الفصل الأول

العقائد

(١) العقيدة الإلهية

العقيدة في الإله رأس العقائد الدينية بجملتها وتفصيلها. من عرف عقيدة قوم في إلههم فقد عرف نصيب دينهم من رفعة الفهم والوجدان، ومن صحة المقاييس التي يقاس بها الخير والشر وتُقدَّر بها الحسنات والسيئات؛ فلا يهبط دين وعقيدته في الإله عالية، ولا يعلو دين وعقيدته في الإله هابطة ليست مما يناسب صفات الموجود الأول الذي تتبعه جميع الموجودات.

ولقد كان النظر في صفات الله مجال التنافس بين أكبر العقول من أصحاب الفلسفة الفكرية وأصحاب الحكمة الدينية، وقد كانت مهمة الفلاسفة أيسر من مهمة حكماء الأديان؛ لأن الفيلسوف النظري ينطلق في تفكيره وتقديره غير مقيد بفرائض العبادة وحدود المعاملات التي يتقيد بها الحكيم الديني، ويتقيد بها من يأتمون به من أتباعه في الحياة العامة والمعيشة الخاصة؛ فظهر بين الفلاسفة النظريين مَن سما بالتنزيه الإلهي صُعُدًا إلى أَوْجٍ لا يلحق به الخيال فضلًا عن الفكر والإحساس.

وجاء الإسلام في جوف الصحراء العربية بأسمى عقيدة في الإله الواحد الأحد، صححت فكرة الفلسفة النظرية كما صححت فكرة العقائد الدينية؛ فكان تصحيحه لكلٍّ من هاتين الفكرتين — في جانب النقص منها — أعظم المعجزات التي أثبتت له في حكم العقل المنصف والبديهة الصادقة أنه وحي من عند الله.

يقال على الإجماع: إن صفات الإله قد ارتفعت إلى ذروتها العليا من التنزيه والتجريد في مذهب «أرسطو» الفيلسوف اليوناني الكبير.

والذين يرون هذا الرأي لا ينسون مذهب «أفلاطون»: إمام الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، وشيخ الفلسفة الصوفية بين الغربيين إلى العصر الأخير، غير أنهم لا يذكرونه في معرض الكلام على التنزيه في وصف الله؛ لأن مذهبه أقرب إلى الغيبوبة الصوفية منه إلى التفكير الجَلِيِّ والمنطق المعقول، وطريقته في التنزيه أن يُمْعِنَ في الزيادة على كل صفة يُوصف بها الله، فلا يزال يتخطاها، ثم يتخطاها كلما استطاع الزيادة اللفظية حتى تنقطع الصلة بينها وبين جميع المدلولات المفهومة أو المظنونة. ويرجح الأكثرون أن «أفلاطون» نفسه لم يكن يتصور ما يصوره من تلك الصفات، وإنما كانت غايته القصوى أن يذهب بالتصور إلى منقطع العجز والإعياء.

فمن ذلك أنه ينكر صفة الوحدانية ليقول بصفة الأحدية، ويقول: «إن الواحد غير الأحد؛ لأن الواحد قد يدخل في عداد الاثنين والثلاثة والعشرة، ولا يكون الأحد إلا مفردًا بغير تكرار.»

ومن ذلك أنه ينكر صفة الوجود ليقول: إن الله لا يوصف بأنه موجود، تنزيهًا له عن الصفة التي يقابلها العدم وتشترك فيها الموجودات أو المُوجِدات.

لهذا يضربون المثل بأرسطو في تنزيه الإله، ولا يضربون المثل بأفلاطون؛ لأن مذهبه ينقطع في صومعة من غيبوبة الذهول لا تمتزج بحياة فكرية ولا بحياة عملية.

ومذهب أرسطو في الإله أنه كائن أزلي أبدي مطلق الكمال لا أول له ولا آخر، ولا عمل له ولا إرادة، منذ كان العمل طلبًا لشيء والله غني عن كل طلب، وقد كانت الإرادة اختيارًا بين أمرين، والله قد اجتمع عنده الأصلح الأفضل من كل كمال؛ فلا حاجة به إلى الاختيار بين صالح وغير صالح، ولا بين فاضل ومفضول. وليس مما يناسب الإله في رأي أرسطو أن يبتدئ العمل في زمان؛ لأنه أبدي سرمدي لا يطرأ عليه طارئ يدعوه إلى العمل، ولا يستجد عليه من جديد في وجوده المطلق بلا أول ولا آخر ولا جديد ولا قديم. وكل ما يناسب كماله فهو السعادة بنعمة بقائه التي لا بُغْية وراءها ولا نعمة فوقها ولا دونها، ولا تخرج من نطاقها عناية تعنيه.

فالإله الكامل المطلق الكمال لا يعنيه أن يخلق العالم أو يخلق مادته الأولى وهي «الهيولي»، ولكن لهذه «الهيولي» قابلية للوجود يُخرجها من القوة إلى الفعل شوقها إلى الوجود الذي يفيض عليها من قِبَل الإله، فيدفعها هذا الشوق إلى الوجود ثم يدفعها من النقص إلى الكمال المستطاع في حدودها؛ فتتحرك وتعمل بما فيها من الشوق والقابلية، ولا يقال عنها: إنها من خِلْقة الله، إلا أن تكون الخلقة على هذا الاعتبار.

•••

كمال مطلق لا يعمل ولا يريد.

أو كمال مطلق يوشك أن يكون هو والعدم المطلق على حد السواء.

ولنذكر أنه أرسطو صاحب هذا المذهب قبل كل شيء.

ولنذكر أنه ذلك العقل الهائل الذي يهابه من يُحس قدرته؛ فلا يجترئ عليه بالنقد والتسفيه قبل أن يفرغ جهده في التماس المعذرة له من جهل عصره، وقصور الأفكار حوله لا من جهله هو أو قصور تفكيره؛ فإنه لم يعوِّدنا في تفكيره احتمالًا قط لا ينقصه قصارى مداه، ولا يستوفي مقتضياته وموانعه جهد ما في الطاقة الإنسانية من استيفاء.

لنذكر أنه أرسطو، لكي نذكر أن هذا العقل النادر لم يؤتِ من نقص في تصور الصفات العلوية إلا لأنه عاش في زمان لم تتكشف فيه المعرفة من خصائص هذه الكائنات الأرضية «السفلى» التي نُحسها ونعيش بينها، ولو أنه عرف ما هو لاصق بها من خصائصها وأعراضها لكان له رأي في الكمال العلوي غير ذلك الذي ارتآه بمحض الظن والقياس على غير مَقِيس.

لقد كان يفهم من كمال الكائنات العلوية — السماوية — أنها خالدة باقية لا تفنى؛ لأنها من نور، والنور بسيط لا يعرض له الفناء كما يعرض على التركيب.

ولو أن أرسطو عاش حتى علم أن المادة الأرضية — السفلى — كلها من نور، وأن عناصر المادة كلها تَئُول إلى الذرات والكهارب، وأن هذه الذرات والكهارب تنشق فتَئُول إلى شعاع؛ لما ساقه الظن والقياس إلى ذلك الخطأ في التفرقة بين لوازم البقاء ولوازم الفناء، أو بين خصائص البساطة وخصائص التركيب.

ولعل إدراكه لذاك الخطأ في فهم لوازم البساطة والكمال، ولوازم البقاء والفناء؛ كان خليقًا أن يَهديَه إلى فهم خطئه في تصور لوازم الكمال الإلهي؛ فلا يمتنع في عقله أن يجتمع الكمال الواحد من صفات عدة كالصفات الحُسْنى التي وُصف بها الإله في الإسلام، ومنها الرحمة والكرم والقدرة والفعل والإرادة، ولا يمتنع في عقله أن يكون لهذه الصفات لوازمها ومقتضياتها؛ إذ لا تكون قدرة بغير مقدور عليه، ولا يكون كرم بغير إعطاء، ولا تكون مشيئة بغير اختيار بين أمرين، وإذا اختار الله أمرًا فهو لا يختاره لذاته — سبحانه وتعالى — بل يختاره لمخلوقاته التي تجوز عليها حالات شتى لا تجوز في حق الإله، وإذا خلق الله شيئًا في الزمان فلا ننظر إلى الأبدية الإلهية، بل ينبغي أن ننظر إلى الشيء الموجود على المخلوق في زمانه، ثم لا مانع عقلًا من أن تتعلق به إرادة الله الأبدية على أن يكون حيث كان في زمن من الأزمان.

لقد كان مفهوم البساطة في الأبدية الباقية عند أرسطو غير مفهومها الذي لمسناه اليوم لمسًا في هذه الكائنات الأرضية السفلية؛ فلا جرم يكون مفهوم الكمال المطلق عندنا غير مفهومه الذي جعله أرسطو أشبه شيء بالعدم المطلق، غير عامل ولا مريد ولا عالم بسوى النعمة والسعادة، قانع بأنه منعم سعيد.

•••

وعلى هذا يبقى لنا أن نسأل: هل استطاع أرسطو بتجريده الفلسفي أن يسموَ بالكمال الأعلى فوق مرتبته التي يستلهمها المسلم من عقيدة دينه؟

نقول عن يقين: كلا؛ فإن الله في الإسلام إله صمد لا أول له ولا آخر، وله المثل الأعلى؛ فليس كمثله شيء، وهو محيط بكل شيء.

ثم يبقى بعد ذلك أن نسأل: هل تغض العقيدة الدينية من الفكرة الفلسفية في مذهب التنزيه؟

والجواب: كلا، بل الدين هنا فلسفة أصح من الفلسفة إذا قيست بالقياس الفلسفي الصحيح؛ لأن صفات الإله التي تعددت في عقيدة الإسلام لا تعدو أن تكون نفيًا للنقائص التي لا تجوز في حق الإله، وليس تعدد النقائص مما يقضي بتعدد الكمال المطلق الذي ينفرد ولا يتعدد؛ فإن الكمال المطلق واحد والنقائص كثيرة لا ينفيها جميعًا ذلك الكمال الواحد، وما إيمان المسلم بأن الله عليم قدير فعال لما يريد كريم رحيم، إلا إيمانًا بأنه — جل وعلا — قد تنزه عن نقائص الجهل والعجز والجحد والغشم؛ فهو كامل منزَّه عن جميع النقائص، ومقتضى قدرته أن يعمل ويخلق ويريد لخلقه ما يشاء، ومقتضى عمله وخلقه أن يتنزه عن تلك «العزلة السعيدة» التي توهمها أرسطو مخطئًا في التجريد والتنزيه، فهو سعيد بنعمة كماله سعيد بنعمة عطائه، كفايته لذاته العلية لا تأبى له أن يفيض على الخلق كفايتهم من الوجود في الزمان، أي من ذلك الوجود المحدود الذي لا يغض من وجود الله في الأبد بلا أول ولا آخر ولا شريك ولا مثيل.

ومن صفات الله في الإسلام ما يعتبر ردًّا على فكرة الله في الفلسفة الأرسطية، كما يعتبر ردًّا على أصحاب التأويل في الأديان الكتابية وغير الكتابية.

فالله عند أرسطو يَعقل ذاته ولا يَعقل ما دونها، ويتنزه عن الإرادة؛ لأن الإرادة طلب في رأيه والله كمال لا يطلب شيئًا غير ذاته، ويجل عن علم الكليات والجزئيات؛ لأنه يحسبها من علم العقول البشرية، ولا يُعنَى بالخلق رحمة ولا قسوة؛ لأن الخلق أحرى أن يطلب الكمال بالسعي إليه، ولكن الله في الإسلام عالم الغيب والشهادة: لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ (سبأ: ٣)، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (يس: ٧٩)، وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (المؤمنون: ١٧)، وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (الأعراف: ٨٩)، أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (الأعراف: ٥٤)، عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (فاطر: ٣٨)، وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ (المائدة: ٦٤).

وفي هذه الآية رد على يهود العرب بمناسبة خاصة تتعلق بالزكاة والصدقات — كما جاء في أقوال بعض المفسرين — ولكنها ترد على كل من يغلون إرادة الله على وجهٍ من الوجوه، ولا يبعد أن يكون في يهود الجزيرة من يشير إلى رواية من روايات الفلسفة الأرسطية لذلك المقال.

وقد أشار القرآن الكريم إلى الخلاف بين الأديان المتعددة، فجاء فيه من سورة الحج: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (الحج: ١٧).

وأشار إلى الدهريين، فجاء في سورة الجاثية: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (الجاثية: ٢٤).

فكانت فكرة الله في الإسلام هي الفكرة المتممة لأفكارٍ كثيرة موزَّعة في هذه العقائد الدينية، وفي المذاهب الفلسفية التي تدور عليها؛ ولهذا بلغت المثل الأعلى في صفات الذات الإلهية، وتضمنت تصحيحًا للضمائر وتصحيحًا للعقول في تقرير ما ينبغي لكمال الله، بقسطاس الإيمان وقسطاس النظر والقياس.

ومن ثَمَّ كان فكر الإنسان من وسائل الوصول إلى معرفة الله في الإسلام، وإن كانت الهداية كلها من الله.

ومجمل ما يقال عن عقيدة الذات الإلهية التي جاء بها الإسلام أن الذات الإلهية غاية ما يتصوره العقل البشري من الكمال في أشرف الصفات، وقد جاء الإسلام بالقول الفصل في مسألة البقاء والفناء؛ فالعقل لا يتصور للوجود الدائم والوجود الفاني صورة أقرب إلى الفهم من صورتيهما في العقيدة الإسلامية؛ لأن العقل لا يتصور وجودين سرمديين، كلاهما غير مخلوق، أحدهما مجرد والآخر مادة، وهذا وذاك ليس لهما ابتداء وليس لهما انتهاء.

ولكنه يتصور وجودًا أبديًّا يخلق وجودًا زمانيًّا، أو يتصور وجودًا يدوم ووجودًا يبتدئ وينتهي في الزمان.

وقديمًا قال أفلاطون وأصاب فيما قال: «إن الزمان محاكاة للأبد … لأنه مخلوق، والأبد غير مخلوق.»

فبقاء المخلوقات بقاء في الزمن، وبقاء الخالق بقاء أبدي سرمدي لا يحده الماضي والحاضر والمستقبل؛ لأنها كلها من حدود الحركة والانتقال في تصور أبناء الفناء، ولا تجوز في حق الخالق السرمدي حركة ولا انتقال.

فالله هو الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ (الفرقان: ٥٨)، وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ (المؤمنون: ٨٠)، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (القصص: ٨٨).١

وأيًّا كان المرتقى الذي ارتفع إليه تنزيه الفكرة الإلهية في مذهب أرسطو كما شرحناه بعض الشرح، أو مذهب أستاذه أفلاطون كما أومأنا إليه بعض الإيماء؛ فهذا التنزيه الفلسفي قمة مُنْبَتَّة عن البيئة التي عاش فيها الفيلسوفان، ويكاد هذا التنزيه الفلسفي أن يكون خيالًا جامحًا بالنسبة إلى العقائد الإلهية التي كانت فاشية بين الكهان والمتعبدين من أبناء اليونان.

فلا شك أن صورة «زيوس» رب الأرباب عندهم كانت أقرب إلى صورة الشيطان منها إلى صورة الأرباب المنزَّهين، ولو لم يبلغ وصف التنزيه عندهم نصيبًا ملحوظًا من الكمال.

كان «زيوس» حقودًا لدودًا مشغولًا بشهوات الطعام والغرام، لا يبالي من شئون الأرباب والمخلوقات إلا ما يُعينه على حفظ سلطانه والتمادي في طغيانه، وكان يغضب على «أسقولاب» إله الطب؛ لأنه يداوي المرضى فيحرمه جباية الضريبة على أرواح الموتى الذين ينتقلون من ظهر الأرض إلى باطن الهاوية، وكان يغضب على «برومثيوس» إله المعرفة والصناعة؛ لأنه يُعلِّم الإنسان أن يستخدم النار في الصناعة وأن يتخذ من المعرفة قوة تضارع قوة الأرباب، وقد حكم عليه بالعقاب الدائم فلم يقنع بموته ولا بإقصائه عن حظيرة الآلهة، بل تفنن في اختراع ألوان العذاب له فقيَّده إلى جبل سحيق، وأرسل عليه جوارح الطير تنهش كبده طوال النهار حتى إذا جَنَّ الليل عادت سليمة في بدنه لتعود الجوارح إلى نهشها بعد مطلع الشمس … ولا يزال هكذا دَوَالَيْكَ في العذاب الدائم مردود الشفاعة مرفوض الدعاء. ومما رواه الشاعر الفيلسوف «هزيود» عن علة غضب الإله على «برومثيوس» أنه قسم له نصيبه من الطعام في وليمة الأرباب فأكثر فيه من العظام، وأقلَّ فيه من اللحوم والشحوم؛ فاعتقد «زيوس» أنه يتعالم عليه بمعرفته وفطنته؛ لأنه اشتُهر بين الآلهة بمعرفة وافرة وفطنة نافذة لم يُشتَهر بها الإله الكبير. ولا يغيب عنا — ونحن نروي أخبار الإله الكبير منقولة عن «هزيود» — أن هذا الشاعر الفيلسوف قد اجتهد قصارى اجتهاده في تنزيه «زيوس»، وتصويره للناس في صورة من القداسة والعظمة تناسب صورة الإله المعبود بعد ارتقاء العبادة شيئًا ما في ديانة اليونان الأقدمين.

ومما رواه الرواة المختلفون عن «زيوس» أنه كان يخادع زوجته «هيرة»، ويرسل إله الغمام لمدارة الشمس في مطلعها، حذرًا من هبوب زوجته الغَيْرَى عليه مع مطلع النهار ومفاجأته بين عشيقاته على عرش «الأوليمب» … وحدث مرة أنها فاجأته وهو يقبل ساقِيَه «جانيميد» راعيَ الضأن الجميل الذي لمحه يومًا في الخلاء، فاختطفه وصعد به إلى السماء … فلم يتنصل «زيوس» من تهمة الشغف بساقيه، ومضى يُسَوِّغ مسلكه لزوجته بما جهلته من لذة الجمع بين رحيق الكأس ورحيق الشفاه.

•••

وَمَثَلُ الأمم القديمة كمثل اليونان في بُعد الفارق بين صورة الإله في حكمة الفلاسفة وبين صورته في شعائر الكهان والمتعبدين.

فالهند القديمة كانت تطوي هياكلها ومعابدها على طوائف من الأرباب؛ منها ما يلحق بالحيوان وعناصر الطبيعة، ومنها ما يلحق بالأوثان والأنصاب، وكثير منها يتطلب سدنته أن يتقربوا بالبغاء المقدس وسفك الدماء.

وقد انتهت هذه الأرباب المتعددة إلى الثالوث الأبدي الذي اشتمل على ثلاثٍ من الصور الإلهية، هي الإله «براهما» في صورة الخالق، والإله «فشنو» في صورة الحافظ، والإله «سيفا» في صورة الهادم … فجعلوا الهدم والفساد من عمل الإله الأعلى الذي يتولاه حين يتشكل لعباده في تلك الصورة.

وزادوا على ذلك أنهم جعلوا لكل إله قرينًا يسمونه «الشاكتي» أو الزوجة أو الصاحبة، ينسبون إليها من الشرور ما يُنزهون عنه قرينها أو صاحبها.

فهذه الأرباب صور لا تتباعد المسافة بينها وبين صور الشياطين والعفاريت والأرواح الخبيثة المعهودة في أقدم الديانات.

فإذا ارتفعنا في معارج التنزيه والتجريد بلغنا منها ذروتها العليا في صورتين مختلفتين: إحداهما صورة «الكارما» karma، والصورة الأخرى «النرڤانا» NIRVAN، وكلتاهما تُحسب من قبيل المعاني الذهنية، وقَلَّ أن توصف بوصف الذات الإلهية.

فالكارما هي القدر الغالب على جميع الموجودات ومنها الآلهة وأفلاك السماء، وهذا القدر هو في الواقع حالة من الحالات العامة يمكن أن نعبِّر عنها بأنها هي «ما ينبغي»، أو هي الوضع الحاصل على النحو الأمثل؛ فليس القدر المسمى بالكارما عندهم ذاتًا إلهية معروفة الصفات، ولكنه مرادف لكلمة «الابتغاء» أو كلمة «الواجب» كما وجب في الحوادث والموجودات.

والنرڤانا حالة عامة كحالة الكارما، إلا أنها إلى العدم أقرب منها إلى الوجود؛ لأنها الحالة التي تنتهي إليها جميع الأرواح حين تفرغ من عناء الوجود، وتتجرد من شواغل الأجساد وشواغل الأرواح على السواء، وتتساوى أرواح الآلهة وأرواح البشر في حالة النرڤانا هذه كلما سعدت بنعمة الخلود غير محسوس ولا مشهود.

•••

ولسنا نريد في هذه الصفحات القليلة أن نتتبع الصور الإلهية والربوبية كافةً بين أمم الحضارات الأولى، وإنما نجتزئ منها بالنماذج الدالة عليها فيما ارتقت إليه من التنزيه، وفيما هبطت إليه من التجسيم أو التشبيه أو التشويه؛ ولهذا يغنينا عن الاسترسال في شرح عادات الأقدمين أن نضيف إلى ما تقدم مثلًا آخر يتمم أمثلة اليونان والهند، وذلك هو مثل الديانة المصرية القديمة من أبعد عهود الفراعنة إلى عهد الديانات الكتابية، وهي — أي الديانة المصرية القديمة — أرفع الديانات فيما نعلم ترقِّيًا إلى ذروة التوحيد والتنزيه، وإن كانت في عبادتها الشائعة تهبط أحيانًا إلى مهبط الديانات الغابرة من عبادة الطواطم والأنصاب، وعبادة الأرواح الخبيثة والشياطين.

بلغت ديانة مصر القديمة ذروتها العليا من التوحيد والتنزيه في ديانة «آتون» التي بشَّر بها الفرعون المنسوب إليه «أخناتون».

ويؤخذ من صلوات «أخناتون» المحفوظة بين أيدينا أنه كان يصلي إلى خالق واحد يكاد يقترب في صفاته من الإله الخالق الذي يصلي له العارفون من أتباع الديانات الكتابية، لولا شائبة من العبادة الوثنية علقت به من عبادة الشمس، فكانت هذه الشمس الدنيوية رمزًا له ومرادفًا لاسمه في معظم الصلوات.

•••

هذه الشواهد من التاريخ القديم شواهد تمثيل لا شواهد حصر وتفصيل، وهي مغنية في الدلالة على المدى الذي وصل إليه تنزيه الفكرة الإلهية في أمم التاريخ القديم جميعها؛ لأنها تدل على ما وصلت إليه الفكرة الإلهية المنزهة في أرفع الحضارات الأولى وهي الحضارة المصرية، والحضارة الهندية، والحضارة اليونانية.

وجملة الملاحظات على تنزيه الفكرة الإلهية عند الأقدمين أنه كان تنزيهًا خاصًّا مقصورًا على الفئة القليلة من المفكرين والمطَّلعين على صفوة الأسرار الدينية.

ثم يلاحظ عليه بعد ذلك أنه تنزيه لم يسلم في كل آنة من ضعف يعيبه عقلًا ويجعله غير صالح للأخذ به في ديانات الجماعة على الخصوص.

ففي الديانة المصرية لم تسلم فكرة التوحيد من شائبة الوثنية، ولم تزل عبادة الشمس ظاهرة الأثر في عبادة «آتون».

وديانة الهند لم تُعلِّم الناس الإيمان ﺑ «ذات إلهية» معروفة الصفات، وليس في معبوداتها أشرف من الكارما والنرڤانا، وهما بالمعاني الذهنية أشبه منهما بالكائنات الحية، وإحداهما — وهي النرڤانا — إلى الفناء أقرب منها إلى البقاء.

والتنزيه الفلسفي الذي ارتقت إليه حكمة اليونان في مذهب أرسطو يكاد يُلحق الكمال المطلق بالعدم المطلق، ويُخرج لنا صورة للإله لا تصلح للإيمان بها ولا للاقتناع بها على هدًى من الفهم الصحيح.

وكل أولئك لا يبلغ بالتنزيه الإلهي مبلغه الذي جاءت به الديانة الإسلامية صالحًا للإيمان به في العقيدة الدينية، وصالحًا للأخذ به في مذاهب التفكير.

والديانة الإسلامية — كما هو معلوم — ثالثة الديانات المشهورة باسم الديانات الكتابية، مكانها في علم المقارنة بين الأديان مرتبط بمكان الديانتين الأخريين وهما الموسوية والمسيحية، وتجري المقارنة بين الإسلام وبينهما فعلًا في كتابات الغربيين، فلا يتورع أكثرهم من حسبان الإسلام نسخة مشوهة أو محرفة من المسيحية أو الموسوية!

والمسألة — بعدُ — مسألة نصوص محفوظة وشعائر ملحوظة، لا تحتمل الجدل الطويل في ميزان النقد والمقارنة وإن احتملته في مجال الدعوة والخصومة العصبية، ولا حاجة في المقارنة بين هذه الديانات إلى أكثر من ذكر العقيدة الإلهية في كلٍّ منها، للعلم الصحيح بمكانها من التنزيه في حكم الدين وحكم المعرفة النظرية.

إن المراجع التي تلقينا منها عقائد العبريين — كما يدين بها أتباع الديانة الموسوية إلى يومنا هذا — مبسوطة بين أيدي جميع القادرين على مطالعتها في لغاتها الأصيلة أو لغاتها المترجمة، وأشهرها التوراة والتلمود.

فصورة الإله في هذه المراجع من أوائلها إلى أواخرها هي صورة «يهوا» إله شعب إسرائيل، وهي صورة بعيدة عن الوحدانية، يشترك معها آلهة كثيرون تعبدها الأمم التي جاورت العبريين في أوطان نشأتهم وأوطان هجرتهم، ولكن «يهوا» يغار منها ولا يريد من شعب إسرائيل أن يلتفت إليها؛ لأنه يريد أن يستأثر بشعب إسرائيل لنفسه بين سائر الشعوب، وأن يستأثر شعب إسرائيل به لأنفسهم بين سائر الآلهة، وكان إذا غضب منهم لالتفاتهم إلى غيره قال لهم — كما جاء في سفر أشعيا الثاني: «بمن تشبهونني وتسوونني وتمثلونني لنتشابه؟» وكان النبي أرميا يقول لهم بلسان الرب إلههم: «إن آباءكم قد تركوني وذهبوا وراء آلهة أخرى وعبدوها وسجدوا لها، وإياي تركوا، وشريعتي لم يحفظوا …» ثم يقول الرب: «… وأعطيتهم قلبًا ليعرفوا أني أنا الرب، فيكونون لي شعبًا، وأنا أكون لهم إلهًا.»

فلم يكن العبريون ينكرون وجود الآلهة الكثيرين غير إلههم الذي يعبدونه تارة ويتركونه تارة أخرى، ولكنهم كانوا يحسبون الكفر به ضربًا من خيانة الرعية لملكها واعترافهم بالطاعة لغيره من الملوك القائمين بالملك في أرض غير أرضه وبين رعية غير رعيته، وإذا تركوا «يهوا» حينًا من الزمن ثم آثروا الرجعة إلى عبادته فإنما يرجعون إليه؛ لاعتقادهم بالتجربة المزعومة أنه أقدر على النِّكاية بهم، وأن الآلهة الأخرى عجزت عن حمايتهم من سخطه وانتقامه.

وقد وصفوه في كتبهم المقدسة فقالوا عنه مرة: إنه يحب ريح الشواء. وقالوا عنه مرة أخرى: إنه يتمشى في ظلال الحديقة ليتبرد بهوائها. وقالوا عنه — غير هذا وذاك: إنه يصارع عباده ويصارعونه، وإنه يخاف من مركبات الجبال كما يخافها جنوده، وغَبَرُوا رَدْحًا من الدهر وهم يُسوُّون بينه وبين عزازيل شيطان البرية فيتقربون إليه بذبيحة، ويتقربون إلى الشيطان بذبيحة مثلها.

ومن تتبع نعوت «يهوا» من أوائل أيام العبريين في أوطان نشأتهم وأوطان هجرتهم، إلى أواخرها قبل عصر الميلاد المسيحي؛ لم يتبين من تلك النعوت أنهم وسعوا أفق العبادة لهذا الإله، ولا أنهم وسعوا مجال الحظوة عنده، بل إنه ليتبين من نعوته السابقة واللاحقة أنهم كانوا يضيقون أفق عبادته، ويحصرون مجال الحظوة عنده جيلًا بعد جيل؛ فكان شعبه المختار في مبدأ الأمر عامًّا شاملًا لقوم إبراهيم، ثم أصبح بعد بضعة قرون محصورًا مقصورًا على قوم يعقوب بن إسحاق، ثم أصبح بعد ذلك محصورًا مقصورًا على قوم موسى، ثم على أبناء داود وعلى من يدينون لعرشه بالولاء … ومن ذريته كان ينبغي أن يظهر المسيح المخلِّص لهم في آخر الزمان.

•••

وجمد العبريون على عقيدتهم الإلهية؛ فظل «يهوا» إلهًا عبريًّا يستأثر به أبناء يعقوب بن إسحاق، ولا يرجو الخلاص بمعونة منه إلا الذين يدينون بالولاء لعرش داود وذريته من بعده، فلم يتغير هذا الاعتقاد بين العبريين قبل عصر الميلاد المسيحي، ولم يأتِ التغيير فيه من قِبَل أبناء إسرائيل المحافظين على عقيدتهم الأولى، بل أتى هذا التغيير من قِبَل المصلحين المجددين في الدين اليهودي، وقام به من بينهم رسول مغضوب عليه في شرعتهم متهم بالمروق من زمرتهم، وهو عيسى ابن مريم، رضوان الله عليه.

وابتدأ عيسى ابن مريم دعوته الأولى مختصًّا بها بني إسرائيل دون سواهم من العالمين، وذكرت لنا الأناجيل تفصيل الحوار الذي دار بين السيد المسيح وبين المرأة الكنعانية التي توسَّلت إليه أن يُخرج الشيطان من ابنتها، فروى إنجيل مرقص في الإصحاح السابع:

إن امرأة بابنتها روح نجس سمعت به؛ فأتت وخرت عند قدميه، وكانت المرأة أممية — أي من أبناء الأمم غير الإسرائيلية — وفي جنسها فينقية سورية، فسألته أن يخرج الشيطان من ابنتها، وأما يسوع فقال لها: دعي البنين أولًا يشبعون؛ لأنه ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب! فأجابت وقالت: نعم، يا سيد، والكلاب — أيضًا — تحت المائدة تأكل فتات البنين، فقال لها لأجل هذه الكلمة: اذهبي قد خرج الشيطان من ابنتك …

إن السيد المسيح «خرج من هناك وانصرف إلى نواحي صور وصيدا، وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة: ارحمني، يا سيد يا ابن داود، ابنتي مجنونة جدًّا. فلم يجبها بكلمة، فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين: اصرفها؛ لأنها تصيح وراءنا. فأجاب وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. فأتت وسجدت له قائلة: يا سيد، أَعِنِّي. فأجاب وقال: ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب! فقالت: نعم، يا سيد، والكلاب أيضًا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها. حينئذٍ أجاب يسوع وقال لها: يا امرأة، عظيم إيمانك، ليكن لك كما تريدين. فشفيت ابنتها من تلك الساعة.»

ونحن نعلم من هذه القصة، ومن جملة أخبار التلاميذ في الأناجيل أن السيد المسيح قد ثابر على اختصاص بني إسرائيل بدعوته، ولم يتحول عنهم إلى غيرهم إلا بعد إصرارهم على رفضه ولجاجتهم في إنكار رسالته، فوجد بعد اليأس منهم أنه في حِلٍّ من صرف الدعوة عنهم إلى الأمم المقيمة بينهم، وضرب المثل لذلك بصاحب الدار الذي أقام وليمة العرس في داره، وأرسل الدعوة إلى ذويه وجيرانه، فتعللوا بالمعاذير والشواغل ولم يستجيبوا لدعوته، فأطلق غلمانه إلى أعطاف الطريق يدعون من يصادفهم من الغرباء وعابري السبيل، على غير معرفة بهم ولا صلة بينه وبينهم، حتى امتلأت بهم الدار، ولم يبقَ على الموائد مكان لمن اختصهم بالدعوة؛ فأعرضوا عنها.

ويلاحظ في قصة المرأة الكنعانية أنها كانت تدعو المسيح بالسيد ابن داود، وأن عقيدة العبريين لم تزل تعلق آمالهم بالخلاص على يد رسول من ذرية داود، ومن سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

ومضى عصر المسيح، وجاء بعده عصر بولس الرسول، وعقيدةُ الخلاصِ الموقوفِ على سلالة إبراهيم باقية مسلمة بين العبريين الجامدين على تقاليدهم وبين المسيحيين المتحررين من تلك التقاليد، وإنما أُضيف إليها تفسير جديد لهذه البنوة، وهو أنها بنوة روحية لا تتوقف على بنوة الجسد، ولا فارق فيها بين من يحيون سنة إبراهيم الخليل من العبريين أو من الأميين الذين يسميهم العبريون «بالجوييم»، أي: الأقوام الغرباء.

فالعقيدة الإلهية — كما دان بها العبريون، وجمدوا عليها إلى عصر الميلاد — إنما هي عقيدة شعب مختار بين الشعوب في إله مختار بين الآلهة، وليس في هذه العقيدة إيمان بالتوحيد، ولا هي مما يتسع لديانة إنسانية، أو مما يصح أن يحسبه الباحث المنصف مقدمة للإيمان بالإله الذي يدعو إليه الإسلام.

ثم تطوَّرت هذه العقيدة الإلهية بعد ظهور المسيحية، فانتقلت من الإيمان بالإله لأبناء إبراهيم في الجسد إلى الإله لأبناء إبراهيم في الروح، وانقضى عصر السيد المسيح وعصر بولس الرسول، واتصلت المسيحية بالأمم الأجنبية — وفي مقدمتها الأمة المصرية — فشاعت فيها على إثر ذلك عقيدة إلهية جديدة في مذهب العبريين، وهي عقيدة الثالوث المجتمع من الأب والابن والروح القدس، وفحواها أن المسيح المخلص هو ابن الله، وأن الله أرسله فداءً لأبناء آدم وحواء، وكفارة عن الخطيئة التي وقعا فيها عندما أكلا من شجرة المعرفة في الجنة بعد أن نهاهما عن الاقتراب منها.

وظهر الإسلام وفحوى العقيدة الإلهية كما تطورت بها الديانة المسيحية أن الله الإله واحد من أقانيم ثلاثة، هي الأب والابن والروح القدس، وأن المسيح هو الابن من هذه الأقانيم، وهو ذو طبيعة إلهية واحدة في مذهب فريق من المسيحيين، وذو طبيعتين — إلهية وإنسانية — في مذهب فريق آخر.

ومن البديهي أن الباحث الذي يريد تطبيق علم المقارنة بين الأديان على المسيحية والإسلام مطالَب بالرجوع إلى حالة الديانة المسيحية حيث ظهرت دعوة الإسلام في الجزيرة العربية؛ فلا يجوز لأحد من هؤلاء الباحثين أن يزعم أن الإسلام نسخة محرَّفة من المسيحية إلا إذا اعتقد أن نبي الإسلام قد أخذ من المسيحية كما عرفها في بيئته العربية، وفيما اتصل به من البيئات الأخرى حول جزيرة العرب. ومهما يكن من تطور العقائد المسيحية في سائر البيئات ومختلِف العصور، فالعقيدة المسيحية التي يجوز لصاحب المقارنة بين الأديان أن يجعلها قدوة للإسلام إنما هي عقيدة المسيحيين في الجزيرة العربية وما حولها، وقد وصف «جورج سيل» مترجم القرآن إلى اللغة الإنجليزية حالة المسيحيين في الحجاز وفي سائر الأنحاء القريبة منها، فقال ما ننقله من مقدمة ترجمته للقرآن:

إنه من المحقَّق أن ما ألمَّ بالكنيسة الشرقية من الاضطهاد واختلال الأحوال في صدر المائة الثالثة للميلاد قد اضطر كثيرين من نصاراها أن يَلجَئُوا إلى بلاد العرب طلبًا للحرية، وكان معظمهم يَعَاقِبَةً؛ فلذا كان معظم نصارى العرب من هذه الفِرقة. وأهم القبائل التي تنصرت: حِمْيَر وغَسَّان وربيعة وتَغْلِب وبهراء وتَنُوخ وبعض طَيِّئ وقضاعة وأهل نجران والحيرة … ولما كانت النصرانية بهذه المثابة من الامتداد في بلاد العرب لزم عن ذلك — ولا بد — أنه كان للنصارى أساقفة في مواضع جمة لتنظم بهم سياسة الكنائس، وقد تقدم ذكر أسقف ظفار، وقال بعضهم كانت نجران مقام أسقف، وكان لليعاقبة أسقفان: يُدعى أحدهما أسقف العرب بإطلاق اللفظ، وكان مقامه باكولة، وهي الكوفة عند ابن العبري أو بلدة أخرى بالقرب من بغداد عند أبي الفداء، وثانيهما يُدعى أسقف العرب التغلبيين ومقامه بالحيرة. أما النساطرة فلم يكن لهم على هذين الكرسيين سوى أسقف واحد تحت رياسة بطريكهم.

وإلى أن يقول:

أما الكنيسة الشرقية، فإنها أصبحت بعد انقضاض المجمع النيقاوي مرتبكة بمناقشات لا تكاد تنقضي، وانتقض حبلها بمحاكاة الآريوسيين والنساطرة واليعقوبية وغيرهم من أهل البدع. على أن الذي ثبت بعد البحث أن كلًّا من بدعتَي النساطرة واليعقوبية كانت بأن تدَّعيَ اختلافًا في التعبير عن المعتقد أولى من أن تدَّعيَ اختلافًا في المعتقد نفسه، وأن تدَّعيَ حجة يتغلب بها كلٌّ من المتناظرين على الآخر أولى من أن تدَّعيَ سببًا موجِبًا لالتئام مجامع عديدة يتردد إليها جماعة القساوسة والأساقفة، ويتماحكون ليُعليَ كل واحد منهم كلمته، ويحيل القضايا إلى هواه. ثم إن نافذي الكلمة منهم وأصحاب المكانة في قصر الملك كان كل واحد منهم يختص نفرًا من قُوَّاد الجيش أو من أصحاب الخطب يكون لهم عليهم الولاء ويتقوَّى بهم؛ وبذلك صارت المناصب تُنال بالرِّشا والنَّصَفة تُباع وتُشترى جهارًا. أما الكنيسة الغربية فقد كان فيها من تهالُك دماسوس وأرسكينوس في المشاحنة على منصة الأسقفية — أي أسقفية روما — ما أفضى إلى احتدام نار الفتنة وسفك الدماء بين حزبَيهما، وكان أكثر ما تنشأ المناقشات من القياصرة أنفسهم، ولا سيما القيصر قسطنطينوس؛ فإنه إذ لم يقدر أن يميز بين صحيح الدين المسيحي وخرافات العجائز رَبَكَ الدين بكثير من المسائل الخلافية … هذا ما كان عليه حالة النصرانية في بلاد العرب، أما في بلاد هذه الأمة التي هي موضوع بحثنا فلم تكن خيرًا من ذلك؛ فكان في نصارى العرب قوم يعتقدون أن النفس تموت مع الجسد وتُنشر معه في اليوم الآخر، وقيل: إن أوربيجانوس هو الذي دس فيهم هذا المذهب، وكم وكم من بدعة انتشرت في جزيرة العرب حتى لا نقول نشأت فيها! فمن ذلك بدعة كان أصحابها يقولون بألوهية العذراء مريم ويعبدونها كأنما هي الله، ويقرِّبون لها أقراصًا مضفورة من الرقاق يقال لها: كليرس، وبها سُمي أصحاب هذه البدع كليريين … وفضلًا عن ذلك فقد اجتمع — أيضًا — في جزيرة العرب عدد وافر من الفِرق المختلفة الأسماء لَجَئُوا إليها هربًا من اضطهاد القياصرة …

كانت عقائد الفِرق المسيحية في جزيرة العرب وفي العالم المترامي حول جزيرة العرب على هذا النحو الذي وصفه رجل متعصب على الإسلام، لا يهتم بمحاباته، ولا يُظَنُّ به أن يتجانف على المسيحية وهو قادر على مداراتها. ومن الواضح البيِّن أن عقائد الفِرق المسيحية على ذلك النحو لم تكن مما يغري بالإعجاب أو مما يدعو إلى الاقتداء. ومن الواضح البيِّن أن موقف الإسلام كان موقف المصحِّح المتمِّم، ولم يكن موقف الناقل المستعير بغير فهم ولا دراية.

فقد جاء الإسلام بالدعوة إلى إله منزَّه عن لُوثَةِ الشِّرك، منزَّه عن جهالة العصبية وسلالة النسب، منزَّه عن التشبيه الذي تسرَّب من بقايا الوثنية إلى الأديان الكتابية.

فالله الذي يؤمن به المسلمون إله واحد لم يكن له شركاء سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (التوبة: ٣١).

وما هو برب قبيلة ولا سلالة يُؤْثرها على سواها بغير مَأْثُرَة، ولكنه هو رَبُّ الْعَالَمِينَ (التكوير: ٢٩)، خلق الناس جميعًا ليتعارفوا ويتفاضلوا بالتقوى؛ فلا فضل بينهم لعربي على أعجمي ولا لقرشي على حبشي إلا بالتقوى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات: ١٣).

وهو واحد أحد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (الإخلاص: ٣-٤).

لا يأخذ إنسانًا بذنب إنسان، ولا يحاسِب أمة خَلَفَت بِجَرِيرَة أمة سلفت، ولا يُدِين العالم كله بغير نذير: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ (فاطر: ١٨)، تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (البقرة: ١٣٤)، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا (الإسراء: ١٥).

•••

ودينه دين الرحمة والعدل، تفتتح كل سورة من كتابه «بسم الله الرحمن الرحيم».

وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (فصلت: ٤٦)، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ (الحديد: ٣)، وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (الأعراف: ٨٩)، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (يس: ٧٩).

وللباحث في مقارنات الأديان أن يقول ما يشاء عن هذا الإله الواحد الأحد، رب العالمين، ورب المشرقَين والمغربَين، إلا أن يقول إنه نسخة مستمدة من عقائد عرب الجاهلية، أو عقائد الفِرق الكتابية التي خالطت عقائد الجاهليين على النحو الذي وصفه جورج سيل في مقدمته لترجمة القرآن الكريم؛ فإن العقيدة الإلهية التي تُستمد من تراث الجاهليين لن تكون لها صِبْغة أغلب من صِبْغة العصبية، ولا مفخرة أظهر من مفاخر الأحساب، ولن تخلوَ من لُوثَةِ الشرك، ولا من عقابيل العبادات التي امتلأت بالخبائث وحلت فيها الرُّقَى والتعاويذ محل الشعائر والصلوات.

ومعجزة المعجزات أن الإسلام لم يكن كذلك، بل كان نقيض ذلك في صراحة حاسمة جازمة لا تأذن بالهوادة ولا بالمساومة؛ فما من خَلَّة كانت أبغض إليه من خلة العصبية الجاهلية والمفاخرة الجاهلية والتناجز الجاهلي على فوارق الأنساب والأحزاب.

فمن صميم بلاد العصبية خرج الدين الذي ينكر العصبية، ومن جوف بلاد القبائل والعشائر خرج الدين الذي يدعو إلى إله واحد رب العالمين ورب المشرق والمغرب، ورب الأمم الإنسانية جميعًا، بغير فارق بينها غير فارق الصلاح والإيمان.

على أن الباحثين الذين يصطنعون سَمْت العلم من علماء المقارنة بين الأديان في الغرب؛ يطلقون نعوتهم على الإسلام سماعًا فيما يظهر من مقرراتهم أو من مكرراتهم التقليدية التي لا يبدو منها، أنهم كلفوا عقولهم — جدًّا وحقًّا — أن تلم إلمامة واحدة بهذا الدين في جملة أو تفصيل.

ففي كتابٍ من أحدث الكتب عن أديان بني الإنسان ألَّفه أستاذ للفلسفة في جامعة كبيرة، يقول المؤلف المتخصص لهذه الدراسات بعد الإشارة إلى السيف والعنف والاقتباس من النصرانية والصابئية والمجوسية:
إن محمدًا أسبغ على الله — ربه — ثوبًا من الخلق العربي والشخصية العربية٢

ويقول المؤلف: «إن «الحقيقة» التي قررها هنا تتجلى للباحث كلما تقدَّم في دراسة هذا الدين العربي وهذه الشخصية الإلهية العربية.»

بهذا النعت التقليدي ينعت المؤلف إله الإسلام بعد أن تقدم في دراساته على حد قوله! فماذا كان عساه قائلًا لو أنه لم يسمع باسم الإسلام إلا على الإشاعة من بعيد؟!

لعله لم يكن بحاجة إلى التقدُّم وراء البسملة في سورة الفاتحة ليعلم أن المسلم يدين برب العالمين، وأنه يصف ربه بالرحمة مرتين عند الابتداء بكل سورة من سور كتابه! ولعله كان يحسب المقارنة جدًّا وحقًّا، لو أنه قنع بهذه الصفة من صفات إله الإسلام وقارن بينها وبين الصفات التي يختارها غير المسلمين؛ فلا يذكرون الله مُفْتَتَحَ دعواتهم بغير صفة القوة والجبروت Almighty!

فالله رب العالمين، ملك يوم الدين، لم يكن نسخة محرفة من صورة الله في عقيدةٍ من العقائد الكتابية، بل كان هو الأصل الذي يَثُوب إليه من ينحرف عن العقيدة في الإله كأكمل ما كانت عليه، وكأكمل ما ينبغي أن يكون.

ومن ثَمَّ كانت هذه العقيدة الإلهية في الإسلام مصحِّحة متمِّمة لكل عقيدة سبقتها في مذاهب الديانات أو مذاهب الفلسفة ومباحث الربوبية.

فهي عقيدة كاملة صحَّحت وتمَّمت عقيدة الهند في الكارما والنرڤانا؛ لأنها عقيدة في خواء أو فناء مسلوب الذات لا تجاوب بينه وبين أبناء الحياة.

وهي عقيدة كاملة صحَّحت وتمَّمت عقيدة المعلم الأول بين فلاسفة الغرب الأقدمين؛ لأنه كان على خطأ في فهم التجريد والتنزيه، ساقه هذا الخطأ إلى القول بكمالٍ مطلق كالعدم المطلق في التجرد من العمل، والتجرد من الإرادة، والتجرد من الروح.

ودين يُصحِّح العقائد الإلهية، ويتمِّمها فيما سبقه من ديانات الأمم وحضاراتها ومذاهب فلاسفتها؛ تُراه من أين أتى، ومن أي رسول كان مبعثه ومَدْعاه؟!

من صحراء العرب!

ومن الرسول الأُمِّيِّ بين الرسل المبعوثين بالكتب والعبادات!

إن لم يكن هذا وحيًا من الله، فكيف يكون الوحي من الله؟!

ليكن كيف كان في أخلاد المؤمنين بالوحي الإلهي حيث كان، فما يهتدي رجل «أُمِّيٌّ» في أكناف الصحراء إلى إيمان أكمل من كل إيمان تقدم إلا أن يكون ذلك وحيًا من الله، وإنه لَحَجْرٌ على البصائر والعقول أن تُنكر الوحي على هذه المعجزة العليا؛ لأنه لا يصدق عليها في صورة من صور الحَدْس أو الخيال.

(٢) النبوة

نمت في الإسلام فكرة النبوة كما نمت فيه الفكرة الإلهية؛ فبرئت هذه الرسالة السماوية من شوائبها الغليظة التي لصقت بها في عقائد الأقدمين من أتباع الديانات الوثنية والديانات الكتابية، وخلصت من بقايا السحر والكهانة كما خلصت من شعوذة الإيهام الخيالي وبَدَوات الجنون، الذي كانوا يُسمُّونه قديمًا بالجنون المقدس لاعتقادهم أن المصابين به يخلطون هَذَيانهم بوحي الأرواح العلوية التي تستولي عليهم، ونمت نبوة الإسلام نماءها الأوفى حين خلصت من دعوى الخوارق والمغيبات، وهي آية النبوة الكبرى في عرف الأقدمين.

ولم تكن براءة النبوة من هذه الشوائب عرضًا مسوقًا في أطواء العقيدة بغير قصد ولا بيِّنة، بل كان وصف النبوة على هذه الصفة المطهرة فريضة مكتوبة على المسلم يعلمها من نصوص كتابه، ويؤمن بها إيمانه برسالة نبيه.

فما النبوة بقول ساحر — ولا يفلح الساحرون — وما النبي بكاهن ولا مجنون، وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ * وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ (الحجر: ١١–١٥).

فليست الخوارق مما يُغني النبي في دعوة المكابر المفتون؛ إنه ليزعمها إذنْ ضربًا من السحر أو السكر، ولو فتح له الأنبياء بابًا من السماء!

ولقد جاءت الخوارق طائعة لنبي الإسلام فصدَّقها الناس وأبى لهم أن يصدِّقوها أو يفهموها على غير حقيقتها، ولو أنه سكت عنها لحسبوها له معجزة من المعجزات لم يتحقق مثلها من قبل لأحد من المرسلين.

مات ابنه إبراهيم، وانكسفت الشمس ساعة دفنه، وتصايح المسلمون حول القبر: إنها لآية من آيات الله أن تنكسف الشمس لموت ابن محمد — عليه السلام. وكسوف الشمس يومئذٍ خبر من أخبار الفلك الثوابت، أيَّده حساب الفلكيين في العهد الأخير، فلو كان — صلوات الله عليه — رسولًا من الرسل الذين يتصيدون الخوارق أو ينكرونها لأنهم لا يستطيعون أن يدعوها لَمَا كلَّفته هذه الخارقة إلا أن يسكت عنها فلا يدَّعيها ولا يُنكرها، ولكنه لم ينسَ في ساعة حزنه أمانة الهداية للمؤمنين بدينه، وبادرهم لساعتها مذكِّرًا لهم بآيات الله و«أن الشمس والقمر آيتان له لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته …»

وما نحسب أن النبوة تعظم بكرامة قط أكرم لها من التوكيد بعد التوكيد في القرآن الكريم بتمحيص هذه الرسالة السماوية لهداية الضمائر والعقول، غير مشروطة بما غبر في الأوهام من قيام النبوة كلها على دعوى الخوارق والإنباء بالمغيبات: وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (يونس: ٢٠)، قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأعراف: ١٨٨)، قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (الأنعام: ٥٠)، وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ (الأنعام: ٥٩).

بهذه الفكرة الرشيدة عن النبوة يفرِّق الإسلام بين طريقَين شاسعتَين في تاريخ الأديان: طريق موغلة في القِدم تنحدر إلى مهد النبوات الوثنية حيث تشتبك العبادة بالسحر والكهانة، ثم تتقدم في خطوات وئيدة يلتقي فيها الخبل باليقظة، وتختلط فيها الخرافة بالإلهام الصادق والموعظة الحسنة.

وطريق تليها موغلة في المستقبل، يفتتحها صاحب النبوة الأخيرة، فيُعلن أنه يفند السحر والكهانة، ويزري بقداسة الجنون أو جنون القداسة، ويروِّض بصيرة الإنسان على قبول الهداية وإن لم تروضها له روعة الخوارق ودهشة الغيب المجهول؛ لأنه يروض البصيرة الإنسانية على أن تنظر وتبصر، ولا يستوي الأعمى والبصير.

ومن تأمل هذا الفارق بين الطريقَين الشاسعتَين في تاريخ الأديان لا جرم يطيل التأمل، فلا يرى عجبًا أن تكون هذه النبوة خاتم النبوات؛ إذ كان الإصلاح بعدها منوطًا بدعوات يستطيعها من لا يدَّعي خارقة تفوق طاقة الإنسان، ولا يَهُول العقولَ بالكشف عن غيبٍ من الغيوب لا يدريه الإنسان.

•••

وأبعد شيء عن البحث الأمين أن تنعقد المقارنة بين هذه النبوة الإسلامية ونبوءات أخرى تقدمتها، فيزعم الباحث أنها نسخة محرفة منها أو منقولة عنها، فإن الفارق بين نبوءة تقوم حجتها الكبرى على هداية العقل والضمير، ونبوءاتٍ تقوم حجتها الكبرى على الغرائب والأعاجيب؛ لهو من الفوارق البيِّنة التي لا يمتري فيها باحثان منصفان، ودع عنك الفارق بين نبوءة تدعو إلى رب العالمين ونبوءة تدعو إلى رب سلالة أو رب قبيلة، وربما اعترى الخطأ مقياسًا من مقاييس البحث فتساوت لديه الزيادة والنقص وتعادل أمامه الراجح والمرجوح. فأما أن يرجح النقص على الزيادة فذلك هو الخطأ الذي لا ينجم إلا من زيغ في الطبع أو عناد يتعامى عمدًا عن الشمس في رائعة النهار.

والواقع أن النبوة الإسلامية جاءت مصحِّحة متمِّمة لكل ما تقدمها من فكرة عن النبوة، كما كانت عقيدة الإسلام الإلهية مصحِّحة متمِّمة لكل ما تقدمها من عقائد بني الإنسان في الإله.

ومن عجيب الاستقصاء أن القرآن الكريم قد أحصى النبوءات الغابرة بأنواعها؛ فلم يَدَعْ منها نوعًا واحدًا يعرفه اليوم أصحاب المقارنة بين الأديان، ومن تلك الأنواع نبوءة السحر ونبوءة الرؤيا والأحلام ونبوءة الكهانة ونبوءة الجذب أو الجنون المقدس ونبوءة التنجيم وطوالع الأفلاك، وكلها مما يدَّعيه المتنبِّئون ويدَّعون معه العلم بالغيب والقدرة على تسخير نواميس الطبيعة، ولكنها على اتفاقها في هذه الدعوة تختلف بمصادرها ونظرة الناس إليها أيَّما اختلاف.

فنبوءة السحر يغلب عليها أنها موكلة بالأرواح الخبيثة تسخرها للاطلاع على المجهول أو السيطرة على الحوادث والأشياء، ونبوءة الكهانة يغلب عليها أنها موكلة بالأرباب لا تطيع الكاهن، ولكنها تلبي دعواته وصلواته وتفتح لها مغالق المجهول في يقظته أو منامه وترشده بالعلامات والأحلام، ولا تلبي سائر الدعوات والصلوات. ولكنهما — نبوءة السحر ونبوءة الكهانة — تخالفان نبوءة الجذب والجنون المقدس؛ لأن الساحر والكاهن يدريان بما يطلبان ويريدان قصدًا ما يطلبانه بالعزائم والصلوات، ولكن المصاب بالجذب أو الجنون المقدس مغلوب على أمره ينطلق لسانه بالعبارات المبهمة وهو لا يعنيها ولعله لا يعيها، ويكثر بين الأمم التي تشيع فيها نبوءة الجذب أن يكون مع المجذوب مفسِّر يدَّعي العلم بمغزى كلامه ولحن رموزه وإشاراته، وقد كانوا في اليونان يسمون المجذوب «مانتي» Manti ويسمون المفسِّر «بروفيت» Prophet؛ أي المتكلم بالنيابة عن غيره، ومن هذه الكلمة نقل الأوروبيون كلمة النبوة بجميع معانيها، وقلما يتفق الكهنة والمجذوبون إلا أن يكون الكاهن متوليًا للتفسير والتعبير عن مقاصد المجذوب ومضامين رموزه وإشاراته. ويحدث في أكثر الأحيان أن يختلفا ويتنازعا؛ لأنهما مختلفان بوظيفتهما الاجتماعية مختلفان بطبيعة النشأة والبيئة؛ فالمجذوب ثائر لا يتقيد بالمراسم والأوضاع المصطلح عليها، والكاهن محافظ يتلقى علمه الموروث في أكثر الأحيان من آبائه وأجداده، وتتوقف الكهانة على البيئة التي تنشأ فيها الهياكل والصوامع المقصودة في الأرجاء القريبة والبعيدة، ولا يتوقف الجذب على هذه البيئة؛ لأنه قد يعتري صاحبه في البرية كما يعتريه في الحاضر المقصود من أطراف البلاد.

والمقارنة بين النبوة الإسلامية وبين النبوءات التي شاعت في تاريخ العبريين تُغنينا عن تعميم المقارنة في عامة الديانات التي سبقت ظهور الإسلام؛ لأن العبريين قد آمنوا بهذه النبوات جميعًا، وبينهم ظهرت الديانة الموسوية التي كانت أولى الديانات الكتابية ومرجع المقارنة في مسائل النبوة وشعائر العقيدة التي تدور عليها المقارنة بين عبادات أهل الكتاب.

وقد عرفت قبائل العبريين نبوءات السحر والكهانة والتنجيم كما عرفتها الشعوب البدائية، وابتكرت منها ما ابتكرت على سنة الشعوب كافة، واقتبست منها ما اقتبست بعد اتصالها بجيرانها في المقام من أهل البادية أو أهل الحاضرة، ولكنها على خلاف الشائع بين المقلدين من الكُتَّاب الغربيين قد تعلمت النبوة الإلهية بلفظها ومعناها من شعوب العرب، ولم تكن لهذه الكلمة عند العبريين لفظة تؤديها قبل وفودها على أرض كنعان ومجاورتهم للعرب المقيمين في أرض مدين؛ فكانوا يسمون النبي بالرائي أو الناظر أو رجل الله، ولم يطلقوا عليه اسم النبي إلا بعد معرفتهم بأربعة من أنبياء العرب المذكورين في التوراة، وهم ملكي صادق وأيوب وبلعام وشعيب الذي يسمونه «يثرون» معلم موسى الكليم، ويرجح بعضهم أنه الخضر عليه السلام للمشابهة بين لفظ يثرون وخثرون وخضر في مخارج الحروف، ولما ورد من أخبار الكليم مع الخضر عليهما السلام في تفسير القرآن الكريم.

ومن علماء الأديان الغربيين الذين ذهبوا إلى اقتباس العبريين كلمة النبوة من العرب الأستاذ هولشر Holscher والأستاذ شميدث Schmidt، اللذان يرجحان أن الكلمة دخلت في اللغة العبرية بعد وفود القوم على فلسطين. إلا أن الأمر غني عن الخبط فيه بالظنون مع المستشرقين؛ من يفقه منهم اللغة العربية ومن لا يفقه منها غير الأشباح والخيالات، فإن وفرة الكلمات التي لا تلتبس بمعنى النبوة في اللغة العربية كالعرافة، والكهانة، والعيافة، والزجر، والرؤية، تغنيها عن اتخاذ كلمة واحدة للرائي وللنبي. وتاريخ النبوات العربية التي وردت في التوراة سابق لاتخاذ العبريين كلمة النبي بدلًا من كلمة الرائي والناظر، وتلمذة موسى لنبي «مدين» مذكورة في التوراة قبل سائر النبوات الإسرائيلية، وموسى الكليم — ولا ريب — رائد النبوة الكبرى بين بني إسرائيل.

•••

والمطَّلع على الكتب المأثورة بين بني إسرائيل يتبيَّن منها أنهم آمنوا بهذه النبوات جميعًا، وأنهم بعد ارتقائهم إلى الإيمان بالنبوة الإلهية ما زالوا يخلطون بين مطالب السحر والتنجيم ومطالب الهداية، ويجعلون الاطلاع على المغيبات امتحانًا لصدق النبي في دعواه أصدق وألزم من كل امتحان، ولم يرتفع بأكبر أنبيائهم ورسلهم عن مطلب الاتجار بالكشف عن المغيبات والاشتغال في التنجيم.

ففي أخبار صموئيل أنهم كانوا يقصدونه ليدلهم على مكان الماشية الضائعة وينقدونه أجره على ردها … «خذ معك واحدًا من الغلمان وقم اذهب فتش عن الأتن. فقال شاول للغلام: فماذا نقدم للرجل؟ لأن الخبز قد نفد من أوعيتنا، وليس من هدية نقدمها لرجل الله، ماذا معنا؟ فعاد الغلام يقول: هو ذا يوجد بيدي ربع شاقل فضة.»

ويؤخذ من النبوءات التي نسبوها إلى النبي يعقوب جد بني إسرائيل أنهم كانوا يعولون عليه في صناعة التنجيم، فإن النبوءات المقرونة بأسماء أبناء يعقوب تشير إلى أبراج السماء وما يُنسب إليها من طوالع، ومن أمثلتها عن شمعون ولاوي أنهما «أخوان سيوفهما آلات ظلم في مجلسهما لا تدخل نفسي؛ لأنهما في غضبهما قتلا إنسانًا، وفي رضائهما عرقبا ثورًا …»

وهذه إشارة إلى برج التوءمين، وهو برج إله الحرب «زجال» عند البابليين، ويصورون أحد التوءمين وفي يده خنجر، ويصورون أخاه وفي يده منجل. وتشير عرقبة الثور إلى برج الثور الذي يتعقبه التوءمان.

ومن الأمثلة في هذه النبوءات المنسوبة إلى يعقوب مثل يهودا: «جرو أسد جثا وربض كأسد ولبؤة. لا يزول قضيب من يهودا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب.»

وهذه إشارة إلى برج الأسد، وهو عند البابليين برجان يبدو أمام أحدهما برج يشير إلى علامة الملك الذي تخضع له الملوك.٣

وتجري النبوءات عن سائر الأسماء — اثني عشر اسمًا — كل اسم منها يوافق برجًا من أبراج السماء على مثال ما قدمناه.

وقد كثر عدد الأنبياء في قبائل بني إسرائيل كثرةً يُفهَم منها أنهم كانوا في أزمنتهم المتعاقبة يشبهون في العصور الحديثة أصحاب الأذكار ودراويش الطرق الصوفية؛ لأنهم جاوزوا المئات في بعض العهود واصطنعوا من الرياضة في جماعاتهم ما يصطنعه هؤلاء الدراويش من التوسل إلى حالة الجذب تارة بتعذيب الجسد، وتارة بالاستماع إلى آلات الطرب.

جاء في كتاب صموئيل الأول:

أن شاول أرسل لأخذ داود رسلًا فرأوا جماعة الأنبياء يتنبَّئُون وشاول واقف بينهم رئيسًا عليهم، فهبط روح الله على رسل شاول فتنبَّئُوا هم أيضًا، وأرسل غيرهم فتنبأ هؤلاء … فخلع هو أيضًا ثيابه وتنبأ هو أيضًا أمام صموئيل وانتزع عاريًا ذلك النهار كله وكل الليل.

وجاء في كتاب صموئيل كذلك:

… أنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من الأكمة وأمامهم رباب ودف وناي وعود وهم يتنبَّئُون، فيحل عليهم روح الرب فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل آخر.

وكانت النبوة صناعة وراثية يتلقاها الأبناء من الآباء كما جاء في سفر الملوك الثاني: «إذ قال بنو الأنبياء لأليشع هو ذا الموضع الذي نحن مقيمون فيه أمامك قد ضاق علينا فلنذهب إلى الأردن.»

وكانت لهم خدمة تلحق بالجيش في بعض المواقع كما جاء في سفر الأيام الأولى حيث قيل: إن داود ورؤساء الجيش «أفرزوا للخدمة بني آساف وغيرهم من المتنبِّئين بالعيدان والرباب والصنوج.»

•••

وهؤلاء المئات من المحسوبين على النبوة لبثوا بين قبائل إسرائيل وقرًا فادحًا لا يصبر القوم على تكاليفه المرهقة إلا لمنفعة ينتظرونها من زمرة المتنبِّئين الذين يثبت لهم صدقهم، وليست هذه المنفعة إلا الاعتماد حينًا بعد حين على بعض المتنبِّئين في الكشف عن الخبايا والإنذار بالكوارث المتوقَّعة، وأهم ما كان يهمهم من هذه الكوارث أن يحذروا غضب «يهوا»؛ لأنهم جربوا أنه أقدر على النقمة من سائر الأرباب.

وحدث ما لا بد أن يحدث في هذه الحالة من الإسفاف بالكشف الروحي تسخيرًا له في المطالب اليومية على حسب الحاجة إليه في حينه؛ فبدلًا من أن يكون الكشف الروحي لمحة من لمحات الصفاء ترتفع فيها حجب الهوى والضلالة عن البصيرة فتدرك ما لا تدركه في عامة أوقاتها؛ أصبح هذا الكشف صناعة ملازمة لكل من يدَّعي النبوة بحق أو بغير حق، ووجب على النبي في عرفهم أن يكون مستعدًّا بكراماته ومعجزاته كلما أرادها أو أريدت منه، وروى القوم من أنباء هذا الاستعداد ما يشبه الاستعداد للمباراة بين فرق الرياضة من الطرفين المتقابلين، وقد ثبتت لهم غلبة أنبياء يهوا على أنبياء البعل على أثر مباراة من هذه المباريات بينهم في التنبؤ والإنذار بالأخطار.

جاء في كتاب الملوك الأول: أن «إيزابل» امرأة آخاب ملك إسرائيل قتلت مئات من أنبياء «يهوا»، فلم ينجُ منهم غير خمسين خبأهم أحد الوزراء المخلصين للدين، ثم ظهر النبي «إيليا» متحديًا للملك قائلًا كما جاء في الإصحاح الثامن عشر من الكتاب المذكور:

… ولما رأى آخاب إيليا قال له آخاب أأنت هو مكدر إسرائيل؟ فقال: لم أكدر إسرائيل بل أنت وبيت أبيك بترككم وصايا الرب وبسيرك وراء البعليم. فالآن أرسل واجمع إليَّ كل إسرائيل إلى جبل الكرمل وأنبياء البعل أربع المائة والخمسين، وأنبياء السواري أربع المائة الذين يأكلون على مائدة إيزابل. فأرسل آخاب إلى جميع بني إسرائيل وجميع الأنبياء إلى جبل الكرمل، فتقدم إيليا إلى جميع الشعب وقال: حتى تعرجون بين الفرقتين؛ إن كان الرب هو الله فاتبعوه، وإن كان البعل فاتبعوه، فلم يجبه الشعب بكلمة، ثم قال إيليا للشعب: أنا بقيت نبيًّا للرب وحدي وأنبياء البعل أربعمائة وخمسون رجلًا، فليعطونا ثورين فيختاروا لأنفسهم ثورًا واحدًا ويقطعوه ويضعوه على الحطب، ولكن لا يضعون نارًا وأنا أقرب الثور الآخر وأجعله على الحطب، ولكن لا أضع نارًا، ثم تدعون باسم آلهتكم وأنا أدعو باسم الرب، والإله الذي يجيب بنار فهو الله، فأجاب جميع الشعب وقالوا: الكلام حسن.

فقال إيليا لأنبياء البعل: اختاروا لأنفسكم ثورًا واحدًا وقربوا أولًا؛ لأنكم أنتم الأكثر، وادعوا باسم آلهتكم، ولكن لا تضعوا نارًا. فأخذوا الثور الذي أُعطيَ لهم وقربوه ودعوا باسم البعل من الصباح إلى الظهر قائلين: يا بعل أجبنا. فلم يكن صوت ولا مجيب، وكانوا يرقعون حول المذبح الذي عمل، وعند الظهر سخر بهم إيليا وقال: ادعوا بصوت عالٍ؛ لأنه إله لعله مستغرق أو في خلوة أو في سفر أو لعله نائم فيتنبه. فصرخوا بصوت عالٍ وتقطعوا حسب عادتهم بالسيوف والرماح حتى سال منهم الدم، ولما جاء الظهر وتنبَّئُوا إلى حين إصعاد التقدمة ولم يكن صوت ولا مجيب ولا مُنْغٍ، قال إيليا إلى جميع الشعب: تقدموا إليَّ. فتقدم جميع الشعب إليه فرمم مذبح الرب المتهدم ثم أخذ إيليا اثني عشر حجرًا بعدد أسباط بني يعقوب الذي كان كلام الرب إليه، قائلًا: إسرائيل يكون اسمك، وبنى الحجارة مذبحًا باسم الرب، وعمل قناة حول المذبح تسع كيلتين من البذر، ثم رتب الحطب وقطع الثور ووضعه على الحطب وقال املَئُوا أربع جرات ماءً وصبوا على المحرقة وعلى الحطب. ثم قال: ثنوا. فثنوا، وقال: ثلثوا. فثلثوا، فجرى الماء حول المذبح وامتلأت القناة أيضًا ماءً، وكان عند إصعاد التقدمة أن إيليا النبي تقدم وقال: أيها الرب إله إبراهيم وإسحاق وإسرائيل ليُعلَم اليوم أنك أنت الله في إسرائيل، وأني أنا عبدك وبأمرك قد فعلت كل هذه الأمور، استجبني يا رب استجبني ليعلم هذا الشعب أنك أنت الرب الإله، وأنك أنت حولت قلوبهم رجوعًا. فسقطت نار الرب وأكلت المحرقة والحطب والحجارة والتراب ولحست المياه التي في القناة، فلما رأى جميع الشعب ذلك سقطوا على وجوههم وقالوا: الرب هو الله، الرب هو الله. فقال لهم إيليا: أمسكوا أنبياء البعل ولا يفلت منهم رجل. فأمسكوهم فنزل بهم إيليا إلى نهر قيسون وذبحهم هناك، وقال إيليا لآخاب: اصعد واشرب لأنه حس دوي مطر. فصعد آخاب ليأكل وليشرب، وأما إيليا فصعد إلى رأس الكرمل وخرَّ إلى الأرض، وجعل وجهه بين ركبتيه وقال لغلامه: اصعد تطلَّع نحو البحر. فصعد وتطلع وقال: ليس شيء. فقال ارجع سبع مرات. وفي المرة السابعة قال: هو ذا غيبة صغيرة قد كف إنسان صاعد من البحر. فقال: اصعد قل لآخاب اشدد وانزل لئلا يمنعك المطر. وكان من هنا إلى هنا أن السماء اسودت من الغيم والريح، وكان مطر عظيم فركب آخاب ومضى إلى يذرعيل، وكانت يد الرب على إيليا فشد حقويه وركض أمام آخاب حتى تجيء إلى يذرعيل.

وقد صاحبت القوم هذه الفكرة عن النبوة الحاضرة عند الطلب منذ أوائل عهودهم إلى أواخر عهدهم بالأنبياء قبل ظهور السيد المسيح؛ فلم تكن النبوة عند القوم في هذه العهود كافةً إلا صناعة مرادفة صناعة التنجيم، أو لصناعة الفراسة المنذرة بالكوارث المتوقَّعة؛ فهي إما استطلاع للخبايا أو صيحة فزع من نقمة «يهوا» الذي تعودوا أن يعاقبهم بالمصائب الحسية كلما انحرفوا عن سنته، وأشركوا بعبادته ربًّا آخر من أرباب الشعوب التي ينازعونها وتنازعهم على المرعى والمقام.

وما يكون للقوم أن يفهموا من النبوة معنًى غير معناها هذا؛ لأنهم قد تعلموا من أحبارهم وكتبة أسفارهم أن أنبياءهم قد حلوا في محل العرافين العائفين، والسحرة والرقاة الذين ينقلون أقوال الآلهة في غير بني إسرائيل؛ فهؤلاء جميعًا لا يصدقون؛ لأنهم ينقلون المعرفة من أرباب غير «يهوا» رب إسرائيل، وأما شعب إسرائيل فقد قيل لهم: «… فيقيم لك الرب إلهك نبيًّا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون، حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلًا: لا أعود أسمع صوت الرب إلهي! ولا أرى هذه النار العظيمة أيضًا لئلا أموت. قال لي الرب قد أحسنوا فيما تكلموا؛ أقيم لها نبيًّا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه، وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلامًا لم أوصِه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي، وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي يتكلم به الرب مما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر؛ فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي، فلا تخف منه.» (١٨ سفر التثنية).

•••

وهكذا وقر في أخلاد الشعب من أحباره وعلمائه إلى عامة جهلائه أن الكشف على الغيب مرادف لمعنى النبوة، وأن وقوع الخبر هو امتحان الصدق الوحيد الذي يُمتحن به الأنبياء الصادقون فيما يتحدثون به عن الإله، وأن الفرق بين أنبيائه وبين السحرة والعرافين والرقاة في الأمم الأخرى إنما هو فرق بين أناس يحسنون الكشف عن الغيب، وأناس يخطئون في هذه الصناعة؛ لأنهم ينقلون أنبياءهم عن آلهة كاذبة لا تستحق العبادة.

وإنه لَمن المتفق عليه بين أتباع الديانات الكتابية أن بني إسرائيل لم يعرفوا النبوة على مثال أتم وأكمل من نبوة موسى الكليم، ومع هذا كان أرفع ما تصوروه من معنى وحي الله إليه — عليه السلام — أنه كان يخاطبه فمًا إلى فم وعيانًا بغير حجاب، وفي ذلك يقول كاتب الإصحاح الثاني عشر من سفر الخروج إن الله «نزل في عمود سحاب ووقف في باب الخيمة ودعا هارون ومريم فخرجا كلاهما فقال: اسمعا كلامي، إن كان منكم للرب فبالرؤيا أستعلم له وفي الحلم أكلمه، وأما عبدي موسى فليس هكذا، بل هو أمين في كل شيء، فمًا إلى فم وعيانًا أتكلم معه لا بالألغاز.»

وكان اعتقادهم أن موسى عليه السلام يسمع كلام الرب فمًا إلى فم وعيانًا بغير حجاب في كل قضية من قضايا الشعب يعرضونها عليه، حتى علَّمه نبي مدين أن يكل القضاء إلى أناس من ذوي ثقته وخاصة قومه يُلقِّنهم أحكام الشريعة، ويُولِّيهم أمر القضايا مكتفيًا بما يعضل عليهم من كبار القضايا. وفي ذلك يقول كاتب الإصحاح الثاني عشر من سفر الخروج:

وقد حدث في الغد أن موسى جلس ليقضيَ للشعب، فوقف الشعب عند موسى من الصباح إلى المساء، فلما رأى حمو موسى كل ما هو صانع للشعب قال: ما هذا الأمر الذي أنت صانع للشعب؟ ما بالك جالسًا وحدك وجميع الشعب واقف عندك من الصباح إلى المساء؟ فقال موسى لحميه: إن الشعب يأتي إليَّ ليسأل الله؛ إذا كان لهم دعوى يأتون إليَّ فأقضي بين الرجل وصاحبه وأُعرِّفهم فرائض الله وشرائعه. فقال حمو موسى له: ليس جيدًا هذا الأمر الذي أنت صانع، إنك تكل أنت وهذا الشعب الذي معك جميعًا؛ لأن الأمر أعظم منك لا تستطيع أن تصنعه وحدك، الآن اسمع لصوتي فأنصحك، فليكن الله معك، كن أنت للشعب أمام الله وقدم أنت الدعاوى إلى الله، وعلِّمهم الفرائض والشرائع، وعرِّفهم الطريق الذي يسلكونه والعمل الذي يعملونه، وأنت تنظر من جميع الشعب ذوي قدرة خائفين الله أمناء مبغضين الرشوة وتقيمهم عليهم رؤساء ألوف ورؤساء مئات ورؤساء خماسين ورؤساء عشرات، فيقضون للشعب كل حين ويكون أن كل الدعاوى الكبيرة يجيئون بها إليك، وكل الدعاوى الصغيرة يقضون هم فيها وخفف عن نفسك فهم يحملون معك …

وبعد نحو ستة قرون من النبوة الموسوية انتهى عهد الأنبياء في بني إسرائيل، ولم يتغير معنى النبوة عندهم في هذه الفترة الطويلة، بل انحدر إلى ما دون ذلك بكثير؛ لأن موسى الكليم كان يخاطب الغيب ليتلقَّى الشريعة، وينقل إلى الشعب تحذير الله بنصوص ألفاظه، وأما الأنبياء بعده فقد تكاثروا بالمئات ليخاطبوا الغيب فيما دون ذلك من الخبايا اليومية، أو ليتخذوا العلامات والألغاز نذيرًا للشعب بالخسائر الحسية التي تصيبه من جراء الخروج على شريعة موسى.

ويتلخص تاريخ النبوة بين بني إسرائيل إذنْ في كلمات معدودات: أنهم قد استعاروا فكرة النبوة من جيرانهم العرب الذين ظهر فيهم ملك صادق على عهد إبراهيم الخليل، وظهر فيهم بعد ذلك أيوب وبلعام وشعيب؛ ففهموا من النبوة معنًى غير معنى الرؤية والعرافة والسحر والتنجيم، وأنهم ما زالوا يتعلمون من جيرانهم إلى أن أتى موسى الكليم الذي تتلمذ على حميه نبي مدين قبل جهره بدعوته، وبعد أن جهر بهذه الدعوة في مصر وخرج بقومه منها إلى أرض كنعان، ولكنهم أخذوها وسلموها فنقصوا منها ولم يزيدوها، وما كان لهم من حيلة في زيادتها؛ لأنها — كما فهموها — غير قابلة للزيادة والارتقاء، ولا مناص من تدهورها مع الزمن، وهي موقوفة على قوم دون سواهم لا يشاركون الأقوام في هداية واحدة، ولا في جامعة إنسانية ترتفع بمقاييس الأخلاق والفضائل مع ارتفاع بني الإنسان.

كانت قبائل إسرائيل محصورة في نفسها، وكانت عبادتها محصورة في حدودها، وكانت قبلتها القصوى من العبادة أن تسلم في عزلتها مع إلهها الذي احتكرته واحتكرها، فلم تطلب من النبوة إلا ما تلتمسه من السلامة في تلك العزلة: صناعة موقوفة على استطلاع الغيب لتحذيرها من الضربات التي تواجهها ولا تخشاها من إله غير إلهها.

وبعد ستة قرون من آخر رسالة في بني إسرائيل يستمع العالم إلى صوت من جانب الجزيرة العربية يدعو إلى رب العالمين: رب العربي والأعجمي، ورب الأبيض والأسود، ورب كل عشيرة وكل قبيلة، لا يستأثر بقوم ولا يؤْثِر قومًا على قوم، إلا من عمل صالحًا واتقى حدود الله.

صوت نبي ينادي كل من بُعث إليه أنه لا يعلم الغيب، ولا يملك خزائن الأرض، ولا يدفع السوء عن نفسه فضلًا عن قومه، ولا يعلم أن الخوارق والمعجزات تنفع أحدًا لا ينتفع بعقله ولا يتفكر فيما يسمع من نبيٍّ أو رسول!

صوت نبي يقول للناس: إنه إنسان كسائر الناس، وهو بشير يهدي إلى الحق والرشد، نذير يحذر من الباطل والضلال.

أي مشابهة بين الصوتين؟

بل أي اختلاف قط بينهما يجاوز هذا الاختلاف؟

يرثى لمن يقول: إن الصوتين سواء. فأما من يقول: إن النداء باسم رب العالمين نسخة محرفة من النداء برب القبيلة بين شركائه من أرباب القبائل. فإنما هو خطأ حقيق أن يُسمَّى عجزًا في الحس؛ لأنه أظهر للحس من أن يحتاج إلى إطالة بحث أو تعمُّق في تفكير.

ونختم الكلام على النبوة كما نختم الكلام على العقيدة الإلهية سائلين: كيف تسنَّى لنبي الإسلام أن ينفرد بهذه الدعوة وحيدًا في تاريخ الأديان؟

الإرادة الإلهية هي الجواب الذي لا معدى عنه لمن يسأل ذلك السؤال.

ومن آمن بالإله فلا معدى له عن إرادة الله في تفسير هذه الظاهرة التي لا تظهر لها في أديان الكتابيين وغير الكتابيين … نعم لا معدى له عن إرادة الله ولو وصف الرسول بما شاء من نفاذ البصيرة وسمو الضمير.

(٣) الإنسان

الإنسان حيوان ناطق.
الإنسان حيوان مدني بالطبع.
الإنسان حيوان راقٍ.
الإنسان روح علوي سقط إلى الأرض من السماء.

•••

هذه التعريفات أشهر ما اشتُهر من التعريفات المحيطة بمعنى الإنسان:
  • أولها: محيط به من جانب مزاياه العقلية.
  • وثانيها: محيط به من جانب علاقاته الاجتماعية.
  • وثالثها: ينظر إلى ترتيب الإنسان بين أنواع الأحياء على حسب مذهب التطور.
  • ورابعها: ينظر إلى تعريف الإنسان بهذه الصفة إلى قصة الخطيئة التي وقع فيها آدم حين أكل من شجرة المعرفة بغواية الشيطان.

وكل هذه التعريفات تحيط بمعنى الإنسان من بعض نواحيه، وآخرها لا يحيط بمعناه إلا عند من يؤمن بقصة الخطيئة ويؤمن معها بميراث الخطيئة في بني آدم وحواء.

وأما تعريف الإنسان بما وُصف به في القرآن الكريم وأحاديث النبي عليه السلام، فقد اجتمع جملةً واحدة في تعريفَين جامعَين:

«الإنسان مخلوق مكلَّف.»

«والإنسان مخلوق على صورة الخالق.»

فالإسلام لا يعرف الخطيئة الموروثة، ولا يعرف السقوط من طبيعةٍ إلى ما دونها؛ فلا يُحاسب أحد بذنب أبيه ولا تزر وازرة وزر أخرى، وليس مما يدين به المسلم أن يرتد النوع الإنساني ما دون طبيعته، ولكنه مما يؤمن به أن ارتفاع الإنسان وهبوطه منوطان بالتكليف، وقوامه الحرية والتبعة؛ فهو بأمانة التكليف قابل للصعود إلى قمة الخليقة، وهو بالتكليف قابل للهبوط إلى أسفل سافلين، وهذه هي الأمانة التي رفعته مقامًا فوق مقام الملائكة، وهبطت به مقامًا إلى زمرة الشياطين: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ (الأحزاب: ٧٢)، بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (القيامة: ١٤).

•••

وبهذه الأمانة ارتفع الإنسان مكانًا عليًّا فوق مكان الملائكة؛ لأنه قادر على الخير والشر، فله فضل على من يصنع الخير؛ لأنه لا يقدر على غيره ولا يعرف سواه: وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا (الإسراء: ١١).

•••

وبهذه الأمانة هبط الإنسان غرورًا وسرفًا إلى عداد الشياطين: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا (الأنعام: ١١٢)، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ (الإسراء: ٢٧).

•••

وما من نقيصة من نقائص النفس إلا تعرو الإنسان من قبل هذه الأمانة؛ أمانة التكليف: لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (هود: ٩)، إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (إبراهيم: ٣٤)، إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (المعارج: ١٩–٢١)، وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (الكهف: ٥٤)، إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ (العلق: ٦-٧)، إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود * وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيد * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (العاديات: ٦–٨)، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (العصر: ٣)، بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (القيامة: ٥)، وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا (الإسراء: ٦٧)، وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا (النساء: ٢٨)، إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ * أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ (النجم: ٢٣-٢٤).

فهذا الإنسان يتردَّى من أحسن تكوين إلى أسفل سافلين، ولا يزال في الحالين إنسانًا مكلفًا قابلًا للنهوض بنفسه بعد العثرة، قابلًا للتوبة بعد الخطيئة، محاسَبًا بما جنت يداه غير محاسَب بما جناه سواه.

وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ (النجم: ٣٩-٤٠)، وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ (الإسراء: ١٣)، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ (الأنعام: ١٦٤)، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (التين: ٤–٦).

هو مخلوق مكلف.

ذلك جماع ما يُوصف به الإنسان تمييزًا من العجماوات، وتمييزًا من الأرواح العلوية على السواء.

ولهذا كان في أحسن تقويم.

ولهذا يرتد إلى أسفل سافلين.

وقوام التقويم الحسن الإيمان وعمل الصالحات، وسبيل الارتداد إلى أسفل سافلين مطاوعة الهوى والغرور والسرف وطغيان القوة والغنى ومنع الخير والهلع من البلاء والعجلة مع الضعف والإغراء.

وقصة آدم مثلٌ لما يعرض للإنسان من الخطيئة والنجاة.

خطيئته لا تدينه أبدًا ولا تدين أبناءه أبدًا، ونجاته رهينة بتوبته وما ينتفع به من علم ربه: وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ (طه: ١٢١-١٢٢)، فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة: ٣٧).

ومن تمام خواص الإنسانية في عقيدة المسلم أن قابلية التكليف في الإنسان متصلة بقابلية العلم ويسرة الانتفاع بقوى الجماد والحيوان في مصالحه وشئون معاشه … اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (العلق: ٣–٥)، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (البقرة: ٣١-٣٢)، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (الإسراء: ٧٠)، سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ (الحج: ٦٥)، سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ (لقمان: ٢٠).

هذا العلم الذي استعد له الإنسان هو مناط التكليف وهو آمال التبعة التي نهض بها هذا المخلوق المفضَّل على كثير من المخلوقات، الأمين على نفسه وعليها بما وهب له الله من قدرة ومن دراية.

فإذا قامت الكفارة على الخطيئة الموروثة في المسيحية، فالأمانة في الإسلام هي التي يقوم عليها الخلاص ويرجع إليها التكليف، وتكتب عليها تبعته في حياته غير مسئول عما سلف من قبله؛ تبعة يحملها بما كان له من قدرة عليها وعلى سائر مخلوقات الله التي في ولايته.

ولا بد أن تعرض لنا مسألة القدر مع مسألة التكليف، ومسألة القدر — كما لا يخفى — هي معضلة المعضلات في جميع الأديان ومذاهب الحكمة والفلسفة؛ لأنها هي مسألة الحرية الإنسانية والإرادة المختارة، وهي في الحق مسألة الإنسان الكبرى في علاقته الأبدية بالكون، فلا نهاية لها إلى آخر الزمان، ولم تواجهْهَا عقيدة غابرة أو حاضرة بأفضل مما واجهَهَا به الإسلام.

ونظرة موجزة فيما انتهت إليه العقائد والمذاهب في الأمم الغابرة والحاضرة تمهِّد لنا وسيلة المقارنة بين مسألة القدر في تلك العقائد والمذاهب جميعًا، وبين هذه المسألة في الديانة الإسلامية كما بسطتها آيات القرآن الكريم.

كان الهنود الأقدمون يجعلون للقدر الحكم الذي لا حكم غيره في جميع الموجودات، ومنها الآلهة والناس والأحياء والنبات والجماد، ولا فكاك من قبضة «الكارما» في أدوارها التي تتعاقب بين الوجود والفناء إلى غير انتهاء، ولا اختيار للإنسان في الحالة التي يولد عليها؛ لأنها مقدورة عليه من قبل ميلاده منذ أزل الآزال، ولا تبديل لها إلى أبد الآباد حتى ينفصل من دولاب الخلق، باجتناب الولادة واللياذ بعالم الفناء أو عالم «النرڤانا» المطلق من قيود «الوعي» والشعور بالشقاوة أو النعيم.

وحل المجوس مشكلة القدر بعقيدتهم في الثنوية وانقسام الوجود بين إله النور وإله الظلام؛ فكل ما غلب عليه إله النور فهو خير، وكل ما غلب عليه إله الظلام فهو شر، ولا عاصم لإله النور نفسه من غلبة الشر عليه في تلك الحرب السجال التي لا تنتهي إلا بنهايةٍ للكون كله تتخبط فيها الظنون.

وآمن اليونان بغلبة القدر على العباد والمعبودين، ورواياتهم عن ضرباته تمثله للناس هازئًا بهم متحديًا لهم يطاردهم ويتجنى عليهم ويريهم عجزهم عن الفرار من نقمته أو نقمة رسوله «نمسيس» Nemesis ربة الثأر التي تأخذ الجار بذنب الجار، وتُلاحق البعيد بجريرة القريب.

وآمن المصريون الأقدمون بالقدر وبالحرية الإنسانية، فأقاموا في العالم الآخر محكمة سماوية يقف الميت بين يديها ويحاسَب على أعماله، وتحسب له أو عليه صلوات الكهنة والشفعاء.

وآمن البابليون بالطوالع التي تلازم الإنسان بحكم مولده تحت نجمٍ من النجوم في علمهم من نجوم السعود أو نجوم النحوس، وجعلوا للأيام نجومًا تدور معها ولا تخرج هذه الأيام من طالعها، وجعلوا للفصول نجومًا تتداولها ولا تتغير في مجاريها إلا بما يكون من وساطة المنجمين وضحايا أصحاب القرابين.

والديانة الإسرائيلية تؤمن — على ما هو معلوم — باختيار الإله لشعب يُؤْثره على سائر الشعوب، وذرية يُؤْثرها على سائر الذراري، وأناس يُؤْثرهم على سائر الناس قبل خروجهم من بطون الأمهات؛ فبورك يعقوب وحاق السخط الإلهي بعيسوا وهما في البطن جنينان توءمان، وأصابت البركة والسخط بينهما إلى أعقاب الأعقاب: «ومن أحشائك يفترق شعبان، شعب يقوى على شعب وكبير يستعبده صغير …» ولم يبلغ القدر عند بني إسرائيل أن يكون نظامًا كونيًّا يجري عليه قضاء الله مجرى النواميس والشرائع الأخلاقية، بل كان «يهوا» يجري فيه على حكم ثم يندم عليه ويُبدله تارةً بعد تارةٍ على حسب الحالة التي تطرأ بغير حسبان. قال النبي أرميا يتحدث باسم يهوا: «قم انزل إلى بيت الفخاري وهناك اسمع كلامي. فنزلت إلى بيت الفخاري إذا هو يصنع عملًا على الدولاب، ففسد الوعاء الذي كان يصنعه من الطين بيد الفخاري فعاد وعمله وعاء آخر كما حسن في عيني الفخاري أن يصنعه، فعاد إليَّ كلام الرب قائلًا: أما أستطيع أن أصنع لكم كهذا بيدي يا بيت إسرائيل؟ يقول الرب: هو ذا كالطين بين الفخار أنتم كهذا بيدي يا بيت إسرائيل، وتارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بالقلع والهدم والإهلاك فترجع تلك الأمة التي تكلمت عليها عن شرها، فأندم على الشر الذي قصدت أن أصنع بها، وتارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بالبناء والغرس فتفعل الشر في عيني فلا تسمع لصوتي فأندم على الخير الذي قلت إني أحسن إليها به.»

وقد ذُكر في سفر الخروج أن يهوا وصف نفسه فقال:

أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مُبغضيَّ، وأصنع إحسانًا إلى ألوف من مُحبيَّ وحافظي وصاياي.

ثم جاءت المسيحية بعد الإسرائيلية فربطت بين خطيئة آدم وقضاء الموت عليه وعلى أبنائه، ومن لم يربط بين الخطيئة وقضاء الموت من المتأخرين جعل الهلاك الروحي قضاءً محتومًا بديلًا من موت الجسد. وأقدم ما جاء من أقوال الرسل المسيحيين عن قضاء الموت في الإنسان كلام بولس الرسول من رسالته إلى أهل روما؛ فإنه في هذه الرسالة يقرر أن الأكل من الشجرة هو أصل الشر في العالم الإنساني، وكفارته الموت الذي يصيب الجسد، ولا تكون كفارة الروح إلا بفداء السيد المسيح، وقد عاد بولس إلى مثل الفخار والخزف فقال: «ماذا نقول؟ ألعل عند الله ظلمًا؟ حاشا لله؛ لأنه يقول لموسى: ارحم من أرحم وارأف بمن أرأف. فليس الأمر لمن يشاء أو لمن يسعى، بل الله الذي يرحم … ومن أنت أيها الإنسان حتى تحارب الله؟ ألعل الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا؟ أليس للخزاف سلطان على الطين أن يصنع من كتلة واحدة إناءً للكرامة وآخر للهوان؟ فماذا إن كان الله — وهو يريد أن يُظهر غضبه ويُبيِّن قوته — احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيأة للهلاك، ولكي يُبيِّن غنى مجده عمل آنية رحمة قد سبق فأعدها للمجد …»

•••

وتتباعد آراء العلم الطبيعي والفلسفة النظرية في هذه المسألة كما تباعدت عقائد الأديان وأقوال المتدينين فيها، وزبدة آراء العلماء الطبيعيين إلى أوائل القرن العشرين أن قوانين المادة تحكم كل شيء في عالم الجسد؛ فهي ضرورات حتمية لا موضع فيها للحرية الإنسانية إلا أن تجري في مجرى تلك القوانين، ثم جدت في القرن العشرين نظريات تشكك في هذه الحتمية المقيدة بالنواميس والقوانين يقول بها كبار العلماء من طبقة نيلز بوهر الدانماركي صاحب جائزة نوبل للعلوم عن سنة ١٩٢٢، وهيزنبرج الألماني صاحب جائزة نوبل للعلوم سنة ١٩٣٢. والأول يقرر أن الكهارب لا تتبع في انتقالها قانونًا مطَّردًا تجري عليه في الذرة وهي عنصر المادة، والثاني يقرر أن التجربة العلمية لا تأتي في تكرارها بنتيجة واحدة، وأن التجارب جميعًا تؤيد اللاحتمية ولا تؤيد الحتمية التي اصطلح عليها جمهرة العلماء الطبيعيين إلى أوائل القرن العشرين، ويرد على هيزنبرج علماء آخرون فيقولون: إن التجارب تختلف؛ لأن آلات الضبط العلمي لا تحيط بجميع العوامل التي تتكرر في كل تجربة، وإننا إذا تحققنا من وحدة العوامل في كل تجربة متكررة، فالنتيجة لا شك واحدة.

ولا تُحصى مذاهب الفلاسفة وتفريعاتهم على هذه المذاهب في مسألة القدر والحرية والجبرية والحتمية واللاحتمية، إلا أننا نستصفي منها زبدةً جامعةً لمذهب الواقعيين ومذهب الروحيين أو المثاليين؛ فزبدة مذهب الواقعيين أن الإنسان يفعل ما يريد، ولكنه لا يريد ما يريد، وهم يعنون بذلك أن الإرادة تختار، ولكن هذه الإرادة نفسها مقيدة بتكوين الإنسان الذي تشترك فيه الوراثة وبنية الجسم وضرورات البيئة، فلا يخلق الإنسان إرادته، بل تولد فيه هذه الإرادة وتنشأ معه بغير اختياره؛ فيفعل كما يريد، ولكنه لا يريد ما يريد.

وزبدة مذهب الروحيين أو المثاليين أن الإنسان جسد وروح؛ فجسده خاضع لأحكام المادة كسائر الأجساد، وروحه طليق مختار يَخضع لجسده في أمور ويُخضع هو جسدَه في أمور، وهو المسئول إذا انقاد لدواعي جسده ولم يجهد للانتفاع بحريته في مقاومة تلك الدواعي وموازنتها بما يُصلحها عند فسادها ويُقوِّمها عند اعوجاجها.

•••

وجميع هذه المذاهب لا تحل مشكلة القدر على الوجه الحاسم الذي تتفق عليه العقول وترتاح إليه الضمائر، وليس فيها — بتفصيلاتها — عقيدة تَفضُل عقيدة المسلم أو تقترب من حلٍّ لمسألة القدر لم تقترب منه تلك العقيدة.

وقبل أن نُجمِل أقوال الثقات في تفسير آيات القرآن الكريم نعود إلى مشكلة الشر التي قلنا في فاتحة هذا الكتاب إنها مشكلة شعورية، وليست مسألة عقلية في جوهرها، ومشكلة القدر هي مشكلة الشر بعينها معادةً في عبارات أخرى؛ إذ هي مشكلة المحاسبة على الشر الذي يفعله الإنسان ويريد أن يعلم مبلغ نصيبه من التبعة في احتمال جزائه.

وليس في الأمر مشكلة عقلية؛ لأن العقل لا يستطيع — مع الإيمان بوجود الله — أن ينكر قدرته وحكمته وعدله في إجراء حكمته وقدرته.

والعقل كذلك لا يستطيع أن يعتقد أن الإنسان المكلَّف والحجر الجامد سواءٌ في الاختيار، ولا يستطيع أن ينكر التفاوت بين الناس في الحرية أو التفاوت بين أعمال الفرد الواحد في الاختيار على حسب الرغبة والمعرفة.

وإنما تبرز المشكلة عندما تمس الإنسان في شعوره، ويحتاج إلى التوفيق بين قدرة الله وعدله فيما يصيبه من ألم الجزاء وعذاب الندم والتبكيت.

ولا شك عندنا في حقيقةٍ واحدةٍ نعتقد أنها تلم شعث الخلاف كثيرًا بعد طول التأمل فيها …

تلك الحقيقة أن العدل الإلهي لا تحيط به النظرة الواحدة إلى حالة واحدة، ولا مناص من التعميم والإحاطة بحالات كثيرة قبل استيعاب وجوه العدل في تصريف الإرادة الإلهية.

إن البقعة السوداء في الصورة الجميلة وصمة قبيحة إذا حجبنا الصورة ونظرنا إلى تلك البقعة بمعزل عنها، ولكن هذه البقعة السوداء قد تكون في الصورة كلها لونًا من ألوانها التي لا غنى عنها، أو التي تضيف إلى جمال الصورة ولا يتحقق لها جمال بغيرها.

ونحن في حياتنا القريبة قد نبكي لحادث يصيبنا، ثم نعود فنضحك أو نغتبط بما كسبناه منه بعد فواته.

فالنظر إلى الكون في ألف سنة يكشف لنا من دلائل التوفيق بين القدرة الإلهية والعدل الإلهي ما لا تكشفه النظرة إليه في سنة واحدة، وندع القول عن النظرة للحادث الواحد في الناحية الواحدة من حياة فرد بعينه من أفراد الأمم الإنسانية.

وعلى هذا النحو نقول إننا نقترب من التوفيق بين القدرة الإلهية والعدل الإلهي، ولا نقول إننا نحيط بدلائل هذا التوفيق جميعها؛ فإن الإحاطة بدلائل الحكمة الإلهية أمر غير معقول في حكم العقل نفسه؛ إذ كان العقل المحدود لا يحيط بالقدرة التي ليست لها حدود.

وعلى هذا النحو تتوارد آيات القرآن الكريم عن قدرة الله، وعن حرية الإنسان، وعن عدل الله في إجراء قدرته ومحاسبة المخلوق على حريته: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (الإنسان: ٣٠)، وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا (السجدة: ١٣)، ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (الأنفال: ٥٣)، كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (الطور: ٢١)، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (فصلت: ٤٦)، وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (غافر: ٣١)، إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (الأعراف: ٢٨).

ولعل الصعوبة الكبرى إنما تساور العقل من فهم قوله تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا (السجدة: ١٣) فَلِمَ لا يشاء أن تُؤْتَى كل نفس هداها على السواء؟

وتذليل الصعوبة في الجواب نفسه؛ فإن الهداية إذا رُكِّبت في طبائع الناس كما تُركَّب خصائص الأجسام على السواء بين كل جسم وجسم، فتلك هي الهداية الآلية التي لا اختلاف بها بين مدارك الأرواح ولوازم الأجسام المادية، ومن اختار ذلك فإنما يختار لنوع الإنسان منزلة دون منزلته التي كرَّمتْه وفضَّلتْه على سائر المخلوقات.

فالعدل فيما اختاره الله للإنسان أعم وأكرم مما يختاره الإنسان لنفسه إذا هو آثر الهداية التي تُسوِّي بينه وبين الجماد.

•••

وأيًّا كان القرار الذي يسكن إليه المسلم بعد تلاوة هذه الآيات، فمن الصدق لضميره أنه لا بد أن يكون في ذلك القرار عمل للعقيدة الإيمانية، وعمل العقيدة الإيمانية هو أن يعالج شعور القلق بشعور الطمأنينة والثقة، وبخاصةٍ إذا أيقن العقل أن قدرة الله لن تكون إلا على هذه الصفة، وأن حرية الإنسان لن تكون على هذا الوجه، وأن حريته على هذا الوجه لا تُناقض إمكان العدل الإلهي متى التمسنا دلائل هذا العدل في آيات الكون كله، ولم نقصرها على حادث في حياة مخلوق يتغير شعوره بآلامه وعواقبها من حين إلى حين.

•••

وكثيرًا ما تمر بنا في رحلات الغربيين إلى الشرق الإسلامي كلمات منقولة عن التركية والعربية مثل كلمة: «قسمة» وكلمة «مكتوب» وكلمة «مقدر»، يرددونها بالألفاظ محرَّفة عن ألسنة العامة في البلاد التي يرحلون إليها، ويفهمون منها أن المسلم جبري مستغرق في الجبرية، يستسلم للحوادث ولا يرى أن المحاولة تُجديه شيئًا في إصلاح شأنه أو تغيير قسمته. ومما لا مراء فيه أن هذه الجبرية مسموعة على أفواه الجهلاء شائعة بينهم في عصور الجمود والاضمحلال، ولكنها إذا نُسبت إلى الدين لم يكن لنسبتها إليه سند من الكتاب الكريم، ولا من الحديث الشريف؛ فإن جبرية المسلم العارف لكتابه وسنة نبيه لن تكون كجبرية أحد من الذين آمنوا قديمًا بالكارما الهندية أو بالطوالع البابلية أو بالقدر الغاشم في الأساطير اليونانية، ولا يستطيع المسلم العارف لكتابه وسنة نبيه أن يدين بجبرية كجبرية المؤمن باصطفاء الله لسلالة من السلالات وخروج سائر السلالات من حظيرة رحمته ونعمته، ولا يستطيع أن يدين بجبرية كجبرية المؤمن بوراثة الخطيئة وقبول الكفارة عنها بعمل غير عمله، وإنما جبرية المسلم على حسب علمه بدينه؛ جبرية ينتهي إليها كل من آمن بقدرة الله وعدله، وآمن بأن الهداية من طريق التكليف أصح وأدنى إلى العدل الإلهي من هداية آلية تتركب في طبائع الناس جميعًا، كما تتركب خصائص المادة في طبائع الأجسام.

•••

وبعدُ، فنحن نكتب هذا الفصل عن الإنسان في العصر الذي نريد فيه تعريف محيط الإنسان على التعريفات المحيطة التي اشتُهرت من قبل، وأجملناها في أول هذا الفصل لنضيف إليها التعريف المحيط بحقيقة الإنسان في عقيدة الإسلام.

هذا التعريف الجديد الذي زِيدَ في العصر الأخير هو تعريف العلماء النشوئيين القائلين بمذهب التطور أو مذهب النشوء والارتقاء، ومعظمهم يُعرِّفون الإنسان بأنه حيوان راقٍ؛ فيضعون هذا التعريف مقابلًا لقول القائلين إن الإنسان روح منكوس أو ملك ساقط من السماء.

ما قول المسلم في هذا المذهب الجديد؟ أتراه يصدقه؟ أتراه يكذبه؟ وهل في نصوص دينه ما يفسر هذا المذهب تفسير الموافقة والقبول؟ وهل في نصوص دينه ما يفسره تفسيرًا يوجب عليه رفضه والإعراض عنه؟

نحن لا نُحب أن نقحم الكتاب في تفسير المذاهب العلمية والنظريات الطبيعية، كلما ظهر منها مذهب قابل للمناقشة والتعديل أو أظهرت منها نظرية يقول بها أناس ويرفضها آخرون، ومهما يكن من ثبوت النظريات المنسوبة إلى العلم فهو ثبوت إلى حين، لا يلبث أن يتطرق إليه الشك ويتحيفه التعديل والتصحيح، وقريبًا رأينا من فضلائنا من يفسر السماوات السبع بالسيارات السبع في المنظومة الشمسية، ثم تَبيَّن أن السيارات أكثر من عشر، وأن الصغار منها تعد بالمئات ولا يحصرها الإحصاء؛ فليس من الصواب إذنْ أن نُقحم أصول العقيدة في تفسير أقوالٍ وآراء ليست من الأصول في علومها، ولا يصح أن تتوقف عليها الأصول، وحسْب الدين من سلامة المعتقد وموافقته للعقل أنه لا يَحُول بين صاحبه وبين البحث في العلم وقبول الرأي الذي تأتي به فتوح الكشف والاستنباط، وعلى هذه السنة يرجع المسلم إلى آيات كتابه وأحاديث نبيه فلا يرى فيها مانعًا يمنعه أن يدرس التطور، ويسترسل في مباحثه العلمية إلى حيث يلهمه الفكر وتقوده التجربة: ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ (السجدة: ٦–٩)، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (المؤمنون: ١٢).

وإذا اعتقد المسلم أن خلق الإنسان الأول مبدوء من الأرض، وأنه مخلوق من سلالة أرضية، فلا عليه بعد ذلك أن يسفر مذهب التطور عن نتيجته المقررة كيف كانت على الوجه القاطع المتفق عليه، فما يكون في هذه النتيجة نقض لعقيدة المسلم في أصل الإنسان: إنه جسد من الأرض وروح من عند الله، وليس في وسع العالم النشوئي أن يدحض هذه العقيدة برأي قاطع أحق منها بالتصديق والإيمان.

•••

يقول نيتشه في إحدى كلماته التي لا ندري أفي جد أم مزاح: إن الإنسان قنطرة بين القرد والسوبرمان.

وكاد يمزح من يقول هذه الكلمة وإن لم يقصد إلى المزاح؛ فإن القنطرة التي قصاراها أن تنقل الإنسان من قرد إلى سوبرمان لا توجد، ولا يمكن أن توجد؛ فتلك قنطرة لا يبنيها القرد ولا يبنيها السوبرمان، ولا تبني نفسها بيديها ولا تبنيها الطبيعة التي قد تخطو من حالقٍ إلى الهاوية، وقد تخطو من الهاوية يمنةً ويسرةً إلى غير وجهة.

إنما الأحجى أن يقال: إن الإنسان قنطرة من الأرض إلى السماء يبنيها الله؛ قنطرة قرارها أسفل سافلين وذروتها أعلى عليين.

معراج من التراب المجبول إلى أفق الأرواح والعقول: يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (الانشقاق: ٦).

وإنه لملاقيه؛ لأنه مخلوق على صورته كما جاء في الحديث النبوي الشريف.

مخلوق على صورة الخالق.

يرتفع من التراب إلى السماء أوجًا فوق أوج في طريق عسر طويل، هو طريق النهوض بأمانة التكليف.

وما من مسلم يدين بصورة جسدية للإله الواحد الأحد الذي «ليس كمثله شيء» وله المثل الأعلى.

صورته في خلد المسلم كوجهه ويده المذكورين في القرآن الكريم: صورة تناسب كماله، ووجه ويد يناسبان ذلك الكمال.

والإنسان مخلوق على صورة الخالق؛ لأن صورته جل وعلا هي صورة كاملة من الصفات الحسنى في مثلها الأعلى.

رحمة وكرم وعلم وعمل ومشيئة ومجد وعظمة وفتح وإبداع وإنشاء.

وكل صفة من هذه الصفات مطلوبة من الإنسان على غاية ما يستطيع.

لا يرتقي ذلك المرتقى الذي لا يُدرَك بالأبصار ولا بالعقول، ولكنه يرتقي قادرًا على الارتقاء من التراب إلى السماء.

مخلوق على صورة الخالق.

مخلوق تهبط به أمانة التكليف إلى أسفل سافلين وترتفع به إلى أعلى عليين.

ذلك هو الإنسان في عقيدة الإله الواحد الأحد الذي لا أول له ولا آخر.

ذلك هو الإنسان في عقيدة النبي الصادق الأمين: نبي يدعو إلى رب العالمين.

(٤) الشيطان

في الكلمة التمهيدية التي قدمنا بها لكتابنا عن «إبليس» قلنا إن معرفة الإنسان للشيطان كانت فاتحة خير … لأنه لم يعرف الشيطان إلا بعد أن عرف الخير والشر، وعرف الفرق بين الشر والخير؛ فعرف أن الشر لا يجوز، وكان كل ما يعرفه منه أنه لا يسر ولا يوافق مآربه وشهواته، وعرف أن مخالفة المآرب والشهوات لا تكون شرًّا على الدوام، بل هي خير في كثير من الأحيان؛ ومن ثَمَّ عرف كيف يكبح مآربه وشهواته وهو راضٍ مطمئن؛ لأنه يعلم أنه عامل للخير مستقيم على نهج الصلاح.

وقارنَّا في فصول الكتاب بين أسلوب الدين في تعليم الأخلاق وأسلوب التلقين والتعليم الذي سمَّيناه بالأسلوب الأكاديمي — أو أسلوب المطالعة والدراسة — وأن بين الأسلوبين في أعماق النفس وفي ميادين العمل لَبَوْنًا جد بعيد؛ لأن حدود الخير والشر في أحدهما حيوية تمتزج بالشعور والوجدان، وتسمو إلى تقديس الخيرات أو تنحدر إلى النفور من نجاسة الشرور، وما الأسلوب الآخر — أسلوب التلقين والمطالعة — إلا أسلوب أوراق وأذواق تنقسم فيه معاني الخير والشر في الضمير والفكر كأنها أقسام في صفحات أو تصنيفات في الودائع والمخزونات.

وختمنا كتاب إبليس بكلمة عن مقاييس الحقائق التي تعددت وتنوعت، فلا تقاس كلها بمقياس الحساب أو مقياس المعمل أو مقياس التجربة المحسوسة، وبخاصةٍ ما كان منها متصلًا بالضمير والوجدان.

ولا نخال أن السريرة الإنسانية تكشف عن أعماقها بعلمٍ من العلوم كهذا العلم — علم المقارنة بين الأديان — وعلم الدراسات النفسية؛ وهو في خطواته الأولى أو على أبواب النتائج التي لا تتفتح إلا بين التردد والانتظار.

لكن الفائدة المبكرة التي خلصت للعقل الإنساني من بواكير البحث في العلمين أن مقاييس الحقائق تختلف وتتعدد، وأن الحقائق كلها لا تُقاس بأرقام الحساب وأنابيب المعامل وتجارب العلميين ومناظير الفلكيين.

فها هنا حشد من العقائد والأخيلة تمتلئ به سيرة النوع الإنساني في نحو مائة قرن يدركها التاريخ.

ما هي في أرقام الحساب أو أنابيب المعامل أو تجارب الطبيعة أو مناظير الفلكيين.

سهل على أدعياء العلم أن يعرفوها بكلمتين: حديث خرافة!

وحديث الخرافة يجب أن يلغى. فتعالوا نُلغِهِ ونعهد لأدعياء العلم جميعًا أن يبدَءُوا بالنوع الإنساني في تعلُّم الخير والشر والقداسة واللعنة على برنامج غير هذا البرنامج وتربية غير هذه التربية، وليتسلم أدعياء العلم هذا النوع الإنساني قبل مائة قرن وليأخذوا في تعليمه الأبجدية من هذه الدروس.

ولنفرض أولًا فرضًا مستحيلًا أنهم سيكونون قبل مائة قرن على معرفة بما يُسمُّونه اليوم خرافة، وما يُسمُّونه تحقيقًا، وما يُسمُّونه دراسة منطقية أو علمية.

وليبدأ النوع الإنساني في هذه المدرسة بفلسفات الأخلاق على مذاهبها وفروضها واحتمالاتها وردودها ومناقشاتها.

وليحفظ فلسفات الأكاديمية كلها ويتخرج عليها …

ولقد حفظها ولقد خرج منها بما شاء له أدعياء العلم من آراء …!

ولقد وصلنا بعد الرحلة الطويلة إلى القرن العشرين، فماذا نقول؟

نقول إن هذا في الحق هو حديث الخرافة الذي لا يعدو الألفاظ والعناوين وأسماء المدارس والمريدين.

لكن النوع الإنساني ترك هذه الأكاديمية قبل مائة قرن، وأمعن في طريقه الذي هداه إليه القدر وأعدته له الفطرة؛ ونتيجة هذا الطريق أنه أعطى الحياة النابضة لكل خُلق من أخلاق الخير والشر والقداسة واللعنة، وأن علم العلماء اليوم لا يستطيع أن يقيم من الفوارق المحسوسة بين خلق وخلق فارقًا واحدًا كالفارق الذي نفهمه ونحسه ونحياه حين نتكلم عن الخلائق الإلهية والخلائق الملكية أو الخلائق الشيطانية، أو عما يجعلها من الخلائق السماوية أو الخلائق الأرضية أو الخلائق الجهنمية.

إن العلماء الذين يستعيرون تعبيراتهم المجازية من هذه الفوارق لا يفعلون ذلك لعبًا بالألفاظ أو تظرفًا بالتمثيل والتشبيه، ولكنهم يستعيرون ذلك التعبير لأنه أولى وأوضح وأقوى من كل تعبير يستعيرونه من المدرسة النفعية أو المدرسة السلوكية أو المدرسة الانفعالية ومدارس روح الجماعة أو تضامن الهيئات والبيئات، وما إليها من ألفاظ ناصلة ومعانٍ حائلة وأسماء لم تَخلق من مسمياتها شيئًا، وهيهات أن تخلقه ولو تسمَّت بها مئات القرون … وغاية ما تبلغه أنها تأتي إلى محصول القرون بعد زرعه ونقائه واستوائه وحصده، فتكتب العناوين على غلاته وبيادره، ولا تأمن بعد ذلك أن تضل بين تلك العناوين التي كتبتها بيديها.

فهذه الحقائق الوجدانية والقيم الروحية لا تُقاس بمقياس الأرقام وأنابيب المعامل، ومَن أراد أن يقيسها بهذا المقياس فهو الذي سيخطئ لا محالة، كما يخطئ كل واضع لأمر من الأمور في غير موضعه، وكل من يقيس شيئًا وهو يجهل كيف يُقاس …

•••

إن الإيمان شوق عميق من أشواق النفس الإنسانية ينساق إليه الإنسان بباعث من فطرته.

أما الشيء الذي يحتاج إلى أناة الفكرة ورحابة الصدر، وقياس كل حقيقة بما يناسبها من مقاييسها وخصائصها، فذلك هو النفاذ إلى أسرار الإيمان.

وكل العقائد الإيمانية سواءٌ في حاجة إلى أناة الفكر ورحابة الصدر وحسن القياس للنفاذ إلى أسرارها، ولكن العقيدة في عمل الشيطان أحوج هذه العقائد جميعًا إلى التسليم بسعة الحقائق، وتعدد المقاييس التي تكشف عن بواطنها وتنفذ إلى كُنْهِ مدلولاتها.

ومن حضرت في ذهنه سعة الحقائق وجد بين يديه صعوبة لا صعوبة مثلها في رفض فكر الشيطان، كما يرفضها أدعياء العلم الذين لو جَرَوْا على سننهم في إثبات الأشياء لرفضوا وجود المادة الملموسة عجزًا منهم عن إدراك أصولها، وما أصولها إلا العناصر التي تنشق شعاعًا متحركًا في أثير لا وزن له ولا حجم ولا حركة ولا لون ولا طعم، ولا تعرف له صفة واحدة من صفات الأجسام بله الأرواح.

وما نعلم من شيء كهذه العقائد في بواعث الخير والشر قد تراءت فيه يد العناية الإلهية آخذة بيمين هذا الإنسان الضعيف — بل هذا الحيوان الجهول — تقوده من عماية الجهالة إلى هداية التمييز بين الفضيلة والرذيلة، وبين الحلال والحرام، وبين المفروض والمحظور.

ومن ثَمَّ نرى أن مراحل الانتقال في تصور روح الشر — أو تصور الشيطان — قد تكون من أوضح المعالم لمتابعة الضمير الإنساني في ارتقائه وتمييزه، وإنه لمن السهل أن تعرف الإنسان بمقدار ما يشعر به نحو الشر من النفور أو الخوف، وليست بهذه السهولة معرفتنا للإنسان بمقدار ما يتمثله من المثل العليا للخير والفضيلة؛ لأن المثل العليا بطبيعتها تبتعد عن الواقع وتمتزج بالآمال والفروض، ويشبه هذا في عالم الحس أن قياس الانحطاط بالنسبة إلى الحضيض سهل محدود المسافات، ولكن قياس الصعود والارتفاع بالنسبة إلى الآفاق العليا أصعب من ذلك بكثير.

ونحن — بالمقارنة بين هذه المراحل في تصوُّر فكرة الشيطان وسلطان الشر على النفس البشرية — نستطيع أن نُبيِّن مرحلة العقيدة الإسلامية من هذه المراحل، وأن نعرف منها مدى قوة الضمير الإنساني في مواجهة الشر كما طرأت على العقائد لأول مرة في تاريخ الأديان.

بدأ الإنسان خطواته المتعسرة في طريق الخير والشر حيوانًا ضعيفًا يفهم الضرر ولا يفهم الشر ولا يدريه، وإذا فهم الضرر فإنما هو الضرر في جسده أو فيما يطلبه الجسد من مطالب الطعام والشراب والأمن والراحة، وكانت الأرواح كلها ضارة تلاحقه بالأذى والإساءة ما لم يتوسل إلى مرضاتها بوسائل الشفاعة والضراعة أو بوسائل الضحايا والقرابين.

ثم انقسمت الأرواح عنده إلى ضارة وغير ضارة، وما لم يكن ضارًّا منها فليس امتناعه عن الضرر لأنه يحب الخير أو يكره الشر، بل هو يمتنع عن الإضرار به لأنه روح من أرواح أسلافه وذوي قرابته يصادقه كما يصادق الأب ذريته والقريب ذوي قرباه.

ثم طالت مرحلته في هذه الطريق حتى سنح له بصيص من التمييز بين الضرر الذي يجوز والضرر الذي لا يجوز، وقد سنح له هذا البصيص من عادة الارتباط بالعهود والمواثيق بينه وبين أربابه وبينه وبين عشرائه وخلفائه، فما كان مخالفًا للعهود والمواثيق فهو ضرر مستغرب لا يجوز، وما كان ضررًا لا يجوز فهو لون من ألوان الشر الذي كان مجهولًا قبل الارتباط بعهود الصلاة والعبادة أو عهود المحالفة والولاء.

وربما عبر الإنسان في هذه المرحلة عشرات القرون حتى وصل إلى عهد الحضارات العليا، ووصل من ثَمَّ إلى الديانات التي تلائم عقله وضميره في كل حضارة منها.

هنالك عرف الشر والخير وعرف التمييز بين ما يجوز وما لا يجوز، وهنالك ظهرت بين أممه المتقدمة قوى الشر الكونية التي تتصرف في الوجود كله، وتقضي فيه قضاءً يمتد أثره وراء عمر الإنسان الواحد، ووراء أعمال الأجيال والأقوام.

وأرفع ما ارتفع إليه الإنسان في هذه المرحلة عقيدة الهند، فعقيدة الثنوية، فعقيدة مصر الفرعونية.

فكانت عقيدة الهند أن المادة كلها شر أصيل فيها فلا خلاص منه إلا بالخلاص من الجسد، وكان الشر عندهم مرادفًا للهدم والفساد، يتولاه الإله الواحد في صورة من صوره الثلاث: صورة الخالق وصورة الحافظ وصورة الهادم الذي يهدم بيديه ما بناه وما حفظه في صورتيه الأخريين.

وكانت عقيدة الثنوية من مجوس فارس أن الشر من عند إله الظلام، وأن الخير من عند إله النور، وأن الغلبة أخيرًا لإله النور بعد صراع طويل.

وكانت عقيدة مصر الفرعونية أن الإله «سيت» شرير مع أعدائه ومخالفيه، وربما كان منه الخير لأتباعه ومؤيديه، ولم يكن خلاص الروح عندهم منفصلًا عن خلال الجسد، ولا العالم الآخر عندهم مخلوقًا على مثال أرفع من مثال الحياة في وادي النيل.

ويميل علماء المقارنة بين الأديان إلى تفضيل العقيدة الهندية على العقيدتين الفارسية والمصرية، ولكنه تفضيل لا يقوم على أساس صحيح؛ لأن إلغاء الخير في عالم المادة بحذافيره لا يفسح فيه مجالًا للخير ولا يجعل الخلاص منه إلا كالخلاص من مكان موبوء، حدوده كحدود الأبعاد والمسافات، وليس في هذه العقيدة الهندية ما يجعل للهدم لازمة غير لازمة الخلق والحفظ، فكلها من لوازم عمل الإله بغير تفرقة بين هذه الأطوار تأتي من الإله أو تأتي من العباد.

وربما كانت عقيدة مصر الفرعونية أقرب هذه العقائد الثلاث إلى تنزيه الضمير الإنساني من لوثات الوثنية؛ لأنها جعلت للشر نزعة منفردة بين نظم الأكوان، كأنما هي نزعة التمرد في عالم يقوم على الشريعة والنظام.

•••

ثم تميزت من بين عقائد القبائل البدائية والحضارات العليا عقائد الديانات الكتابية التي يدين بها اليوم أكثر من نصف الأمم الإنسانية، ويتغلغل أثرها في الأمم الأخرى شيئًا فشيئًا ولو لم تتحول عن عقائدها الأولى.

تميزت بين ديانات الأولين الديانة العبرية والديانة المسيحية والديانة الإسلامية، وكانت الديانة العبرية جسرًا بين عدوتين: إحداهما عدوة الوثنية والأخرى عدوة التوحيد والتنزيه.

ولهذا لم تتميز قوة الخير وقوة الشر بفاصل حاسم في الديانة العبرية، فكان الشر أحيانًا من عمل الشيطان وأحيانًا من عمل الحية، وكان الشر بهذه المثابة تارة ضررًا لا يجوز، وتارة أخرى ضررًا ماديًّا يأتي من حيوان كريه إلى الناس لما ينفثه من سموم قاتلة، ولم يكن الشيطان منفصلًا من زمرة الملائكة، بل كان من زمرة الحاشية الإلهية التي تنفث سموم الوشاية والدسيسة.

وقد كانوا ينسبون العمل الواحد مرة إلى المعبود «يهوا» ومرة إلى الشيطان، فجاء في كتاب صموئيل الثاني أن الرب غضب على إسرائيل فأهاج عليهم الملك داود وأمره بإحصائهم وإحصاء يهودا معهم، وجاء في كتاب الأيام أن الشيطان هو الذي وسوس لداود بإجراء هذا الإحصاء، ولم يرد اسم الشيطان قبل ذلك في كتب التوراة مقرونًا بأداة التعريف التي تدل على الأعلام كأنه كان واحدًا من أرواح كثيرة تعمل هذه الأعمال التي انحصرت بعد ذلك في روح واحد يسمى الشيطان، ويستعين بمن على شاكلته من الأرواح.

•••

ثم انتقلت فكرة الشيطان مرحلة واسعة بعد ظهور المسيحية فتم الانفصال بين الصفات الإلهية والصفات الشيطانية، وأصبح للإله عمل وللشيطان عمل، ولكنه عمل جسيم يوشك على أن يضارع عمل «أهريمان» إله الظلام؛ لأنه سُمي في الأناجيل باسم رئيس هذا العالم واسم إله هذا الدهر، وكانت له مملكة الدنيا ولله ملكوت السماوات، واستقل بشطر كبير من قصة الخليقة في السماء والأرض، فلولاه لَمَا وقعت الخطيئة، ولا سقط الجنس البشري، ولا وجبت الكفارة بالفداء.

وانتقلت فكرة الشيطان إلى أبعد مراحلها بعد ظهور الإسلام؛ فهو قوة الشر لا مراء، ولكنها قوة لا سلطان لها على ضمير الإنسان ما لم يستسلم لها بهواه أو بضعف منه عن مقاومة الإغراء: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ (الحجر: ٤٢)، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (النساء: ٧٦)، وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم (إبراهيم: ٢٢).

فمن أطاع الشيطان فقد أطاع نفسه فظلمها ولم يظلمها الشيطان: قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الأعراف: ٢٣).

وما يكون لشيطان أن يطلع على الغيب أو ينفذ إلى أسرار العالم المجهول: لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (سبأ: ١٤).

وما يكون للشيطان أن يضر أحدًا بسحره: وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ (البقرة: ١٠٢).

وما كان لهم من سحر إلا أن تضل الأبصار والبصائر كأنما ضلال المسحور ضرب من ضلال المخمور: إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ (الحجر: ١٥)، يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ (طه: ٦٦).

فما كان سحر الشيطان إلا ضربًا من الخيال أو الخبال، وما كان له بقوة من قوى السحر أو قوى العلم أن يهزم ضمير الإنسان، وكل هذه القوة الخفية بجميع خصائصها التي تراكمت حولها في العقائد الغابرة منتهية إلى وجود كأنه العدم، أو كأنه الوهم الذي يملك الضمير الإنساني أن يتجاهله ويمضي على سوائه غير ملتفت إليه لو شاء، وإنه ليشاء فلا يكون له عليه من سلطان لمشيئة الشيطان؛ إذ لا مشيئة له في أمر يوسوس به إلا أن يشاءه الإنسان.

•••

بهذه العقيدة الوجدانية الفكرية أقام الإسلام عرش الضمير، وثل عرش الشيطان.

ومن حق البحث الأمين على الباحث المنصف أن يضيفها إلى عقائد الإسلام في الله وفي النبي وفي الإنسان، فإذا عرف الإنصاف فما هو بقادر على أن يزعم أن الإسلام ديانة محرفة من ديانة محرفة من ديانة سبقت، وإذا عرف الصواب فما هو بقادر على أن يجحد مرتقاه في أطوار الإيمان، وأنه غاية ما ارتفع إليه ضمير المؤمن في ديانات الأقدمين والمحدثين.

(٥) العبادات

يُعرف الدين بعباداته بين أناس كثيرين لا يعرفونه بعقائده، وربما استدلوا على العقائد بالعبادات؛ لأن العبادة فرع من العقيدة يشاهَد عِيانًا في حيز التنفيذ أو التطبيق، ولكنها — على هذا — من فروع العقائد التي يقل فيها الخلاف، وتضيق حولها مواضع الجدل في الخصومات المذهبية؛ إذ كان الغالب على العبادة أنها شعائر توقيفية تؤخذ بأوضاعها وأشكالها، ولا يتجه الاعتراض إلى وضعٍ من أوضاعها إلا أمكن أن يتجه إلى الوضع الآخر لو استُبدل منها ما يقترحه المقترح بما جرى عليه العمل وقامت عليه الفريضة من نشأتها.

لماذا يكون الصوم شهرًا، ولا يكون ثلاثة أسابيع أو خمسة؟

لماذا تكون حصة الزكاة جزءًا من عشرة أجزاء، ولا تكون جزءًا من تسعةٍ أو من خمسةَ عشرَ؟

لماذا نركع ونسجد ولا نصلي قيامًا أو قيامًا وركوعًا بغير سجود؟

من اعترض بأمثال هذه الاعتراضات فليس ما يمنعه أن يعود إلى الاعتراض لو فُرض الصيام ثلاثة أسابيع، أو فُرضت الزكاة فوق مقدارها أو دون هذا المقدار، أو فُرضت الصلاة على وضع غير وضعها الذي اتَّفق عليه أتباع الدين.

وليس معنى ذلك أن هذه الأوضاع لا تُعرف لها أسباب تدعو إليها وتفسر لنا اتباعها دون غيرها، ولكنها في نهاية الأمر أوضاع «توقيفية» لا موجِب من العقل للتحكم فيها بالاقتراح والتعديل؛ لأن المقترح العدل لن يستند إلى حجة أقوى من الحجة التي يرفضها ويميل إلى سواها.

ويسري هذا على كل تنظيم في أمور الدنيا ولا يسري على أمور الدين وحده؛ فلماذا يكون عدد الكتيبة في جيش هذه الأمة ٥٠ — مثلًا — ويكون في جيش أمةٍ غيرها ٤٠ أو مائة؟ ولماذا يُجعَل اللون الأخضر رمزًا لهذا المعنى في ألوان العلم القومي عند قوم من الأقوام، وهو مجعول لغير هذا المعنى عند أقوام آخرين؟

لا مناص في النهاية من أسباب توقيفية يكون التسليم بها أقرب إلى العقل من المجادلة فيها؛ لهذا يقل الخلاف بين أصحاب الأديان في شعائر العبادة حيث يكثر في كل كبيرة وصغيرة من شئون العقائد الفكرية أو عقائد الضمير.

إلا أن هذا كله لا يقضي علينا بقبول كل عبادة على كل وضع يخطر على البال، ولا يمنعنا أن نفاضل بين العبادات فنرى منها عبادةً أفضل من عبادةٍ وفريضةً أولى بالاتباع من فريضة؛ إذ لا شك أن العبادة التي تؤدي غرضها أفضل من العبادة التي لا تؤدي هذا الغرض ولا تؤدي غرضًا من الأغراض، ولا شك في وجود المزايا التي تتفاوت بها العبادات، وإن لم تكن هذه المزايا داخلة في الغرض المقصود بشعائر العبادات.

والغرض من عبادات الأديان ينطوي على أغراض متشعبة يضيق بها الحصر؛ لأنها تقابل أغراض الدنيا جميعًا بأغراض الدين، ولكننا قد نجمعها جهد المستطاع في تنبيه المتدين على الدوام إلى حقيقتين لا ينساهما الإنسان في حياته الخاصة أو العامة إلا هبط به النسيان إلى درك البهيمية، واستغرق في همومٍ مبتذلة لا فرق بينها وبين هموم الحيوان الأعجم — إن صح التعبير عن شواغل الحيوان الأعجم بكلمة الهموم.

إحدى الحقيقتين التي يُراد من العبادة المثلى أن تنبِّه إليها ضمير الإنسان على الدوام؛ هي وجوده الروحي الذي ينبغي أن يشغله على الدوام بمطالبَ غيرِ مطالبه الجسدية وغير شهواته الحيوانية.

والحقيقة الأخرى التي يُراد من العبادة المثلى أن تنبِّه إليها ضميره؛ هي الوجود الخالد الباقي إلى جانب وجوده الزائل المحدود في حياته الفردية، ولا مناص من تذكير الفرد لهذا الوجود الخالد الباقي إذا أُرِيدَ فيه أن يحيا حياة بآثارها إلى ما وراء معيشته اليومية ووراء معيشة قومه، بل معيشة أبناء نوعه، وعبثًا يترقى الإنسان من مرتبة البهيمية إلى مرتبة تعلوها إن جاز أن يعيش أيامه يومًا بعد يوم وهو لا يذكر أنه مطالَب بواجب أكبر من واجب الساعة أو واجب العمر كله؛ فإن الترقيَ في كل صورة من صوره يفضي إلى غاية واحدة هي خلاص الإنسان من ربقة الانحصار في مطالب اليوم والساعة، أو مطالب العمر المحدود بحياته الفردية.

•••

عبادة المسلم في جميع فرائضها تتكفل له بالتنبيه الدائم إلى هاتين الحقيقتين.

إنه في صلاته يستقبل النهار ويتوسطه مرتين، ثم يختمه ويستقبل الليل بالوقوف بين يدي الله كأنه يستهديه في عمله ويؤدي إليه الحساب عن هذا العمل من ساعة اليقظة إلى الساعة التي يستسلم فيها للرقاد أو ينطوي فيها تحت جنح الظلام.

وإن المسلم في صيامه ليذكر حق الروح من شرابه وطعامه، ويذكر أنه ذو إرادة تأخذ بيديها زمام جسدها، ولا تترك لهذا الجسد أن يأخذ بزمامها ويتصرف بها على هواه، وأصح ما يكون الصيام الذي ينبِّه الضمير إلى هذه الحقيقة أن يقدر المرء على ترك الشراب والطعام فترة من الزمن، ولا يكون قصاره منها أن يستبدل شرابًا بشراب وطعامًا بطعام.

أما الزكاة في فرائض الإسلام، فهي المذكِّر له بحصة الجماعة من ماله الذي يكسبه بكدِّه وكدحه، وهي المذكِّر له بأن يعمل لغيره ولا يعمل لنفسه وكفى، وهي الامتحان له فيما تهوى الأنفس من المال والمتاع؛ حيث كان الصيام امتحانًا له فيما تهوى الأنفس من الشراب والطعام.

وإذا كان الإسلام دينًا يدعو الناس كافةً إلى عبادة رب العالمين، فالحج هو الفريضة التي تتمثل فيها هذه الأخوة الإنسانية على تباعد الديار واختلاف الشعوب والأجناس، وهي في اصطلاح العرف الشائع بين الناس بمثابة صلة الرحم وتبادل الزيارة بين أبناء الأسرة الواحدة، يجمعها الملتقى في المكان الذي صدرت منه الدعوة إليها، وهو أجدر مكان في بقاع الأرض أن يتم فيه هذا اللقاء.

ولا حاجة إلى بيان حكمة الركن الأول من أركان الإسلام وهو ركن الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله.

فهاتان الشهادتان هما الركن الذي تقوم عليه أركان العبادات الإسلامية، وبغيره لا يكون المسلم مسلمًا بعقائده وعباداته.

والشهادتان أسهل العبادات بلفظهما؛ لأنه لا يعدو أن يكون نطقًا بكلمات معدودات، ولكنهما بمعناهما أصعب الأركان في الأديان؛ لأنهما انتقال من دين إلى دين، بل مرحلة واسعة بين تاريخ وتاريخ.

•••

وعلى هذه الوتيرة وما شابهها في الفرائض الإسلامية يتاح للمسلم أن يُوفِّق بين عباداته التوقيفية وبين أدائها للغرض من العبادة، وهو تذكيره بوجوده الروحي وتذكيره بوجود أسمى من وجوده وأبقى، وإذا كان تحقيق الغرض من العبادة هو ميزان التفاضل بين الشعائر التوقيفية، فحسب الإسلام من مزية في شعائره أن يُوفِّق بين أوضاعها وأغراضها هذا التوفيق — لو لم تكن له مزية أخرى.

على أن عبادات الإسلام قد امتازت بين عبادات الأديان بمزية لا نظير لها في أرفعها وأرقاها بالنظر إلى حقيقتها أو بالنظر إلى جماهير المتدينين بها، وتلك مزيته البيِّنة التي يرعى بها استقلال الفرد في مسائل الضمير خير رعاية تتحقق لها في نظام حياة.

فالعبادات الإسلامية بأجمعها تكليف لضمير الإنسان وحده، لا يتوقف على توسيط هيكل أو تقريب كهانة.

يصلي حيث أدركه موعد الصلاة، وأينما تكونوا فثَمَّ وجه الله.

ويصوم ويفطر في داره أو في موطن عمله، ويحج فيذهب إلى بيت لا سلطان فيه لأصحاب سدانة، ولا حق عنده لأحد في قربانه غير حق المساكين والمعوزين.

ويذهب إلى صلاة الجماعة فلا تتقيَّد صلاته الجامعة بمراسم كهانة أو إتاوة محراب، ويؤمه في هذه الصلاة الجامعة من هو أهل للإمامة بين الحاضرين باختيارهم لساعتهم إن لم يكن معروفًا عندهم قبل ذلك.

إنه الدين الذي نتعلم منه أن الإنسان مخلوق مكلَّف.

لا جرم تقوم عباداته على رعاية حق الضمير المسئول واستقلاله بمشيئته أكرم رعاية.

ومرة أخرى نعود في ختام هذا الفصل عن العقائد فنسأل: أهذا هو الدين الذي يستبيح من يدري ما يقول أن يزعم أنه نسخة محرفة من دين قديم؟

١  من كتاب «الله» للمؤلف.
٢  “Man’s Religions” by professor John B. Noss Franklin and Marshall College.
٣  The Oracles of Jocob, by Eric Burrows.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١