الفصل الرابع

الأخلاق والآداب

التناسق ظاهرة عجيبة في الإسلام، يلمسها من تأمَّل فيه وألقى عليه في مجموعه نظرة عامة بين عقائده وعباداته، وبين ما يشرعه من المعاملات والحقوق ويحمده من الأخلاق والآداب.

هنالك وحدة تامة أو بنية واحدة يجمعها ما يجمع البنية الحية من تجاوب الوظائف وتناسق الجوارح والأعضاء.

ويندر أن تقرأ في كلام ناقد من الأجانب عن اللغة العربية شيئًا من مآخذ التناقض في الإسلام إلا بدا لك بعد قليل أنه مخطئ، وأن مردَّ الخطأ عنده إلى جهل الإسلام أو جهل اللغة العربية، وبعضهم يجهلها وهو من المستشرقين؛ لأنه يستظهر ألفاظها ولا يتذوقها، ولا ينفذ إلى لُبابها من وراء نصوص القواعد والتراكيب.

قرأنا لبعضهم أخيرًا كتابًا عن الشيطان يُلم فيه بصفة إبليس في الإسلام، ويستغرب فيه من هذا الدين أن يقول عن الله إنه أمر الملائكة بالسجود لآدم … مع أنه الدين الذي اشتُهر بغاية التشديد في إنكار الشرك وتكفير كل ساجد لغير الله.

ومردُّ الخطأ فيما بدر إلى الكاتب من التناقض بين التوحيد وبين السجود لآدم أنه فهم السجود بمعنى الصلاة دون غيرها من معاني الكلمة في اللغة العربية، وفاته أن الكلمة عُرفت في اللغة العربية قبل أن يَعرف العرب صلاة الإسلام، ولم يفهموا منها أنها كلمة تنصرف إلى العبادة دون غيرها؛ لأنهم يقولون: «سجدت عينه» أي أغضت، و«أسجد عينه» أي غض منها، و«سجدت النخلة» أي مالت، و«سجد» أي غض رأسه بالتحية، و«سجد لعظيم» أي وقَّره وخشع بين يديه. ولا تناقض على معنًى من هذه المعاني بين السجود لآدم وتوحيد الله، وإنما السجود هنا هو التعظيم المستفاد من القصة كلها، وهو تعظيم الإنسان على غيره من المخلوقات.

وبعضهم يرى أن الإسلام مناقض بطبيعته للعمل والسعي في سبيل الحياة؛ لأنه يفهم من الإسلام أنه التواكل وتسليم الأمر إلى الله بغير حاجة إلى الحَوْل والقوة؛ لأنه «لا حول ولا قوة إلا بالله».

وجهل هؤلاء بالفهم أكبر من جهلهم باللغة؛ لأن الإسلام إلى الله وحده وتحريم الإسلام لغيره يأبى على المسلم أن يسلم للظلم أو يسلم للتحكم من الناس أو من صروف الحياة، وينهاه أن يستسلم للخيبة وللقسمة الجائرة، وأن يستسلم لكل قضاء لا يرضاه ويعلم أن الله لا يرضاه.

وبعضهم يرى أن الإسلام والسلم نقيضان؛ لأنه يفهم من كلمة أسلم أنها التسليم في الحرب Surrender أو التسليم قبل الحرب خوفًا من القتال، فكل مسلم فهو خاضع للسيف هزيمة بعد الحرب أو خوفًا من الحرب قبل إشهارها عليه.

وهؤلاء المتحذلقون على اللغة التي يجهلونها يفوتهم أن كلمة «أسلم» في ميدان الحرب هي نفسها مأخوذة من إعطاء اليد أو بسطها للمصافحة، وأن المقصود بهذه الكلمة في الدين أنها استقبال الله والاتجاه إليه، فمن أسلم وجهه لله فقد استقبل طريقه وأعطاه وجهه ولم يتحوَّل عنه إلى غيره. وكل المتدينين قبل الدعوة المحمدية موصوفون بأنهم مسلمون كما جاء في سورة البقرة: وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة: ١٣٠–١٣٣).

وفي القرآن الكريم أن المسلمين وُصفوا بالإسلام في الكتب الأولى كما جاء في سورة الحج: وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ (الحج: ٧٨).

وأكثر ما اطلعنا عليه من النقائض المزعومة فهو من قبيل هذه الأخطاء في التفرقة بين الكلمات على معانيها المطلقة، وبين هذه الألفاظ على معانيها التي قيدها الاصطلاح أو خصصتها لغة القرآن الكريم.

وفيما عدا هذه النقائض وما إليها يروع الباحث في الإسلام ذلك التناسق بين عقائده وأحكامه أو بين عقائده وأخلاقه. ولعل هذا التناسق أظهر ما يكون بين الأخلاق المتعددة التي حمدها الدين من المسلم، وهي متفرقات تجمعها وحدة لا تستوعبها وحدتها الإسلامية؛ فهي في جملة وصفها أخلاق إسلامية وكفى.

هل هي أخلاق قوة؟ هل هي أخلاق محبة؟ هل هي أخلاق قصد واعتدال؟ هل هي أخلاق اجتماعية؟ هل هي أخلاق إنسانية؟

هي كذلك أحيانًا ولكنها ليست كذلك في جميع الأحيان؛ لأن أخلاق القوة قد تُفهم على وجوه متعددة، أو متناقضة، يحمد الإسلام بعضها ولا يحمد بعضها، أو يذمها جميعًا إذا فُهمت على مذهب فلاسفة القوة في العصر الأخير.

وقد توصف الأخلاق في الإسلام بأنها «أخلاق محبة»؛ لأن أصول العلاقات بين الناس قائمة في الإسلام على شرعة المحبة والأخوة كأنهم من أسرة واحدة، ولكن الإسلام ينكر من المسلم أن يحب الخبيث كما يحب الطيب، ويعرف العداوة في الحق كما يعرف الصداقة فيه.

وليس قوام الأخلاق كله في التوسط أو في القصد والاعتدال على مذهب الفلسفة اليونانية أو فلسفة أرسطو على الخصوص. وليس مآل الأخلاق كله في الإسلام إلى وحي المجتمع أو وحي الإنسانية برمتها؛ لأن المجتمع قد يدان بأخلاقه كما يدان الفرد، ولأن الإنسانية لا ترتفع إلى ما فوق جوانب الضعف فيها إن لم يكن لها من المثل العليا ما يسمو عليها، أو تسمو هي إليه جيلًا بعد جيل.

•••

أخلاق القوة في العصر الأخير مقترنة باسم «فردريك نيتشه» رسول السوبرمان الذي كاد إيمانه بالسوبرمان أن ينقلب إلى عداوة للإنسان.

فالسوبرمان لا يرحم ولا يغفر ولا يعرف للضعيف نصيبًا من «الإنسان الأعلى» غير نصيب الزراية والإذلال، أو الإبادة والاستئصال، محافظةً على سلامة النوع من عدوى الضعف وعواقب الإبقاء على الضعفاء، وهم في عُرفه أولى بالاجتناب من مرضى الجذام.

والأخلاق عنده قسمان: قسم للسادة لا يقبله العبيد، وقسم للعبيد لا يقبله السادة؛ فليس بين الفريقين جامعة إنسانية تلتقي بهم في صفة من الصفات، بل هم أعداء يتسلط منهم القادر على العاجز، ولا يَحسن بالمتسلط أن يقبل من العاجز غير الخنوع والهبوط في الذلة من هاوية إلى هاوية، لا نهاية غير الانقراض والفناء.

•••

وأخلاق القوة عُرفت قبل نيتشه بتفسير لا تفسير فيه عند الحاجة إلى تفسير؛ لأنه يجعل القوة مرادفة للاستحسان، ولا ندري منه لماذا يكون هذا الاستحسان.

وتفسير الفيلسوف هوبز Hobbes للقوة من هذا القبيل.

فالناس على زعم هؤلاء المفسرين يحمدون الرحمة؛ لأنهم يحمدون القوة، ويرون في الرحمة دليلًا على قوة الرحيم؛ لأنه يتفضل بها على الضعيف ويترفع بها عن معاملته كما يعامل الأنداد والنظراء.

والناس يحمدون العفو؛ لأن الذي يعفو عن المسيء إليه يعتد بقوته ويأمنه إن وفى له بالشكر أو غدر به على السواء.

وهم يحمدون الكرم؛ لأنه عطاء، ولا يملك ما يفضل من حاجته ويجود به على المفتقر إليه غير الأقوياء.

وهم يحمدون الصبر؛ لأن القوي جليد يتماسك لصدمة المصاب ولا يتضعضع تحت وقره الثقيل؛ فهو يصبر على بلائه لأنه قوي يحتمل منه ما لا يحتمله الضعيف. ولا يكون القوي جزوعًا وإن عظم عليه المصاب.

وهم يحمدون الدهاء؛ لأنه قوة في العقل يتمكَّن بها صاحب العقل القوي من تسخير الأقوياء بالأجسام، ويحمدون الذكاء والحذق والمعرفة والبراعة في صناعة من الصناعات؛ لأنها علامة من علامات القوة على نحوٍ من الأنحاء.

وهذه الفضائل — أو المزايا — تفيد أصحابها قوة كما تُنمِّي فيهم القوة التي تصدر عنها؛ فهي محمودة لِمَا تدل عليه، ولِمَا تؤدي إليه.

أما العظمة والمجد والشجاعة فلا حاجة بها إلى تفسير عند من يرجعون بالأخلاق جميعًا إلى القوة على هذا الأسلوب؛ لأنها ظاهرة بقوتها معترف بسبب الإعجاب بها بين الأقوياء أو الضعفاء.

وقبل الرجوع بالأخلاق المثلى إلى القوة على مذهب هوبز أو على مذهب نيتشه، كانت المدرسة اليونانية تعتبر الأخلاق الفاضلة وسطًا بين طرفين، أو تحث طالب الفضيلة على الاعتدال في جميع الأمور، والاتجاه إلى الحسن من كل خلق على قدر حظه من الاعتدال.

فالشجاعة وسط بين التهور والجبن، والكرم وسط بين الإسراف والبخل، والصبر وسط بين الجمود والجزع، والحلم وسط بين النزق والبلادة، والرحمة وسط بين القسوة والخور، وكل فضيلة على هذا القياس فهي مسألة توسط في المسافة بين غايتين.

وفي زماننا هذا يغلب على مدارس الأخلاق أنها تَئُول بالفضائل كلها إلى باعث واحد، وهو باعث المصلحة الاجتماعية، أو باعث الغرائز النوعية التي يتصل بها بقاء نوع الإنسان. ومن هذه المدارس ما يحصر المصلحة في الطبقة الغالبة على المجتمع؛ فلا مصلحة للمجتمع كله في الأخلاق الفاضلة التي يحمدها المجتمع في عهد من العهود، ولكن المصلحة فيها للطبقة المتحكمة فيه بثروتها وسطوتها، فما تراه حسنًا فهو الحسن بالنسبة إليها لاستبقاء منافعها، وهي إذنْ تسوم الطبقات الأخرى أن تستحسنه على المحاكاة والتقليد وإن لم يكن لها خير فيه.

•••

والإسلام يحمد كثيرًا من الأخلاق المحمود في هذه المذاهب، ولكننا لا نستطيع أن نجمع الأخلاق الإسلامية كافة في نطاق مذهب منها، ولا سيما مذهب القوة في فلسفة نيتشه، ومذهب الطبقة الاجتماعية في فلسفة الماديين.

فمذهب القوة في رأي نيتشه يناقض جميع الأديان الإلهية، ولعله يوافق دينًا يعتقد أتباعه أنه دين إله واحد يختارونه ويختارهم فيستبقيهم ويمحق غيرهم من العالمين … ولكنه لا يوافق الأديان التي تدعو إلى إله واحد للأقوياء والضعفاء. وقد يكون الأخذ بمذهب القوة في رأي نيتشه هدمًا لهذه الأديان من قواعدها واقتلاعًا لها من جذورها؛ إذ لا قيمة للدين ما لم ينشئ أمام القوة الطاغية قوة تكبحها وتهذبها، وهي قوة الضمير. ولا رسالة للدين بين البشر إن لم تكن رسالته أن يُربيَ فيهم وازعًا للقوة البدنية وقوة المطامع والشهوات. وقد تعلم الناس دهرًا طويلًا أن حماية المريض غير حماية المرض، وأن العناية بالمرضى تَئُول على الدوام إلى عنايةٍ بالصحة، يستفيد منها الأصحاء كما يستفيد منها المصابون، وليس بالعسير عليهم أن يتعلموا كذلك أن حماية الضعيف غير حماية الضعف، وأن العناية بالضعفاء تَئُول إلى عنايةٍ شاملة يستفيد منها الأقوياء والضعفاء، أو تكون فائدة الأقوياء منها مقدمة على فائدة الضعفاء.

وتفسير «هوبز» للقوة لا يقرب مذهب القوة كثيرًا إلى حقيقة الأخلاق الإسلامية؛ لأن الإسلام لا يحمد من الأخلاق أنها حيلة ملتوية أو مستقيمة إلى طلب القوة، بل يحمد منها في كل شأن من شئون الإنسان أنها وسيلة إلى طلب الكمال، ويحبب إلى الإنسان أحيانًا أن يُؤْثر الهزيمة مع الكمال على الظفر مع القوة، إذا كان الظفر وسيلة من وسائل القوة الباغية التي لا تتورع عن النجاح بكل سلاح.

ومذهب الفلسفة اليونانية ينتهي بنا إلى مقياس للأخلاق شبيه بمقاييس الهندسة والحساب، بعيد عن تقدير العوامل النفسية والقيم الروحية في الأخلاق العليا على التخصيص. وقد تصدق هذه الفلسفة إذا كان المطلوب من الإنسان أن يختار بين رذيلتين محققتين؛ فإنه في هذه الحالة يحسن الاختيار بالتوسط بين طرفين متقابلين كلاهما مذموم ومتروك، إلا أننا لا نقول من أجل ذلك إن الكرم نقص في رذيلة البخل، أو نقص في رذيلة السرف، ولا نقول من أجل ذلك إن الكرم إذا زاد أصبح سرفًا، وإن السرف إذا نقص أصبح كرمًا، بل تكون الزيادة في الكرم كرمًا كبيرًا، والنقص في السرف سرفًا قليلًا، ولا يكون الكرم أبدًا درجة من درجات السرف، ولا البخل أبدًا درجة من درجات الكرم، بل هي أخلاق متباينة في الباعث متباينة في القيمة، يتقارب الطرفان فيها أحدهما من الآخر، ولا يتقارب الطرف من الوسط كما يظهر من قياس الهندسة أو قياس الحساب.

وقد رأينا في مباحث العلل النفسية التي كشفها العلم الحديث أن الشذوذ يقرب بين المسرفين والبخلاء في أعراض متشابهة، وأن العلة الكامنة في التركيب قد تظهر في الأسرة الواحدة بخلًا في أحد الأخوين، وسرفًا في الأخ الآخر، أو تظهر في أحدهما هوسًا بالإقدام والاقتحام، وتظهر في أخيه هوسًا بالحذر والإحجام؛ فلا إفراط هنا ولا تفريط، في «كمية» واحدة تقاس بمقياس الهندسة والحساب، ولكنها خلائق متباينة تختلف بالباعث لها، وتختلف بقيمتها في معايير الأخلاق.

ولو صح مذهب الفلسفة اليونانية أو مذهب أرسطو على الأصح لَمَا جاز للإنسان أن يطلب المزيد من فضيلة الكرم — مثلًا — لأنه ينتقل على هذا الرأي إلى رذيلة السرف والتبذير. إلا أن زيادة الكرم لا تكون إلا زيادة في فضيلة مشكورة، ولا بد من التفرقة بين زيادة الكرم وزيادة العطاء؛ فإنهما في الواقع أمران مختلفان، وقد قيل: لا خير في السرف ولا سرف في الخير. وفي القول الثاني توضيح لازم للقول الأول؛ لأن زيادة الخير إلى أقصى حدوده واجبة لا تخرج به عن كونه خيرًا محمودًا يزداد حمده مع ازدياده، ولا يُحسب من السرف على وجه من الوجوه.

وإنما يلتبس الأمر على أصحاب مدرسة التوسط في جميع الأمور؛ لأنهم ينظرون في تقدير الكرم إلى المال المبذول وإلى مصلحة الباذل في حساب المال، ولا التباس في الأمر إذا نظروا إلى الباعث والموجب والمصلحة في عمومها ولو ناقضت مصلحة الباذل في بعض الأحيان.

فمن كانت طاقته أن ينفق ألف دينار ولا يتقاضاه الواجب أو تتقاضاه مصلحته أن ينفق ألفين فهو مسرف ما في ذلك خلاف؛ لأنه يفعل شيئًا يضره ولا توجبه عليه مصلحة أكبر من مصلحته. أما إذا كان باعث الإنفاق شيئًا غير مصلحته وغير هواه وكان حبس المال في يديه ضارًّا وخيم العاقبة على الناس وعليه في النهاية، فالكرم أن يزداد في الإنفاق على حسب المصلحة العظمى، وعلى قدر التضحية وإنكار الذات يكون حظ البذل من الفضيلة المحمودة أو حظه من الخير الذي لا سرف فيه.

وتصعب المقارنة بين التطرف والتوسط حين تكون المسألة مسألة درجات ولا تكون هناك مقادير تُعد بالأرقام، فإذا ترخصنا فقلنا إن الكريم هو الذي يبذل ألف دينار، وإن المسرف هو الذي يبذل ألفين أو ثلاثة آلاف، والبخيل هو الذي يبذل مائة أو لا يبذل شيئًا على الإطلاق؛ فمن هو الشجاع ومن هو المتهور ومن هو الجبان؟

ليست هنا مقادير تُعد بالأرقام، فإذا عرفنا أن الجبان هو الذي يحجم عن الخطر فمن هو الشجاع؟ ومن هو المتهور؟ إن التهور ليكونن أفضل من الشجاعة إذا قلنا إن الشجاع قليل الإقدام على الخطر وإن المتهور كثير الإقدام عليه، أو قلنا إن درجة الخطر الذي يُقدم عليه المتهور أعظم من درجة الخطر الذي يقدم عليه الشجاع، ولكننا حين نقول إن الشجاع هو الذي يُقدم على الخطر حيث يجب الإقدام عليه نرجع بالفضيلة والرذيلة إلى مقياس الواجب وتقديره، وتصبح المسألة هنا مسألة قدرة على فهم الواجب والعمل به، وليست مسألة أعداد أو أبعاد … فالمتهور والجبان كلاهما عاجز عن فهم الواجب والعمل به، والشجاع هو القادر على الفهم والعمل، ولا يستقيم في التعبير إذنْ أن نقول إن المتهور أكثر شجاعة من الشجاع، وإن الجبان أقل شجاعة منه؛ لأنهما معًا خلو من الشجاعة الواجبة بغير إفراط أو تفريط.

ولن يشذ الإنسان عن الاعتدال في الطبع إذا هو آثر أن يذهب في كل فضيلة إلى نهايتها القصوى، فماذا يعاب في جمال الوجوه — مثلًا — إذا انتهى إلى غاية لا غاية بعدها في معهود الأبصار؟ وماذا يعاب في جمال الأخلاق إذا انتهى إلى مثل تلك الغاية في معهود البصائر؟ إن كلمة من كلمات اللغة العربية العامرة بمدلولاتها النفسية والفكرية لتَهدينا إلى قسطاس الحمد في كل حسنة مأثورة، فكلمة «ناهيك» — حين نقول: ناهيك من رجل أو ناهيك من عمل أو ناهيك من خلق — هي قسطاس الثناء فيما تنشده النفوس الإنسانية من كل فضل منشود؛ فهو الفضل الذي ينتهي بنا إلى النهاية فلا نتطلع بعده إلى مزيد.

غير أن مذهب الاعتدال — مع هذا — أقرب المذاهب إلى فهم الأخلاق المحمودة في الإسلام، على اعتبار أن خلق الاعتدال فضيلة مستقلة تدل على طبع سليم وعقل رشيد يُقدِّران لكل عمل قدره، ولا يمنعهما الاعتدال أن يذهبا به إلى غاية الكمال، إذا كان له هذا القدر بين أقدار الأخلاق.

•••

ومذهب المصلحة الاجتماعية لا يناقض مكارم الأخلاق الإسلامية كل المناقضة ولا يوافقها كل الموافقة؛ إذ مجمل الرأي في الإسلام أن المجتمع يُقاس بالدين وليس الدين يقاس بالمجتمع، فقد يسفل المجتمع فتنفق فيه الآراء والأهواء على مصلحة يأباها الدين ويحسبها مضرة أو مفسدة يؤنب المجتمع من أجلها كما يؤنب الأفراد.

وربما كانت مصلحة النوع الإنساني أصدق المقاييس للخلق المحمود في الإسلام، ولكن النوع الإنساني يترقى في العلم بمصالحه حقبة بعد حقبة، ومن حوافزه إلى الترقي أن تكون أمامه أمثلة عليا للأخلاق أرفع من مألوف الأخلاق التي يسترسل معها بغير جهد وبغير رياضة وبغير تربية مفروضة عليه، يعتقد أنه يتلقاها ممن هو أكبر من الإنسان، وأحق منه بالطاعة والإصغاء إلى هدايته وتعليمه.

لا بد من الفضائل الإلهية في تعليم الإنسان مكارم الأخلاق، وما اكتسب الإنسان أفضل أخلاقه إلا من الإيمان بمصدر سماوي يعلو به عن طبيعته الأرضية.

وهذا هو المقياس الأوفى لمكارم الأخلاق في الإسلام.

ليس مقياسها الأوفى أنها أخلاق قوة، ولا أنها أوساط بين أطراف، ولا أنها ترجمان لمنفعة النوع الإنساني بأجمعه في وقت من الأوقات.

وإنما مقياسها أنها أخلاق كاملة، وأن الكمال اقتراب من الله.

وقد يكون الكمال كالجمال مقياسًا غير متفق عليه قابلًا للتفاوت — بل للتناقض — كما تتفاوت مقاييس العرف وتتناقض في كثير من المعقولات والمحسوسات … لكننا نقول قولًا مفيدًا حين نقول إن الإنسان يحب أجمل الوجوه، أو أجمل الشمائل، أو أجمل الخصال، ونقول قولًا مفيدًا حين نضع الكمال في موضع الجمال.

إلا أن الإسلام يقرن المثل الأعلى في كل فضيلة بالصفات الإلهية، وَلِلهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ (النحل: ٦٠).

وكل صفة من صفات الله الحسنى محفوظة في القرآن الكريم، يترسمها المسلم ليبلغ فيها غاية المستطاع في طاقة المخلوق.

ولَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا (البقرة: ٢٣٣)، كما جاء في غير موضع من الكتاب الحكيم.

ليس للأخلاق الإسلامية مقياس جامع من القوة، ولا من التوسط بين الأطراف، ولا من منفعة أمة قد تناقضها منفعة أمة غيرها، ولا من منفعة الأمم جميعًا في عصر يتلوه عصر غيره بمنفعة أكرم منها وأحرى بالسعي إليها.

فالدين الإسلامي بعقائده وآدابه — أو بجملته وتفصيله — يستحب القوة للمسلم ويأمره بإعداد عدتها من قدرة الروح والبدن، ولكنه يستحبها قوةً تعطف على الضعيف وتُحسن إلى المسكين واليتيم، ويمقتها قوةً تصان بالجبروت والخيلاء، ولا ينال الضعفاء منها غير الهوان والإذلال: إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (لقمان: ١٨)، فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (النحل: ٢٩)، أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ (الزمر: ٦٠).

•••

ولا يستحب الإسلام القوة للقوي إلا ليدفع بها عدوان الأقوياء على المستضعفين عن دفع العدوان: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ (النساء: ٧٥).

ولم يوصف الله بالكبرياء في مقام الوعيد للكبرياء بالنكال والإذلال، إلا ليذكر المتكبر الجبار أن الله أقدر منه على التكبر والجبروت.

•••

والإسلام يُزكِّي مذهب التوسط فيما يقبل التوسط بالمقادير أو بالدرجات كالإنفاق الذي ينتهي الإسراف فيه إلى اللوم والحسرة: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (الإسراء: ٢٩)، وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا (الفرقان: ٦٧)، كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (الأنعام: ١٤١)، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (الأعراف: ٣١).

ولكن القسطاس في فضائل الإسلام لا يرجع إلى المقدار والتوسط فيه، بل يرجع إلى الواجب وما يقتضيه لكل أمر من الأمور، فإذا وجب بذل المال كله وبذل الحياة معه في سبيل الحق فلا هوادة ولا توسط هنا بين طرفين، وإنما هو واجب واحد يُحمد من المرء أن يذهب فيه إلى أقصاه.

ولا يصدق هذا على شئون القوة والكرم وحسب، بل يصدق في شئون الرحمة حيث تجب لمن هو أهل لها.

فالإسلام على كراهته الذل لأتباعه يستحب منهم الذل في الرحمة بالوالدين الشيخين: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (الإسراء: ٢٤).

لأن الذل هنا زيادة في الرحمة يأتي من كرامة في النفس ولا يأتي من هوان فيها.

وملاك الاعتدال في الخلق الإسلامي أن المسلم يؤمر بالعمل لدنياه كما يعمل لدينه، ويؤمر بصلاح الجسد كما يؤمر بصلاح الروح؛ فلا يكون في هذه الدنيا روحًا محضًا ولا يكون فيها جسدًا محضًا، ومن أبى عليه دينه أن يكون في هذه الدنيا جسدًا محضًا فمن العنت أن يقال إنه يعمل ليكون جسدًا محضًا في عالم الرضوان: عالم الروح والصفاء.

وقد ضلل بعض المغرضين من دعاة الأديان عقولًا كثيرة في شتى الأقطار حين زعموا أن الخطاب بالمحسوسات في أمر الجنة والنار مقصور على العقيدة الإسلامية، وأن المؤمنين بالدين لا يؤمنون بالنعيم المحسوس إلا إذا كانوا من المؤمنين بالقرآن.

والأنبياء والقديسون في جميع الأديان الكتابية قد تمثلوا المحسوس في رضوان الله، ووصفوه على هذه الصفة في كتب العهد القديم والعهد الجديد وفي كتب التراتيل والدعوات؛ ففي العهد القديم يصف أشعياء يوم الرضوان في الإصحاح الخامس والعشرين من سفره فيقول:

يصنع رب الجنود لجميع الشعوب في هذا الجبل وليمة سمائن ووليمة خمر على دردي سمائن ممخة: دردي مصفى ويفني في هذا الجبل وجه النقاب؛ النقاب الذي على كل الشعوب والغطاء المغطى به على كل الأمم. يبلغ الموت إلى الأبد ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه.

وفي العهد الجديد يقول يوحنا اللاهوتي في الإصحاح الرابع من رؤياه:

بعد هذا نظرت وإذا باب مفتوح في السماء، والصوت الأول الذي سمعته كبوق يتكلم معي قائلًا: «اصعد إلى هنا فأريك ما لا بد أن يصير بعد هذا.» وللوقت صرت في الروح، وإذا عرش موضوع في السماء وعلى العرش جالس. وكان الجالس في المنظر شبه حجر اليشب والعقيق، وقوس قزح حول العرش في المنظر شبه الزمرد، وحول العرش أربعة وعشرون عرشًا، ورأيت على العروش أربعة وعشرين شيخًا جالسين متسربلين بثياب بيض وعلى رءوسهم أكاليل من ذهب، ومن العرش تخرج بروق ورعود وأصوات، وأمام العرش سبعة مصابيح نار متقدة هي سبعة أرواح الله، وقدام العرش بحر زجاج شبه البلُّور، وفي وسط العرش وحول العرش أربعة حيوانات مملوءة عيونًا من قدام ومن وراء، والحيوان الأول شبه الأسد والحيوان الثاني شبه عجل والحيوان الثالث له وجه مثل وجه إنسان والحيوان الرابع شبه نسر طائر.

ويقول في الإصحاح العشرين:

متى تمت الألف السنة يحل الشيطان من سجنه ويخرج ليضل الأمم الذين في أربع زوايا الأرض: يأجوج ومأجوج، ليجمعهم للحرب وعددهم مثل رمل البحر … فنزلت نار من عند الله من السماء وأكلتهم … وإبليس الذي كان يضلهم طرح في بحيرة النار والكبريت … وكل من لم يوجد مكتوبًا في سفر الحياة طرح في بحيرة النار.

ويقول في الإصحاح الحادي والعشرين:

ثم رأيت سماءً جديدة وأرضًا جديدة؛ لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضيئتان، والبحر لا يوجد فيما بعد، وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله مهيَّأة كعروس مزينة لرجُلها، وسمعت صوتًا عظيمًا من السماء قائلًا: هو ذا مسكن الله مع الناس.

وكانت آمال النعيم المحسوس تساور قلوب القديسين في صدر المسيحية فضلًا عن عامة العباد بين غمار الدهماء. ومن أشهر هؤلاء الأقطاب المعدودين رجل عاش في سورية في القرن الرابع للميلاد وترك بعده تراتيل مقروءة يتغنى بها طلاب النعيم؛ وهو القديس إفرايم الذي يقول في إحدى هذه التراتيل:

ورأيت مساكن الصالحين رأيتهم تقطر منهم العطور ويفوح منهم العبير تزينهم ضفائر الفاكهة والريحان … وكل من عفَّ عن خمر الدنيا تعطشت إليه خمر الفردوس، وكل من عفَّ عن الشهوات تلقته الحسان في صدر طهور.

واتفق أحبار الغرب وأحبار الشرق في وصف النعيم بهذه الصفة، فقال القديس أرنيوس Irenius أسقف ليون في القرن الثاني (سنة ١٧٨ للميلاد):
إنما السيد المسيح أنبأ يوحنا اللاهوتي أن ستأتي أيام يكون فيها كروم لكل كرمة عشرة آلاف غصن، ولكل غصن عشرة آلاف فرع، ولكل فرع عشرة آلاف عسلوج، ولكل عسلوج عشرة آلاف عنقود، ولكل عنقود عشرة آلاف عنبة، وتُعصر العنبة منها فتدر من الخمر مائتين وخمسة وسبعين رطلًا.١

ولم يبلغ الإسلام هذا المبلغ من التمثيل بالمحسوسات، ولكنه يشفعها بعقيدته التي تمنع المسلم أن يكون جسدًا محضًا في دنياه فضلًا عن آخرته، وينهى المسلم أن يقيس نعيم الرضوان على نعيم الدنيا: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (السجدة: ١٧).

أو كما جاء الحديث الشريف: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.»

•••

ونحن لا نعرض لهذا البحث في موضوع الأخلاق الإسلامية إلا لأن الأديان جميعًا تنظر إلى النعيم الإلهي كأنه المثل الأعلى للحياة الدنيوية، وليس في المثل الأعلى في الحياة — في عقيدة المسلم — ما يجعله على زعم المضللين من أعداء الإسلام جسدًا محضًا في أخلاقه وآدابه، أو يجور على الجانب الأخلاقي فيه، ومن أبى على دينه أن يكون في الأرض جسدًا محضًا فمن السخف أن يقال إنه يرتضي لنفسه أن يكون جسدًا محضًا في جوار الله الذي بلغ به الإسلام غاية ما يتصوره العقل والضمير من التنزيه.

وهذا قسطاس لا يخطئ في تقويم كل خلق حسن يستحبه الدين في المسلم؛ فإنه مأمور ألا ينسى نصيبه من الحياة الجسدية، ولكنه مأمور في الوقت نفسه أن ينظر إلى صفات الله الحسنى كما تجلت في أسمائه التي وردت في القرآن الكريم؛ فهي قبلته التي يهتدي بها في كل مكارم الأخلاق، لا يُكلف أن يدرك منها شأو الكمال الإلهي، لكنه يُكلف منها بما في وُسعه كأنها قطب السماء الذي يهتدي به ملاح البحر وهو يعلم أنه فلكه الرفيع بعيد المنال.

•••

والأخلاق التي يهتدي إليها المسلم بهدي الأسماء الحسنى كثيرة وافية بخير ما يتحراه الإنسان في مراتب الكمال المطلوبة لكمالها، مع عموم نفعها في حياة الفرد والجماعة، ومنها: العزة، والقدرة، والمتانة، والكرم، والإحسان، والرحمة، والود، والصبر، والعفو، والعدل، والصدق، والحكمة، والرشد، والحفاظ، والحلم، واللطف، والولاء، والسلام، والجمال.

وكلها منشود لأنه كمال لا يقاس إلا بمقياس الكمال، وإنه لَيوافق مقياس القوة والتوسط والمصلحة الاجتماعية في أجمل مطالبها وأصحها على هدي الفكر وهدي الضمير، ثم لا تستوعبه مدرسة خاصة من هذه المدارس المتفرقة كما تستوعبه مدرسة الإسلام، أو مدرسة الكمال بهداية الأسماء الحسنى.

وخير للمجتمع الإنساني أن تُقاس الأخلاق فيه بهذا القسطاس ولا تقاس بمنفعة تفسد بفساد المجتمع نفسه، وتنحرف مع انحراف نظرته إلى منافعه ومضاره؛ فإن المجتمع قد يُصاب بآفات الذل والعجز والهزال والبخل والسوء والقسوة والبغضاء وسائر الآفات الموبقة من نقائض الخلائق الإلهية، فيصلحها الترياق من الدين، أو يصلحها أن تقلع عنها ولا يصلحها أن تتمادى فيها.

إن أدب الإسلام يُخرج للمجتمع الإنسان الكامل، فيُخرج له الإنسان الاجتماعي الكامل في أقوى صوره وفي أجملها.

يُخرج له السوبرمان الذي لا يطغى على أحد، ويُخرج له الجنتلمان الذي لا يسيء إلى أحد.

ومن عناية الإسلام بالتفصيل والاستيفاء في كل أمر من الأمور أنه يشفع الأصول بفروعها في مسائل الأخلاق ومسائل الفرائض والعبادات … فمما لا خفاء به أن الرجل الذي يعرف العزة والصدق واللطف «جنتلمان» على أجمل ما تكون «الجنتلمانية» في رأي الرجل المهذب الكريم، ولكن الإسلام يستوفي صفاته بتفصيلاتها؛ لأنه يخاطب الناس كافة ويتوجه بالإرشاد إلى أحوج الناس إليه، فلا يدع الإرشاد إلى الآداب الاجتماعية في أدق تفصيلاتها التي تُحسب من آداب المجاملات في اللقاء والتحية بين الناس، أو في عُرف السلوك في المحضر والمغيب.

لا يدخل أحد بيتًا حتى يستأذن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا (النور: ٢٧).

ولا يُحيَّى بتحية إلا أجابها بمثلها أو بأفضل منها: وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (النساء: ٨٦).

ولا يحسن بالمرء أن يقول للناس إلا قولًا حسنًا: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا (البقرة: ٨٣).

ولا يحسن به أن يسخر ممن يستصغره ويستطيل عليه: لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ (الحجرات: ١١).

ولا يحسن أن يقول عن الناس سوءًا في المحضر أو المغيب: وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا (الحجرات: ١٢).

•••

ولا خفاء بصفات الكمال في القرآن الكريم، ولكن الإسلام في مجموعه بنية حية متسقة تصدر في العقائد والأخلاق من ينبوع واحد؛ فمن عرف عقيدة المسلم عرف أن الخلق الذي يحمده الإسلام هو الخلق الذي يرتضيه إنسان يؤمن بأن الله رب العالمين، وأن النبوة تعليم لا تنجيم، وأن الإنسان مخلوق مكلف على صورة الله، وأن الشيطان يُغوي الضعيف ولا يستولي عليه إلا إذا ولَّاه زمامه بيديه، وأن العالم بما رحُب أسرة واحدة من خلق الله أكرمها عند الله أتقاها لله.

١  راجع كتاب الفلسفة القرآنية للمؤلف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤