الفصل الثالث

الحقوق

(١) الحرية الإسلامية

أصدق ما قيل في الأديان العالمية أنها ثورات واسعة، ولا تُقاس السعة في هذه الثورات بامتداد المكان ولا بكثرة العدد؛ لأنها أوسع ما تكون إذا نشبت في داخل النفس الإنسانية، وكانت القوة الثائرة والقوة المتغلبة فيها مملكة واحدة هي مملكة الضمير.

ولا نهاية يومئذٍ لمظاهر التبديل والتغيير التي تتكشف بها الثورة في تلك المملكة الصغيرة الكبيرة؛ لأنها تلحق بكل ما تزاوله النفس من شئونها الباطنة والظاهرة؛ تلحق بالأفكار والهواجس الخفية، وتلحق بالعادات أو الأخلاق، وتلحق بالعُرف والقانون، وتلحق بالنظم الاجتماعية والدساتير الحكومية، وتلحق بالحاكمين والمحكومين، وتلحق بكل مملكة؛ لأنها لحقت قبل ذلك بتلك المملكة الصغيرة الكبيرة: مملكة الضمير!

وأوسع ما تكون ثورة الضمير إذا جاءت من قبل الثورة في تقدير الحقوق.

إن الثائر لِضيقٍ نزل به يهدأ إذا انفرج ذلك الضيق، وإنه ليثور كما تثور الريح المحجوزة والحيوان الحبيس، ما هو إلا أن يرتفع الحاجز وينفتح الباب حتى تهدأ الثورة ويسكن الثائر والمثير، ولكنه إذا وثب وثبته في سبيل حق يؤمن به لا يرجع عنه أو يظفر به كما يطلبه، وإذا ظفر به لنفسه لم يَكفُفْ عن الطلب وهو يراه مضيَّعًا عند غيره، ويكاد يلمس في كل شيء نذيرًا له بضياع الحق، وحافزًا له على حمايته أن يضيع؛ فإنما الثورة الباطنة هي مِحضَأ الثورة الظاهرة، وطالب الحق هو المطلوب الذي لا ينام عن طلبه، وهو الرقيب على سريرته قبل كل رقيب.

ولم تعلَن في ثورات العالم الدينية حقوق عامة للإنسان قبل ثورة الإسلام في القرن السادس للميلاد؛ لأن الإنسان نفسه لم يكن عامًّا فيوليه الدين حقوقًا عامة، وإنما وُلد هذا الإنسان — العام — يوم آمن الناس بإله يتساوى لديه كل إنسان وكل إنسان، ويوم نِيطَتْ حقوقه بواجباته بغير تفرقة بين قبيل وقبيل.

فمن تحصيل الحاصل أن يقال إن حقوق الإنسان لم تكن منظورة من ثورة دينية قبل ثورة الدين الذي دعا الناس إلى عبادة رب العالمين، فإنما توجد الحقوق العامة إذا وجد صاحبها الذي يستحقها ويؤدي لها فرائضها، ولم يوجد لهذه الحقوق صاحب مضطلع بها في ثورة دينية قبل ثورة الإسلام؛ إذ لم يكن هناك الإنسان الذي يتساوى في كل قبيل وكل مكان.

على أننا نرجع إلى تاريخ الثورات الاجتماعية أو السياسة قبل الإسلام، فلا نراها تخالف الثورات الدينية المعاصرة لها في كبير طائل، ولا نرى بينها حركة يصدق عليها أنها حركة «حقوق إنسانية» بمعنًى من معاني هذه العبارات كما نفهمها في العصر الحاضر؛ فربما كان بينها ما يسمونه بحركات الديمقراطية في بلاد اليونان، وربما بدا لهم من كلمة الديمقراطية أنها من حركات الشعب، فهي على هذا خليقة أن تحسب من حركات الحقوق الإنسانية، وليست هي كذلك حتى في دلالتها اللفظية التي نشأ منها الغلط في فهم حقيقتها؛ لأن كلمة «ديموس» اليونانية كانت تطلق على المحلة التي تسكنها القبيلة، ثم أطلق النظام الديمقراطي عندهم على الحكومة التي تشترك القبائل في انتخابها، ولم يكن اشتراكها في الانتخاب اعترافًا بحق إنساني يتساوى فيه آحاد الناس، وإنما كان اعترافًا بالقبيلة واتقاءً لمعارضها وإضرابها عن العمل في الجيش وتلبية نفير الدفاع.

ومثل هذا الحق في رومة «التربيون» الذي تنتخبه القبيلة ويشتق من اسمها Tribe، ولا شأن لانتخابه بما نسميه اليوم حقوق الإنسان.

وقد توالت على اليونان والرومان أنواع من الحكومات الديمقراطية لم يكن لها من مبدأ تقوم عليه غير أنها خطط عملية لأمن الفتنة، واستجلاب الولاء من المجنَّدين للجيش والأسطول من أبناء القبائل وأصحاب الصناعات، وآية ذلك أن الحكومة الديمقراطية نشأت بين الأسبرطيين أصحاب النظم والإجراءات الإدارية، ولم تنشأ بين الأثينيين أصحاب الفلسفات والبحوث النظرية، وليس هذا بالمستغرَب من اليونان الأقدمين إذا نظرنا إلى حقوق الانتخاب في الديمقراطيات الغربية إلى أواسط القرن العشرين … فإن هذا الحق كان يتدرج في التعميم على حسب الحاجة إلى الناخبين في مصانع الحرب وفي جيوش المقاتلين، فناله العمال في البلاد الصناعية قبل أن يناله الزارع، ونالته المرأة بعد أن أصبحت عاملة في المصانع تنوب فيها عن الجند المقاتلين، وناله السود في الولايات المتحدة بعد اضطرار الدولة إلى خدمتهم في المصانع وفي الجيوش على التدريج بين الحربين العالميتين.

غير هذا ولا ريب هو المقصود بالديمقراطية الإنسانية، فإنها حقوق معترَف بها للإنسان، وليست خططًا عملية يوجبها تكافؤ القوى بين الطوائف وجماهير الناخبين، وليست الديمقراطية الإنسانية مما يُتصور بغير عناصره الثلاث التي لا انفصال بينها، وهي: المساواة والمسئولية الفردية وقيام الحكم على الشورى وعلى دستور معلوم من الحدود والتبعات، وهذه هي العناصر الثلاثة التي نادى بها الإسلام لأول مرة في تاريخ الإنسان: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات: ١٣)، كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (الطور: ٢١)، وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ (الشورى: ٣٨).

ونبي الإسلام هو القائل — صلوات الله عليه: «لا فضل لعربيٍّ على عجميٍّ ولا لقرشيٍّ على حَبَشيٍّ إلا بالتقوى.»

وهو القائل — صلوات الله عليه — في خطبة الوداع:

أيها الناس، إن ربكم واحدٌ، وإن أباكم واحدٌ، كُلُّكم لآدمَ، وآدمُ من ترابٍ، إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربيٍّ على عجميٍّ ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أبيضَ فضلٌ إلا بالتقوى.

وهو القائل — صلوات الله عليه: «يا معشر قريشٍ، اشتَرُوا أنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، ويا بني عبدِ مَناف، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا عباسُ بنَ عبدِ المطلب، ما أُغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، سليني ما شئتِ من مالي، لا أُغني عنكِ من الله شيئًا.»

وطالما قيل عن هذه الديمقراطية الإسلامية إنها هي الديمقراطية العربية نقلها الإسلام في بيئة الصحراء التي نشأ فيها.

وهي كلمة من كلمات القشور التي تجوز على الأسماع بغير عناء؛ لأن الطلاقة شبيهة بالمعهود من الصحراء في الحس والخيال.

إلا أن الطلاقة الحسية — فيما وراء القشور — لا تشبه حرية الحقوق في أصلٍ من أصولها التي تقوم عليها … إنها كطلاقة الريح في الفضاء وطلاقة العصفور في الهواء وطلاقة الأوابد بعيدًا من المطاردين والأعداء، وشتان الحرية الإنسانية — حرية الحقوق المرعية — وهذه الطلاقة التي يتمتع بها الحيوان والإنسان على السواء بمعزل عن العوارض والرقباء.

فإذا تركنا هذه الطلاقة في بيدائها الغافلة عنها، وبحثنا عن حرية الحقوق في حكومة من حكومات الجاهلية لم نجد ثَمَّةَ إلا استبدادًا بالأمر كأشد ما عُرف الاستبداد في دولة من دول الطغيان ذوات الصولة والصولجان؛ فقد كانت القدرة على الظلم قرينة بمعنى العزة والجاه في عُرف السيد والمسود من أمراء الجزيرة من أقصاها في الجنوب إلى أقصاها في الشمال. وما كان الشاعر النجاشي إلا قادحًا مبالغًا في القدح حين استضعف مَهجُوَّه لأن:

قبيلته لا يغدرون بذمة
ولا يظلمون الناس حبة خردل

وما كان حجر بن الحارث إلا ملكًا عربيًّا حين سام بني أسد أن يستعبدهم بالعصا، وتوسل إليه شاعرهم عبيد بن الأبرص حيث يقول:

أنت المملَّك فوقهم
وهم العبيد إلى القيامة
ذلوا لسوطك مثلما
ذل الأشيقر ذو الخزامة

وكان عمرو بن هند ملكًا عربيًّا حين عوَّد الناس أن يخاطبهم من وراء ستار، وحين استكثر على سادة القبائل أن تأنف أمهاتهم من خدمته في داره.

وكان النعمان بن المنذر ملكًا عربيًّا حين بلغ به العسف أن يتخذ لنفسه يومًا للرِّضَى يغدق فيه النعم على كل قادم إليه خبط عشواء، ويومًا للغضب يقتل فيه كل طالع عليه من الصباح إلى المساء.

وقد قيل عن عزة كليب وائل: إنه سُمي بذلك لأنه كان يرمي الكليب حيث يعجبه الصيد فلا يجسر أحد على الدنو من مكان يسمع فيه نباحه. وقيل: «لا حُر بوادي عوف»؛ لأنه من عزته كان لا يأوي بواديه من يملك حرية في جواره، فكلهم أحرار في حكم العبيد.

ومن القصص المشهورة قصة عمليق ملك طسم وجديس الذي كان يستبيح كل عروس قبل أن تُزف إلى عريسها، وفيه تقول فتاتهم عفيرة:

فإن أنتمُ لم تغضبوا بعد هذه
فكونوا نساءً لا تعاب على الكحل
ودونكمُ طيب العروس فإنما
خُلقتم لأثواب العروس وللنسل

ويستوي أن تصح هذه القصة على علاتها أو لا تصح منها إلا الرواية والنظم الموضوع؛ فإنها لصحيحة بجوهرها كل الصحة إذا وقر في أذهان الرواة والسامعين أن الظلم حق للقادر المعتز بقدرته، وأن إذلال الأعزاء علامة العزة فوق كل عزيز. ولو لم يكن هذا دأب الملوك في معهود العرب الأولين لَمَا قالت إحدى الملكات فيما رواه القرآن الكريم على لسانها: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ (النمل: ٣٤).

•••

فالديمقراطية الإسلامية إذنْ لم تكن نباتًا نما في الجاهلية وورثه الإسلام منها؛ لأن الديمقراطية لم يكن لها وجود في الجاهلية لوجود الإمارة والرئاسة الحكومية، وما كان منها غير ذلك من قبيل الطلاقة المرسلة في الصحراء الواسعة فإنما هو طلاقة مادية كطلاقة الطائر في جوه، أو كطلاقة الهواء الذي لا عائق له في فضائه، والماء الذي لا عائق له في مجراه. وتلك الطلاقة المادية — إن جاز أن نُسمِّيَها حرية — فإنما هي الحرية التي يستمتع بها المرء؛ لأنها شيء مزهود فيه لا يجد من يصادره أو يرغب فيه.

ولم تكن الديمقراطية الإسلامية كذلك نباتًا منقولًا من تربة أجنبية؛ لأن الديمقراطية الإسلامية ديمقراطية حقوق تلازم الإنسان، وما نبت قبلها من الديمقراطيات فهو على أحسنه خطط عملية تمليها الضرورة على حسب الحاجة إليها، وليس هناك «إنسان» يحق له أن يطلبه إذا فقد القدرة عليه؛ لأن هذا «الإنسان» صاحب الحق في الديمقراطية باعتباره «إنسانًا» مساويًا لسائر أبناء آدم وحواء لم يكن له وجود مفهوم قبل الدعوة الإسلامية.

لم تنبت الديمقراطية الإسلامية في تربة الصحراء ولا في تربة الحضارة، ولكنها كانت معجزة إلهية مثلها في الظهور بين الجاهليين كمثل الإيمان بالإله الواحد الأحد الذي لا يحابي قومًا لأنهم قومه دون سائر الأقوام، ولا يلعن قومًا لأنهم ورثوا اللعنة من الآباء والأجداد.

حق الإنسان والإيمان بالله رب العالمين كلاهما معجزة إلهية تجلت بها قدرة الله على غير مثال سابق متسلسل من أسبابه في بيئته، ولا فيما جاورها من البيئات؛ فإن السوابق التي سلفت قبل الدعوة الإسلامية كانت كسوابق المرض الذي يتطلب الدواء، ولم تكن كسوابق العلاج الذي ينتهي بالشفاء، وتلك هي السوابق التي تتجلى فيها قدرة الله على يد رسول من رسله ينبعث بالهداية ملهَمًا موفَّقًا بوحي من الله، فيصنع المعجزة التي لم تمهد لها أسبابها ودواعيها؛ لأن أسبابها الخفية ودواعيَها الكامنة في السريرة الإنسانية تفوت ذرع العقول ولا تدخل في الحساب.

ولسنا نحب أن يفهم القارئ من كلامنا أن المعجزة الإلهية تقلب أوضاع الأمور وتأتي في أوانها بغير سبب مقدور، وإنما نريد أن نقول: إن الأسباب لا تنكشف كلها لعلم الإنسان، وإن علم الله هو الذي يحيط بالخوارق التي لا تدخل في الحسبان.

فالمرض الذي يؤدي إلى الموت سبب، والمرض الذي يؤدي إلى العلاج المنقذ سبب، فإذا اختلط علينا السببان وجاء الشفاء من حيث نتوقع الهلاك والفناء، فتلك معجزة من المعجزات الإلهية علمها عند الله، وأسبابها غير الأسباب التي نقدرها لها قبل وقوعها.

نشأت الدعوة الإسلامية في بيئة مريضة بأدواء العصبيات وضروب الضلال في اختلاط من العبادات والخرافات، فلو جرت الأسباب التي ندركها في مجراها المعهود، فالدعوة التي تأتي من قبل هذه البيئة لن تدعوَ إلى إله واحد يتساوى لديه جميع الناس، ولن تمنح الإنسان حقًّا واحدًا يتساوى فيه جميع الناس.

ولكن هذه الدعوة جاءت بهذا وذاك؛ جاءت بالدعوة إلى رب العالمين وإلى الحق الذي يتساوى فيه أبناء آدم وحواء، وجاءت بذلك لأن إنسانًا واحدًا خَلق الله فيه من قوة الروح ما يكافئ تلك العصبيات جميعًا وتلك الضلالات جميعًا، ويتغلب عليها ويجريها في غير مجراها.

ذلك هو رسول الله.

وتلك هي المعجزة الإلهية.

وأسبابها نفهمها الآن، بعد أن هُدينا إليها، ولكننا لم نكن لنفهمَها لو ترقَّبناها قبل وقوعها وانتظرناها من حيث تُنتظر الأسباب العاملة في حياتنا، ولا سيما الأسباب التي نحسبها اليوم من الأسباب «الطبيعية» دون سواها. معجزة من المعجزات الإلهية أن تجيء الدعوة إلى رب العالمين من صحراء لا تعرف غير الفوارق بين العصبيات والأنساب.

ومعجزة مثلها أن يجيء من تلك الدعوة حق الإنسان الذي يرفعه عمله ولا يرفعه نسبه، أيًّا كان هذا النسب بين الأعراق والأقوام.

ولا انفصال بين المعجزتين بعد الرَّوِيَّة في السبب الذي تنبعثان منه والنهاية التي تؤديان إليها.

كلتا المعجزتين صادرة من ينبوع واحد؛ فمن آمن برب العالمين لم يؤمن برب فريق دون فريق من الناس، ومن آمن بالمساواة بين أعمال الناس وحقوقهم فلن يؤمن بربٍّ غير ربهم أجمعين.

ويقال بحق: إن الإنسان يتطلب المثل الأعلى في الصفات الإلهية، وإنه من أجْل هذا لا ينزه حاكمه عن صفة يقبل الاتصاف بها في حق الله.

ومن البديهي أنه لا يتخيل حاكمه منزهًا عن المحاباة بين رعاياه إذا جاز عنده أن الله لا يتنزه عن المحاباة بين خلقه في غير عمل ولا مزية.

فلا جرم كان الإيمان برب العالمين إيمانًا بحق العدل والمساواة، وإيمانًا بالديمقراطية التي تقوم على هذا الحق في الأرض وفي السماء.

ولله المثل الأعلى.

والله في عقيدة المسلم هو أحكم الحاكمين.

فهو الحاكم الذي لا يظلم أحدًا، ولا يحاسب أحدًا بغير تكليف، ولا يُغير ما بالعبد حتى يُغير ما بنفسه، ولا يأمر الحاكم بأمر إلا كان هذا الأمر من شريعته في عباده، ومن نواميسه في قضائه وقدره … وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (الكهف: ٤٩)، إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (النساء: ٤٠)، ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (الأنفال: ٥٣)، إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (الرعد: ١١)، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا (الإسراء: ١٥)، وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (فاطر: ٢٤).

وإذا كان هذا عهد الله على نفسه أمام خلقه، فالثورة التي جاء بها الإسلام في عالم الحقوق أرفع وأوسع من أن تُحسب من تلك الثورات التي تبتدئ وتنتهي في نطاق الحركات الاجتماعية أو السياسة. إنها ثورة كونية ترتفع بالحقوق والقيم في نظر الإنسان إلى أعلى فأعلى وإلى أكمل فأكمل؛ فلا تبقى له من علاقة ببني نوعه أو بالكون الذي يحتويه إلا ارتفعت بمقدار ما ارتفع عنده من حق ومن قيمة.

•••

ومن أجمل ما في الإسلام أن هذه الحقوق العليا فيه لا تَحرم الإنسان حقه في الحياة، ولا تُزهده في طيباتها ومحاسنها؛ فحق الضمير لا يجور على حقه في الحياة الدنيا. وهو مأمور بالسعي والعمل والاستمتاع بما يكسبه بسعيه وعمله من نعمتها وزينتها، أمره بذلك كأمره برعاية حقه من العدل والحرية والكرامة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا (البقرة: ١٦٨)، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ (البقرة: ٢٦٧)، يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا (الأعراف: ٣١)، لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ (المائدة: ٨٧).

•••

ونقول: إن الأمر بحق الحياة من أجمل ما جاء به الإسلام؛ لأن الإنسان لم يتعود من الدين قبله أن يأمره بهذا الحق، وإنما تعود من أديان كثيرة أن تنهاه عنه، وأن تجعل زهده في الأرض شرطًا لحظوته في السماء.

(٢) الأمة

آمن المسلمون بالحق الإلهي فجعلوا الأمة مصدرًا لجميع السلطات ومرجعًا لجميع المسئوليات؛ وهذا هو الحق الإلهي إذا فُهم على سوائه ولم تنحرف به الأهواء إلى غير معناه، خدمة للمطامع وتزجية للمآرب عند ذوي السلطان.

لا مصدر للسلطة العامة في الإسلام غير الأمة.

ولا مرجع فيه للمسئولية العامة غير الأمة.

ولا تعارض بين هذا وبين نصوص الكتاب وسنة الرسول.

فإن النصوص والسنن لا تقوم بذاتها، بل تقوم بمن يفهمها ويعلمها ويعمل بها ويؤديها على وجوهها، وكل أولئك تشمله الأمة بما انطوت عليه من خاصتها وعامتها، وجملة ذوي الحل والعقد والعاملين من عليتها وسوادها.

فهي التي تأتمر بنصوص الكتاب والسنة، وهي المسئولة عن صوابها وخطئها حيث ائتمرت به واتفقت عليه أو اختلفت فيه.

وأول ما تكرر من ذلك الحق كان في حياة النبي ، فإنه كان مأمورًا بمشاورة أمته، وكان الأمر بينهم شورى في كل شأن من الشئون غير التبليغ الذي خصه الله به ولولاه لم تكن الدعوة إلى هذا الدين: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (آل عمران: ١٥٩)، وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ (الشورى: ٣٨).

ولما قُبض — عليه السلام — إلى الرفيق الأعلى كانت ولاية الأمر بعده لمَن توليه الأمة وتبايعه على الخلافة، وتولاها من تولاها من الخلفاء الراشدين بالبَيعة العامة، ولم يدع أحد بعدهم حقًّا في ولايتها بغير هذه البيعة.

ولا يوجد في الإسلام حق بغير تبعة، فحق الأمة فيه وتبعتها متكافئان متساويان.

حقها تام وتبعتها تامة.

حقها تام لا يصدها عنه ذو سلطان بغير رضاها، وتبعتها تامة لا يعفيها من جرائرها عذر من الأعذار.

وهي متكافلة متضامنة في حقوقها وتبعاتها؛ لأنها متكافلة متضامنة فيما يصيبها من عواقب أعمالها … وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً (الأنفال: ٢٥).

فلا عذر لها في ضلال تنساق إليه متابعة لأسلافها، ولا عذر لها في ضلال تنساق إليه متابعة لأحبارها وكبرائها، فإن اللائمة لَتعود عليها في ذلك كله كما عادت على الذين من قبلها: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (البقرة: ١٧٠)، قَاتَلَهُمُ اللهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ (التوبة: ٣٠-٣١)، قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا (النساء: ٩٧).

•••

هذه المسئولية التامة المتناسقة بين طوائف الأمة وطبقاتها تمليها شريعة تامة متناسقة في عقائدها وتكاليفها، ولولا هذا التناسق في الدين الإسلامي لكان اضطلاع الأمة بمسئولياتها العامة من النقائض التي لا تُعقل في قسطاس العدل أو في منطق الواقع؛ لأنها تسوم الناس من جانبٍ ما تبطله من الجانب الآخر.

فالأحبار والكهان في الأمم الخالية كانوا يقومون بينها هيئة مفروضة عليها، مرسومة بمراسمها الموروثة وأزيائها المقررة وإتاواتها المضروبة عليها كأنها ضرائب الدولة، وكانت هذه الهيئة قائمة في الطليعة تهتدي فيهتدي من يليها، وتضل فلا يملك أحد سبل الهداية من ورائها، وكان سبيل الهداية الوحيد أن يتصدَّى نبي من الأنبياء لهذا السد المغلق فيحطمه، ويفتح فيه الثغرة التي يسلكها من يتطلع إلى بصيص من النور يطالعه من لدنها.

ولو فرض الإسلام على الأمم هيئة كهذه الهيئة لَمَا استقام للأمة حقها العام، ولا تَسنَّى لها أن تضطلع بتبعاتها العامة، إلا أنه أعفاها من طغيان الكهانة وفتح أمامها منادح للفكر الإنساني لم تكن مفتوحة من قبله؛ فجعل النصيحة حقًّا لكل قادر عليه من أُولي الفهم والدراية، وجعل العلم وظيفة عامة يطلبها من يشاء ويتولاها من يشاء، ولا سلطان له على الناس غير سلطان القدوة الحسنة والإقناع بالحجة والبيِّنة الصادقة، وهو المسئول إن خان هذه الأمانة، والمستمعون له هم المسئولون إن سمعوها فلم يستجيبوا لندائها: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ (آل عمران: ١٠٤).

وما هلكت الأمم من قبلهم إلا لأنهم كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ (المائدة: ٧٩).

وإن كلمة «المنكر» وحدها لكافية في الدلالة على هذه الفريضة العامة؛ فإنها من الإنكار الذي يشيع بين الناس فلا يجري بينهم أمر من الأمور أنكروه ولم يتعارفوا عليه. فإذا اصطلحوا على المنكر وجهلوا الأمر بالمعروف، فتلك أيضًا جريرتهم يحاسَبون عليها ما دام من حقهم أن يتجنبوها، ولا ظلم ولا حيف في هذه المسئوليات العامة بين الأمم، بل الظلم والحيف أن يتساوى الجاهلون والعارفون، أو تتساوى جماعة الجهلاء الذين نفعتهم ويلات الجهل وبلاياه فجهدوا جهدهم للخلاص منه، وجماعة الجهلاء الذين سدروا مع الجهل ولم يشعروا بويلاته وبلاياه، ولا يحل في قسطاس العدل على كل حال أن تكون الأمة مصدرًا لجميع السلطات إلا إذا كانت مع هذا مرجعًا لجميع التبعات والمسئوليات، ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (آل عمران: ١٨٢).

•••

ولا يُحسب على الإسلام أن المسلمين لم يحفظوا حقهم ولم يضطلعوا بتبعتهم، وإنما يُحسب عليه أنهم حفظوا الحق ثم ندموا على حفظه، واضطلعوا بالتبعة ثم ندموا على الاضطلاع بها، أو يُحسب عليهم أنهم ضيعوا الحق فلم يُصِبْهم بلاء من تضييعهم إياه، وأنهم نكصوا عن التبعة فلم يُصِبْهم بلاء من النكوص عنه. ولم يحدث من هذا ما يدعو المسلم إلى الندم على إيمانه بدينه، ولكنه قد حدث منه مرارًا ما يدعوه إلى الندم على التفريط في أوامر هذا الدين القويم ونواهيه.

•••

ولعله من علامات الخير أن تدول الدول وأن يذهب ما أفسدت من أمور الدين والدنيا، وتبقى للمسلم عقيدته في حقوق أمته مصونة في قلوب المحافظين والمجددين ملحوظة في آراء الوادعين والثائرين، يقول أشدهم محافظة ما يقوله أشدهم قلقًا وثورة، ويتلاقى الماضي والمستقبل لديهم أجمعين على كلمة سواء يسمعها من شاء بعد أربعة عشر قرنًا، كما سمعها أسلافه قبل أربعة عشر قرنًا في صدر الإسلام وإبان الدعوة المحمدية.

يقول إمام من أشهر الأئمة المتأخرين بالمحافظة على القديم:
إن كتب الكلام … كلها مطبقة متفقة على أن منصب الخليفة والإمام إنما يكون بمبايعة أهل الحل والعقد، وأن الإمام إنما هو وكيل الأمة، وأنهم هم الذين يولونه ملك السلطة، وأنهم يملكون خلعه وعزله، وشرطوا لذلك شروطًا أخذوها من الأحاديث الصحيحة. وليس لهم مذهب سوى هذا المذهب١

ولا يفوتنا في ختام هذه الكلمة عن حقوق الأمة أن ننبِّه إلى حقيقة النسبة إلى الأمة حيثما وردت في القرآن الكريم؛ فإن كتاب الله يعني بهذه الكلمة أن الخطاب الإلهي موجه إلى الأمم عامة لا تستأثر به أمة، ولا تُحجب عنه أمة، خلافًا لمن قال من بني إسرائيل إن «الأمم» لا تتلقَّى خطابًا من الله وإنهم وحدهم — أمة إسرائيل — قد استأثروا بهذا الخطاب دون خلق الله.

ويدل على ذلك أن كلمة «الأميين» قد وردت في القرآن الكريم مقابِلة لأهل الكتاب، أو لأهل الكتاب من بني إسرائيل خاصةً في غير موضع، فالأميون قد وردت في سورة آل عمران مرتين منسوبة إلى كل أمة غير بني إسرائيل: ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ (آل عمران: ٧٥)، وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ (آل عمران: ٢٠).

•••

وقد وردت بهذا المعنى حيث جاء في القرآن الكريم أن الله بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا (الجمعة: ٣)، تكذيبًا لدعوة الذين يزعمون أن الله تعالى لا يخاطب الأمم، وتذكيرًا لهم بأن الأمة هي موضع الخطاب من الله كلما بعث إليها برسول: وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (فاطر: ٢٤).

(٣) الأسرة

الأسرة هي الأمة الصغيرة، ومنها تعلَّم النوع الإنساني أفضل أخلاقه الاجتماعية، وهي في الوقت نفسه أجمل أخلاقه وأنفعها.

من الأسرة تعلَّم النوع الإنساني الرحمة والكرم، وليس في أخلاقه جميعًا ما هو أجمل منهما وأنفع له في مجتمعاته.

فالرحمة في اللغة العربية من الرحم أو القرابة، وهي كذلك في اللغات الهندية الجرمانية؛ لأن كلمة «كايند» Kind مأخوذة كذلك من الرحم، وكلمة الطفل التي تتمثل الرحمة كلها في العطف عليه مأخوذة منها.
والكرم في اللغة العربية مأخوذ من النسب الصريح الذي لا هجنة فيه، وهو في اللغات الهندية الجرمانية مأخوذ كذلك من «الجانر» Genre

والمنسوب إليها هو الكريم.

وإذا تتبَّعنا سائر الفضائل والمناقب الخُلقية المحمودة بلغنا بها في أصل من أصولها — على الأقل — مصدرًا من مصادر الحياة في الأسرة؛ فالغيرة والعزة والوفاء ورعاية الحرمات كلها قريبة النسب من فضائل الأسرة الأولى، ولا تزال من فضائلها بعد تطوُّر الأسرة في أطوارها العديدة منذ عشرات القرون.

ولا بقاء لما كسبه الإنسان من أخلاق المروءة والإيثار إذا هجر الأسرة وفكَّك روابطها ووشائجها.

فمن عادى الأسرة فهو عدو للنوع الإنساني في ماضيه ومستقبله. ولا يعادي الأسرة أحد إلا تبيَّنت عداوته للنوع الإنساني من نظرته إلى تاريخ الأجيال الماضية، كأنه ينظر إلى عدو يُضمر له البغضاء ويهدم كل ما أقامه من بناء.

وما من سيئة تُحسب على الأسرة بالغة ما بلغت سيئاتها من الكثرة والضرر هي مسوغة لمُحب بني الإنسان أن يهدم الأسرة من أجلها، ويُعفِّي على آثارها.

فحب الأسرة — حقًّا — قد سوَّل للناس كثيرًا من الجشع والأَثَرة، ومن الجبن والبخل، ومن الكيد والإجرام.

وكذلك حبُّ الإنسانِ نفسَه قد فعل هذا في العالم الإنساني وزيادة.

ولكننا لا نمحو الإنسان ولا نمحو الأسرة من أجل الأثرة وأضرارها، وإنما نمحو الأثرة ما استطعنا ونوفِّق بينها وبين الإيثار غاية ما يستطاع التوفيق بين الخليقتين، ونفلح في ذلك مع الزمن؛ لأننا أفلحنا كثيرًا في تعميم روابط الأسرة الصغيرة بين أبناء الأسرة الكبيرة وهي الأمة، ولأننا أفلحنا كثيرًا في تعميم المنافع والمرافق من هذه المثابة فضلًا عن المناقب ومكارم الأخلاق. فلولا الأسرة لم تحفظ صناعة نافعة تَوارثها الأبناء عن الآباء، ثم توارثها أبناء الأمة جمعاء، ولولا الأسرة ما اجتمعت الثروات التي تفرقت شيئًا فشيئًا بين الوارثين وغير الوارثين من الأعقاب، ولولا الأسرة لاستجاب لدعوة الهدم والتخريب كل من لا خلاق له من حثالات الخلق ونفاياتهم في كل جماعة بشرية؛ فالأسرة هي التي تمسك اليوم ما بناه النوع الإنساني في ماضيه، وهي التي تَئُول به غدًا إلى أعقابه وذراريه حقبة بعد حقبة وجيلًا بعد جيل.

لا أمة حيث لا أسرة.

بل لا آدمية، حيث لا أسرة.

ولن ينسى الناس أنهم أبناء آدم وحواء إلا نسوا أنهم أبناء رحم واحد وأسرة واحدة، كائنًا ما كان تأويلهم لقصة آدم وحواء.

ومتى علمنا أن واجب الإنسان لبني نوعه في الإسلام إنما هو واجب الأسرة الكبرى التي جمعت أُخُوة الشعوب والقبائل لتتعارف بينها، فقد علمنا شأن الأسرة في هذا الدين، وعلمنا أن قرابة الرحم والرحمة حجة القرابة بين الإخوة من أبناء آدم وحواء، وأنها هي شفاعة كل إنسان عند كل إنسان.

•••

تقوم الأسرة في الإسلام على أنها كيان دائم تراد له السعة والامتداد والوئام.

وتتحقق سعة الأسرة وامتدادها ووئامها بنظامين من النظم التي شرعها لها الإسلام، وهما نظام المحارم في الزواج ونظام الميراث.

فالإسلام يحرِّم الزواج بالأقربين، ولا يبيح من ذوي القرابة إلا من أوشكوا أن يكونوا غرباء، فالزواج يجمع منهم في الأسرة من أوشكوا أن يتفرقوا كأبناء العمومة والخُئولة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (النساء: ٢٣).

والمقاصد من هذا التحريم منوعة لا نحصيها في هذا المقام، أجلُّها وأجداها توسعة الأسرة ووقايتها من شواجر الخصومة والبغضاء، وأن يتحقق بالزواج من أسباب المودة والنسب ما لم يتحقق بالقرابة، فيرجع إلى الأسرة مَن أوشك أن ينفصل عنها، ويحرم الزواج بذوي القرابة الحميمة التي لا حاجة بها إلى توثيق النسب والمصاهرة، وهما في القرآن الكريم من آيات خلق الإنسان كما جاء في سورة الفرقان: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (الفرقان: ٥٤).

ويشرع الإسلام نظام الميراث؛ لأن الأسرة كيان يعيش ويتصل عمره بعد انقضاء أعمار أعضائه، ولا اعتراض على نظام الميراث من وجهة النظر إلى طبائع الأحياء ولا من وجهة النظر إلى المصلحة الاجتماعية، فإن الأبناء يرثون من آبائهم ما أرادوه وما لم يريدوه، وحق لهم أن يرثوا ما خلفوه من عروض كما ورثوا عنهم ما خلفوه من خليقة لا فكاك منها، ولا غبن على المجتمع في اختصاص الأبناء بثمرة العمل الذي تَوَفَّر عليه الآباء؛ لأن هذه الثمرة إذا بقيت في المجتمع كان الورثة أحق بها من سواهم، وكان الغبن في النهاية أن يتساوى العامل لغده والعامل الذي لا ينظر إلى غير يومه وساعته، أو يتساوى من يعمل ويبني للدوام ومن لا يعمل ولا يبالي ما يصيب المجتمع بعد يومه الذي يعيش فيه.

ويتحقق وئام الأسرة وامتدادها بما فرضه الإسلام من حقوق لكل عضو من أعضائها، فلا حق لإنسان على إنسان أعظم من حق الآباء والأمهات في الإسلام على الأبناء والذرية. وبحسبك أنه كاد أن يكون البِرُّ بهم مقرونًا بالإيمان بوحدانية الله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (الأنعام: ١٥١).

وكادت الطاعة لهم ألا يسبقها واجب غير الطاعة للإله المعبود: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا (لقمان: ١٤-١٥)، وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (الإسراء: ٢٣-٢٤).

وفي القرآن الكريم غير الوصايا في هذه الآيات وصايا مثلها تُذكر كلما ذُكر الوالدان، وفيه من الآيات ما يتصل به شكر الإنسان لنعمة الله على أبويه بدعائه إلى الله أن يُصلح له ذريته، وأن يُلهمه العمل الذي تصلح به حياته الباقية: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (الأحقاف: ١٥).

•••

وربما سبق إلى الخاطر في عصرنا هذا أن البر بالأبناء لا يحتاج إلى وصية دينية كوصية الأبناء بالآباء؛ لما رُكِّب في طباع الأحياء من حب البنين والرقة لصغار الأطفال على العموم. إلا أن أحوال الأمم وأحكام شرائعها قبل الإسلام تنبئ عن مسيس الحاجة إلى هذه الوصية؛ لأن أخطاء العرف الشائع فيها كانت أشد من أخطاء العرف الشائع في معاملة الأبناء للآباء؛ فكان الولد في شريعة الرومان بمثابة العبد الذي يملكه والده ويتصرف فيه برأيه في كل ما يرتضيه له قبل بلوغ رشده، وكانت شريعة حمورابي توجِب على الأب الذي يقتل ولدًا لغيره أن يقدم ولده لأبي القتيل يقتص منه بقتله، وكان اليهود يقتلون الأبناء والبنات مع أبيهم إذا جنى الأب جناية لم يشتركوا فيها ولم يعلموها، ومن ذاك ما في الإصحاح السابع من كتاب يشوع حين اعترف عخان بن زارح بسرقة الرداء النفيس والفضة:

فأرسل يشوع رسلًا فركبوا إلى الخيمة، وإذا هي مطمورة في خيمته والفضة تحتها، فأخذوها من وسط الخيمة وأتوا بها إلى يشوع وإلى جميع بني إسرائيل وبسطوها أمام الرب؛ فأخذ يشوع عخان بن زارح والفضة والرداء ولسان الذهب وبنيه وبناته وبقره وحميره وغنمه وخيمته وكل ماله وجميع إسرائيل معه وصعدوا بهم إلى وادي عجور، فقال يشوع: كيف كدرتنا يكدرك الرب في هذا اليوم؟ فرجمه جميع بني إسرائيل بالحجارة وأحرقوهم بالنار ورجموهم بالحجارة وأقاموا فوقه رجمة حجارة عظيمة إلى هذا اليوم، فرجع الرب عن حمو غضبه.

ولذلك دُعي اسم ذلك المكان وادي عجور إلى هذا اليوم.

أما عرب الجاهلية الذين نزل فيهم القرآن الكريم فقد أُبيح بينهم قتل الأولاد، وجرت بينهم شريعة الثأر من الابن بذنب أبيه مجرى العرف المحمود، فلما جاء الإسلام أثبت للولد حقًّا في الحياة والملك كحق أبويه، وشرع له من مولده حقوق الرضاع والحضانة، وكان أبر بالأبناء من آبائهم وأمهاتهم؛ لأنه كان يأخذ العهد عليهم ألا يقتلوا أبناءهم، ويحميهم مما لا يحتمون منه بحنان الأبوة والأمومة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ (الممتحنة: ١٢)، قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ (الأنعام: ١٤٠)، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ (الإسراء: ٣١).

أما حقوق الأسرة من حيث الروابط الزوجية، فقد جاء الإسلام فيها بالجديد الصالح وأقام حقوق الزوجين على أساس العدل بينهما، وأقام العدل على أساس المساواة بين الحقوق والواجبات، وهي المساواة العادلة حقًّا في هذا الموضوع؛ إذ كانت المساواة بين الذين لا يتساوون بأعمالهم وكفايتهم ظلمًا لا عدل فيه.

ولم يهبط الإسلام بمنزلة المرأة في جانبٍ من جوانب حياتها العامة أو حياتها البيتية التي وجدها عليها، ولكنه ارتفع بها من الدرك الذي هبطت إليه في الحضارة الغابرة وعقائد الأمم التي تأثرت بتلك الحضارات قبل ظهوره، وكلها لم تكن على حالة مرضية في بلاد العالم المعمور.

كانت المرأة في الحضارة الرومانية تابعًا له حقوق القاصر أو ليست له حقوق مستقلة على الإطلاق.

وكانت في الحضارة الهندية عائقًا للخلاص من دولاب الحياة الجسدية، وخلاص المرء مرهون ﺑ «الموكشا» أي بالانفصال عنها، وكان حقها في الحياة منتهيًا بانتهاء أَجَلِ الزوج، تُحرق على جدثه عند وفاته، ولا تعيش بعده إلا حاقت بها اللعنة الأبدية وتحاماها الآل والأقربون.

وكان للمرأة في الحضارة المصرية القديمة حظ من الكرامة يجيز لها الجلوس على العرش، ويُبوِّئها مكان الرعاية في الأسرة، ولكن الأمة المصرية كانت من الأمم التي شاعت فيها عقيدة الخطيئة بعد الميلاد، وشاع فيها مع اعتقاد الخطيئة الأبدية أن المرأة هي علة تلك الخطيئة وخليفة الشيطان وشَرَك الغواية والرذيلة، ولا نجاة للروح إلا بالنجاة من أوهاقها وحبائلها.

وكانت معيشة البداوة في الجاهلية العربية تمنح المرأة بعض الحرية؛ لأنها كانت عضوًا نافعًا في تلك المعيشة البدوية تسقي وترعى وتنسج وتستخرج الطعام من الألبان والثمرات، ولكن هذه المعيشة البدوية نفسها كانت تُرغِّب الآباء في ذرية البنين وتُزهِّدهم في ذرية البنات؛ لأن البنين جند القبيلة وحماة حوزتها وعدتها في شن الغارات والتأهب لردها، فلم يكن أبغض إلى الأب من خبر يأتيه بمولد أنثى ولو كان ذا وفرة ووفرة، ومنهم من كان يَئِدُ البنات إشفاقًا من العار إن لم يَئِدْهُنَّ خشية إملاق، وإلى ذلك يشير القرآن الكريم حيث جاء في سورة النحل: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (النحل: ٥٨-٥٩).

وتكررت الإشارة إليه؛ حيث جاء في سورة الزخرف بعد تسفيه الذين جعلوا للرحمن جزءًا من عباده: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (الزخرف: ١٦-١٧).

فلما بُعث النبي — صلوات الله عليه — بالدعوة الإسلامية لم تكن للمرأة منزلة مرضية ولا حقوق مرعية في وطن من أوطان الحضارة أو البداوة، فدحض الإسلام عنها هذه الوصمة، وخوَّلها من الحقوق ما يساوي حقوق الرجل في كل شيء إلا في حق القوامة: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (النساء: ٣٤)، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (البقرة: ٢٢٨).

•••

وهذا الذي عنيناه بالمساواة بين الحقوق والواجبات؛ لأن المساواة بين الرجل والمرأة في جميع الكفايات والأعمال أمر لم يقم عليه دليل من تكوين الفطرة ولا من تجارب الأمم، ولا من حكم البداهة والمشاهدة، بل قام الدليل على نقيضه في جميع هذه الاعتبارات. ولم تتجاهل الأمم فوارق الجنسين إلا كان تجاهلها لها من قبيل تجاهل الطبيعة التي تَضطر من يتجاهلها إلى الاعتراف بها بعد حين، ولو من قبيل الاعتراف بتقسيم العمل بين جنسين لم يُخلقا مختلفَين عبثًا بعد أن غبرت عليهما ألوف السنين، وأخرى أن يكون طول الزمن مع تطور الأحوال الاجتماعية سببًا لاختصاص كلٍّ منهما بوظيفة غير وظيفة الجنس الآخر، ولا سيما في الخصائص التي تفترق فيها كفاية الحياة البيتية وكفاية الحياة الخارجية، فإن طول الزمن لا يُلغي الفوارق، بل يزيدها ويجعل لكلٍّ منها موضعًا لا يشابه سواه.

إن تكوين الفطرة في مسألة النسل التي هي قوام حياة الأسرة يفرِّق بين الذكر والأنثى تفرقة لا سبيل في الإغضاء عنها في حياة النوع الإنساني على الخصوص؛ فإن وظيفة النسل طليقة في الرجل يصلح لها ما صلحت بنيته طول حياته إلى السبعين وما بعد السبعين، ووظيفة التناسل في المرأة مقيدة بالحمل مرة واحدة في كل عام، وقلما تصلح لها المرأة بعد الخامسة والأربعين أو الخمسين في أكثر الأحوال.

وفي تجارب الأمم شواهد ملموسة على الفارق الأصيل بين الجنسين في الكفاية العقلية والكفاية الخلقية؛ فإن المرأة على العموم لا تساوي الرجل في عملٍ اشتركا فيه، ولو كان من الأعمال التي انقطعت لها المرأة منذ عاش الجنسان في معيشة واحدة؛ لا تطبخ كما يطبخ، ولا تتقن الأزياء كما يتقنها، ولا تبدع في صناعة التجميل كما يبدع فيها، ولا تحسن أن ترثيَ ميتًا عزيزًا عليها كما يرثي موتاه، وهي منذ بدء الخليقة تردد النواح وتنفرد بأكثر مراسم الحداد. ومن اللغو أن يقال إن هذه الفوارق إنما نجمت من عسف الرجل واستبداده، فإن الرجل لم يكن ينهى المرأة أن تطبخ وأن تخيط الثياب وأن تتزين أو ترقص أو تترنم بالأغاني والأناشيد، ولو أنه نهاها فاستطاع أن ينهاها في بيتها وفي الدنيا الرحيبة لقد كان ذلك منه دليلًا على غلبة العقل والإرادة لا ريب فيه.

ونَدَعُ الإرادة في كل شيء ونتأمل الغريزة الجنسية المركبة في إناث جميع الأنواع، فهل من المجهول الخفي أن الأنثى تكتم إرادتها ولا تجهر بها وأنها تتصدى للذكر حتى يلتفت إليها؟ وهل من المجهول الخفي أن أصوات الذكور تغلظ وتقوى بعد بلوغ النضج لانفرادها بالدعاء الجنسي، واقتران هذا الدعاء بالنمو في كل قوة تكفل لها الغلبة والسبق في صراع الانتخاب الجنسي؟ وهل مما يُستطاع ادعاؤه هنا أن هذه الفوارق الأصيلة قد خلقها ذكور الحيوان، ولم تكن عن حكمة عميقة في بنيان الجنسين، ينقاد إليها الذكور كما ينقاد إليها الإناث؟

وإذا اعتبرنا مسألة القوامة من وجهة «إدارية» بحتة، واعتبرنا أن الأسرة هيئة لا غنى لها عن قيم يتولاها، فمن يكون هذا القيم من الزوجين؟ أتكون القوامة للمرأة أم تكون للرجل؟ أتكون حقوق الأبناء في ذمتها أم تكون في ذمته؟

إن هذه الأمور من وقائع الحياة التي لا ترحم من يتجاهلها، ولا تحلها تحيات الأندية ولا جعجعة الفروسية الكاذبة في بقاياها المتخلفة من عصورها المنقرضة، وما كان للمرأة في أحسن حالاتها في تلك العصور المنقرضة من مكانة غير مكانة العشيقة في قصص الغرام … كأنما هي مباهاة الفارس بشجاعته تعلو به في كل موقف له مع المخلوقة الضعيفة أن يكون كموقفه مع الأنداد والنظراء.

ولا نحب أن نُغضيَ عن الباعث الذي يتذرع به من ينكرون قوامة الرجل لادعاء المساواة بين الجنسين؛ فإنهم يتذرعون لدعواهم هذه باضطرار المرأة إلى الكدح لنفسها أحيانًا في ميدان العمال طلبًا للقوت ولوازم المعيشة. فهذه — ولا مراء — حالة واقعة تكثر في المجتمعات الحديثة كلما اختلَّت فيها وسائل العيش، وتأزمت فيها أسباب الكفاح على الأرزاق. ولكننا نراهم كأنهم يحسبونها حالة حسنة يبنون عليها دعائم المستقبل، ولا يحسبونها حالة سيئة تتضافر الجهود على إصلاحها وتدبير وسائل الخلاص منها، وما هي في الواقع إلا كالحالة السيئة التي دفعت الآباء والأمهات إلى الزج بأطفالهم في ميدان الكفاح على الرزق، فأنكرتها القوانين وحرَّمتها أشد التحريم، ولم تجعلها حجة تسوغ بقاءها وتقيم عليها ما تستتبعه من النظم الحديثة في الأسرة أو في الحياة الخارجية.

•••

وإذا أُعطيَت هذه الاعتبارات قسطها من الجد والروية، صح لدينا أن الإسلام قد جاء بالهداية الصالحة في تقرير مكان المرأة من الأسرة بالقياس إلى الحالة التي كانت عليها قبل الدعوة الإسلامية، وبالقياس إلى الحالات التي يحتمل أن تَئُول إليها في جميع الظروف والعوارض الاجتماعية؛ إذ رفعها الإسلام من الهوان الذي ران عليها من ركام العادات الخالية، وأقام حقوقها الزوجية على الأساس الذي يحسن في جميع الأحوال أن تقام عليه.

إن الإسلام لم يمنع الاكتفاء بزوجة واحدة، بل استحسنه وحض عليه، ولم يوجب تعدد الزوجات، بل أنكره وحذر منه، ولكنه شرع لأزواج يعيشون على الأرض ولم يشرع لأزواج تعيش في السماء. ولا مناص في كل تشريع من النظر إلى جميع العوارض والتقدير لجميع الاحتمالات، وفي هذه الاحتمالات — ولا ريب — ما يجعل إباحة التعدد خيرًا وأسلم من تحريمه بغير تفرقة بين ظروف المجتمع المختلفة، أو بين الظروف المختلفة التي يدفع إليها الأزواج.

•••

وينبغي أن ننبِّه إلى وَهْمٍ غالب بين الجهلاء والمتعجلين من المثقفين عن سنن الأديان في تعدُّد الأزواج قبل الإسلام؛ إذ الغالب على أوهامهم أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أباح تعدُّد الزوجات أو أنه أول دين أباحه بعد الموسوية والمسيحية.

وليس هذا بصحيح كما يبدو من مراجعة يسيرة لأحكام الزواج في الشرائع القديمة، وفي شرائع أهل الكتاب، فلا حجر على تعدُّد الزوجات في شريعة قديمة سبقت قبل التوراة والإنجيل، ولا حجر على تعدُّد الزوجات في التوراة أو في الإنجيل، بل هو مباح مأثور عن الأنبياء أنفسهم من عهد إبراهيم الخليل إلى عهد الميلاد، ولم يرد في الأناجيل نص واحد يحرِّم ما أباحه العهد القديم للآباء والأنبياء، ولمن دونهم من الخاصة والعامة، وما ورد في الأناجيل يشير إلى الإباحة في جميع الحالات والاستثناء في حالة واحدة، وهي حالة الأسقف حين لا يطيق الرهبانية فيقنع بزوجة واحدة اكتفاءً بأهون الشرور. وقد استحسن القديس أوغسطين أن يتخذ الرجل سُرِّيَّةً مع زوجته إذا عقمت هذه وثبت عليها العقم، وحرَّم مثل ذلك على الزوجة إذا ثبت لها عقم زوجها؛ لأن الأسرة لا يكون لها سيدان،٢ واعترفت الكنيسة بأبناء شرعيين للعاهل شرلمان من عدة زوجات، وقال وستر مارك Wester Mark العالم الثقة في تاريخ الزواج: إن تعدد الزوجات باعتراف الكنيسة بقي إلى القرن السابع عشر، وكان يتكرر كثيرًا في الحالات التي تحصيها الكنيسة والدولة. وعرض جروتيوس — العالم القانوني المشهور — لهذا الموضوع في بحث من بحوثه الفقهية فاستصوب شريعة الآباء العبرانيين والأنبياء في العهد القديم.

•••

فالإسلام لم يأتِ ببدعة فيما أباح من تعدُّد الزوجات، وإنما الجديد الذي أتى به أنه أصلح ما أفسدته الفوضى من هذه الإباحة المطلقة من كل قيد، وأنه حسب حساب الضرورات التي لا يغفل عنها الشارع الحكيم، فلم يحرِّم أمرًا قد تدعو إليه الضرورة الحازبة، ويجوز أن تكون إباحته خيرًا من تحريمه في بعض ظروف الأسرة أو بعض الظروف الاجتماعية العامة.

أما أن هذه الظروف قد تَضطر أناسًا إلى الزواج بأكثر من واحدة، فالأمر فيها موكول إلى الذين يعانون تلك الضرورات من الرجال والنساء، ومن تلك الضرورات أن يحتفظ الرجل بزوجته عقيمًا أو مريضة لا يريد فراقها ولا تريد فراقه، ومنها أن يتكاثر عدد النساء في أوقات الحروب والفتن مع ما يشاهَد من زيادة عدد النساء على الرجال في كثير من الأوقات، فإذا رضيت المرأة في هذه الأحوال أن تتزوج من ذي حليلة، فذلك أكرم لها من الرِّضَى بعلاقة الخليلة التي لا حقوق لها على زوجها، وأكرم لها كثيرًا من الرِّضَى بابتذال الفاقة أو بذل النفس في سوق الرذيلة.

ومن حسنات التشريع في جميع هذه الضرورات أنه يحسب حسابها، ولا ينسى الحيطة لاتقاء ما يُتقى من أضرارها ومن سوء التصرف فيها … وكذلك صنع الإسلام بعد إباحة تعدُّد الزوجات للضرورة القصوى؛ فإنه اشترط فيه العدل ونبَّه الرجال إلى صعوبة العدل بين النساء مع الحرص عليه: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً (النساء: ٣)، وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ (النساء: ١٢٩).

واشترط على الأزواج القدرة على تكاليف الحياة الزوجية والتسوية في السكن والرزق بينهم وبين الزوجات … أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ (الطلاق: ٦)، وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (البقرة: ٢٣٣).

ولا يسقط عن الزوج واجب الإحسان في المعاملة سواء اتصلت بينه وبين حليلته آصرة الزواج أو انتهت بينهما هذه الآصرة إلى الفراق بغير رجعة: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ (البقرة: ٢٢٩).

بل لا يسقط عنه هذا الواجب حتى في حالة الطلاق بعد زواجٍ لم تنعقد فيه الصلة بين الزوجين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (الأحزاب: ٤٩).

وهناك حيطة تعدل سلطان التشريع كله في أمر تعدد الزوجات؛ لأنها تَكِلُ القول الفصل فيه إلى اختيار المرأة، فإن شاءت قبلته وإن لم تشأ رفضته، فلا يجوز إكراهها عليه ولا يصح الزواج إذا بُني على الإكراه.

وفي الحديث الشريف: «لا تُنكح الأيِّمُ حتى تُستأمَرَ ولا البِكرُ حتى تُستأذَنَ.» وفيه: إن الثَّيِّبَ أحقُّ بنفسِها من وَليِّها، والبِكر تُستأمَرُ وإذنُها سكوتُها.٣

وقد أبطل النبي زواجًا أُكرهت فيه فتاةٌ بِكر على الزواج بأمر أبيها لمصلحةٍ له في زواجها بابن أخيه، وحدَّثت عائشة — رضي الله عنها — فيما رواه النسائي: «أن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوَّجني من ابن أخيه يرفع له خسيسته وأنا كارهة، فقالت: اجلسي حتى يأتيَ رسول الله ، فجاء رسول الله فأخبرته فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أُعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء.» (رواه ابن ماجة).

وقال ابن عباس — رضي الله عنهما — فيما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة: «إن جارية بكرًا أتت النبي فذكرت أن أباها زوَّجها وهي كارهة فخيرها رسول الله …»

وعلماء الفقه متفقون على أن للمرأة الرشيدة أن تلي جميع العقود بنفسها، وأن تُوكِّل فيها من تشاء ولا يُعترض عليها، وأنها أحق من وَليِّها بالأمر في عقود الزواج إذا خالفها ولم يستأمرها.

ولا حرج على المرأة في تشريع تعدُّد الزوجات متى كان الرأي فيه موكولًا إلى مشيئتها تأبى منه ما تأباه وتقبل منه ما لا ترى فيه غضاضة عليها، أو ترى أنه ضرورة أخف لديها من ضرورات تأباها.

ثم يأتي العُرف الاجتماعي فيتولى تنظيم التشريع فوق هذه الولاية الموكولة إلى الزوجات، وإن العرف الاجتماعي ليقدر في هذه الشئون على تنظيمٍ أقوى من كل سلطان، ومن أمثلة التنظيم الذي يتولاه العرف كما قلنا في غير هذا الكتاب: «إنه يحد من رغبات الطبقة الغنية في هذه المسألة كما يحد من رغبات الطبقة الفقيرة فيها على اختلاف أنواع الحدود؛ فالطبقة الغنية أقدر على الإنفاق وأقدر من ثَمَّ على تعدُّد الزوجات، ولكن الرجل الغني يأبى لبنته أن تعيش مع ضرة أو ضرائر متعددات، والمرأة الغنية تطلب لنفسها ولأبنائها نفقات ترتفع مع ارتفاع درجة الغنى حتى يشعر الأغنياء أنفسهم بثقلها إذا تعددت بين زوجات كثيرات؛ فلا ينطلق الزوج الغني في رغباته على حسب غناه، بل يقيم له العُرف حدودًا وموانع من عنده تكف من رغباته لتثوب به إلى الاعتدال؛ ولهذا نرى في الواقع أن الطبقات الغنية تكتفي بزوجة واحدة في معظم الأحيان. وربما كان للاختيار نصيب من ذلك كنصيب الاضطرار؛ لأن الأغنياء يستوفون حظوظهم من العلم والثقافة؛ فيدركون بلطف الذوق مزايا العطف المتبادل بين زوجين متكافئين في الكرامة والشعور.

والطبقة الفقيرة لا ترفض المرأةُ فيها ما ترفضه المرأةُ الغنية من معيشة الضرائر، ولكن العجز عن الإنفاق يمنعها أن تنطلق مع الرغبة كما تشاء، فلا تستبيح تعديد الزوجات بغير حدود. وهكذا تقوم الشريعة في تعدُّد الزوجات بما عليها ويقوم العُرف الاجتماعي بما عليه، ويقع الإلزام حيث ينبغي أن يقع مع الرغبة والاختيار.»٤

ومما يعمله العرف الاجتماعي في أحوال الضرورة أن يكون الزوج غنيًّا، وأن تكون المرأة المرغوب فيها من الطبقة الفقيرة؛ ففي هذه الحالة ترغب المرأة المخطوبة في قبول الزوجات باختيارها أو تُضطَر إليه تطلعًا منها إلى معيشة أحب من معيشتها، فلا تزال الضرورة في هذه الحالة أكرم لها من ضرورةٍ تُغريها بالتفريط في العِرض طمعًا في المال.

•••

على أن العرف الاجتماعي — مع سلطانه الغالب — قد يستفيد من روح الدين وحكمة التشريع فوق ما يستفيد من نصوصه في أوامره ونواهيه. وروح الدين الإسلامي التي سرت إلى العرف في المجتمعات الإسلامية أن الزواج رحم ومودة وسكن: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً (الروم: ٢١).

فلا زواج بغير مودة ورحمة، ولا حكمة للزواج إن لم يكن ملاذًا يأوي فيه الزوجان معًا إلى سكن يُلقيان عنده أعباء الصراع العنيف في الحياة الخارجية إلى حين. وخير الزواج ما استطاع أن يدبر للإنسان كهفًا أمينًا يثوب إليه كلما ألجأته المتاعب والشواغل إلى ظلاله. وإنه ليعيش من الدنيا في جحيم موصول العذاب إن لم يكن له فيها ذلك الكهف الأمين وذلك الملجأ الحصين … فإن عز عليه أن يجده كما أراده فليس ذلك بحجة، على أن حياة الجحيم هي الحياة المثلى، وأن كهوف الأمان ليست بالمطلب الجدير بالطلب والصيان.

ومن قديم الزمن هيأت الأمومة طبيعة المرأة لتدبير ذلك السكن وتزويده بزاد المودة والرحمة. ومن أراد أن يتكلم بلغة «الاستغلال» والانتفاع بالفرص، فله أن يقول إن النوع الإنساني خليق أن يَستغل الفوارق بين طبيعتَي الجنسين لينتفع بكلٍّ منهما غاية ما ينتفعه في موضعه وبحاله، وليكن ذلك من قبيل تقسيم العمل وتخصيص كل طبيعة لما يناسبها ولا يكن خصومة على دعاوى المساواة أو الرجحان؛ فما خُلق الجنسان ليكون كلٌّ منهما مساويًا لصاحبه في طراز واحد من المزايا والمَلَكات، وإنما خُلقت لكلٍّ منهما مزاياه ومَلَكاته ليُكمل بها صاحبه ويزيد بها ثروة النوع كله من خصائص النفس وألوان الفهم والشعور.

وعلى هذه السنة الطبيعية الاجتماعية — من تقسيم العمل وإتقان كل عامل لضرب من ضروبه — يتعاون الزوجان كلٌّ فيما هو أصلح له من مطالب الحياة: على الرجل شطر الكفاح في سبيل الرزق وكفاية أهله مَئُونة الكدح في مضطرب الزحام والصراع، وعلى المرأة شطر السكن الأمين وكلاءة الجيل المقبل في نشأته الأولى، وليس بالشطر الزهيد حضانة الغد وإعداد مستقبل الإنسانية مرحلة بعد مرحلة على الدوام.

•••

وتحتوي الشريعة الإسلامية تفصيلًا مسهبًا عن حقوق كلٍّ من الزوجين قِبل الآخر وقِبل الأسرة في مجموعها، وكلها تتجه إلى هذه الغاية المقصودة من إقامة الأسرة على المودة والرحمة، ولا ينحرف عنها حق من الحقوق عن هذه الغاية بلا استثناء حق التأديب لرب الأسرة؛ فإن حق التأديب لا ينفي المودة والرحمة، ولم يَنفِهما فيما هو أمس الأمور بالمودة والرحمة؛ وهو تربية البنين وتربية المتعلمين، وتخويل رب الأسرة حقَّ التأديب بدلٌ من أحوال كثيرة كلها غير صالح، وكلها غير معقول في شئون القوامة البيتية، فإما أن يكون لرب الأسرة هذا الحق في معظم الشئون البيتية، وإما أن يُستغنَى عن التأديب في الأسرة أو يُوكَل التأديب فيها إلى دور الشرطة والقضاء في كل كبيرة وصغيرة تعرض للزوجين على الرِّضَى والغضب والجهر والنجوى. هذا أو يكون التأديب المسموح به أن ينصرم حبل الزواج وأن ينهدم بناء البيوت على من فيها من الآباء والأمهات والبنين.

ولا يخفى أن عقوبات التأديب إنما تُوضع للمسيئات والمسيئين، ولا توضع لمن هم غنيُّون عن التأديب متورِّعون عن الإساءة، وليس من أدب التشريع أن تُسقط الشرائع حساب كل نقيصة تسترذلها وتأنف منها، فما دامت النقيصة من النقائص التي تعرض للإنسان ولو في حالةٍ من ألوف الحالات، فخلوُّ التشريع منها قصور يُعاب على الشريعة ولا يمتنع به الضرر الواقع من تلك النقيصة. ولو حُذف من القوانين كل عيب تأنف من ذكرها لَمَا بقيت في تلك القوانين بقية تستلزمها الضرورة الموجبة لبقائها؛ إذ كانت العيوب التي لا تأنف الأسماع منها أهون الأضرار الاجتماعية وأغناها عن التشريع والعقاب.

والأدب العام — بعدُ — شيء غير عقوبات التأديب في القانون؛ فالحياء يأبى للرجل الكريم أن يضرب امرأته وأن يعاملها بما يغض من كرامتها، ومما أنكره النبي غير مرة أن يضرب الرجل امرأته وهو يأنس إليها في داره: «أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العير؟»

إلا أن الخلائق المستحسنة — خلائق الكرامة والحياء — ليست هي الخلائق التي توجِب الحساب والعقاب، وليست هي الخلائق التي يقف عندها التشريع وتبطل بعدها فرائض الزجر والمؤاخذة؛ فإذا وُضعت العقوبات في مواضعها فلا مناص من أن يُحسب فيها الحساب للحميد والذميم من الأخلاق والعيوب، بل لا مناص لحسبان الحساب للذميم خاصةً؛ لأن الضرورة هنا ضرورة النهي والردع، وليست ضرورة الثواب والتشجيع. وبين الوعظ والهجر والعقوبة البدنية تتفاوت العقوبات الزوجية في الإسلام، ثم يكون التحكيم أو الفراق: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (النساء: ٣٤-٣٥).

وإنه لمن السُّخف الرخيص أن يقال إن جنس النساء قد برئ من المرأة التي يُصلحها الضرب ولا يُصلحها غيره. ونقول: إنه سخف رخيص وخيم؛ لأنه ذلك السخف الذي يضر كثيرًا ولا يفيد أحدًا إلا الذي يشتري سمعة الكياسة في سوق الحذلقة «التقليدية»، ويُسمِّيه الغربيون بينهم باسمه الذي هو به حقيق؛ وهو اسم الدعي المتحذلق Snob … ولقد وجد هؤلاء في أمم لم تستكثر عقوبة الجلد على كرامة الرجولة وكرامة الجندية، وغبرت مئات السنين وهي تعلن القوانين التي توجِب العقوبة البدنية لمن يخالفون الأوامر أو النظم العسكرية، وإن لهم مع ذلك لَنُدْحَةً من العقوبات المستطاعة في المعاهد العامة كالحبس والتأخير وتنزيل الرتبة وقطع الأجور والحرمان من أنواط الشرف والفصل من الخدمة، فلولا أنها حذلقة خاوية لا تفيد أحدًا ولا تدل على كياسة صادقة، لَمَا جاز في عُرف هؤلاء الأدعياء أن تسريَ عقوبة الجلد في مؤاخذة الجنود، وأن تمتنع بعد إخفاق الحيل جميعًا في عقوبة النشوز.

ولم تُترك هذه العقوبة على كراهتها بغير حدها المعقول الذي تُمليه كل مشكلة بحسبها من الخلق المعهود في آداب الزوجين، وإنما حدها الصالح أن تكون أصلح من الفراق وهدم بناء الأسرة في تقدير الرجل والمرأة، فإن لم تكن كذلك فهي المضارة التي توجِب التحكيم بين الأسرتين، أو توجِب الطلاق بحكم الشريعة مرجعها الأخير الذي ينبغي أن يؤخر إلى أقصاه بعد انقطاع الحيلة وذهاب الرجاء في الوفاق: وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ (البقرة: ٢٣١).

ويحق للمرأة عند نشوز زوجها وإعراضه أن تلجأ إلى حكم غير حكمه ترضاه قبل شكواها من أذى المضارة التي توجِب الطلاق … وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ (النساء: ١٢٨).

•••

فإذا جاز لباحث يتوخَّى الصدق أن يُعقِّب على تشريع الإسلام، فمن واجبه أن يحمد لهذا التشريع أنه قدَّر للواقع حسابه، وأحاط كل تقدير بما يستدعيه من الحيطة والضمان الميسور في أمثال هذه العلاقات، وإن نظرة الشريعة الإسلامية إلى حقوق المرأة من مبدئها قد كانت نظرةَ تصحيحٍ لما سلف من الشرائع، وإتمامٍ لما نقص فيها.

فلم يكن للزواج حدود في الشرائع الوضعية، ولا في الشرائع الدينية قبل الإسلام، ولا كان فيها ما يعتبر شريعة وافية مقدرة لأحواله وضروراته عند المقارنة بينها وبين الشريعة الإسلامية.

كانت المرأة كالرقيق في قوانين الدولة التي كانت تُسمَّى أم القوانين وهي الدولة الرومانية.

وكانت حطامًا يُحرق بقيد الحياة على ضريح زوجها في الديانة البرهمية.

وكانت ديانة العهد القديم تبيح لمن يشاء أن يتزوج ما يشاء بلا قيد ولا ضمان، وبهذه الإباحة وردت فيه أخبار إبراهيم ويعقوب وموسى وداود وسليمان.

ثم جاءت المسيحية فلم تنقض حكمًا من أحكام الناموس في أمر الزواج. وسُئل بولس الرسول عن شرط الأسقف فكتب في رسالته الأولى إلى تيموثاوس أنه ينبغي أن يكون «بلا لوم بعل امرأة واحدة»، وهو تخصيص لا موجِب له لو كان هذا هو الحكم العام المَرعيَّ بين جميع المؤمنين بالدين.

وظل آباء الكنيسة في الغرب يبيحون تعدُّد الزوجات، ويعترفون بأبناء الملوك الشرعيين من أزواج متعددات، فلما منعته بعد القرن السابع عشر على إثر الخلاف بينها وبين الملوك الخارجين عليها؛ كانت حجة منعه أن الاكتفاء بالواحدة أخف الشرور لمن لا يقدر على الرهبانية، ولم يكن منعه إكبارًا لشأن المرأة يوم كان الخلاف بينهم على أنها ذات روح أو أنها جسد بغير روح … ولم يكن بينهم خلاف يومئذٍ على أنها حبالة الشيطان، أبعد ما يكون الإنسان عنها أسلم ما يكون.

وبينما أمم الحضارة في إجماعها هذا على تلك النظرة الزرية إلى المرأة كانت أمة الصحراء تقضي فيها قضاءً لا خيار بينه وبين ما عداه؛ كانت تتشاءم بمولدها، ولا تبالي أن تعالجها بالدفن في مهدها، مخافة العار أو مخافة الإملاق.

ومن تلك الزاوية النائية عن العالم تقبل عليه دعوة سماوية تنصفها من ظلمٍ وترفعها من ضعة، وتبسط لها كنف المودة والرحمة وتنتزع لها من القلوب عدلًا أعيى على الرءوس، وتقيد من مباح الزواج ما لم يقيده عرف ولا قانون، وتجعل لها الخيار بين ما ترضاه منه وما تأباه، وتستجد لها حياة يستحي المنصف والمكابر أن يجحدا فضلها العميم على ما كانت عليه.

وأما بعد هذا فماذا جاءت به القرون بعد القرون من زيادة لها على نصيبها من عدل الإسلام؟

خير ما لها في الإسلام لم يدركه خير ما لها في العصر الحديث، وشر ما يصيبها من الإسلام رحمة ونعمة بالقياس إلى الشر الذي يُسلمها العصر الحديث إليه.

ولا تزال فضائل العصر الحديث في حاضرها ومآلها دعوى لم يؤيدها ثبوت من حوادث الواقع، ولا من مبادئ النظر.

فأما حوادث الواقع فشكوى المرأة منها في بيتها وفي دنياها كأسوأ ما كانت في عهدٍ من العهود.

وأما مبادئ النظر فلا خير للمرأة أن تكون على مبدأ القرون الوسطى شيطانًا يَسلم الإنسان ما سلم منه، ولا خير لها أن تكون على مبدأ الفروسية الكاذبة ملكًا في مباذل السوقة، ولا هي في خير مع الناس حتى يُقنعوا لها الطبيعة — إن استطاعوا — ويُقنعوا أنفسهم قبلها أن المرأة والرجل ندان متساويان متعادلان.

(٤) زواج النبي

يندر أن يطرق خصوم الإسلام موضوع الزواج دون أن يعرجوا منه إلى زواج النبي، ويتذرعوا به إلى القدح في شخصه الكريم والتشكيك من ثَمَّ في دعوته المباركة ودينه القويم.

وللإسلام خصوم محترفون وخصوم ينكرونه على قدر جهلهم به وبسيرة نبيه — عليه السلام.

ولا خفاء بخصومه المحترفين؛ فهم جماعة المبشرين الذين اتخذوا القدح في الإسلام صناعة يتفرغون لها ويعيشون منها، وصناعتهم هذه لا تصطنع عملًا لها أهم وأخطر من عملها في تبشير المسلمين أو تبشير الوثنيين وأشباه الوثنيين لكيلا يتحوَّلوا من الوثنية إلى الإسلام؛ فلا غنى لأصحاب هذه الخصومة — أو هذه الحرفة — من اختلاق المآخذ وتصيُّد التُّهم التي تجري بها أرزاقهم وتتصل بها أعمالهم، سواء عرفوا الحقيقة من وراء هذه المآخذ وهذه التهم أو جهلوها وأعرضوا عن البحث فيها؛ لأنهم يريدون الاتهام ولا يستريحون إلى معرفة تهدم كل ما عملوه وتَصْرفهم عن كل ما ألفوه وعقدوا النية عليه.

أما خصوم الإسلام من غير زمرة المبشرين فأكثرهم يخاصمونه على السماع، ولا يعنيهم أن يبحثوه ولا أن يبحثوا دينًا من الأديان، حتى الدين الذي آمنوا وشبوا من حجور أمهاتهم عليه. وقليل من أولئك الخصوم غير المحترفين من يتلقف الدراسات الإسلامية تلقفًا لا يفيد الدارس، ولا ينبغي منه إلا أن يعلِّم ما تعلَّمه لطائفة من التلاميذ يكفيهم منه أن يعرف من أخبار الإسلام ما لم يعرفوه. وبعض هؤلاء الدارسين المدرسين حسن النية؛ لا يأبى أن يعترف بالحقيقة إذا استمع إليها، وبعضهم سيئ النية؛ لأنه مسخَّر في خدمة الاستعمار وما إليها من الدعايات الدولية؛ فلا يعنيه من المعرفة إلا ما يملى له في عمله ويمهد لدعايته.

وما اتفق خصوم الإسلام — عن سوء نيةٍ — على شيء كما اتفقوا على خطة التبشير في موضوع الزواج على الخصوص، فكلهم يحسب أن المقتل الذي يصاب منه الإسلام في هذا الموضوع هو تشويه سمعة النبي — عليه السلام — وتمثيله لأتباعه في صورة معيبة لا تلائم شرف النبوة، ولا يتصف صاحبها بفضيلة الصدق في طلب الإصلاح، وأي صورة تغنيهم في هذا الغرض الأثيم كما تغنيهم صورة الرجل الشهوان الغارق في لذات الجسد العازف في معيشته البيتية ورسالته العامة عن عفاف القلب والروح؟

إنهم لعلى صواب في الخطة التي تخيَّروها لإصابة الإسلام في مقتله من هذا الطريق الوجيز.

وإنهم لعلى أشد الخطأ في اختيارهم هذه الخطة بعينها؛ إذ إن جلاء الحقيقة في هذا الموضوع أهون شيء على المسلم العارف بدينه، المطَّلع على سيرة نبيه، فإذا بمقتلهم المظنون حجة يكتفي بها المسلم ولا يحتاج إلى حجة غيرها لتعظيم نبيه وتبرئة دينه من قالة السوء الذي يُفترى عليه.

فلا حجة للمسلم على صدق محمد — عليه السلام — في رسالته أصدق من سيرته في زواجه وفي اختيار زوجاته، وليس للنبوة من آية أشرف من آيتها في معيشة نبي الإسلام من مطلع حياته إلى يوم وفاته.

ما الذي يفعله الرجل الشهوان الغارق في لذات الجسد إذا بلغ من المكانة والسلطان ما بلغه محمد بين قومه؟

لم يكن عسيرًا عليه أن يجمع إليه أجمل بنات العرب، وأفتن جواري الفرس والروم على تخوم الجزيرة العربية.

ولم يكن عسيرًا عليه أن يوفِّر لنفسه ولأهله من الطعام والكساء والزينة ما لم يتوفر لسيد من سادات الجزيرة في زمانه.

فهل فعل محمد ذلك بعد نجاحه؟

هل فعل محمد ذلك في مطلع حياته؟

كلا، لم يفعله قط بل فعل نقيضه، وكاد أن يفقد زوجاته لشكايتهن من شظف العيش في داره.

ولم يحدث قط أن اختار زوجة واحدة لأنها مليحة أو وسيمة، ولم يَبْنِ بعذراء قط إلا العذراء التي علم قومه جميعًا أنه اختارها؛ لأنها بنت صديقه وصفيه وخليفته من بعده: أبي بكر الصديق — رضي الله عنه.

هذا الرجل — الذي يفتري عليه الأثمة الكاذبون أنه الشهوان الغارق في لذات حسه — قد كانت زوجته الأولى تقارب الخمسين، وكان هو في عنفوان الشباب لا يجاوز الخامسة والعشرين وقد اختارته زوجًا لها؛ لأنه الصادق الأمين فيما اشتُهر به بين قومه من صفة وسيرة، وفيما لقَّبه به عارفوه وعارفو الصدق والأمانة فيه. وعاش معها إلى يوم وفاتها على أحسن حال من السيرة الطاهرة والسمعة النقية، ثم وفى لها بعد موتها فلم يفكر في الزواج حتى عرضته عليه سيدة مسلمة رقَّت له في عزلته فخطبت له السيدة عائشة بإذنه، ولم تكن هذه الفتاة العزيزة عليه تسمع منه كلمة لا ترضيها غير ثنائه على زوجته الراحلة ووفائه لذكراها.

وما بنى — عليه السلام — بواحدة من أمهات المسلمين لما وُصفت به عنده من جمال ونضارة، وإنما كانت صلة الرحم والضن بهن على المهانة هي الباعث الأكبر في نفسه الشريفة على التفكير في الزواج بهن. ومعظمهن كن أرامل مأيمات فقدن الأزواج أو الأولياء، وليس من يتقدم لخطبتهن من الأكْفَاء لهن إن لم يفكر فيهن رسول الله.

فالسيدة سودة بنت زمعة مات ابن عمها المتزوِّج بها بعد عودته من الهجرة إلى الحبشة، ولا مأوى لها بعد موته إلا أن تعود إلى أهلها فيُكرهوها على الرِّدَّة أو تتزوج بغير كفء لها أو بكفء لها لا يريدها.

والسيدة هند بنت أبي أمية — أم سلمة — مات زوجها عبد الله المخزومي، وكان أيضًا ابن عمها، أصابه جرح في غزوة أُحد فقضى عليه، وكانت كهلة مسنة فاعتذرت إلى الرسول — عليه السلام — بسنها لتعفيه من خطبتها، فواساها قائلًا: سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك وأن يخلفك خيرًا، فقالت: ومَن يكون خيرًا لي من أبي سلمة؟ وكان الرسول عليه السلام يعلم أن أبا بكر وعمر قد خطباها فاعتذرت بمثل ما اعتذرت به إليه، فطيَّب خاطرها وأعاد عليها الخطب حتى قبلتها.

والسيدة رملة بنت أبي سفيان تركت أباها وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، فتنصر زوجها وفارقها في غربتها بغير عائل يكفلها، فأرسل النبي — عليه السلام — إلى النجاشي يطلبها من هذه الغربة المهلكة وينقذها من أهلها إذا عادت إليهم راغمة من هجرتها في سبيل دينها، ولعل في الزواج بها سببًا يصل بينه وبين أبي سفيان بوشيجة النسب فتميل به من جفاء العداوة إلى مودةٍ تُخرجه من ظلمات الشرك إلى هداية الإسلام.

والسيدة جويرية بنت الحارث سيد قومها كانت بين السبايا في غزوة بني المصطلق، فأكرمها النبي من أن تذل ذلة السباء فتزوجها وأعتقها، وحض المسلمين على إعتاق سباياهم فأسلموا جميعًا وحسن إسلامهم، وخيَّرها أبوها بين العودة إليه والبقاء عند رسول الله، فاختارت البقاء في حرم رسول الله.

والسيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب مات زوجها، فعرضها أبوها على أبي بكر فسكت وعرضها على عثمان فسكت، وبث عمر أسفه للنبي فلم يشأ أن يضن على صديقه ووليه بالمصاهرة التي شرَّف بها أبا بكر قبله، وقال له: يتزوج حفصة من هو خير لها من أبي بكر وعثمان.

والسيدة صفية الإسرائيلية بنت سيد بني قريظة خيَّرها النبي بين أن يردها إلى أهلها أو يعتقها ويتزوجها، فاختارت البقاء عنده على العودة إلى ذويها، ولولا الخُلق الرفيع الذي جُبلت عليه نفسه الشريفة لَمَا علمنا أن السيدة صفية قصيرة يعيبها صواحبها بالقصر، ولكنه سمع إحدى صواحبها تعيبها بقصرها فقال لها ما معناه من روايات لا تخرج عن هذا المعنى: إنك قد نطقت بكلمة لو أُلقيتْ في البحر لكدَّرته، وجبر خاطر الأسيرة الغريبة أن تسمع في بيته ما يكدرها ويغض منها.

والسيدة زينب بنت جحش — ابنة عمته — زوَّجها من مولاه ومُتبَناه زيد بن حارثة، فنفرت منه وعز على زيد أن يروِّضها على طاعته، فأذن له النبي في طلاقها، فتزوجها — عليه السلام — لأنه هو المسئول عن زواجها، وما كان جمالها خفيًّا عليه قبل تزويجها بمولاه؛ لأنها كانت بنت عمته يراها من طفولتها ولم تفاجئه بروعة لم يعهدها.

والسيدة زينب بنت خزيمة مات زوجها عبد الله بن جحش قتيلًا في غزوة أُحد، ولم يكن بين المسلمين القلائل في صحبته مَن تقدَّم لخطبتها، فتكفل بها — عليه السلام — إذ لا كفيل لها من قومها.

وهذا هو التحريم المشهور في أباطيل المبشرين وأشباه المبشرين، وهذه هي بواعث النفس التي استعصى على المبطلين أن يفهموها على جليتها، فلم يفهموا منها إلا أنها بواعث إنسان غارق في لذات الحس شهوان!

ولقد أقام هؤلاء الزوجات في بيت لا يجدن فيه من الرغد ما يجده الزوجات في بيوت الكثيرين من الرجال مسلمين كانوا أو مشركين. وعلى هذا الشرف الذي لا يدانيه عند المرأة المسلمة شرف المَلِكات أو الأميرات، شقت عليهن شدة العيش في بيت لا يُصبن فيه من الطعام والزينة فوق الكفاف والقناعة بأيسر اليسير، فاتَّفقن على مفاتحته في الأمر واجتمعن يسألنه المزيد من النفقة، وهي موفورة لديه لو شاء أن يزيد في حصته من الفيء، فلا يعترضه أحد ولا يحاسبه عليه، إلا أن الرجل المحكم في الأنفس والأموال — سيد الجزيرة العربية — لم يستطع أن يزيدهن على نصيبه ونصيبهن من الطعام والزينة، فأمهلهن شهرًا وخيَّرهن بعده أن يفارقنه، ولهن منه حق المرأة المفارقة من المتاع الحسن، أو يقبلن ما قبله لنفسه معهن من ذلك العيش الكفاف.

ولو أن هذا الخبر من أخبار بيت النبي كان من حوادث السيرة المحمدية التي تخفى على المطَّلعين المتوسِّعين في الاطلاع، لكان للمبطلين بعض العذر فيما يفترونه على نبي الإسلام من كذب وبهتان، إلا أنه خبر يعلمه كل من اطَّلع على القرآن ووقف على أسباب التنزيل، وليس بينها ما هو أشهر في كتب التفسير من أسباب نزول هذه الآيات في سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (الأحزاب: ٢٨-٢٩).

وأقل المبشرين المحترفين ولعًا بالتفتيش عن خفايا السيرة النبوية خليق أن يطَّلع على تفاصيل هذا الحادث بحذافيره؛ لأنه ورد في القرآن الكريم خاصًّا بالمسألة التي يتكالب المبشرون المحترفون على استقصاء أخبارها وإحصاء شواردها، وهي مسألة الزواج وتعدد الزوجات. وقد كان لهذا الحادث الفريد في سيرة النبي صدًى لم يبلغه حادث من الحوادث التي عنيت بها العشيرة الإسلامية حين كانت في بيئتها المحدودة تحيط بإيمانها إحاطة الأسرة بأبيها.

حدث عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — قال: «كنا تحدثنا أن غسان تنتعل النعال لغزونا، فنزل صاحبي يوم نوبته فرجع عشاءً فضرب بابي ضربًا شديدًا وقال: أثم هو؟ ففزعت فخرجت إليه، وقال: حدث أمر عظيم! قلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا بل أعظم منه وأطول؛ طلق النبي نساءه …»

ولما تألب ربات البيت يشكون ويلحفن في طلب المزيد من النفقة لَبِثَ النبي في داره مهمومًا بأمره، وأقبل أبو بكر فوجد الناس جلوسًا لا يؤذن لأحد منهم، فدخل الدار ولحق به عمر بن الخطاب فوجد النبي واجمًا وحوله نساؤه، فأحب أبو بكر أن يسريَ عنه بكلمة يقولها … وكأنه فطن لسر هذا الوجوم من النبي بين نسائه المجتمعات حوله، فقال: «يا رسول الله! لو رأيت بنت خارجة، سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها! فضحك النبي وقال: هن حولي كما ترى يسألْنَنِي النفقة. فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، ويقولان: تسألن رسول الله ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله شيئًا — أبدًا — ليس عنده …»

وهجر النبي نساءه شهرًا، يمهلهن أن يخترن بعد الرَّوِيَّة بين البقاء على ما تيسَّر له ولهن من الرزق وبين الانصراف بمتعة الطلاق. وبدأ بالسيدة عائشة فقال: إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أُحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك. فسألته: وما هو يا رسول الله؟ فعرض عليها الخيرة مع سائر نسائه في أمرهن، فقالت: أفيك يا رسول الله أستشير قومي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأجابت أمهات المسلمين بما أجابت به السيدة عائشة، وانتهت هذه الأزمة المكربة بسلام، وما استطاع صاحب الدار — وهو يومئذٍ أقدر رجل في العالم المعمور — أن يحل أزمة داره بغير إحدى اثنتين: أن يجمع النية على فراق نسائه أو يَقنعن معه بما لديهن من رزق كفاف.

أَعَنْ مثل هذا الرجل يقال إنه حِلْس شهوات وأسير لذات؟

أَعَنْ مثله يقال إنه ابتغى من رسالته مأربًا يبغيه الدعاة غير الهداية والإصلاح؟

فِيمَ كان هذا الشقاء بأهوال الرسالة وأوجالها من ميعة الشباب إلى سنٍّ لا متعة فيها لمن صاحبه التوفيق والظفر، أو لمن صاحبته الخيبة والهزيمة؟

ومن أراد الدعوة لغير الهداية والإصلاح فلماذا يريدها، وما الذي يغنمه من ورائها؟

أتراه يريدها مُخاطرًا بأمته وحياته مستخفًّا بالهجرة من وطنه والعزلة بين أهله، ليسوم نفسه بعد ذلك عيشةً لا يَقنع بها أقرب الناس منه وأعلاهم شرفًا بالانتماء إليه؟

أَمِنْ أجل الحس ولذاته يتزوَّج الرجل بمن تزوَّج بهن وهو سيد الجزيرة العربية، وأقدر رجالها على اصطفاء النساء الحسان من الحرائر؟

وهل يتزوج بهن الشهوان الغارق في لذات الحس ليقتدين به في اجتواء الترف والزينة وخلوص الضمير للإيمان بالله وابتغاء الدار الآخرة؟

وما مأربه من كل ذلك إن كان له مأرب في طوِيَّته غير مأربه في العلانية؟

وعلام يجاهد نفسه ذلك الجهاد في بيته وبين قومه إن لم تكن له رسالة يؤمن بها، ولم تكن هذه الرسالة أَحبَّ إليه من النعمة والأمان؟

إن المبشرين المحترفين لم يكشفوا من مسألة الزواج في السيرة النبوية مقتلًا يصيب محمدًا أو يصيب دعوته من ورائه، ولكنهم قد كشفوا منها حجة لا حجة مثلها في الدلالة على صدق دعوته وإيمانه برسالته، وإخلاصه لها في سره كإخلاصه لها في علانيته، ولولا أنهم يُعوِّلون على جهل المستمعين لهم لاجتهدوا في السكوت عن مسألة الزواج خاصةً أشدَّ من اجتهادهم في التشهير بها واللغط فيها.

وعلم الله ما كانت براءة محمد من فريتهم مرتهنة بجلاء الحقيقة في مسألة الزواج والزوجات؛ فإن أحدًا يفقه ما يفوه به ولا يسيغ أن يقول إن عملًا كالذي قام به محمد يضطلع به رجل غارق في لذات الحس مشغول بشهوات الجسد. ولئن كان كذلك ثم استطاع أن يتم دعوته في حياته، وأن يُبقيَها تامة قوية لخلفائه لَيكونَنَّ إذنْ آية الآيات على تكوين من الخلق لا يدانيه تكوين.

ولسنا نعتقد أن دينًا رفيعًا يُسوِّل للمتدين به أن يفتريَ الأباطيل على خلق الله، وأقبح من ذلك في شرع الدين الرفيع أن يكون الافتراء على الناس سبيلًا إلى التبشير بكلمات الله، ولكن المبشرين المحترفين لا يدينون بالله ولا بالناس، وإنما يدينون بعبادة الجسد الذي ينكرونه ذلك الإنكار ويؤمنون به في أعمالهم وأقوالهم أخس الإيمان.

(٥) الطبقة

الطبقة في المجتمع هي الفئة التي تتشابه به في درجة العمل، ونمط المعيشة ومأثور الخلق والعادة، وهي — بعد الأمة والأسرة — أكثر الوحدات الاجتماعية ذكرًا وأكبرها خطرًا في العصر الحاضر.

والناس مصطلِحون على تقسيم الطبقات إلى ثلاث: غنية وفقيرة وميسورة، أو عليا ودنيا ووسطى، ولعله تقسيم مستعار من مرتفعات المكان التي يمكن أن تنقسم إلى فوقية وتحتية ومستوية، أو من الرسوم الجغرافية التي يمكن أن تنقسم إلى شرقية وغربية ومتوسطة، أو تنظيمات الجيوش التي يمكن أن تنقسم إلى طليعة وساقة وقلب. أما تقسيم المجتمع إلى ثلاث طبقات من حيث درجاتُ العمل وأنماطُ المعيشة ومأثوراتُ الخلق والعادة، فهو تقسيم على وجه التشبيه والتقريب، كأنه تقسيم الناس إلى ثلاثة ألوان بين البياض والسواد، أو تقسيمهم إلى ثلاثة أشكال من ملامح الوجوه؛ وكلها تقسيمات تُقبل على وجه التشبيه والتقريب لا على وجه الدقة والتحقيق.

فلا نهاية للفوارق بين الناس في الطائفة الواحدة ولا في العمل الواحد، ولا يوجد فاصل واحد تنحصر فيه أسباب التفرقة بين طائفة وطائفة أو بين واحد وواحد من أبناء الطائفة؛ لأن المرجع في أسباب هذه التفرقة لا يقف بنا في النهاية دون الظاهرة الكونية التي لا يشذ عنها كائن واحد بين السماوات والأرضين، فليس في أجرام السماوات الواسعة جرمان يتساويان في الحجم أو في الحركة أو في الضوء أو في المسافة، وليس على فرع واحد من شجرة ورقتان تتساويان في السعة أو في اللون أو في الموضع أو في مادة العصا النباتية، وليست هنالك ورقة واحدة تتساوى في وقتين من أوقات النهار والليل.

وإذا بلغ من عمق هذه الظاهرة الكونية واتساعها أن تتمثل في المادة الجامدة في تركيبها المحدود، فأحرى بالجماعة الإنسانية التي لا تنحصر تراكيبها الحسية والمعنوية ألا تضيق فيها عوامل هذه الظاهرة حتى تنحصر برمتها في سبب من أسباب الأخلاق أو سبب من أسباب الفكر أو أسباب الاقتصاد أو أسباب العوارض الطبيعية؛ فإن هذه العوامل المتشابكة في كل جماعة إنسانية تتساند وتتناظر وتعمل عمل الأضداد كما تعمل عمل الأشباه في كل معرض من معارض الحياة، ونحسب أنه لو جاز أن يكون بينها عامل أضعف من سائر العوامل، لكان أضعفها جميعًا عامل الاقتصاد الذي زعم جماعة الماديين التاريخيين أنه هو عاملها الوحيد، أو عاملها الذي لا يقوى على مناهضته عامل سواه.

في بلاد الطبقات — بلاد الهند — لم تكن السيادة العليا لطبقة التجار وذوي الأموال والمرافق الصناعية والزراعية، بل كان هؤلاء معدودين من الطبقة الثالثة أو الثانية على أكبر تقدير، ومن فوقهم جميعًا طبقة المقاتلين وفرسان الحروب وذوي الشجاعة والدُّرْبة على استخدام السلاح.

والإقطاعيون في أوروبا لم يكونوا يومًا من أيامهم طبقة متفقة في المصلحة أو متجاورة على وئام وسلام، بل كان اسمها نفسه مشتقًّا من المنازعة والخصومة، وكانت العداوة بين كل فارس منها وجيرانه أشد من العداوة بين الفارس والفلاح.

ورأس المال زال من البلاد الروسية وزال معه أغنياؤها وسراتها ونبلاؤها، وظهرت فيها — مع هذا — طبقة حاكمة من الخبراء والمهندسين لا تدانيها في سطوتها واستبدادها طبقة حاكمة في أشهر البلاد باستبداد نظم الصناعة ورءوس الأموال.

والصناعة الكبرى لم تكن هي الطور الاقتصادي الأخير الذي جرد العمال طبقة مستقلة تتقدم الصفوف لما يسمونه حرب الطبقات، ولكنهم تجردوا لهذه الحرب؛ لأنهم تجمعوا في أمكنة متقاربة يتفقون فيها على المطالب والحركات، ويستطيعون باتفاقهم أن يعطلوا الأعمال في المصانع ويُكرهوا أصحابها على الإصغاء إليهم، وكذلك فعل العمال في عهد الرومان قبل عهد الصناعة الكبرى بنحو عشرين قرنًا حين ثاروا بقيادة «سبارتكوس»، وفعل عمال إسبرطة قبلهم ما فعلوه، ومنهم طوائف «الهيلوب» الذين كانوا يقتسمون حصة من غلال الأرض الزراعية كما كانوا يتقاضون الأجور.

والطبقة الغنية يخرج منها من يخرج ويدخل إليها من يدخل كلما تغيرت فيهم صفاتهم النفسية أو الفكرية؛ فغني اليوم فقير الغد، وفقير الأمس غني اليوم، على حسب صفاتهم أو حسب الفرص التي تتهيَّأ لهم ويسوسونها بعقولهم وأخلاقهم، لا لأن العوامل الاقتصادية وحدها هي التي تخلق طبقات المجتمع وتُبقيها إلى أن تتبدل هذه فتتبدل تلك معها، كأنهما — معًا — كتلة صماء تتغير من فترة إلى فترة، ولا عمل فيها لإرادة الداخلين فيها ولا الخارجين منها.

•••

وستبقى الطبقات ما بقي الناس مختلفين، وسيبقى الاختلاف بينهم بلا عد وبلا حد، يقسمه من يريد التقريب والإيجاز ثلاثًا ثلاثًا أو أربعًا أربعًا أو اثنتين اثنتين، إلا أنه سيرجع في مئات الفوارق وألوفها إلى تلك الظاهرة الكونية التي لا تدع ورقتين على فرع واحد من الشجرة الواحدة متشابهتين كل التشابه في تركيب الأجزاء، وأحرى ألا يتشابه التركيب في الجماعات الإنسانية ولو تشابهت ظروفها الاقتصادية كل التشابه فيما بدا واستتر، وفيما يملكه الأفراد أو تملكه الجماعات من إرادة وتدبير.

•••

ويحق لنا أن ننظر إلى المسألة من وجهة أخرى غير وجهة الواقع الذي لا حيلة لنا فيه، فنسأل: أتُرانا نسلم لهذه الظاهرة الكونية لأنها قضاء حتم يُنفَّذ فينا كما يُنفَّذ في الكون كله من أعلاه إلى أدناه؟ أتُرانا نبدِّل من هذه الظاهرة الكونية لو ملكنا التبديل في حياتنا الإنسانية؛ فلا ندع بين الإنسان والإنسان موضعًا لاختلاف التركيب في الأجسام أو في العقول أو في الأحوال والأطوار؟

لو أننا فعلنا ذلك لظلمنا أنفسنا وحرمنا النوع الإنساني ثروةً من الأفكار والعواطف والأذواق يجني علينا الحرمان منها أفرادًا وجماعات … فإن هذه الثروة النفسية هي التي تميِّزنا من الأحياء الدنيا، وهي التي تميِّز المتقدمين منا على المتأخرين، وهي التي تفيدنا من تنويع الكفايات وتوزيع الأعمال، وتجعل كل فريق منا لازمًا لكل فريق بين سكان الكرة الأرضية قاطبة أو بين السكان في كل بقعة من بقاعها على انفراد. ويظل هذا التنويع في أفكارنا وأخلاقنا وأذواقنا ثروة نفسية نحرص عليها ولو ثبت أنها — في أصولها — ضرورات اجتماعية تقسرنا عليها المنفعة المادية والحاجة الحيوانية؛ فإن الضرورات التي تفتح لنا آفاقًا من الفكر والخلق والذوق تنوعها وتوسع جوانبها خير من الضرورة التي تحبسنا في أفق ضيق يهبط بنا شيئًا فشيئًا إلى حضيض تحت حضيض من الحيوانية العجماء.

فلو أننا ملكنا زمام أمانينا بأيدينا لما طاب لنا أن نُلغي طبقات الناس التي يخلقها تنوع الأفكار والأخلاق والأذواق، ولا بد أن يخلق معها اختلافًا في درجات الأعمال وأنماط المعيشة ومأثورات العرف والعادة؛ فإن شر المجتمعات لَمجتمع متشابه قليل المزايا يصدق عليه ما قاله الشاعر العربي بفطرته السليمة في بني الجهيم:

وبنو الجهيم قبيلة ملعونة
حُص اللحى متشابهو الألوان

وإن مجتمعًا كهذا المجتمع الضيق المتشابه في أحوال أبنائه وأطوارهم لَشر من المجتمع الذي تتنوع فيه الأحوال والأطوار، ولو طغى فيه أناس على آخرين وثار فيه المقهورون على الطغاة القاهرين، فإنه يَئُول في آخرة المطاف إلى بقاء الأصلح من الفريقين أو بقاء الصالح من أخلاق كل فريق.

ولعلنا نرجو من هذا الصراع خيره في هذا العصر إذا كان من آثار شروره أن نعلم بها، وأن نعرف ما نحذره منها، ونسعى إلى اجتنابه بما في وسعنا، فإذا لم يكن من أمانينا أن نمحوَ الاختلاف لأنه محو للتنويع أو محو لثروتنا الإنسانية، فليكن من أمانينا أن نجعله اختلافًا لا طغيان فيه ولا استئثار، ولا مذلة فيه من الجانب الآخر ولا حرمان.

وخير المجتمعات إذنْ مجتمع يسمح للكفايات والمزايا الخلقية بالمجال الذي يناسبها في الحياة العامة، ولكنه لا يسمح لها بأن تحرم أحدًا حقه أو تقف بينه وبين مجاله الذي استعد له بما هو أهله، ولو لم يولد فيه ولم يكن منه بالنسب والوراثة.

وهذا المجتمع هو الذي يأمر به الإسلام ويحمده ويزكيه بتعاليمه ووصاياه.

فهو لا يمنع التفاوت بين أقدار الناس وإن كانوا من الأنبياء والمرسلين: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ (الإسراء: ٥٥)، تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ (البقرة: ٢٥٣).

ولا يسوِّي الإسلام بين العلماء والجهلاء، ولا بين المؤمنين في صدق الإيمان: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (الزمر: ٩)، يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ (المجادلة: ١١).

•••

وليس من العدل في الإسلام أن يختلف الناس في العمل ويتساوَوْا في الأرزاق؛ فهم مختلفون في درجات الرزق كاختلافهم في درجات العلم والإيمان: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ (الزخرف: ٣٢)، وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ (النحل: ٧١).

•••

إلا أن هذا التفاضل في العلم أو في الرزق لا يقوم على النسب الموروث ولا على الغصب والسطوة، وإنما يقوم على العمل، ولا يحق لأحد أن يحتفظ به إلا بمقدار ما يبتغي فيه بعمله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات: ١٠)، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ (الأنعام: ١٦٥)، وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (الأنعام: ١٣٢).

ولا يخفى أن المجتمع الإسلامي مجتمع ضمائر ونفوس يخاطبها الدين، ولديها سبل الخطاب الذي يُراد به صلاح العقول والأبدان، فإذا خص الإسلام طائفة بالخطاب فتلك هي الطائفة التي تمتاز بالعلم والقوامة الفكرية في الأمة، ولا يحمد الإسلام من مجتمع إنساني أن يخلوَ من هذه الطائفة التي تُناط بها النصيحة، وتُوكَل إليها مهمة الهداية إلى الرشد والتحذير من الضلالة في مصالح الدين والدنيا، وتلك هي جماعة أهل الذكر وجماعة الداعين إلى الخير والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وهي الجماعة التي سمَّاها فقهاء الإسلام بعد ذلك بأُولي الحل والعقد، ووكلوا إليها ترشيح الإمام والرقابة على ولاية الأمور، تطوعًا لا يندبهم له أحد ولا يفرضه أمر مرسوم يتحكم فيه سلطان الدولة، ولكنها أمانة العلم ينهض بها من هو أهل لها، ويستمع له من يستمع وهو مسئول عن صوابه أو خطئه في الثقة والاختيار: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (النحل: ٤٣)، وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ (آل عمران: ١٠٤).

وأسوأ المجتمعات في الدين الإسلامي مجتمع أقوام لا يتواصَوْن بالخير ولا يتناهَوْن عن منكر فعلوه، إلا أن الإسلام يُعنى بالضمائر والنفوس ويقرن إلى ذلك على الدوام عنايته بمرافق الدنيا ومصالح الأجسام.

•••

فالمسلم مأمور كما تقدم — في غير موضع — بأن يستوفيَ نصيبه من طيبات دنياه، وله أن يجمع من المال ما يستحقه بعمله وتدبيره، ولكن في غير إسراف ولا استئثار ولا احتكار.

كسب المال مباح محمود، ولكن الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في الخير ملعونون مستحقون للعذاب الأليم: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (التوبة: ٣٤).

وصلاح المال أن تتداوله الأيدي كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ (الحشر: ٧).

وليس من الخير في غنى المال أن يجمعه الإنسان حتى يُطغيَه: إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ (العلق: ٦-٧).

أما المحتكرون فهم منبوذون من المجتمع الإسلامي يبرأ منهم ويلعنهم الله، كما جاء في الأحاديث النبوية الشريفة: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون.»٥ وكما جاء فيها: «من احتكر طعامًا أربعين يومًا يريد به الغلاء فقد برئ من الله وبرئ الله منه.»

ودفعًا للحيلة في المضاربة بالنقد أو بالطعام لاحتكاره وتحليل الربا عليه؛ فقد نهى — عليه السلام — أشد النهي عن مبادلة المعادن والأطعمة المتماثلة بزيادة فيها، فقال في روايات متشابهة: «الذهبُ بالذهبِ والفضةُ بالفضةِ والبُرُّ بالبُرِّ والشعيرُ بالشعيرِ والتمرُ بالتمرِ والملحُ بالملحِ مِثلًا بمِثلٍ يدًا بيدٍ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى …»

والإسلام يحب للمسلم أن يعمل ويكسب، ويكره له أن يتبطل ويتكل على غيره. وأحاديث النبي تؤكد الأوامر الإلهية في هذا المعنى فيما يجمعه قوله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ (التوبة: ١٠٥).

والنبي يقول: «إن الله يحب العبدَ المحترف ويكره العبدَ البطَّال.»

ويقول: «أفضل الكسب كسبُ الرجل بيده.»

وكان الخليفة العظيم عمر بن الخطاب مؤسس الدولة الإسلامية يقول: «والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة، فإن من قصر به عمله لا يسرع به حسبه …»

فلا عذر في المجتمع الإسلامي لمن يقعد عن العمل والكسب وهو قادر عليهما. أما الذي يقعد عنهما اضطرارًا لعجز أصابه أو حرج وقع فيه، فله على المجتمع حق مفروض لا هوادة فيه يؤديه عنه كل من ملك نصاب الزكاة، وهي إحدى الفرائض الخمس التي بُني عليها الإسلام، ولم يتكرر في القرآن الكريم ذكر فريضة منها كما تكرر ذكر هذه الفريضة بلفظها أو بلفظ يدل عليها كالصدقة والإحسان والبر وإطعام اليتامى والمساكين. ومن الآيات التي ورد فيها الحض على الزكاة ما يعلم المسلم أن البر في العقيدة وإيتاء المال لأصحاب الحق المشروع فيه: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ (البقرة: ١٧٧).

ومما ورد في الحض على الزكاة باسم الصدقات مع بيان مستحقيها قوله تعالى في سورة التوبة: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ (التوبة: ٦٠).

وتجب الزكاة على الأنعام والماشية وعلى الأموال وعروض التجارة وغلات الزروع. ونصاب الزكاة في الإبل خمس وفي البقر ثلاثون وفي الغنم أربعون، ونصابها في الأموال والعروض وثمرات الزروع يضارع هذه القيمة على وجه التقريب، والحصة المفروضة على النصاب تضارع ربع العشر من رأس المال، والحصة المفروضة على الثمرات تضارع العشر مما يسقيه المطر ونصف العشر مما تسقيه الغروب وأدوات الري على إجمالها.

ففي كل سنة يستحق المعوزون المفتقرون إلى المعونة جزءًا من أربعين جزءًا من رءوس الأموال في الأمة، أو جزءًا من عشرة أجزاء من ثمرات الزراعة وما إليها، وهو مقدار من الثروة العامة لا يخصص مقدار مثله في الأمم الحديثة التي تقررت فيها حصة من موارد الدولة للإنفاق على العجزة والشيوخ، ومن يستحقون العون لغير تفريط أو تقصير.

ومن الآيات المتقدمة نعلم أن المستحقين للزكاة ثمانية أصناف هم: (١) الفقراء، وهم الذين يملكون شيئًا دون نصاب الزكاة ويستنفدونه في حاجاتهم وضروراتهم، و(٢) المساكين، وهم الذين لا يملكون شيئًا، و(٣) عمال الزكاة، وهم موظفو الدولة الذين يُحصلونها أو يوزعونها، و(٤) المؤلَّفة قلوبهم، وهم المسلمون حديثو العهد بالإسلام ممن تُخشى عليهم الفتنة أو الكفر يستألفهم الإسلام ولا يعملون ما يؤذي المسلمين، و(٥) الأرقاء الذين يُفتدون من الأسر بالمال، و(٦) المكنوبون بالمغارم، و(٧) المجاهدون الذين يحتاجون إلى النفقة، و(٨) الغرباء المنقطعون عمن يعولهم، وكل من هو في حكم هؤلاء اضطرارًا إلى رعاية المجتمع وعجزًا عن ولاية أمره بنفسه.

•••

ولم يقصد الإسلام بفريضة الزكاة أن يجعلها حلًّا لمشكلة الفقر في المجتمعات الإنسانية؛ فإنما تُحل مشكلة الفقر في المجتمع الإسلامي بالعمل والسعي في طلب الرزق يتعاون على تدبير وسائلهما ولاة الأمر وطلاب الأعمال، ويُحاسَب الإمام على التواني في هذه المهمة كما يُحاسَب على التواني في سائر مصالح الرعية. ولا شك أن الإسلام قد صنع في حل مشكلة الفقر من أساسها صنيعه الذي لم يسبقه إليه دين من الأديان الكتابية أو أديان الحضارات الغابرة؛ فإنه مسح عن الفقر قداسته التي جللته بها عبادات الأمم، وأحاطته بها في الصوامع والبِيَع والمحاريب المنقطعة عن العمران، ومسح عنه تلك القداسة من جذورها حين أنكر تعذيب الجسد وحرمانه، وحين رفع عن الجسد مسبة الدنس والنجاسة المتأصلة في دخيلة التكوين؛ فأوجب على المسلم أن ينعم بطيبات الرزق، وأنكر عليه أن يحرم مما أحل الله من تلك الطيبات التي لا تقف عند حدود الضروريات، بل تتخطاها إلى الزينة والجمال. ومن استهان بأثر هذه النظرة السليمة إلى الفقر، فليتخيل كيف كانت مشكلة الفقر تُساس للعلاج بين أناس ينظرون إليه نظرة التقديس، وينظرون إلى متاع الجسد نظرة الزراية والتدنيس! وليتخيل الفارق البعيد بين مجتمع يعمل على تعظيم الفقر واعتبار العمل في طلب الرزق غلطًا تُبتلى به الروح من غواية الجسم المرذول، وبين مجتمع يعمل على إيجاب السعي ويلوم أبناءه على تحريم الطيبات والزهد في الدنيا، ويؤاخذ الإنسان إذا مدَّ يده بالسؤال وعنده قُوت يكفيه مؤنة السؤال.

إن الإسلام قد جاء بالوسيلة التي لا غنى عنها في مكافحة الفقر وحل مشكلته يوم جعله ضرورة لا تُباح للمسلم إلا كما تُباح الضرورات التي لا حيلة فيها ولا اختيار معها. وإنما فرض الزكاة لمن أصابتهم تلك الضرورات وأقعدتهم عن السعي، واستنفدوا — مع المجتمع — كل حيلة في تدبير العمل المستطاع. ومن لم يكن منهم مستطيعًا عملًا بتدبير من الإمام أو بتدبير من نفسه فهو مكفول الرزق بما تجبيه الدولة من حصة الزكاة حقًّا معلومًا يتقاضَوْنه من الإمام ولا هوادة فيه.

وليست حصة الزكاة بالقدر الصغير عند المقارنة بينها وبين الحصة التي تُخصَّص من ثروة الأمة في المجتمعات الحديثة للإنفاق على العجزة والشيوخ والمنقطعين عمن يعولهم؛ فإنها — كما هو معلوم — تضارع جزءًا من أربعين جزءًا من ثروة الأمة في كل سنة، أو تضارع عُشر الثمرات الزراعية وما إليها، وليس في مجتمع من المجتمعات — حتى الشيوعية منها — من يزيد على هذا القدر في الإنفاق على ذوي الحاجات من العجزة والشيوخ. إلا أن الإسلام مع هذا لم يقصر الإحسان على فريضة الزكاة، ولا أسقط على القادرين واجب الغوث لمن يعرفونهم ويَقدرون على إمدادهم بما يعينهم على شدائدهم؛ إذ ليست الزكاة هي كل ما يصنعه المحسنون القادرون على الإحسان، ولكنها هي الإحسان الذي تفرضه الدولة، وتستخلصه من المفروض عليهم عنوة إن لم يُؤَدُّوه طواعية في موعده المعلوم.

وإذا انفصلت مشكلة الفقر ومشكلة الطبقات على هذا النحو، فالعاطلون كلهم في كفالة المجتمع، والطبقات كلها عاملة منتجة تنحل مشكلتها بتصحيح أوضاعها وتوطيد هذه الأوضاع على نظام عادل في مجتمع سليم.

وآخر الحلول التي أسفرت عنها تجارب القرون المتطاولة في مشكلة حرب الطبقات أن هذه المشكلة لا تُزال بإزالة الطبقات، بل بإزالة الحرب بينها، وإن هذه الحرب تُمنع كلما تقاربت الفجوة الواسعة بين الطبقات، فلا إفراط في الغنى ولا إفراط في الفقر، ولا سبيل لفريق منها أن يجوز على فريق سواه، وقد ابتدع خبراء الصناعة والاقتصاد في العصر الأخير وسيلة للتقارب بين ذوي الأموال وطوائف الصُّناع والعمال أن يشتركوا في المصلحة الكبرى متعاونين عليها مساهمين فيها، إما بتوزيع الحصص على تفاوت مقاديرها، وإما بتعميم المرافق التعاونية التي تتلاقى فيها منافع المنتجين والمستنفدين وأرباح البائعين والشراة.

وليس في هذا الحل شرط من شروطه لا تيسره تعاليم الإسلام ووصاياه، فإن التعاون أدب من آدابه يأمر به الناس جميعًا، وتندب للتنبيه إليه أمة تتواصى بالمعروف وتتناهى عن المنكر: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (المائدة: ٢)، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (العصر: ٣).

•••

وواجب الكبار فيه كواجب الصغار؛ فليس من المسلمين كبير لا يرحم الصغير وصغير لا يوقِّر الكبير، كما جاء في الحديث الشريف: «ليس منَّا من لم يوقِّر الكبير ويرحم الصغير ويأمرْ بالمعروف وينهَ عن المنكر.»

وإنه لَمِمَّا يُيسِّر هذا التعاون بين طوائف الأمة أن تُقرَّر فيها كفالة الضعفاء فرضًا محتومًا على القادرين، وأن يمتنع حبس المال في أيدي فريق من الناس؛ فلا إفراط في الغنى ولا إفراط في الفاقة، ولا استئثار ولا حرمان.

ولا تحل مشكلة الطبقات بالرأي أو بالواقع إلا على هذا النحو الذي ينتهي إلى إزالة حرب الطبقات ولا ينتهي إلى إزالة الطبقات؛ فالعالم بخير ما دام فيه أنواع الكفايات وفوارق المزايا والصفات، وما دامت هذه الأنواع والفوارق فيه يتمم بعضها بعضًا ويجري بعضها على معونة بعض. والعالم على شر ما يكون إذا زال فيه كل خلاف بزوال الأداة المختلَف عليها: يتنازع الناس الأموال فتزول الأموال، ويتنازعون الحُكم فيزول الحُكم، ويتنازعون الحرية فتزول الحرية، وما هم في الحق بقادرين على إزالة شيء واحد يتنازعون عليه، فلو أزالوا فوارق الأرزاق لم يزيلوا الفوارق بينهم على الذكاء والغباء، أو على القوة والضعف، أو على الجاه والخمول، أو على الوسامة والدمامة، أو على الذرية والعقم … ولو أنهم أزالوها لزالوا أجمعين، ولكنهم باقون برحمة الله وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (هود: ١١٨).

(٦) الرِّق

شرع الإسلام العتق ولم يشرع الرق؛ إذ كان الرق مشروعًا قبل الإسلام في القوانين الوضعية والدينية بجميع أنواعه: رق الأسر في الحروب، ورق السبي في غارات القبائل بعضها على بعض، ورق البيع والشراء، ومنه رق الاستدانة أو الوفاء بالديون.

وكانت اليهودية تُبيحه، ونشأت المسيحية وهو مباح فلم تُحرِّمه، ولم تنظر إلى تحريمه في المستقبل، وأمر بولس الرسول العبيد بإطاعة سادتهم كما يطيعون السيد المسيح، فقال في رسالته إلى أهل أفسس:

أيها العبيد! أطيعوا سادتكم حسب الجسد بحوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح، ولا بخدمة العين كما يرضي الناس، بل كعبيد المسيح عاملين مشيئة الله من القلب خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس، عالمين أن مهما عمل كل واحد من الخير فذلك يناله من الرب عبدًا كان أم حرًّا.

وأوصى الرسول بطرس بمثل هذه الوصية، وأوجبها آباء الكنيسة؛ لأن الرق كفارة من ذنوب البشر يؤديها العبيد لما استحقوه من غضب السيد الأعظم، وأضاف القديس الفيلسوف توما الأكويني رأي الفلسفة إلى رأي الرؤساء الدينيين فلم يعترض على الرق بل زكَّاه؛ لأنه — على رأي أستاذه أرسطو — حالة من الحالات التي خُلق عليها بعض الناس بالفطرة الطبيعية، وليس مما يناقض الإيمان أن يقنع الإنسان من الدنيا بأهون نصيب.

ومذهب أرسطو في الرق أن فريقًا من الناس مخلوقون للعبودية؛ لأنهم يعملون عمل الآلات التي يتصرف فيها الأحرار ذوو الفكر؛ فهم آلات حية تلحق في عملها بالآلات الجامدة، ويحمد من السادة الذين يستخدمون تلك الآلات الحية أن يتوسَّموا فيها القدرة على الاستقلال والتمييز؛ فيشجعوها ويرتقوا بها من منزلة الأداة المسخَّرة إلى منزلة الكائن العاقل الرشيد.

وأستاذ أرسطو — أفلاطون — يقضي في جمهوريته الفاضلة بحرمان العبيد حق «المواطنة»، وإجبارهم على الطاعة والخضوع للأحرار من سادتهم أو من السادة الغرباء، ومَن تطاول منهم على سيد غريب أسلمته الدولة إليه ليقتص منه كما يريد.

وقد شرعت الحضارة اليونانية نظام الرق العام، كما شرعت نظام الرق الخاص أو تسخير العبيد في خدمة البيوت والأفراد؛ فكان للهياكل في آسيا الصغرى أرقاؤها الموقوفون عليها، وكانت عليهم واجبات الخدمة والحراسة، ولم يكن من حقهم ولاية أعمال الكهانة والعبادة العامة.

وانقضى على العالم عصور بعد عصور وهذا النظام شائع في أرجائه بين الأمم المعروفة في القارات الثلاث، ينتشر بين أمم الحضارة وقبائل البادية التي تكثر فيها غارات السلب والمرعى، ويقل انتشاره بين الأمم الزراعية عند أودية الأنهار الكبرى كوادي النيل وأودية الأنهار الهندية. إلا أن الأمم في الأودية الهندية كانت تأخذ بنظام الطبقة المسخَّرة أو الطبقة المنبوذة، وهي في حكم الرقيق العام من وجهة النظر إلى المكانة الاجتماعية والحقوق الإنسانية.

وعلى هذه الحالة كان العالم كله يوم مبعث الدعوة الإسلامية من قِبل الصحراء ليس فيه من يستغرب هذه الحالة، أو من يشعر بحاجة إلى تعديل فيها حيث يكثر الأرقاء أو حيث يقلون.

ففي البلاد التي كثر فيها عدد الأرِقَّاء كانت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فيها مرتبطة بأعمال الرقيق في البيوت والمزارع والمرافق العامة؛ فلم يكن تغيير هذه الأوضاع مما يخطر على البال، ولم يكن تغييرها مستطاعًا بين يوم وليلة، لو أنه خطر على بال أحد.

وفي البلاد التي قَلَّ فيها عدد الأرقاء لم تكن هناك مسألة حازبة أو معجلة تسمى مسألة الرقيق وتستدعي من ذوي الشأن اهتمامًا بالتغيير والتعديل.

وكان عدد الأرقاء قليلًا في البادية العربية بالقياس إلى أمم الحضارة؛ إذ كان عددهم بين المسلمين الأوائل لا يزيد على عدد الأصابع في اليدين، فلم يكن بدعًا من الدين الجديد أن يترك الحالة في الصحراء العربية — وفي العالم — على ما كانت عليه: حالة لا يستغربها أحد، ولا يفكر أحد في تغييرها أو تعديلها. ولكنه لم يتركها، ولم يغفلها، ولم يؤجِّلها بين الإغضاء والاستحسان لهوانها وقلة جدواها، بل جرى فيها على دأبه في علاج المساوئ الاجتماعية والأخلاقية: يصلح منها ما هو قابل للإصلاح في حينه، ويمهد للتقدم إلى المزيد من الإصلاح مع الزمن كلما تهيَّأت دواعيه.

ونحن نحب أن نلخِّص ما صنعه الإسلام في هذه المسألة قبل أربعة عشر قرنًا في بضع كلمات: إنه حرم الرق جميعًا، ولم يُبِحْ منه إلا ما هو مباح إلى الآن. وفحوى ذلك أنه قد صنع خير ما يُطلب منه أن يصنع، وأن الأمم الإنسانية لم تأتِ بجديد في هذه المسألة بعد الذي تقدَّم به الإسلام قبل ألف ونيِّف وثلاثمائة عام.

فالذي أباحه الإسلام من الرق مباح اليوم في أمم الحضارة التي تعاهدت على منع الرقيق منذ القرن الثامن عشر إلى الآن.

لأن هذه الأمم التي اتفقت على معاهدات الرق تُبيح الأسر، واستبقاء الأسرى إلى أن يتم الصلح بين المتحاربين على تبادل الأسرى أو التعويض عنهم بالفداء والغرامة.

وهذا هو كل ما أباحه الإسلام من الرق أو من الأسر على التعبير الصحيح، وغاية ما هنالك من فرق بين الماضي قبل أربعة عشر قرنًا وبين الحاضر في القرن العشرين أن الدول في عصرنا هذا تتولَّى الاتفاق على تبادل الأسرى أو على افتداء بعضهم بالغرامة والتعويض. أما في عصر الدعوة الإسلامية فلم تكن دولة من الدول تشغل نفسها بهذا الواجب نحو رعاياها المأسورين، فمن وقع منهم في الأسر بقي فيه حتى يفتديَ نفسه بعمله أو بماله، إذا سمح له الآسرون بالفداء.

فماذا لو أن الدول العصرية بقيت على خطة الدول في القرن السادس للميلاد؟ ماذا لو أن الحروب اليوم انتهت كما كانت تنتهي في عصر الدعوة الإسلامية بغير اتفاق على تبادل الأسرى، أو على افتكاكهم من الأسر بالتعويض والغرامة؟

كانت حالة الأسرى اليوم تشبه حالة الأسرى قبل أربعة عشر قرنًا في حقوق العمل والحرية والتمتع بالمزايا الاجتماعية، وكان كل أسير يظل في موطن أسره رقيقًا مسخَّرًا في الخدمة العامة أو الخاصة محرومًا من المساواة في حقوق المواطنة بينه وبين أبناء الأمة الغالبة.

حالة كحالة الرق التي سمح بها الإسلام على كره واضطرار.

ولكن الإسلام لم يقنع بها في إبان دعوته، وأضاف إلى شريعته في الرق نوافل وشروطًا تسبق الشريعة الدولية بأكثر من ألف سنة. فإذا كانت الشريعة الدولية لم تعرف الدولة في فكاك رعاياها من الأسر، فقد سبق الإسلام إلى فرض هذا الواجب على الدولة فجعل من مصارف الزكاة إنفاقها «في الرقاب»؛ أي فكاك الأسرى، وأن يُحسب للأسرى حقٌّ من الفَيْءِ والغنيمة كحق غيرهم من المقاتلين.

وإذا كان ارتباط الأسرى ضربة لازب في الحروب، فالإسلام لم يجعله حتمًا مقضيًّا في جميع الحروب، وحرص على التخفيف من شدته ما تيسَّر التخفيف منه، وجعل المَنَّ في التسريح أفضل الخطتين: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا (محمد: ٤).

وحث المسلمين على قبول الفدية من الأسير أو من أوليائه: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ (النور: ٣٣).

وقد كثرت وصايا النبي بالأرقاء، فقال في بعض الأحاديث: «أوصاني حبيبي جبريل بالرفق بالرقيق حتى ظننت أن الناس لا تُستعبد ولا تُستخدم.» وكانت من آخر وصاياه قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى وصيته ﺑ «الصلاة وما ملكت إيمانكم»، ونهى المسلمين أن يتكلم أحد عما ملك فيقول: عبدي وأَمَتي، وإنما يذكرهم فيقول: فتاي وفتاتي كما يذكر أبناءه وبناته. وكان يُعلِّم صحابته بالقدوة في معاملة الرقيق كما يعلمهم بالفريضة؛ فكان يتورَّع عن تأديب وصيفته ضربًا بالسواك، وقال لوصيفة أرسلها فأبطأت في الطريق: «لولا خوف القصاص لأوجعتك بهذا السواك.»

ومن الوسائل الفردية التي تحرَّى بها الإسلام تعميم العتق وتعجيل فكاك الأسرى أنه جعل العتق كفارة عن كثير من الذنوب، كالقتل الخطأ والحنث باليمين ومخالفة قسم الظِّهَار: وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ (النساء: ٩٢)، لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (المائدة: ٨٩)، وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا (المجادلة: ٣).

ويحسب من الرذائل المأخوذة على الإنسان السيئ أنه لا يقتحم هذه العقبة أو لا ينهض بهذه الفدية المؤكدة: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (البلد: ١١–١٥).

•••

فالعتق إذنْ هو الذي شرعه الإسلام في أمر الرق. وأما نظام الرق بأنواعه فقد وجده مشروعًا فحرمه جميعًا، ولم يُبِحْ منه إلا ما هو مباح إلى اليوم في نظام الأسرى وتستخيرهم في أعمال من يأسرونهم من المتقاتلين. وسبق القوانين الدولية بتقريره إلزام الدولة واجب السعي في إطلاق أسراها وإعتاقهم بالفداء، وشفع ذلك بالوسائل الفردية فيما تنتقل به الذمة إلى الأفراد من مالكي الأرقاء بعد وفاء الدولة بذمتها.

ولا يقال هنا إنه عمل كثير أو قليل، بل يقال إنه العمل الوحيد الذي استُطيع في محاربة نظام الرق، ولم تستطع أمم الإنسانية ما هو خير منه في علاج هذه المسألة إلى الآن.

•••

أي شفاعة كانت لأولئك المساكين المنسيين في عصر يصفونه بحقٍّ — في تاريخ العالم — بأنه عصر الجهالة والظلمات؟

لقد كانوا — على كثرتهم أو قلتهم — أهون شأنًا من أن يحفل بهم صاحب شريعة أو ولاية، ولم يبلغ من مسألتهم في جزيرة العرب ولا في بلد من بلاد العالم أن تُسمَّى مشكلة تلح على ولاة الأمر أن ينظروا في حلها بما يُرضي العبيد أو بما يُرضي السادة المتحكِّمين فيهم؛ كانت مسألتهم من المسائل المفروغ منها أو من مسائل العادة التي يتقبلها الناس على علاتها، ولا يستغربون منها شيئًا يدعوهم إلى تعديلها، بل إلى الكلام فيها. فإذا بالإسلام يُملي لهم على المجتمع حلًّا كحل الظافر المنتصر في كفاح يسام مغلوبه ما لم يكن ليرضاه باختياره، وإذا بالنظام العريق في أمم الحضارة بقية من بقايا الأمس رهينة بيومها الموعود.

شأن الأرقاء في الجزيرة العربية أهون يومئذٍ من أن يدعوَ ولاة الأمر إلى عناية به على قسر أو على اختيار.

وشأن الأسرى في حروب الدول يومئذٍ كشأن الطريدة من الحيوان لا تسلم من التمزيق إلا لتغنى غناء المطية المسخَّرة في غير رحمة ولا مبالاة بحساب. وشرائع الدين — كشرائع العُرف — قدوة لا يُقاس عليها ما شرعه الإسلام بغير سابقة في أمر الأسرى ولا في أمر الأرقاء.

شريعة العهد القديم كما نص عليها الإصحاح العشرون من كتاب التثنية تقول للمقاتل المؤمن بها:

حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدْعِهَا إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير وتستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة وكل غنيمتها فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًّا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا. أما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبقِ منها نسمة ما بل تحرمها تحريمًا …

وأقسى من هذا الجزاء جزاء المدن التي ينجم فيها ناجم بالدعوة إلى غير إله إسرائيل، فإنها كما جاء في الإصحاح الثالث عشر من كتاب التثنية:

فضربًا تضرب بحد السيف وتحرم بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك، فتكون تلًّا إلى الأبد لا تبنى بعده …

فالقدوة في حروب الدين وحروب الفتح تغري بالقسوة ولا تغري بالعفو والرحمة. وأحرى بعرب الجاهلية أن يكونوا في قسوة بني إسرائيل أو أشد منهم قسوة؛ لأنهم أهل بادية مثلهم «يدهم على كل إنسان ويد كل إنسان عليهم» كما قيل عنهم في العهد القديم … فإذا عللت وصايا الرق في الإسلام بالعلل الطبيعية التي تسيغها عقول منكريه، فماذا يقول الذين ينكرون الدعوة الإسلامية تعصبًا لدين آخر؟ وماذا يقول الذين ينكرونها من الجاهلين للأديان؟

يقول المنكرون المتعصبون لدين غير الإسلام: إن الدعوة برمتها تلفيق رجل دجال. ولا ندري كيف تسيغ عقولهم أن يكون الرسول الدجال أرفع أدبًا وأشرف خلقًا وأبر بالإنسانية الضعيفة من الرسل الصادقين.

ويقول المنكرون من أنصار العلل الطبيعية: إن الدعوة الإسلامية وليدة البلاد العربية خرجت من أطواء عقائدها وتقاليدها ومأثوراتها. ولا ندري كيف يكون الإبهام والغموض إذا كان هذا هو التعليل والتفسير؛ فإننا لا نقول شيئًا ترضاه العقول وتستريح إليه إذا قلنا: إن البيئة العربية جاءت بنقيض المنتظر منها، ونقيض المنتظر من العالم حواليها.

إن تصديق أعجب الخوارق لَأجدر بعقول الفريقين من قَبول هذا اللغو الذي صدَّقوه واطمأنوا إليه. ونحن نريد للدعوة الإسلامية سببها المعقول، فلا نرى تناقضًا بين هذا السبب وبين الواقع الذي لا غرابة فيه إلا إذا أوجبنا نحن على عقولنا أن نستغربه متعسفين.

فالغريب عندنا أن يأتيَ رجل دجال بما لم تأتِ به أرفع الحضارات والديانات من قبله، والغريب عندنا أن يكون محمد مبعوثًا بإرادة الأمة العربية وهي ما هي في أيام الجاهلية.

أما الواقع الموافق للعقل، ولا من مناقضة فيه لنواميس الكون، فهو أن يخلق الله إنسانًا كاملًا يلهمه الحق والرشد ويعينه إلى الهداية عليهما بعمل يستطيعه ويستطيع الناس أن يفهموه — متى حدث — كما يفهمون جلائل الأعمال، إلا أنهم لا يستطيعون أن يتوقعوه إذا قصروه على المألوف المعهود في سياق التاريخ.

وهذا تفسيرنا لوصايا الرق في الإسلام، ترتضيه عقولنا ونقول عن يقين: إنه أقرب إلى العقل من معجزة الدجل ومعجزة النقائض المستحيلة، ونحسب أن المكابرة تقصر عن الذهاب إلى الأمد الذي يدفعها إليه من لا يفرِّقون بين الدجل والصدق أو لا يفرِّقون بين الواقع والمستحيل.

•••

وتنطوي القرون وينكشف الزمن عن أزمة الرق الكبرى في التاريخ الحديث.

إن وصايا الإسلام في مسألة الرق خولفت كثيرًا، وكان من مخالفيها كثير من المسلمين، ولكن الإسلام — على الرغم من هذه المخالفة المنكرة — لا يضيره ولا يغض منه قضاء التجربة العملية عند الموازنة بين جناية جميع المسلمين على الأرقاء وجناية الآخرين من أتباع الأديان الكتابية.

فالقارة الأفريقية — في بلاد السود — مفتوحة أمام أبناء السواحل المجاورة لها منذ مئات السنين، ولم تُفتح للنخاسين من الغرب إلا بعد اتصال الملاحة على ساحل البحر الأطلسي في العالم القديم والعالم الجديد.

وفي أقل من خمسين سنة نَقَل النخاسون الغربيون جموعًا من العبيد السود تبلغ عدة الباقين من ذريتهم — بعد القتل والاضطهاد — نحو خمسة عشر مليونًا في الأمريكتين؛ عدد يضارع خمسة أضعاف ضحايا النخاسة في القارات الثلاث منذ أكثر من ألف سنة، وهو فارق جسيم بحساب الأرقاء يكفي للإبانة عن الهاوية السحيقة في التجربة العملية بين النخاستين، ولكنه فارق هيِّن إلى جانب الفارق في حظوظ أولئك الضحايا بين العالم القديم والعالم الجديد؛ فإن في الأمريكتين إلى اليوم أمة من السود معزولة بأنسابها وحظوظها وحقوقها العملية، وليس في بلاد الشرق أمة من هذا القبيل؛ لأن الأسود الذي ينتقل إليها يُحسب من أهلها بعد جيل واحد، له ما لهم وعليه ما عليهم بغير حاجة إلى حماية من التشريع أو نصوص الدساتير.

(٧) حقوق الحرب

شاع عن الإسلام أنه دين السيف، وهو قول يصح في هذا الدين إذا أراد قائله أنه دين يفرض الجهاد ومنه الجهاد بالسلاح، ولكنه غلط بَيِّن إذا أُريدَ به أن الإسلام قد انتشر بحد السيف أو أنه يضع القتال في موضع الإقناع.

وقد فطن لسخف هذا الادعاء كاتب غربي كبير هو توماس كارليل صاحب كتاب: «الأبطال وعبادة البطولة»؛ فإنه اتخذ محمدًا — عليه السلام — مثلًا لبطولة النبوة، وقال ما معناه:

إن اتهامه بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس أو يستجيبوا لدعوته، فإذا آمن به من يقدرون على حرب خصومهم فقد آمنوا به طائعين مصدقين وتعرضوا للحرب من أعدائهم قبل أن يقدروا عليها.

والواقع الثابت في أخبار الدعوة الإسلامية أن المسلمين كانوا هم ضحايا القسر والتعذيب قبل أن يقدروا على دفع الأذى من مشركي قريش في مكة المكرمة؛ فهجروا ديارهم وتغرَّبوا من أهليهم حتى بلغوا إلى الحبشة في هجرتهم، فهل يأمنون على أنفسهم في مدينة عربية قبل الْتِجائهم إلى «يثرب» وإقامتهم في جوار أخوال النبي ، مع ما بين المدينتين من التنافس الذي فتح للمسلمين بينهما ثغرة للأمان؟ ولم يكن أهل يثرب ليرحِّبوا بمقدمهم لولا ما بين القبيلتين الكبيرتين فيها «قبيلتَي الأوس والخزرج» من نزاع على الإمارة فتح بينهما كذلك ثغرة أخرى يأوي إليها المسلمون بعد أن ضاق بهم جوار الكعبة، وهو الجوار الذي لم يَضِقْ من قبل بكل لائذيه في عهد الجاهلية.

ولم يعمد المسلمون قط إلى القوة إلا لمحارية القوة التي تصدهم عن الإقناع، فإذا رصدت لهم الدولة القوية جنودها حاربوها؛ لأن القوة لا تُحارب بالحجة والبينة، وإذا كفوا عنهم لم يتعرضوا لها بسوء.

لذلك سالموا الحبشة ولم يحاربوها، ولذلك حاربوا الفرس؛ لأن كسرى أرسل إلى عامله في اليمن يأمره بتأديب النبي أو ضرب عنقه وإرسال رأسه إليه. وحاربوا الروم؛ لأنهم أرسلوا طلائعهم إلى تبوك فبادرهم النبي بتجريد السرية المشهورة إلى تخوم الحجاز الشمالية، وعادت السرية بغير قتال حين وجدت في تبوك أن الروم لا يتأهبون للزحف على بلاد العرب ذلك العام.

ولم يفاتح النبي أحدًا بالعداء في بلاد الدولتين، إنما كتب إلى الملوك والأمراء يبلغهم دعوته بالحسنى، ولم تقع الحرب بعد هذا البلاغ بين المسلمين وجنود الفرس والروم إلا بعد تحريضهم القبائل العربية في العراق والشام على غزو الحجاز، وإعدادهم العدة لقتال المسلمين، وقد علم المسلمون بإصرارهم على اغتنام الفرصة العاجلة لمباغتتهم بالحرب من أطراف الجزيرة، ولولا اشتغال كسرى وهرقل بالفتن الداخلية في بلادهما لبوغت المسلمون بتلك الحرب قبل أن يتأهبوا لمدافعتها أو التحصن دونها.

وفي الجزيرة العربية لم تقع حرب بين المسلمين وقبائلها إلا أن تكون حرب دفاع أو مبادرة إلى اتقاء الهجوم المُبيَّت في أرض تلك القبائل، وكانت العداوة سافرة بين المسلمين ومشركي قريش لا يكتمها المشركون ولا يواربون فيها، ولا يخفون أنهم عقدوا النية على الإيقاع بمحمد وأصحابه وفضِّ العرب من حوله وإيذاء كل من يدخل منهم في دينه؛ فلم تكن بين المسلمين والمشركين حالة غير حالة الحرب إلا في أيام صلح الحديبية، ثم عادت الحرب سجالًا بين الفريقين حتى تم فتح مكة وانتقلت الحرب من قتال سافر بين المشركين والمسلمين إلى قتال بالدس والمكيدة بين هؤلاء وزمرة المنافقين. وقد حرص الإسلام على تسمية كل عدو من أعدائه باسمه لا يعدوه، ولم يخلط بين حرب الشرك وحرب النفاق؛ لأنه لا يحاسب على العداوة بالنيات كما يحاسب على العداوة بالأعمال. أما قبائل الجزيرة العربية في قريش فلم يحاربهم الإسلام إلا حرب دفاع أو حرب مبادرة لاتقاء الهجوم من جانبها، وأخبار السرايا الإسلامية في بلاد العرب معروفة محفوظة بأسبابها ومقدماتها، وكلها كما أحصاها المؤرخ العصري — أحمد زكي باشا — حروب دفاع واتقاء هجوم.

«ونذكر من بعد ذلك غزوة بني قينقاع من يهود المدينة؛ فقد حاربهم المسلمون لنقضهم العهد بعد غزوة بدر الكبرى، وهتكهم حرمة سيدة من نساء الأنصار، ثم غزوة بني غطفان، ولم يخرج المسلمون لقتالهم إلا بعد أن علموا أن بني ثعلبة ومحارب من غطفان تجمعوا برئاسة دعثور المحاربي للإغارة على المدينة، ثم سرية عاصم بن ثابت الأنصاري وكانوا مع رهط عضل والقارة الذين خانوهم ودلوا عليهم هذيلًا قوم سفيان بن خالد الهذلي الذي قتله عبد الله بن أنيس، ثم سرية المنذر بن عمرو وهم سبعون رجلًا يُسمَّون القُرَّاء، أخذهم عامر بن مالك ملاعب الأسنة لطمعه في هداية قومه وإيمانهم، فلم يَرْعَ قومُه جواره وقتلوا القُرَّاء، ثم غزوة بني النضير من يهود المدينة؛ وذلك لنقضهم العهد وإلقائهم صخرة على النبي لَمَّا كان في ديارهم، ثم غزوة دومة الجندل، ولم يخرج المسلمون إلا لَمَّا علموا أن في ذلك المكان أعرابًا يقطعون الطريق على المارة ويريدون الإغارة على المدينة، ثم غزوة بني المصطلق وهؤلاء ممن ساعدوا المشركين في أُحد، ولم يكتفوا بذلك بل أرادوا جمع الجموع للإغارة على المدينة، ثم غزوة بني قريظة من يهود المدينة لنقضهم العهد واجتماعهم مع الأحزاب، ثم غزوة الخندق وكانت مع الأحزاب الذين حاصروا المدينة، ثم غزوة بني لحيان لقتلهم عاصم بن ثابت وإخوانه الذين حزن عليهم رسول الله ، ثم غزوة الغابة لإغارة عيينة بن حصن في أربعين راكبًا على لقاح للنبي كانت ترعى الغابة، ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القصة لما بلغ المسلمين أن بذلك الموضع ناسًا يريدون الإغارة على نَعَمِ المسلمين التي ترعى بالهيفاء، ثم سرية زيد بن حارثة لمعاكسة بني سليم الذين كانوا من الأحزاب يوم الخندق، ثم سرية زيد كذلك للإغارة على بني فزارة الذين تعرَّضوا له، ثم سرية عمر بن الخطاب لِمَا بلغ المسلمين من أن جمعًا من هوازن يُظهرون العداوة للمسلمين، ثم سرية بشير بن سعيد لِمَا بلغهم من أن عيينة بن حصن واعد جماعة من غطفان مقيمين بقرب خيبر للإغارة على المدينة، ثم سرية غالب الليثي ليقتص من بني مرة بفدك؛ لأنهم أصابوا سرية بشير بن سعد، ثم غزوة مؤتة وكانت لتعرُّض شرحبيل بن عمرو الغساني للحارث بن عمير الأزدي رسول النبي إلى أمير بصرى يحمل كتابًا وقتْله إياه، ولم يُقتل للنبي رسول غيره حتى وجد لذلك وجدًا شديدًا، ثم سرية عمرو بن العاص لِمَا بلغهم من أن جماعة من قضاعة يتجمعون في ديارهم وراء وادي القرى للإغارة على المدينة، ثم سرية علي بن أبي طالب لِمَا بلغهم من أن بني سعد بن بكر يجمعون الجموع لمساعدة يهود خيبر على حرب المسلمين، ثم غزوة خيبر؛ لأن أهلها كانوا أعظم محرِّض للأحزاب، ثم سرية عبد الله بن رواحة لِمَا بلغهم من أن باين رزام رئيس اليهود يسعى في تحريض العرب على قتال المسلمين، ثم سرية عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان جزاء إرساله من يقتل النبي غدرًا، ثم حرب العراق لِمَا ارتكبه كسرى عندما أُرسل إليه كتاب عُرض عليه فيه الإسلام، فإنه مزق الكتاب وكتب إلى بازان — أمير له باليمن — يقول له: «بَلَغني أن رجلًا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي، فَسِرْ إليه فاستَتِبْه فإن تاب وإلا فابعث إليَّ برأسه؛ أيكتب إليَّ هذا الكتاب وهو عبدي؟» فعبث بازان بكتاب كسرى إلى النبي مع فارسَين يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، فقدما إليه وقالا له: شاهنشاه بعث إلى الملك بازان يأمره أن يبعث إليك من يأتي بك، وقد بعثنا إليك فإن أبيت هلكت وأهلكت قومك وخرَّبت بلادك، فليس بعد ذلك عذر للمسلمين في امتناعهم عن حرب الفرس خصوصًا وقد كان للعرب ثارات كثيرة في ذمة العجم … ثم غزوة تبوك لِمَا بلغ المسلمين من أن الروم جمعت الجموع تريد غزوهم في بلادهم، وقد أعقبها فتح الشام والقسم الأعظم من دولة الروم.»٦

•••

فهذا حق السيف كما استخدمه الإسلام في أشد الأوقات حاجةً إليه.

حق السيف مرادف لحق الحياة، وكلُّ ما أوجب الإسلام فإنما أوجبه لأنه مضطر إليه أو مضطر إلى التخلي عن حقه في الحياة، وحقه في حرية الدعوة والاعتقاد. فإن يكن درءًا للعدوان والافتيات على حق الحياة وحق الحرية، فالإسلام في كلمتين هو دين السلام.

وأيسر من استقصاء الحروب وأسبابها في صدر الإسلام أن نُلقيَ نظرة عامة على خريطة العالم في الوقت الحاضر لنعلم أن السيف لم يعمل في انتشار هذا الدين إلا القليل مما عمله الإقناع والقدوة الحسنة؛ فإن البلاد التي قلَّت فيها حروب الإسلام هي البلاد التي يقيم فيها اليوم أكثر مسلمي العالم، وهي بلاد إندونيسيا والهند والصين وسواحل القارة الأفريقية وما يليها من سهول الصحاري الواسعة؛ فإن عدد المسلمين فيها قريب من ثلاثمائة مليون، ولم يقع فيها من الحروب بين المسلمين وأبناء تلك البلاد إلا القليل الذي لا يُجدي في تحويل الآلاف عن دينهم بَلْهَ الملايين، ونقارن بين هذه البلاد والبلاد التي اتجهت إليها غزوات المسلمين لأول مرة في صدر الدعوة الإسلامية، وهي بلاد العراق والشام؛ فإن عدد المسلمين فيها اليوم قلما يزيد على عشرة ملايين يعيش بينهم من اختاروا البقاء على دينهم من المسيحيين واليهود والوثنيين أو أشباه الوثنيين. ومن المفيد في هذا الصدد أن نعقد المقارنة بين البلاد التي قامت فيها الدولة الإسلامية والبلاد التي قامت فيها الدولة المسيحية من القارة الأوروبية؛ فلم يبقَ في هذه القارة أحد على دينه الأول قبل دخول المسيحية، وقد أقام المسلمون قرونًا في الأندلس وخرجوا منها وأبناؤها اليوم كلهم مسيحيون.

وأنفع من الإحصاءات والمقارنات أن نتفهَّم دخيلة الدين من روحه التي تصبغ العقيدة بصبغتها فيما يعيه المتدين على قصد منه، أو فيما ينساق إليه بوحي من روح دينه كأنه عادة مطبوعة لا يلتفت إلى قصده منها. وروح الإسلام في العلاقة بين المسلم وسائر بني الإنسان تشف عنها كل آية وردت في القرآن الكريم عن حكمة الاجتماع من أكبر الجماعات إلى أصغرها، ومن جماعة النوع الإنساني في جملته إلى جماعة الأسرة، وطبيعة الاجتماع في كل مخلوق إنساني منذ تكوينه في أصلاب آبائه وأجداده. فما هي حكمة الاجتماع في الشعوب والقبائل؟ وما هي حكمة الاجتماع في بنيان الأسرة؟ وما هي حكمة الاجتماع في خلق الإنسان في بطن أمه؟

حكمتها كلها فيما يتعلَّمه المسلم من كتابه أنها وشيجة من وشائج المودة والرحمة، وسبيل إلى التعارف والتقارب بين الغرباء.

فالتعارف هو حكمة التعدد والتكاثر بين الشعوب والقبائل من أبناء آدم وحواء: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا (الحجرات: ١٣).

والمودة والرحمة هي حكمة الاجتماع في الأسرة: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً (الروم: ٢١).

والنسب هو حكمة الاجتماع من خلق الإنسان منذ تكوينه في صلب أبيه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا (الفرقان: ٥٤).

والمؤمنون إخوة، والناس إخوان من ذكر وأنثى، وشر ما يخشاه الناس من رذائلهم أنها تُلقي بينهم العداوة والبغضاء: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ (المائدة: ٩١).

والعداوة والبغضاء هما الجزاء الذي يصيب اللهُ به من ينسَوْن آياته ويكفرون بنعمته، وهما الجزاء الذي أصاب اللهُ به أهل الكتاب بعد ما جاءهم من البينات فضلوا عن سوائه، ولم يَبقَ لهم من دينهم غير اسم يدعونه: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (المائدة: ١٤)، وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (المائدة: ٦٤).

•••

ولا خفاء بروح الدين كما توحيه إلى وجدان المسلم هذه الآيات وما في معناها من كلمات كتابه؛ فإنها تلهمه أن المودة والرحمة حكمة الله في خلقه، وأن العداوة والبغضاء عقاب لمن يضلون عن حكمته ومَغَبَّة السوء التي تستدرجهم إليها الرذيلة والمعصية. ومن آمن بالله على هدي هذا الدين فقد آمن بإلهٍ يُرضيه من عباده أن يسلكوا سبيل المودة والسلام، ويُسخطه منهم أن يسلكوا سبيل العداوة والعدوان.

وقد تعددت آراء المشترعين وأصحاب الآراء في القوانين بين طائفة ترى أن الإنسان مطبوع على الشر، وأن حالة الحرب هي الحالة الطبيعية بين الناس حتى تتقرر بينهم حالة غيرها من أحوال المصالحة والتراضي على المسالمة والأمانة، وطائفة ترى أن الإنسان — بطبعه — مخلوق وديع يدفعه الخوف والحاجة إلى المشاكسة فيتعدَّى على كره ويصد العدوان على كره، وتجري عادته على وفاق ما تمليه عليه معيشة الأمن والرخاء أو معيشة القلق والاضطراب.

والإسلام دين ينظر إلى هذه المشكلة نظرة الدين، ولا يعنيه الواقع ليجعله مثلًا مختارًا للعلاقة بين الناس، بل يعنيه الواقع ليختار لهم ما هو أجدر باختيارهم وأصلح لشئون أفرادهم وجماعاتهم، ويروِّضهم على أن يكونوا خيرًا من الواقع فيما يطيقونه وينفعهم أن يطيقوه.

فالعلاقة بين الناس في دستور الإسلام علاقة سِلم حتى يُضطَروا إلى الحرب دفاعًا عن أنفسهم أو اتقاءً لهجوم تكون المبادرة فيه ضربًا من الدفاع؛ فالحرب يومئذٍ واجبة على المسلم وجوبًا لا هوادة فيه، وهو — مع وجوبها — مأمور بأن يكتفيَ من الحرب بالقدر الذي يكفل له دفع الأذى، ومأمور بتأخيرها ما بقيت له وسيلة إلى الصبر والمسالمة، ويتكرر هذا الأمر كلما تكرر الإذن بالقتال والتحريض عليه، وكل تحريض أمر به ولي الأمر في القرآن فهو التحريض على تجنيد الجند وحض العزائم على حرب لم يبقَ له محيد عنها، ولا غرض له منها إلا أن يكفَّ بأس المعتدين عليه وعلى قومه، ثم لا إكراه له في هذه الحرب على متطوع لقتال أو نجدة، وهذا هو موضع التحريض في قوله تعالى: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا (النساء: ٨٤).

أما أواصر القتال فمن آياتها في القرآن الكريم ما ورد في سورة البقرة: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة: ١٩٠)، فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ (البقرة: ١٩٤).

وفي سورة النحل: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ (النحل: ١٢٥-١٢٦).

وفي سورة الأنفال: وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ (الأنفال: ٦١).

وفي سورة النساء: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (النساء: ٩٠).

•••

أما المشركون الذين لم يصدُّوا المسلمين عن دينهم ولم يبادئوهم بالعدوان فلا حرج على المسلم أن يبرَّ بهم، ويعدل في معاملتهم، وأن يعاهدهم ويوفيَ لهم عهدهم إلى مدته، وإلى أن ينقضوه مخالفين بما عاهدوا عليه إن لم يكن له أجل محدود: لَّا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (الممتحنة: ٨-٩).

•••

إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (التوبة: ٤).

ولم يجعل الإسلام وفاء المعاهدين بعهودهم تدبيرًا من تدبيرات السياسة أو ضرورة من ضروراتها التي تجوز فيها المراوغة عند القدرة عليها، بل جعله أمانة من أمانات العقل والضمير وخلقًا شريفًا يكاد الخارج عليه أن يخرج من آدميته ويسلك في عداد السائمة التي لا ملامة عليها: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا (النحل: ٩١)، إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (الأنفال: ٥٥-٥٦)، كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (التوبة: ٧).

•••

ومن توكيد الإسلام لواجب الوفاء بالعهد أنه يُحرِّم على المسلمين أن يستبيحوا الانتصار للقوم منهم يستنصرونهم في الدين إذا كان بينهم وبين أعداء المستنصرين لهم عهد وميثاق: وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ (الأنفال: ٧٢).

•••

ولا يبيح الإسلام لولي الأمر أن يستخدم السيف فيما شجر بين المسلمين من نزاع يخاف أن يُفضيَ بينهم إلى القتال إلا إذا بغت طائفة منهم على الأخرى؛ فله بعد استنفاد الحيلة في الإصلاح بينهما أن يقاتل الفئة الباغية حتى تكف عن بغيها: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الحجرات: ٩).

وفيما عدا العلاقة التي تنعقد بين المسلمين وأبناء دينهم، أو بينهم وبين المعاهدين لا تكون الأمة التي لا ترتبط بالدين ولا ترتبط بالعهد إلا عدوًّا يُخاف ضرره ولا يؤمَن جانبه إلا على وجهٍ من الوجهين: أن يقبل الدين أو يقبل الميثاق.

والإسلام يُسمِّي بلاد هذا العدو «دار حرب»؛ لأنها بلاد لا سلام فيها للمسلم، ويفرق بين حقوقها وحقوق المسلمين أو حقوق المعاهدين، ولا يعترف لها بهذه الحقوق أو تلك إلا أن تدين بالإسلام أو تقبل الصلح على عهد متفَق عليه.

وليس معنى هذا التقسيم الطبيعي في الحقوق أن الإسلام يُكره القوم على قبوله؛ إذ إن نص القرآن الكريم يمنع الإكراه في الدين: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة: ٢٥٦).

ولكن معنى تقسيم البلاد إلى بلاد سلم وبلاد حرب أن بلاد الحرب لا تدخل في السلم إلا إذا قبلت الدين أو تعاهدت على الصلح بقتال أو بغير قتال. وتأبى طبيعة الأمور تقسيمًا لحقوق السلم والحرب غير هذا التقسيم.

ومتى وقعت الحرب فلا قتال لأحد غير المقاتلين ولو كان من بلاد الأعداء، ولم يكن النبي — عليه السلام — وخلفاؤه يتركون المقاتلين من المسلمين المتوجهين إلى الحرب بغير وصاية مشددة يحاسبونهم عليها فيما يتبعونه من خطة قِبل الرعايا المسالمين من أعدائهم، وخلاصة هذه الوصايا كما أجملها الخليفة الأول أبو بكر الصديق: «ألا تخونوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلةٍ، وسوف تمرون بأقوام قد فرَّغوا أنفسهم للصوامع فدعوهم وما فرَّغوا أنفسهم له.»

وتشتمل تعاليم الإسلام على أحكام مفصلة لكل حالة من الحالات التي تعرض بين المتحاربين في أثناء القتال أو بعده، وهي حالات الأمان والاستئمان والمهادنة والموادعة والصلح على معاهدة.

فالأمان هو: «رفع استباحة الحربي ورقه وماله حين قتاله أو العزم عليه.»

والاستئمان هو: «تأمين حربي ينزل لأمر ينصرف بانقضائه.»

والمهادنة: «عقد لمسلم مع حربي على المسالمة مدة ليس هو فيها على حكم الإسلام.»

والموادعة: «عقد غير لازم محتمل النقض، للإمام أن ينبذه» حسب قوله تعالى: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ (الأنفال: ٥٨)، ويشترط في حالة النبذ أن يبلغه القائد إلى جنده وإلى الأعداء وهم على حكم الأمان حتى يعلموا بانتهاء الموادعة.٧

والوفاء بالشرط المتفَق عليه في كل حالة من هذه الحالات فريضة مؤكَّدة بنصوص القرآن الكريم، ونصوص الأحاديث النبوية، تقدمت بها الأمثلة في معاهدات النبي — عليه السلام — ومعاهدات خلفائه رضوان الله عليهم، وأشهرها عهد الحديبية قبل فتح مكة وعهد بيت المقدس بعد فتح الشام.

فالنبي — عليه السلام — قد اتفق على عهد الحديبية بعد هجرته من مكة بست سنوات، وكان يريد الكعبة معتمرًا مع طائفة من صحبه فتصدَّى له المشركون وحالوا بينه وبين البيت الحرام، فقال النبي — عليه السلام — لرسولهم: «إنَّا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد حموا، وإن هم أبَوْا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي وينفذن الله أمره.» ثم أنفذت قريش رسولها سهيل بن عمرو العامري، فاتفق مع النبي — عليه السلام — على أن يرجع النبي وصحبه فلا يدخلوا مكة تلك السنة، فإذا كانت السنة القادمة دخلوها فأقاموا فيها ثلاثًا بعد أن تخرج منها قريش، وتهادنوا عشر سنين لا حرب فيها ولا أغلال ولا أسلال، ومن أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليِّه ردَّه إليهم، ومن أتى قريشًا من المسلمين لم يردوه، واستكثر المسلمون هذا الشرط فقال — عليه السلام: «نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فيجعل الله له فرجًا ومخرجًا، ومن أحب منهم أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.»

ثم أخذ النبي — عليه السلام — في إملاء العهد وابتدأه «بسم الله الرحمن الرحيم»، فأبى سهيل بن عمرو أن يبدأ العهد بهذه الفاتحة الإسلامية وقال: «بل يكتب: باسمك اللهم.» فأجابه النبي إلى ما طلب ومضى يُملي قائلًا: «هذا ما قاضى عليه رسول الله.» فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك ولا قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك.

وبينما هم يكتبون العهد لم يفرغوا منه أقبل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في القيود، فرمى بنفسه بين المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه. وأخذ بتلابيب ولده، فقال النبي لأبي جندل: «يا أبا جندل! قد لجت القضية بيننا وبينهم ولا نغدر.» ومضى النبي وصحبه على رعاية عهدهم حتى نقضته قريش وأمدت بني بكر بالسلاح والأزواد في حربهم لخزاعة، فأصبح المسلمون في حِلٍّ من نقض ذلك العهد، وعمدوا إلى مكة فاتحين ففتحوها بعد ذلك بقليل.

أما عهد بيت المقدس فذلك هو العهد الذي كتبه الخليفة عمر بن الخطاب لأهل إيلياء، وهو أشهر العهود في صدر الإسلام بعد عهد الحديبية، وفيه يقول الخليفة العظيم: «إنه أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، وإنه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُنقض منها ولا من صُلُبِهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يَسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يُعطُوا الجزية كما يُعطي أهل المدائن، وأن يُخرجوا منها الروم واللسوت، ومن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام معهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية … ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويُخلِّيَ بينه وبين صُلُبِهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصُلُبِهم حتى يبلغوا مأمنهم.»

وقد حدث في أثناء التعاهد على هذا الصلح حادث كحادث أبي جندل عند كتابة صلح الحديبية، فحان موعد الصلاة والخليفة العظيم في كنيسة بيت المقدس، ولا مانع عند المسلم من إقامة الصلاة في الكنائس أو في معابد الأديان غير الإسلام؛ إذ أينما تكونوا فثَمَّ وجه الله، ولكنه أشفق أن يقيم الصلاة في مكان فيحرص المسلمون بعده على احتجاز ذلك المكان الذي صلى فيه أمير المؤمنين؛ فخرج من الكنيسة وصلى في جوارها ولم يُبِحْ لنفسه أن يورط أتباعه في ذريعة يتعللون بها لمخالفة عهد من عهوده.

وكِلا العهدين — عهد مكة وعهد بيت المقدس — يفند زعم الزاعمين أن الإسلام يعتمد على الإكراه في نشر دعوته. وثانيهما — وهو عهد الصلح في الشام بعد هزيمة دولة الروم — واضح في بيان الشروط التي يعرضها الإسلام على المعاهدين بعد الحرب التي ينتصر فيها؛ فمن أحب أن يقيم في مكانه فله أن يقيم وهو آمن على نفسه ودينه وحريته، ومن أحب أن يرحل إلى بلاد الدولة المنهزمة فله أن يرحل كما أراد وهو آمن في طريقه، ومن دان بالإسلام فهو مقبول في زمرة المسلمين، ومن بقي على دينه فليس عليه إلا أن يؤديَ الجزية فتحميه الدولة مما يُحمى منه سائر رعاياها، وله ما لهم وعليه ما عليهم إلا الحرب، فإنها لا تُطلب منه في خدمة دين غير دينه.

وشرع الإسلام القتال على درجات، فلم يشرع حالة إلا وضع لها حدودها وبيَّن للمسلمين ما يجب عليهم فيها، وتم له في نحو عشرين سنة قانون دولي كامل لأحوال الحرب مع المقاتلين على اختلافهم، فأتم في القرن السادس ما بدأت فيه أوروبا في القرن السابع عشر، ولم يزل قاصرًا عن غايته مهمَلًا في ساعة الحاجة إليه.

بدأ النبي — عليه السلام — دعوته واستجاب له مَن استجاب من قومه وهو لا يأذن بقتال، فلما اشتد به وبأصحابه ما أصابهم من أذى المشركين فعذبوهم وفتنوهم وأخرجوهم من ديارهم كان ذلك بداءة الإذن بمقاتلة المعتدين في الحد الذي يكفي لدفع العدوان — كما تقدم — ولا يُبقي بعده أثرًا للضغينة والانتقام: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ (الحج: ٣٩-٤٠).

وكان النبي — صلوات الله عليه — يعاقِب في حروبه بمثل ما عوقب به ولا يجاوزه إلى اللدد في الخصومة، فإذا انتهت الحرب على عهد من العهود وفى به وأخذ على أتباعه أن يَفُوا به في غير أغلال ولا أسلال؛ أي في غير خيانة ولا مراوغة. وثابر على الوفاء في جميع عهوده، وثابر أهل الجزيرة من المشركين واليهود على الغدر بكل عهد من تلك العهود، وعقدوا النية سرًّا وجهرًا على إعنات المسلمين وإخراجهم من ديارهم، لا يُحرِّمون حرامًا في مهادنتهم ولا في مسالمتهم، ولا يزالون يؤلبون عليهم الأعداء من داخل الجزيرة وخارجها، وأصروا على ذلك مرة بعد مرة حتى أصبحت معاهداتهم عبثًا لا يفيد ولا يغني عن القتال فترة إلا ردَّهم إليه بعد قليل، ووضح من لدد القوم وإصرارهم عليه أنهم لا يهادنون إلا ليتوفَّروا على جمع العدة وتأليب العدو من الخصوم والأحلاف، فبطلت حكمة الدعوة إلى العهد، ولم يبقَ للمسلمين من سبيل إلى الأمان معهم إلا أن يُخرجوهم من حيث أرادوا أن يُخرجوا المسلمين، ولا يُبقوا أحدًا غير مسلم في تلك الجزيرة التي أبت أن تكون وطنًا للمشركين وأحلافهم دون سواهم؛ فانتهت حكمة التخيير بين المعاهدة والقتال، ووجب الخيار بين أمرين لا ثالث لهما، وهما الجوار على الإسلام أو على الخضوع لحكمه، فلا جوار في الجزيرة لأحد من المشركين وأحلافهم اليهود إلا أن يدين بالإسلام أو بالطاعة: وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (البقرة: ١٩١).

وقال النبي — عليه السلام — يومئذٍ: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابهم على الله.»

وفي هذا المعنى ينص القرآن الكريم على محاربة أهل الكتاب الذين تحالفوا مع المشركين ونقضوا العهود المتوالية بينهم وبين النبي كما تقدم في ذكر الغزوات والسرايا: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (التوبة: ٢٩).

والوجه الوحيد الذي ينصرف إليه هذا الحكم أنه حيطة لا محيد عنها لضمان أمن المسلمين مع من يجاورونهم في ديارهم ويتآمرون على حربهم، فلا يحل للمسئول عن المسلمين أن يَكِلَ أمانهم إلى عهد يُنقض في كل مرة، ولكنه يأمن عليهم في جوار قوم مسلمين أو قوم مطيعين للدولة يؤدُّون لها حقها، فهم إذنْ لا يملكون من الاستقلال بالعمل في طاعة تلك الدولة ما يملكه المعاهَد المؤمَّن على عهوده.

وعلى الجملة شرع الإسلام حُكمًا لكل حالة يمكن أن توجد بينه وبين جيرانه على الحذر أو على الأمان؛ فنص على حالة الدفاع والعدوان، ونص على الدفاع الواجب في حدوده على حسب العدوان، ونص على التعاهد والمسالمة إلى مدة أو إلى غير مدة، ولما بطلت جدوى المعاهدة لم تبقَ له خطة يأخذ بها أعداءه غير واحدة من اثنتين: الحرب أو الخضوع للإسلام إيمانًا به أو طاعة لمولاه، ولم يجعل الإيمان بالإسلام حتمًا على أعدائه المصرِّين على العداء، بل جعله خيارًا بين أمرين، ومن سام الإسلام أن يرضى بغير هذين الأمرين فقد سامه أن يرضى بحالة ثالثة لا يرضاها أحد، وهي حالة الخوف الدائم من عدو متربص به لا تُجدي معه المهادنة، ولا يؤمَن على عهد من العهود.

وانقضى عهد النبي — صلوات الله عليه — والمسلمون يعلمون حدودهم في كل علاقة تعرض لهم بين أنفسهم وبينهم وبين جيرانهم: علاقة المودة والوئام، وعلاقة الشغب والفتنة، وعلاقة الحرب أو علاقة التعاهد أو علاقة الموادعة والمهادنة أو علاقة الأمان والاستئمان. وهذه العناية بإقامة الحدود وبيان واجباتها هي وحدها حجة قائمة للإسلام على خصومه الذين يتهمونه بأنه دين الإكراه الذي لا يعرف غير شريعة السيف؛ فمن كان لا يعرف غير شريعة السيف فما حاجته إلى بيانٍ لكل حالة من حالات السلم والحرب بأحكامها وواجباتها وحدودها وتبعاتها؟ لا حاجة به إلى حدٍّ من هذه الحدود ما دام معه السيف الذي يجرده متى استطاع، ولا حاجة به إلى حدٍّ من هذه الحدود ما دام عزلًا من السيف مغلوبًا على كل حال. فإنما يبحث عن تلك الحدود من يضع السيف في موضعه، ويأبى أن يضعه في موضع المسالمة والإقناع، وكذلك كانت شريعة الإسلام منذ وجب فيه القتال، ولم يوجبه إلا البغي والقسر والعنت والإخراج من الديار.

•••

وبينما كانت هذه الحدود معلومة مقسومة بأقسامها وتبعاتها في شريعة الإسلام كانت العلاقة بين الأمم في القارات الثلاث فوضى لا تثوب إلى ضابط، ولا يستقر بينها السلام إلا حيث يمتنع وجود المحارب، فيمتنع وجود الحرب بالضرورة التي لا اختيار فيها.

كانت شريعة الرومان أن كل قوي يجاورك عدو تقضي عليه، فلم يكن للقارة الحديثة (التي سموها بقرطاجنة) من ذنب إلا أنها دولة قوية تعيش على العدوة الأخرى من بحرهم الذي أغلقوه دون غيرهم mare clausum، أو الذين سَمَّوْه بحرنا وحرَّموا على غيرهم أن يشاركهم فيه mare Nostrum.
وكذلك كانت شريعة فارس في الشرق مع من يجاورها، وكذلك كانت شريعة الإسكندر وخلفائه على دولته الواسعة، وكذلك بقيت شريعة الدول في القارة الأوروبية إلى القرن السابع عشر أول عهدهم بالبحث في الشرائع الدولية وحقوق الحرب والسلام، فلم يلتفتوا قط إلى البحث في الحقوق يوم كان الحق كله للسيف تتولاه دولة واحدة تُخضع من حولها من الرعايا المتفرِّقين، ولا تنازعها دولة أخرى في ولايتها عليهم واستبدادها بأمرهم، لم تكن هنالك شريعة في الحقوق يوم كانت شريعة السيف كافية مغنية لمن يملكه إذا غلب، ولمن يخضع له إذا حقت عليه الغلبة، فلما انقسمت الدولة الكبرى في القارة الأوروبية تفرَّقت الدول شيعًا، وتنازعت العروش والتيجان تنازع الحطام الموروث لا تنازع الحقوق والواجبات بين الأمم والشعوب، ويومئذٍ — في أوائل القرن السابع عشر — بدأت بحوثهم في حدود الحرب والسلام، وتصدَّى فقيههم الكبير جروتيوس Grotius لاستنباط هذه الحدود من وقائع الأحوال فيما سمَّاه بقانون الحرب Dejury Belt، ولا يزال بينهم أساس المراجع إلى العصر الحديث. لم يحدث فيه جديد ذو بال إلا أنهم يرجعون عنه إلى الوراء عدة قرون، فيبيحون اليوم ما كان محظورًا من اقتحام الحرب بغير علة أو بلاغ.
وإن القارئ المسلم ليبتسم حين يقرأ في مراجع تلك البحوث الفجة أنها بحوث في شريعة تسري على العالم الأوروبي الذي كان معروفًا يومئذٍ باسم العالم المسيحي Christendom، ولا تسري على العالم المحمدي Mohammedism لأنه عالم جهالة لا يفقه هذه الحدود، ولا يلتزم بواجباتها وتبعاتها … فمن دواعي السخرية حقًّا أن يُقال هذا عن دينٍ يتناول المتعلِّم المبتدئ فيه مرجعًا من مراجع أصوله التي فرغ البحث فيها منذ القرن السادس للميلاد، فيرى فيه أحكام الإعلان والتبليغ والنبذ والمعاهدة والصلح والذمة والهدنة والموادعة والسفارة والوساطة، ويرى لكل حكم من الأحكام واجباته على المسلم في حالتَي إبرامه ونقضه، وواجبات الإمام والرعية فيه مفصلة مرددة كأنها صيغ العقود التي يتحرى فيها الموثِّقون غاية التوكيد والتقييد منعًا للأغلال والأسلال، كما جاء في أول عهد بين الإسلام والمشركين، فإن القارئ المسلم حين يمر بذلك السخف المضحك في بواكير القانون الدولي عند القوم لَيُحس كأنه على مشهد من ألاعيب أطفال يتواصَوْن فيما بينهم على كتمان أسرارهم عن كبارهم؛ لأن هؤلاء الكبار الخبثاء أغرار لا أمان لهم على تلك الأسرار!

•••

ومن البديهي أن الأديان تعليم يبيِّن للناس مواطن التحليل والتحريم، وليست هي بالقوى المادية التي تجرهم من أعناقهم إلى الخير وتحيطهم بالسدود لتصدهم عن مقارفة الشر، وليست هي بترياق الساعة الذي يقال في أساطير السحر إنه يبرئ الأدواء لساعته ويخلفها بالصحة السابغة والشباب المقلد. وقصاراها من الهداية أنها كالمصابيح التي تنير المسالك أمام السالك وتبطل العذر لمن يسلك أسوأ الطريقين على علم بما فيه من السوء والعوج وما في غيره من السداد والاستقامة، وهي على هذا كسب عظيم لبني الإنسان يضيرهم أن يفقدوه؛ فالناس يخالفون القوانين والآداب كل يوم ولا يقال — من أجل هذا — إنهم لم يكسبوا شيئًا بتدوين القوانين والمطالبة برعايتها، وإنهم في الزمن الذي يخالفون فيه القانون لا يزالون كما كانوا في زمن الهمجية السائمة لا يميزون بين المحرَّم والمباح، ولا يعرفون أنهم خالفوا القانون أو لم يخالفوه.

والمسلمون قد تعلموا أصول «القانون الدولي» قبل ظهور القانون الدولي في الغرب بأكثر من عشرة قرون، فخالفوه كثيرًا فيما بينهم وخالفوه كثيرًا فيما بينهم وبين غيرهم، وتمحلوا المعاذير أحيانًا لتسويغ الحرب التي لا تسوغ، ونقض العهود التي يوصيهم الدين برعايتها، وظهر بينهم المجرمون الدوليون كما يظهر المجرمون والعصاة مع كل قانون وكل عرف مأثور، إلا أن هؤلاء المجرمين — كثروا أو قلوا — لم يبطلوا فضيلة دينهم ولم ينسخوا أحكامه بعصيانهم، وذهبوا وبقيت تلك الأحكام ماثلة أمام ولاة الأمر يطيعونها أو يسوِّل لهم الطمع أن يتعدَّوْا حدودها، فلا يجسروا على تعدِّيها جهرة إلا أن يتمحلوا لها معاذيرها ويبدلوا معالمها، ومن لجَّ به البغي فتعدَّى حدودها ولم يكترث لعواقب العدوان لم ينجُ من تلك العواقب في مصيره، وانتهى به البغي إلى نهاية كل جامح عسوف مستبد برأيه.

ولما تجاورت دول الإسلام ودول الغرب حول البحر الأبيض المتوسط كانت شريعة الدول الغربية في القانون الدولي هي الشريعة التي خلفتها لها دولة الرومان.

من جاورك فهو عدوك تُخضعه أو يُخضعك، وتبدأ بالحرب متى استطعت أو يبدؤك هو بالحرب متى استطاع … وكانت هذه الشريعة على أشدها في معاملتهم لبلاد المسلمين؛ لأنهم أفردوها بعداء واحد فوق كل عداء.

وإذا وُضع الميزان بين هذه الدول في هذه الفترة ذهبت كل غدرة من جانب الدول الإسلامية بغدرة مثلها من جانب الدول الغربية، وبقيت في كفة الغرب غدرات كثيرة لا نظير لها، ولا مسوغ لها غير شريعة العداء الدائم في جميع الأحوال.

والترك العثمانيون هم مضرب المثل عند الغربيين للشريعة التي تجوز في معاملات الغرب ولا تجوز في معاملات الأمم الأخرى. ومنهم من يخلط بين كلمة التركي وكلمة المسلم فيظن أن المسلمين كلهم من الترك، ويكتب كتابهم يومئذٍ عن قسوة التركي وذمة التركي ولباس التركي ولغة التركي، وهو يشمل بالكلمة جميع المخالفين للأوروبيين من المسلمين، وحقهم في عرف القوم أنهم لا حق لهم معروف بين حقوق الآدميين.

ولكن هؤلاء الترك لم يكن من شريعتهم قط أنهم يعاملون أناسًا سُلبت حقوقهم، واستبيحت دماؤهم وأموالهم لهم بلا سبب ولا مسوغ غير الخلاف في الدين، وطالما هَمَّ سلاطين الترك بإكراه المسيحيين في بلادهم على الإسلام أو تُستباح دماؤهم وأموالهم، فنهاهم عن ذلك شيوخ الإسلام وقيدوهم بالفتاوى الشرعية التي لا تُبيح للسلطان المسلم أن يقتل ذميًّا، أو يقتل مخالفًا يقبل أداء الجزية بعد تخييره بينها وبين المعاهدة أو الإسلام … ولولا هذه الفتاوى لاستطاع سلاطين الترك أن يُحوِّلوا أوروبا الشرقية إلى الدين الإسلامي في جيل واحد أو جيلين، ولولا أن الفتاوى الشرعية كانت لها رهبتها في ضمير السلطان المسلم لما اكترث لها أولئك السلاطين الأقوياء المتحكِّمون في ممالكهم، ولا سيما أيام الفتوح التي أضافت إلى قوتهم عظمة المجد وخيلاء الظفر والسطو؛ فقد كانت رهبة الفتوى من العالِم العارِف بأوامر الدين ونواهيه تُخيف بطل الحرب الذي لا تخيفه الجيوش والمعامع؛ لأنها رهبة من الله سيد السادة وملك الملوك القادر على أن يخذل المنتصر وينصر المخذول، بل كانت هذه الرهبة تزلزل العروش تحت أربابها وتطيح بهم من فوقها، وكثيرًا ما لجأ إليها السلاطين أنفسهم لإجازة ولاية بعدهم لا تجيزها لهم قوة السيف والمال، أو لإجازة العقاب الذي يحلونه بالعصاة ولا بد له من سند شرعي يسوغه لولي الأمر القادر عليه، وما استطاع السلطان أن يوقع بجمع «الانكشارية» المتمردين على الإصلاح إلا بسند من تلك الفتاوى يحتمي به من غضب الله وغضب رعاياه.

ومن أضاليل فقهاء الغرب في القانون الدولي أنهم أسقطوا حقوق الترك في المعاملات الدولية؛ لأنهم مُغِيرون على البلاد الأوروبية في غير مسوغ للإغارة عليها، وهم — أي هؤلاء الفقهاء — لا يشق عليهم أن يعلموا مسوغ تلك الإغارة لو كان لهم ميزان واحد للمعاملات بين الدول يزنون به حقوقها جميعًا على سواء؛ فإن العالم الأوروبي باتفاق ملوكه وأمرائه وبابواته قد شهر الحرب على العالم الإسلامي في حروبه الصليبية قبل زحف الترك العثمانيين على آسيا الصغرى في أواخر القرن الثالث عشر للميلاد، وكانت أخبار مذابح المسلمين في بيت المقدس وفي المغرب الأندلسي تجوب آفاق القارة الآسيوية إلى أقصاها شرقًا، وتجوب آفاق القارة الأفريقية إلى أقصاها جنوبًا، وتتغلغل في أنحاء العالم الإسلامي مع الحجاج والمهاجرين في كل عام، فلا تَدَعُ مسلمًا في الأرض بمعزل عن الشعور بحالة الحرب الداهمة؛ لأنه يعلم أنها مشهورة عليه. ولعل فقهاء الغرب يجهلون عمق هذا الشعور الذي ملأ جوانب العالم الإسلامي عدة قرون؛ لأنهم يجهلون مدى انتشار الخبر الذي يهم شعوب المسلمين على أفواه القوافل المترددة في آسيا وأفريقيا من الحجاج والمهاجرين. وعمق هذا الشعور هو الذي قوَّض دولتَي الإسبان والبرتغال في آسيا قبل سائر المستعمرين؛ لأنهما وصلتا إلى الشرق الإسلامي مسبوقتين بسمعة العداوة التي لا عداوة مثلها لشعوب الإسلام. أما أن يعلم فقهاء الغرب عمق هذا الشعور في بلاد العالم الإسلامي ثم يستكثروا على شعب من شعوبه أن ينظر إلى الغرب نظرته إلى محارب يقتص منه فلا عذر له إلا الأثرة العمياء التي تجيز لصاحبها أن يقتحم بلاد غيره، ثم لا يفهم من اقتحام بلاده بعد ذلك إلا أنه عدوان بغير سابقة وبغير حجة!

وتأبى الحوادث إلا أن تجيء عفوًا بما ينقض دعوى هؤلاء الفقهاء عن رعاية الإسلام للقوانين والعهود، فيطلق الغرب نفسُه لقب «سليمان القانوني» على سلطان من أكبر سلاطين القسطنطينية لم يُشتهر بعمل من أعماله الحربية كما اشتُهر بأعماله القانونية التي أقامت المعاملات بين الغرب وبلاده على سنن التشريع والمعاهدة، وهذه هي السنن التي اعترف بها في إبان مجده وقوته منحًا سخية للغرب، فما زالت حتى أصبحت مع الضعف قيودًا وأغلالها يتحكم بها المستعمرون الغربيون في أعناق الشرقيين!

•••

ونحن نكتب هذه السطور عن حقوق الأمم في الإسلام وعن حقوقها عند الفقهاء الغربيين بعد أن تنبَّهوا إلى البحث فيها منذ أوائل القرن السابع عشر، ولا ندري ما مصير هذه الحقوق من الوجهة العملية في عالمنا الحديث.

فقد تقهقرت دول الغرب في بعض أحكام القانون الدولي إلى ظلمات القرون الوسطى، وأسقطت حرمته في أخطر الحقوق وهي حق المفاتحة بالحرب أو حق الإغارة على الأمم بغير إعلان.

وإن تقدم العالم الإسلامي بالقانون الدولي لهو ضرورة قاسرة ليس فيها كبير فضل من نصوص وأحكام، ولا كبير فضل للمقاصد والنيات؛ فإن اشتباك العالم في المصالح بعد اقتراب أنحائه بالمواصلات وتسامُع الأخبار قد خلق بين الأمم علاقات مقصودة وغير مقصودة تُرغم القوى على محاسنة الضعيف، وتجعل الخطر في بعض أطراف الكرة الأرضية محسوسًا به في أبعد أطرافها من بلاد الأقوياء والضعفاء.

فهذه العلاقات مَرجُوَّة الخير مبتدئة بالأمم في طريقٍ لا يسهل عليها النكوص عنه، وهي آمنة على سلامتها وسلامة العالم الإنساني في جملته، فإذا صح فيها رجاء العالم الإنساني فهو رجاء يساق الغرب فيه بسائق الضرورة العمياء، ويقل فيه فضل السعي والتدبير، ولكنه رجاء يتلقاه المسلم تصديقًا لإيمانه بالله ولعقيدته في حكمته؛ لأنه يؤمن بأن التعارف بين الناس هو الحكمة الإلهية من خلق الشعوب والقبائل واختلاف الأجناس والألوان.

(٨) حق الإمام

الإمام في الإسلام هو وكيل الأمة في إقامة حدود الله، فحقه مرادف لحق الأمة ما قام بهذه الأمانة؛ لأنه يتولى الإمامة لإيتاء كل ذي حق حقه، ويملك الأمر وتجب له الطاعة فيما تدعو مصلحة الأمة فيه إلى تشريع جديد، وطاعته مقرونة بطاعة الله ورسوله: أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ (النساء: ٥٩).

وفي الحديث الشريف: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يُطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصِ الأمير فقد عصاني، اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة.»٨

وليس للإمام أن يعطِّل حدًّا من حدود الله.

وليس له أن يقيم حدًّا منها في غير موضعه.

وإقامته في غير موضعه أن يقام حيث لا تثبت أركانه ولا تدرأ شبهاته؛ فالإمام الذي يعطِّل الحد مخالف لأوامر الله، والإمام الذي يقيم حدًّا ليس بثابت الأركان ولا مدروء الشبهات مخالف لأوامر الله.

وعلى الإمام تقع تبعة الأمة كلها في تقدير مصالحها وضروراتها، وتقدير ما يترتب على هذه المصالح والضرورات من إجراء الأحكام أو وقفها أو التوفيق بينها وبين أحوالها.

وليس هذا من الاجتهاد الذي يجوز فيه الخلاف؛ لأن الاجتهاد اعتماد على تقدير لم يَرِدْ فيه نص صريح، وأما رعاية الضرورات فقد وردت فيها نصوص صريحة لا تُفهم على معنًى من المعاني إن لم يكن معناها أن للاضطرار حكمًا غير حكم الاختيار، وأن تقدير الاضطرار في تطبيق الشرع موكول إلى ولي الأمر ساعة حصوله: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ (البقرة: ١٧٣)، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ (الأنعام: ١١٩)، فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (المائدة: ٣).

والأمر بالتفكير نص صريح في القرآن الكريم كهذه النصوص عن الضرورات، فليس من الدين أن يتلقَّى المسلم آيات ربه في كتابه وآيات ربه في خلقه بغير تفكير: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (الأعراف: ١٧٦)، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (النحل: ١١)، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (النحل: ٦٧)، كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (الروم: ٢٨)، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (الأنعام: ٥٠)، وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (البقرة: ٢١٩).

وليس في القرآن الكريم أمر واجب على الإنسان أكثر من واجب العقل والتفكير، وليس فيه نعي على قوم أشد من النعي على الذين لا يعقلون ولا يتفكرون.

فرعاية الضرورات نص صريح، والأمر بالتعقُّل والتفكير نص صريح، ومن قال بغير ذلك فهو الذي يجتهد برأيٍ من عنده يخالف صريح النصوص.

أما موضع الاجتهاد الذي يُطلب من الإمام في مسائل التشريع فهو الذي فصَّله الفقهاء في أبواب القياس أو الاستحسان أو الاستصلاح، وقد أجملها العالم الفاضل الأستاذ عبد الوهاب خلاف في كتابه عن مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه فقال: «إنه إذا عرضت للمكلف واقعة فيها حُكم دل عليه نص في القرآن أو السنة انعقد عليه إجماع المجتهدين من المسلمين في عصرٍ من العصور، وجب اتباع هذا الحكم، ولا مجال للاجتهاد بالرأي في حكم هذه الواقعة، وإذا عرضت واقعة ليس فيها حكم بنص ولا إجماع ولكن ظهر للمجتهد أنها تساوي واقعة فيها حكم بنص أو إجماع في العلة التي بُني عليها حكم النص أو الإجماع، فإنه يُسوِّي بين الواقعتين في حكم النص لتساويهما في العلة التي بُني عليها، وهذه التسوية هي القياس، وهو أول طريق الاجتهاد بالرأي؛ لأن المجتهد يستنبط علة حكم النص باجتهاده برأيه، ويتحقق من وجودها في الواقعة المسكوت عنها باجتهاده برأيه.»

«وإذا عرضت واقعة يقتضي عموم النص حكمًا فيها، أو يقتضي القياس الظاهر المتبادر حكمًا فيها، أو يقتضي تطبيق الحكم الكلي حكمًا فيها، وظهر للمجتهد أن لهذه الواقعة ظروفًا وملابسات خاصة تجعل تطبيق النص العام أو الحكم الكلي عليها أو اتباع القياس الظاهر فيها يفوِّت المصلحة، أو يؤدي إلى مفسدة، فعدل فيها عن هذا الحكم إلى حكم آخر اقتضاه تخصيصها في العام أو استثناؤها من الكلي، أو اقتضاه قياس خفي غير متبادر؛ فهذا العدول هو الاستحسان، وهو من طرق الاجتهاد بالرأي؛ لأن المجتهد يقدِّر الظروف الخاصة لهذه الواقعة باجتهاده برأيه، ويرجح دليلًا على دليل باجتهاده برأيه.»

«وإذا عرضت واقعة ليس فيها حكم بنص ولا إجماع ولا قياس ولا يتعارض فيها دليلان، وظهر للمجتهد أن هذه الواقعة فيها أمر مناسب لتشريع حكم، أي أن تشريع الحكم بناءً عليه يحقق مصلحة مطلقة؛ لأنه يجلب نفعًا أو يدفع ضررًا، فاجتهد في تشريع الحكم لتحقيق هذه المصلحة فهذا هو الاستصلاح، وهو من طريق الاجتهاد بالرأي؛ لأن المجتهد يهتدي إلى الأمر المناسب في الواقعة برأيه، ويهتدي إلى الحكم الذي يبنيه عليه برأيه.»

«فواقعة القياس واقعة ليس فيها حكم بنص أو إجماع أُلحقت بواقعة فيها حكم بنص وإجماع، وواقعة الاستحسان واقعة تَعارض في حكمها دليلان، وعدل المجتهد فيها عن حكم أظهر الدليلين لسند استند إليه في العدول، وواقعة الاستصلاح واقعة بكر لا حكم فيها بنص ولا إجماع ولا قياس، وشرع فيها المجتهد لتحقيق مصلحة معينة.»

واجتهاد الصحابة بإذن النبي — عليه السلام — هو السند الذي يرجع إليه الفقهاء في جواز الاجتهاد أو وجوبه عند الاضطرار إليه، وأشهر وصاياه — عليه السلام — لكبار صحبه وصيته لمعاذ بن جبل وعمرو بن العاص.

وقد روى الإمام أحمد بسند مرفوع إلى أصحاب معاذ من أهل حمص فقال: إن رسول الله حين بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال معاذ: فضرب رسول الله صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يُرضي رسولَ الله.

ورُوي عن عمرو بن العاص أنه جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله فقال له: يا عمرو اقضِ بينهما. قال: أنت أولى بذلك مني يا نبي الله. قال: وإن كان. قال: على ماذا أقضي؟ قال: إن أصبت القضاء بينهما لك عشر حسنات، وإن اجتهدت فأخطأت فلك حسنة.

ويلاحظ بعض رواة الأحاديث أن حديث معاذ مرفوع إلى أصحاب له مجهولين، فيقول الإمام ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» ردًّا على هذه الملاحظة إن الحديث وإن كان عن غير مُسمَّيْنَ فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك؛ لأنه يدل على شهرة الحديث، وأن الذي حدَّث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم ولو سُمِّيَ، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، ولا يُعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح؟ بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك. كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث، وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به … قال أبو بكر الخطيب: وقد قيل إن عبادة بن أنس رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة. على أن أهل العلم نقلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول الرسول : «لا وصية لوارث.» وقوله في البحر: «هو الطَّهور ماؤه والحِلُّ ميتته.» وقوله: «إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادَّا البيع.» وقوله: «الدية على العاقلة.» وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، ولكن لما تلقنها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم في طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعًا غنوا عن طلب الإسناد له …

وقد عُني الإمام ابن القيم بمناقشة مخالفيه على دَيدن فقهاء الإسلام في التحرج من إبداء الرأي أو معارضته بغير دليل، والحرص على إبراء الذمة في كل قول يأخذون به أو ينقدونه، فأجاب المتشككين في إسناد الحديث بالحجة التي اصطلح عليها علماء الأثر، ولكنه كان في غنًى عن ذلك بأدلة الاجتهاد الكثيرة من أعمال النبي — عليه السلام — وأعمال الخلفاء الراشدين — رضوان الله عليهم. وفي هذا الأمر خاصةً — أمر معاذ رضي الله عنه — كان الإمام ابن القيم في غنًى عن مناقشة السند بإثبات حقيقة واحدة لا شك فيها؛ وهي أن معاذًا وَلِيَ القضاء قبل تمام التنزيل ولَمَّا تتنزل الآية الشريفة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (المائدة: ٣)، ولو لم يكن من حق الإمام أن يقضيَ بما يراه موافقًا للقرآن الكريم لَمَا أمكن أن تُسند الولاية إلى أحد، وفي القرآن الكريم بقية يجهلها الولاة، وكيفما كان تأويل المتأولين في جواز الاجتهاد فما يكون لصاحب رأي في الإسلام أن يزعم أن الناس أُمروا بالنصوص الكتابية كما تؤمر الآلات التي تُساق إلى عملها ولا تدري حكمته، ولا تفقه معنًى لتحريم الحرام وتحليل الحلال، وأنهم لم يؤمروا بالنصوص كما يؤمر العقلاء المكلفون بالنصوص المتواترة أن يتدبروا أمر الله ونواهيَه، ويتدبروا آيات الله في الكتاب وآياته في الأرض والسماء. ويئس مثل المتعالمين الذين يحتجون بالكتب ولا يفقهونها، فإنهم كما جاء في القرآن الكريم: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ (الجمعة: ٥)، على أن الأدلة على جواز الاجتهاد، بل على وجوبه، كثيرة كما قدمنا فيما ثبت من أعمال النبي — عليه الصلاة والسلام — وأعمال خلفائه الراشدين، ولا سيما الخليفة الثاني الذي تولَّى خلافة النبي في دولة واسعة الأطراف تتطلب من الإمام أن يتصرف في تطبيق النصوص كلما عرضت له المشكلات بجديد لم يكن على عهد به قبل اتساع الدولة.

فالنبي — عليه السلام — تدرج في إيجاب التكليف، وجاء في رواية الإمام أحمد: «إن وفد ثقيف اشترطوا على رسول الله ألا يحشروا ولا يعشروا ولا يجمعوا ولا يستعليَ عليهم غيرهم؛ أي لا يخرجوا للغزو ولا يؤدوا الزكاة ولا يُصلوا ولا يُولَّى عليهم أحد من غير قبيلتهم، فقال — عليه الصلاة والسلام: «لكم ألا تحشروا ولا تعشروا ولا يُستعمل عليكم غيركم، ولا خير في دين لا ركوع فيه».»

وقبل النبي منهم ما اشترطوه وهو يقول كما جاء في رواية أبي داود أنهم «سيصدقون ويجاهدون»، أي أنهم سيؤدون فرائض الإسلام متى ثبت الإيمان في قلوبهم وشاهدوا غيرهم من المسلمين يتصدقون ويخرجون للجهاد.

وروى أبو داود عن عبد الله بن فضالة عن أبيه قال: «علَّمني رسول الله وكان فيما علمني: وحافظ على الصلوات الخمس. قلت: إن هذه ساعات لي فيها أشغال، فمُرْني بأمر جامع إذا أنا فعلته أجزأ عني. فقال: حافظ على العصرين — وما كانت من لغتنا — فقلت: وما العصران؟ فقال: صلاة قبل طلوع الشمي وصلاة قبل غروبها.»

ومثل هذه الرواية أن رجلًا أتى النبي — عليه الصلاة والسلام — فأسلم على أنه لا يصلي صلاتين فقبل ذلك منه.

وروى البخاري عن أم عطية أنها قالت: «بايعنا فقرأ علينا: أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها وقالت: أسعدتني فلانة فأريد أن أجزيها. فما قال لها شيئًا، فانطلقت ورجعت فبايعها.» وفي رواية النسائي أنه — عليه الصلاة والسلام — قال: «فاذهبي فأسعديها.» فذهبت فأسعدتها ثم جاءت فبايعت.٩

وقد صنع رسول الله ذلك ترغيبًا للمشركين في الإسلام، وتأليفًا لقلوبهم وتدرُّجًا بهم في الصبر على فرائضه وفضائله، وتعويدًا لهم أن يطيعوا أوامر دينهم عن رغبة فيها واقتداء حسن بمن يطيعونها.

وتعددت مسائل الاجتهاد التي قضى بها الفاروق في خلافته؛ فأعفى من العقوبة، وأسقط سهم المؤلفة قلوبهم، وفرض الخراج، وأنشأ من المكافآت والعقوبات ما لم يكن معمولًا به قبل خلافته.

كان يقول: لا تُقطع اليد في عذق ولا عام سنة، وسرق غلمة لحاطب بن أبي بلتعة ناقة لرجل من مزينة وأقروا بالسرقة، فقال عمر لكثير بن الصلت: اذهب فاقطع أيديهم، ولمح في وجوههم شحوبًا فأمر بردهم، وقال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى أن أحدهم أكل ما حرم الله عليه حوله لقطعت أيديَهم، وايم الله إذ لم أفعل لأغرِّمنَّك غرامة توجعك. ثم قال: يا مزني! بكم أريدت منك ناقتك؟ قال بأربعمائة، قال عمر: اذهب فأعطه ثمانمائة.

وسُئل الإمام أحمد بن حنبل: أتعمل به؟ قال: إي لَعَمْرِي، لا تُقطع يد السارق إن حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة.

وأسقط عمر سهم المؤلفة قلوبهم، وكان النبي — عليه السلام — قد أعطى أبا سفيان والأقرع بن حابس وعباس بن مرداس وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن كل واحد منهم مائة من الإبل. وطلب عيينة بن حصن والأقرع بن حابس أرضًا من أبي بكر الصديق فكتب لهما بها، فلما رأى عمر الكتاب مزقه وقال: إن الله أعز الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتم عليه وإلا فبيننا وبينكم السيف.

ومن سوء الفهم أن يقال إن الفارق خالف النص في هذه القضية، وإنما يقال إنه اجتهد في فهم النص كما ينبغي، وإنه بحث عن المؤلفة قلوبهم فلم يجدهم؛ لأن تأليف القلوب إنما يكون مع مصلحة للإسلام والمسلمين، فإن لم يكن تأليف لم يكن هناك مؤلفة يستحقون العطاء. ولو أن عيينة والأقرع وأصحابهما سُئلوا يومئذ: أهم من المؤلفة قلوبهم يستحقون العطاء لأنهم ضعاف الإيمان لما قبلوا أن يثبتوا في ديوان العطاء.

ولما فُتحت أرض الجزيرة وما وراءها لم يشأ أن يقسمها وقال: كيف بمن يأتي من المسلمين؟ يجد الأرض قد قُسمت ووُرثت عن الآباء! ما هذا برأي! ثم أرسل إلى عشرة من الأنصار وقال لهم: إني لم أزعجكم إلا لأنْ تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أمركم … قد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئًا للمسلمين المقاتلة والذرية، ولمن يأتي من بعدهم. أرأيتم هذه الثغور؟ لا بد لها من رجال يلزمونها. أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر؟ لا بد لها أن تُشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم. فمن أين أعطي هؤلاء إذا قسمت الأرضين والعلوج؟! فقالوا جميعًا: الرأي رأيك، نِعْمَ ما قلت وما رأيت، إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال، وتجريَ عليهم ما يتقوَّون به، رجع أهل الكفر إلى مدنهم.

وقد أخذ عمر بتمييز السابقين إلى الإسلام بالمكافأة على الذين تبعوهم كرهًا ولم يشهدوا من الغزوات ما شهدوه، وأنفذ فتوى علي — رضي الله عنه — حين أفتى بمعاقبة شارب الخمر بعقوبة القاذف؛ لأن المخمور لا يملك لسانه إذا سكر وهذى، وأمضى كثيرًا من المكافآت والعقوبات على هذا القياس.

ولم يتحرج الخليفة الأول من الاجتهاد بالرأي عند وجوبه، وإنما كثر الاجتهاد في عهد الخليفة الثاني لكثرة دواعيه، وكان الصِّدِّيق يُقدِم على الاجتهاد أحيانًا حين يُحجم عنه صاحبه كما حدث في حروب الردة؛ حيث أمر الصِّدِّيق بحرب مانعي الزكاة، وتردد عمر في جواز حرب الناطق بالشهادتين.

وسُئل الصِّدِّيق عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأي فإن يكن صوابًا فمن الله وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد.

واجتهد عثمان وعلي كما اجتهد أبو بكر وعمر — رضوان الله عليهم — فمن اجتهاد عثمان أن يأمر بكتابة المصحف على حرف واحد منعًا لاختلاف الألسنة في القراءة، ويوشك أن يكون لعلي — رضي الله عنه — رأي في كل معضلة عرضت للخلفاء من قبله، وربما رأى الرأي ثم عدل عنه ثم عدل عن عدوله كما حدث في فتواه بيع أمهات البنين؛ فقد كان اتفق مع عمر على منع بيعهن، ثم قال لقاضيه عبيدة السلماني كأنه يخيِّره بين البيع ومنعه، فقال عبيدة: يا أمير المؤمنين، رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك. فقال: اقضوا بما كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف.

ولم ينتهِ الاجتهاد بعد الخلفاء الراشدين؛ لأن الاجتهاد إنما أوجبه أنه ضرورة تعرض للإمام المسئول مع تقلُّب الأحوال وتجدُّد الطوارئ والمناسبات، وأحرى أن يكون للتابعين ألزم منه للأولين الذين كانوا على مقربة من معاهد التنزيل وجيرة النبي صاحب الرسالة.

غير أن أهل الذكر الذين يوليهم المجتمع الإسلامي أمانة العلم والأمر بالمعروف قد بادروا إلى دعم أسس التشريع، واستنبطوا له الضوابط والآداب من آيات الكتاب وأحاديث الرسول ومأثور السلف الصالح، فخلصت لهم من ذلك نخبة قيِّمة من القواعد والشروط يحق لنا أن نُسمِّيَها قوانين التقنين، وهي تقابل اليوم ما يُسمَّى في عُرف المشترعين الغربيين بالحِكم وجوامع الأمثال Maxims.

ومن هذه القواعد أن اليُسر مفضل على الحظر في أوامر الشرع ونواهيه؛ فحيثما أمكن السماح فهو أفضل من الحجر والتقييد، لقوله تعالى: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (البقرة: ١٨٥)، ولِمَا أُثر عن النبي — عليه الصلاة والسلام — في حديث السيدة عائشة أنه: «ما خُيِّر رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن يكن إثمًا كان أبعد الناس عنه.»

ومن قواعد التشريع أن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، وما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن، وأنه «لا يجوز إقامة الحد مع احتمال عدم الفائدة»، و«أن الضرورات تبيح المحظورات»، وأنه «لا ضرر ولا ضرار»، و«أن اختيار أخف الضررين مصلحة» و«البيِّنة على المُدَّعي واليمين على من أنكر»، و«الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرَّم حلالًا»، و«لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس أن تراجع الحق»، و«إياك والغضب والقلق والضجر والتأذيَ بالناس.»

ومن ضوابط التشريع فصل السلطات وفصل عمل الحكم عن عمل التنفيذ، وفي ذلك يقول أحمد بن القرافي في الذخيرة: «إن ولاية القضاء متناولة للحكم لا يندرج فيها غيره، وليس للقاضي السياسة العامة … وأما قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكمًا … وليس للقاضي قسمة الغنائم وتفريق أموال بيت المال على المصالح وإقامة الحدود وتركيب الجيوش وقتال البغاة.»

ومن ضوابط التشريع حق النقض «فيما خالف نص آية أو سنة أو إجماع أو ما يثبت من عمل أهل المدينة أو القياس الذي لا يحتمل إلا معنًى واحدًا أو الدليل القاطع الذي لا يحمل اختلاف الآراء.»

وتفصيل ذلك مستفيض في كتب الفقهاء.

فالإمامة — بهذه الضوابط والآداب — مصدر دائم من مصادر التشريع لكل زمن بما يستجد فيه، ولكل حالة بما يناسبها، يواجه به الإسلام ضرورات التشريع بغير حجر على الإمام أو على الأمة، وحقهما في ذلك سواء؛ لأن الإمام وكيل الأمة في حماية الحقوق، ولأن إجماع الأمة هو الحجة التي يستند إليها الإمام كلما تيسر الإجماع التام، فما تيسر منه كافٍ في إجراء أعمال الإمامة.

ولا تقع في الحسبان — بهذه المثابة — قضية واحدة يقال إن مصادر التشريع الإسلامي تضيق عن حكمها الذي يناسب زمانها وأحوالها، ولا يجوز مع هذا أن نحسب الشريعة الإسلامية من الشرائع المتحجرة التي لا تقبل المرونة، وإن كانت كذلك لا تحسب من الشرائع الرخوة التي لا تتماسك على أساس متين.

وقد حاول حاكم من أكبر حكام الغرب أن يُلصق بالتشريع الإسلامي مظنة التحجر في العصر الحاضر، فشاء القدر أن يُجريَ عليه قصاصًا كان ينعاه على التشريع الإسلامي في معاقبة المفسدين؛ لأنه أمر بإحراق عصابة من اللصوص في مزرعة من القصب لاذت بها وتحصنت فيها من مطارديها، في جهة البلينا من صعيد مصر، فأمر الحاكم مفتشه من قومه بأن يُشعل النار في المزرعة، ويتصيد من يهرب منها ضربًا بالرصاص.

ذلك الحاكم هو لورد كرومر قيصر قصر الدوبارة في القاهرة كما يُلقِّبونه في زمنه، وقد أخذ على الشيخ العباسي مفتي الديار المصرية أنه سُئل عن عقاب العصابات فذكره كما جاء في الآية الكريمة: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (المائدة: ٣٣-٣٤).

وهذه عقوبات فُرضت في الجزيرة العربية قبل استفتاء الشيخ العباسي (سنة ١٨٩٠) بثلاثة عشر قرنًا، وفيها التخيير بين القتل وقطع الأطراف وبين السجن أو الإقصاء من الديار، وفيها العفو عمن تاب واستقام، وليس فيها الإحراق الذي كان للحاكم مندوحة عنه، لو أنه آثر أن يصبر على محاصرة المفسدين حتى يستسلموا له طائعين.

وقبل الاحتلال البريطاني لمصر — في أثناء الاحتلال الفرنسي في القرن الثامن عشر — حكم قضاة نابليون على سليمان الحلبي قاتل القائد كليبر بالقتل على الخازوق وقطع يديه ورجليه يدًا بعد يد ورجلًا بعد رجل، ثم إحراقه حيًّا بعد هذا التعذيب.

أما الذين حاكمتهم محاكم التفتيش في القرن الثالث عشر للميلاد — أي بعد بعثة النبي العربي بسبعة قرون — فحكمت عليهم بالإحراق فعدتهم مئات وألوف، منهم العلماء والأدباء والقساوسة والمتهمون بالسحر ومحالفة الشيطان، وليس منهم سفاح ولا قاطع طريق، وذنبهم كله أنهم يُحِلُّون من المعرفة ما يُحرِّمه رجال الدين.

ولا نعلم أن أحدًا من قضاة التفتيش أو من قضاة نابليون ندم على إحراق الناس بقية الحياة، ولكننا نعلم أن خليفة مسلمًا عاقب لصًّا من عتاة الجناة المفسدين غدر بعهد الأمان وقتَل الأبرياء وتحدَّى ولي الأمر وأعوانه واستحق حكم الموت، فأحرقه الخليفة بالنار؛ ذلك هو الفجاءة بن إياس بن عبد ياليل الذي وفد على الخليفة أبي بكر الصديق يسأله سلاحًا يحارب به المرتدين ويحمي به الطريق، فلما أعطاه السلاح خرج به يقطع الطريق وينهب السابلة ويحارب المسلمين، فطارده الخليفة حتى ظفر به فألقى به في النار، وعاش بقية حياته يندم على هذه المثلة؛ لأنها من غضب الحدة، وإن كان غضبًا لا يُعاب.

•••

والعبرة في معظم هذه الأخطاء التي يقع فيها نقاد الشريعة الإسلامية من ساسة الغرب أنهم يرغبون في توجيهها، ولا يكلفون أنفسهم أن يترددوا فيها، ولولا ذلك لَمَا وجَّهوا نقدهم إلى موضع الاستيفاء والضمان من هذه الشريعة؛ لأنهم لم يسألوا أنفسهم قط في أمر العقوبات التي يستعظمونها: هل هم على يقين أنها لم تكن في حالة من الحالات رادعة أو لازمة للتحذير والتخويف؟ وهل أوجبتها الشريعة الإسلامية في جميع الحالات ولم توجب معها عقوبة أخرى تصلح للأخذ بها في زمانها وفي غير زمانها؟ وهم خلقاء أن يترددوا في النقد إذا كلفوا أنفسهم بعض هذه الأسئلة؛ لأنهم ينكرون على الشريعة الإسلامية شرط التشريع الذي يزعمون أنهم يطلبونه وهو الوفاء بحاجة الزمن والمطابقة لجميع الأحوال، ويسقطون من حسابهم مصدر التشريع الدائم في الإسلام، وهو مصدر الإمامة ومن ورائه حق الأمة أو حق الإجماع، فإن هذا المصدر أوفى من أكبر المصادر العصرية التي يُعوِّلون عليها وهو مصدر السيادة؛ إذ كانت السيادة معززة بحق ولاة الأمر وحق الاستفتاء العام، وكانت الإمامة شاملة لهذه الحقوق جميعًا، وتزيد عليها قداسة الدين واتفاق الأمة في جميع أزمنتها، كأنها وحدة عامة لا تتقيد بإرادة الأحياء في فترة واحدة.

ولا حاجة للأمة في عصر من عصورها إلى مصدر من التشريع أوفى من مصدر السيادة بهذا المعنى الواسع المحيط بكل حرمة من حرمات الشرع في غير حد، ولا حجر على حرية الأحياء ولا حرية الأجيال المقبلة؛ لأن التبعة على قدر السلطة في كل جيل من أجيال الأحياء.

وما من جهة واحدة يستند إليها حق الإمامة كله في الإسلام، ولا استثناء في ذلك لصاحب الرسالة وأمين التبليغ نبي الإسلام — عليه السلام: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ (آل عمران: ١٢٨)، إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ (الكهف: ١١٠)، وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ (ق: ٤٥)، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ (آل عمران: ٦٤).

ويؤمر النبي بمشاورة المسلمين: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (آل عمران: ١٥٩).

ويؤمر المسلمون بالمشاورة بينهم: وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ (الشورى: ٣٨).

•••

فحق الإمامة إذنْ أعمُّ من حق السيادة؛ لأنه — في جانبَي التشريع والتنفيذ — مستمَد من أوامر الله وسنة رسول الله واجتهاد أولياء الأمر، واجتهاد الجماعة الإسلامية كلها برأيها على أتم صورة يثبت عليها.

ولهذه وجبت للإمامة طاعة تناسب هذه القداسة، فلا حدود لها إلا أن يأمر الإمام بالخروج من الدين أو بمعصية الخالق فهو لا يُطاع إذنْ؛ لأنه ليس بإمام. وقسطاس العهد بين الإمام ورعيته كما جاء في حديث عبادة بن الصامت: «بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومةَ لائم.» ويتمم الحديث في رواية أخرى «ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان …»

ويقول عثمان بن عفان — رضي الله عنه: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.»

وفي الأثر: «إن السلطان ظل الله في أرضه يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإذا عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر، وإذا جار كان عليه الإصر وعلى الرعية الصبر.»

وليس حق الإمامة بالبداهة حق الإمام لشخصه، ولا هو من الحقوق التي يمكن أن تُحصر في جهة واحدة، وإنما يحق للإمام منه ما هو حقه بموجب البَيْعة والأمانة العامة؛ فهو مطيع في هذه الأمانة مُطاع.

ومن ثَمَّ وجب أن يتولى الإمام عمله باختيار رعاياه. ولا بد من البيعة العامة لكل إمام مسئول تجب له الطاعة، يرشحه من استطاع من أولي الحل والعقد، وينعقد له الأمر بعد إجازة هذا الترشيح بالبَيْعة العامة، ويجوز أن يرشحه واحد أو يشترط في ترشيحه اتفاق عدد المسلمين تجوز لهم صلاة الجماعة. إلا أن الاتفاق على عدد المرشحين لا يغني عن المرجع الأخير وهو اتفاق الجماعة بلا خلاف أو اتفاقها على القدر الذي ترجح به الكفة وتمتنع به الفتنة. ومَن أقدم على الفتنة فإثمها عليه يقضي فيه الإمام المختار أو يقضي فيه سلطان الجماعة حيث استقام لها سلطان مشروع.

•••

ومن تمام التكافل «والتضامن» في المجتمع الإسلامي أن أمانة «الإمامة» لا تعفي الأمة من واجب النصيحة لإمامها، وقد جمع نبي الإسلام الدين في كلمتين إذ قال: «الدين النصيحة.» وسُئل: لمن يا رسول الله؟ فقال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.»

وقال — عليه السلام — في حديث آخر: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.»

وإزاء هذا الواجب من الرعية واجب يتممه من قِبل الإمام، ويتأسى فيه الأئمة بصاحب الإمامة الأولى الذي قال لرجل أصابه وَجَل عند لقائه: «رويدك يا هذا، إنما أنا بشر، أنا ابن امرأة أعرابية كانت تأكد القديد.» وفي كتاب الله خطاب للنبي ولكل إمام متبوع: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (الحجر: ٨٨)، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (الشعراء: ٢١٥).

وختام القول في هذا الحق المحيط بجميع الحقوق — حق الإمامة — أنه باب مفتوح للتشريع في كل عصر وكل مجتمع، وأنه يكفل للأمة الإسلامية ما يكفله حق السيادة وزيادة؛ فلا منفذ لنقد التشريع الإسلامي في جميع مصادره ما بقي له هذا المصدر مستمدًّا من ضمير الإنسان وحكمة الله.

١  الشيخ محمد بخيت في كتابه عن حقيقة الإسلام وأصول الحكم.
٢  كتاب الزواج الأمثل Bono Conjugah.
٣  متفق عليه.
٤  كتاب الفلسفة القرآنية للمؤلف.
٥  رواه ابن ماجة والحاكم.
٦  المحاضرة السابعة من المحاضرات الإسلامية.
٧  تراجع: البدائع للكاساني، وشرح حدود الإمام الأكبر للتونسي، وزاد المعاد لابن القيم.
٨  رواه البخاري.
٩  راجع كتاب اجتهاد نبي الإسلام لصاحب الفضيلة الأستاذ عبد الجليل عيسى أبو النصر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١