظالم، وينصب القضاة والولاة في كل ناحية، ويبعث القُراء والدعاة إلى كل طرف. وأما العلم والمعرفة والهداية فهي حاصلة للعقلاء بنظرهم الثابت وفكرهم الصائب (النهاية، ص٤٧٨–٤٨٠). نصب الإمام واجب على أمته. لو في كل زمان كان في العالم ملكٌ عادل مَهيب حازم، فإن أهل الشر والفسق يخافون منه، يمتنعون عن أفعالهم القبيحة، وتنتظم أمور العالم، وإن كان ضعيفًا عاجزًا بحيث لا يخاف أحد منه فإنه يختلُّ أمر العالم، وتتشوش أفعال الخلق. نصب إمام لدفع الضرر ودفع الضر عن النفس واجب، فتجب معرفة الإمام، من مات ولم يعرف إمام زمانه فليمت إن شاء الله يهوديًّا وإن شاء الله نصرانيًّا؛ فالإمامة واجبة، ومعرفتها واجبة (المسائل، ص٣٨٣-٣٨٤). وإن اختلاف صيغة الحديث بين الجاهلية واليهودية والنصرانية تُشكك في صحته.
٢٥  السلطة هم أهل السنة، والمعارضة السرية هم الشيعة.
٢٦  الأدلة السمعية اثنان؛ الأول: تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي على امتناع خلو الوقت من إمام، حتى قال أبو بكر إن محمدًا قد مات، ولا بد لهذا الدين ممن يقوم به. فبادر الكل إلى قبوله، وتركوا له أهم الأشياء وهو دفن الرسول، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا من نصب إمام متبع في كل عصر إلى زماننا هذا. ومستند الإجماع نقلٌ متواتر، وتوافر الدواعي، وقرائن مشاهدة وعيان (المواقف، ص٣٩٥-٣٩٦). الدليل على وجوب الإمامة سمعًا، اتفاق الأمة بأسرهم من الصدر الأول إلى زماننا إلى أن الأرض لا يجوز أن تخلو من إمامٍ قائم بالأمر (النهاية، ص٤٧٨–٤٨٠). يُحتاج إلى الإمام لتنفيذ هذه الأحكام الشرعية، نحو إقامة الحد، وحفظ بيضة البلد، وسد الثغور، وتجييش الجيوش والغزو، وتعديل الشهود. والدليل إجماع أهل البيت (الشرح، ص٧٥٠-٧٥١). قال أهل الحق: الدليل ما ثبت بالتواتر من إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة الرسول على امتناع خلو الوقت عن خليفة أو إمام، حتى قال أبو بكر … فبادر الكل إلى التصديق والإذعان، والإصرار على قتال الخوارج وأهل الزيغ والشقاق لدرجة قتل الآباء والأمهات والأخوات محافظةً على الدين. ويستحيل اتفاقهم على الكذب (الغاية، ص٣٦٤–٣٦٦).
٢٧  يمكن نقد الإجماع بعدة حجج، منها: (أ) احتمال قيامه على خطأ، واستحالة الاجتماع على حكمٍ واحد نظرًا لاختلاف الطباع، بالرغم من وقوع الاتفاق على بعض الأمور مثل العبادات؛ فالعبادات أكثر عُرضةً للاختلاف حولها. (ب) جواز خطأ كل فرد في الإجماع. ولو كان حجة في الشرعيات لكان في العقليات. (ﺟ) الأحاديث كلها آحادٌ ظنية. (د) ربما يوجد مُعارِض. (ﻫ) لا بد أن يكون للإجماع مستنَد من الكتاب أو السنة القطعية؛ وبالتالي فلا حاجة له. ونقد النظَّام لحجية الإجماع يعتبر نموذجًا على ذلك (الغاية، ص٣٦٤–٣٦٧).
٢٨  في بيان وجوب نصب الإمام، وليس من العقل؛ فالوجوب من الشرع، ومستنَده الإجماع، كالآتي:
  • (أ)

    مقدمة قطعية كلية هي: نظام الدين مقصود لصاحب الشرع قطعًا.

  • (ب)

    مقدمة قطعية جزئية هي: لا يحصل نظام الدين إلا بإمامٍ مُطاع.

  • (جـ)

    نتيجة قطعية هي: وجوب نصب الإمام.

ويمكن البرهنة على المقدمة الجزئية الثانية بمقدمتين تكون لهما نتيجة كالآتي:
  • (أ)

    نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا.

  • (ب)

    نظام الدنيا لا يحصل إلا بإمامٍ مُطاع.

  • (جـ)

    لا يحصل نظام الدين إلا بإمامٍ مُطاع.

فالدنيا لا تنتظم إلا بسلطانٍ مطاع، بالمشاهدة. الدين والسلطان توءمان. الدين أسُّ، والسلطان حارس، فما لا أس له مهدوم، وما لا حارس له فضائع. سلطان قاهر مُطاع يجمع شتات الآراء. فالسلطان ضروري في نظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة؛ فوجود الإمام ضرورة من ضرورات الشرع (الاقتصاد، ص١١٨-١١٩). إن الإمامة بها دفع لضررٍ مظنون؛ وبالتالي فإنها واجبة إجماعًا. الأعياد والجُمعات مصالح عائدة إلى العموميات، وذلك لا يتم إلا بإمام يُرجَع إليه في حال الخلاف والتشتت والأهواء. وقد قامت الفتن حال وفاة إمام وتنصيب آخر (المواقف، ص٣٩٥-٣٩٦).
٢٩  الإمامة فيها إضرار قول منفي؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار في هذا الموضوع، وهذا الإضرار المنفي ينشأ من: (أ) تولية الإنسان على مثله ليحكم عليه إضرار به لا محالة. (ب) استنكاف البعض من ذلك يؤدي إلى الفتنة. (ﺟ) لما كان غير معصوم، ويجوز منه الكفر والفسوق، فإن لم يُعزَل أضرَّ بالأمة، وإن عُزل أدَّى إلى الفتنة (المواقف، ص٩٣٥-٩٣٦).
٣٠  في أن الإمامة غير واجبة من جهة العقل. لو وجبت عقلًا لوجب أن يكون لها وجه وجوب، إما تعلُّق بالتكليف أو بالمنافع والمضار العاجلين، وكلاهما شرعي (الإمامة، ص١٧).
٣١  باب التمكين، لولا الإمام لما كانت السموات والأرض، ولما صح من العبد فعل. التمكين بالقدرة والآلة وسائر ما يختص بها، والإمام خارج من هذا كله. باب البيان، يجوز خلو المكلَّفين منه، سواء من النبي أو محمد الإمام (المعارف العقلية)، ولا حاجة إلى معصوم في ذلك. باب اللطف، واحتجَّت الإمامية بأنه لطف؛ لأن حال المكلَّف أقرب إلى قبول الطاعات، والاحتراز من المعاصي، وهو واجب على الله قياسًا على التمكين (الإمامة، ص١٧–٢١؛ الطوالع، ص٢٢٩؛ المواقف، ص٣٩٥). عند الإمامية، هما لطف في الدين (الشرح، ص٧٥٨–٧٦٠). الإمام لطف لأنَّا نعلم بالضرورة وبعد استقراء العُرف أن الخلق إن كان لهم رئيس يمنعهم عن القبائح، واللطف يجري مجرى التمكين وإزالة المفسدة، ولما كانا واجبين على المكلف الحكيم كانت الإمامة أيضًا واجبة (المحصل، ص٨١).
٣٢  الفزع إلى رئيسٍ يجمع الكلم، ورفض القاضي معرفة ذلك ضرورةً أو اكتسابًا (الإمامة، ص٢٧-٢٨). ضرورة الإمام لإقامة الحدود، وإرسال الجيوش، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفض النزاع والخلاف (الإمامة، ص٥٤٦–٥٥٤).
٣٣  الحاجة إلى إمام للفصل بين السموم القاتلة وبين الأغذية؛ فالتكليف لا يتم إلا بسلامة البدن، وهذا يتم بتواتر في الرسول مثل الصلاة. وهذا طعن في الدين من هشام بن الحكم وأبي عيسى الوراق وأبي حفص الحداد وابن الراوندي. والأفضل طريقةٌ متوسطة بين العقل والشرع، مثل ابن الأحوص والنوبختية، والزيدية مثل الأصحاب. الدليل السمعي كإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام. التواتر والإجماع يُغني عن الإمامة النظرية العقلية في المعارف (الإمامة، ص٣٥–٤٠). من ضِمن حجج من يقول بالإمامة عقلًا أن الحجج تُكمل بعضها بعضًا، والعقل حجة مع الحجة النقلية (الإمامة، ص٥٦–٩٨).
٣٤  من ضِمن الحجج لإثبات الإمام القيام بوظيفة الاستدلال عن المكلَّفين نظرًا للعصمة، أو حفظًا للشريعة من إمامٍ معصوم من الغلط والسهو والكتمان، وضرورة وجود إمام معصوم، وإلا انتهت الإمامة إلى ما لا نهاية، وحجة عدم صحة الائتمام إلا به، أو الائتمام به والانقياد له، وحجة إقامة الحدود وتنفيذ الأحكام وقسمة الفيء وحفظ البيضة، وحجة عدم دلالة الكتاب والسنة إلا بإمام (الإمامة، ص٥٦–٩٨).
٣٥  هناك عدة شبهات تُقال من أجل وجوب الإمامة عقلًا، مثل: عموم النقص في الناس، وتكليفهم بالصواب في العلم والعمل، فلا بد من رسول أو إمام لإزالة النقص من شهوة وغفلة ونسيان، وجود السهوة والغفلة والشهوة والنقص والتقصير، جواز الاختلاف في الفقه والاجتهاد (الإمامة، ص٧٠–٩٨).
٣٦  هنالك بعض الحجج الجدلية التي تُحاول نفي الوجوب العقلي بالاعتماد على العقل، مثل: إن كانت واجبةً وجب أن يحل محله عند الغياب، إن كانت واجبة لكان فقدها يُخلُّ بمصالح الدين، إن كانت واجبة لكان لا يتم إلا برضا الجميع وهو مُتعذر، إن كان واجبًا كان إمامًا واحدًا لا يُعزَل … إلخ (الإمامة، ص٥٥-٥٦).
٣٧  عند أصحاب اللطف من المعتزلة، الإمامة واجبة لكونها لطفًا في الشرائع (المواقف، ص٣٩٥–٣٩٨). كما ذهبت أكثر طوائف الشيعة إلى وجوب الإمامة عقلًا لا شرعًا (الغاية، ص٣٦٤). وذهبت الإمامية إلى وجوب الحاجة إلى الإمام عقلًا (الشرح، ص٧٥٨–٨٦٠). في حين أنها عند جمهور أهل السنة واجبة على العباد سمعًا (التفتازاني، ص١٤٢؛ الخيالي، ص١٤٢-١٤٣؛ الإسفراييني، ص١٤٢-١٤٣؛ الوسيلة، ص٩٨؛ المطيعي، ص٩٩؛ البيجوري، ج٢، ص١٠٠؛ عبد السلام، ص١٥٤). ولكن عند الجاحظ وأبي الحسن البصري يدل العقل على الوجوب (المحصل، ص١٧٦؛ المعالم، ص١٥٣-١٥٤؛ المواقف، ص٣٩٥). عند المعتزلة، المعارف ضرورية، ولا بد من معرفة الإمام، ولا تشمل الخصومة في الدين (مقالات، ج١، ص١١٦-١١٧). وعند الزيدية، الإمامة واجبة عقلًا (المواقف، ص٣٩٥؛ المعالم، ص٢٢٨-٢٢٩). معرفة الإمام واجبة، ولا يعني ذلك سواء كان أم لم يكن، بل إن كان ظاهرًا يدعو إلى نفسه. وعند الجرجاني أنها لا تجب على الكافة والعوام، وإنما هي تكليف للعلماء وحدهم (الشرح، ص٧٤٩-٧٥٠).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١