الفصل الحادي عشر

جلاء هرقل عن سورية

بينما كان سعد بن أبي وَقَّاصٍ يهزم الفرس بالقادسية، ثم يقتحم العراق إلى المدائن، وينشئ البصرة والكوفة، وينظم الحكم في البلاد، كان أبو عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاحِ وزملاؤه بالشام يتقدمون فيه ويفتحون مدنه ويجلون الروم عنه، وما كان لهم ألا يفعلوا بعد أن هزموا تذارق باليرموك، وفتحوا دمشق، وقضوا على قوات هرقل بفحل، وأخضعوا ما حولها من أرض طبرية وبيسان، ذلك أن طبرية واليرموك وفحل ودمشق تقع كلها على مقربة من تخوم الشام إلى ناحية البادية، وللروم من الحصون والمعاقل المنيعة في داخلية البلاد ما يهدد الغزاة إذ لم يفضوها على حماتها، فليتقدموا إلى هذه المعاقل، وليفتحوا بلادًا عزم أبو بكر ثم عزم عمر على فتحها.

وكانت خطة الفتح بالشام تختلف عن خطته بالعراق، كانت إمارة الجند بالعراق موحدة منذ تولاها خالد بن الوليد في عهد أبي بكر، وظلت كذلك من بعده حتى عهد بها عمر إلى سعد بن أبي وقاص، أما الشام فأنت تذكر أن أبا بكر بعث إليه أربعة جيوش عين لكل منها منطقة، وجعل على كل منها أميرًا له تصريف القتال في منطقته، فإذا اجتمعت فأبو عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاحِ أميرها، وكان عمرو بن العاص هو الأمير على القوات التي أرسلت إلى فلسطين.

وقد اجتمعت هذه الجيوش على اليرموك حين عجز كل منها منفردًا عن مواجهة الروم، وضاق أبو بكر ذرعًا بمقامها على اليرموك دون قتال، فبعث خالد بن الوليد من العراق إليها وجعله أميرًا عليها، فلما قبض أبو بكر وتولى عمر عزل خالدًا ورد الإمارة إلى أبي عُبَيْدَةَ، وأبلغ أبو عُبَيْدَةَ خالدًا هذا الأمر بعد اليرموك في رواية، وبعد دمشق في رواية، وخلف أبو عُبَيْدَةَ يزيد بن أبي سفيان في قوة على دمشق بعد فتحها، وسار ومعه خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وسائر القواد والجند، فهزم الروم بفحل، واستولت قواته على بيسان وطبرية وصالحوا أهلها. عند ذلك كتب إليه عمر أن يغزو حمص، فسار بقواته شمالًا نحو دمشق ومعه خالد بن الوليد، وترك عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة بالأردن ليفتحوا فلسطين، فكان عمرو هو أمير قوات الحرب فيها مع بقاء أبي عبيدة أميرًا على الجند كله.

والآن فلنتابع أبا عُبَيْدَةَ في مسيرته بالشام لنعود من بعد فنساير ابن العاص حتى يبلغ بيت المقدس، فيقيم على حصارها حتى يعقد عمر الصلح مع أهلها، وليس يدعونا للبدء بمسايرة أبي عبيدة أنه الأمير الأول، وإنما يدعونا لذلك أنه سيعود هو وخالد بن الوليد ليكونا مع عمر على أبواب مدينة المسجد الأقصى، فمن الخير أن تكون رقعة الفتح بالشام كله مجلوة أمامنا في ذلك اليوم المشهود، يوم سار الفاروق مع بطريق إيلياء١ خلال المدينة المقدسة ليضع القواعد لمسجد الصخرة، فيربط في بقعة واحدة من الأرض بين الأديان الثلاثة السماوية: اليهودية والمسيحية والإسلام.

كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عُبَيْدَةَ يأمره بغزو خمص، فسار في قواته ومعه خالد بن الوليد في طريق دمشق يريد غايته، فلما بلغ عاصمة الشام أمر هاشم بن عُتْبَةَ ففصل في قوات العراق مددًا لسعد بن أبي وَقَّاصٍ فيما كان مقبلًا عليه من غزو الفرس بالقادسية، وسار أبو عُبَيْدَةَ يريد حمص، فاتصل بالقوة التي وقفت ردءًا لدمشق من شمالها بإمرة ذي الكلاع الحميري فأمرها بالسير معه، فلما بلغ مرج الروم إلى الشمال الشرقي من دمشق لقي جيشًا من الروم بعث به هرقل بإمرة توذر البطريق فوقف قبالته، وإنه لكذلك إذ أقبلت فرقة من الفرسان على رأسها شَنَس الرومي مددًا لتوذر، لكن شنس عسكر على حدة، وتداول أبو عُبَيْدَةَ وخالد بن الوليد ما يصنعان، فاستقر رأيهما على أن يلقى خالد توذر، وأن يلقى أبو عُبَيْدَةَ شنس، ولا يشكان في أن جيشي هرقل يريدان صدهما عن التقدم إلى حمص.

وقضى كل من الرجلين ليله ينظم خطته لمواجهة عدوه، فلما تنفس الصبح كان خالد قد استقر رأيه على مصادمة توذر والقضاء عليه، ولكن ما أشد دهشته! فليس لتوذر وجيشه فيما حوله من الأرض أثر، أين ذهب؟! وكيف ذهب؟! وكيف غابت عن حيلة القائد العبقري حيلته! ولم يك إلا كلمح البصر حتى أيقن خالد أن غريمه انسحب بجنده من أول الليل يقصد دمشق، ثقة منه بأن حماتها لن يطيقوا مقاومته، وظنًّا منه بأن جيش المسلمين كله سيقف بإزاء شنس يقاتله، وكانت حامية دمشق أضعف بالفعل من أن تصد وحدها هذا الجيش الزاحف عليها، فلو أنه افتض المدينة وتحصن بها لما أغنى الانتصار على شنس شيئًا، ولعاد أبو عُبَيْدَةَ وخالد جميعًا لحصار عاصمة الشام من جديد، ولأضعف ذلك من عزم المسلمين وضعضع من ركنهم؛ لذلك استاذن أبا عُبَيْدَةَ وأسرع في كتيبة من الفرسان يلاحق توذر حتى لا يدهم يزيد بن أبي سفيان في مأمنه، وكانت الأنباء قد بلغت يزيد بمقدم توذر وجيشه، فخرج ليصدهم ولا علم له بأمر خالد وكتيبته، وأنشب يزيد القتال بعد أن غلق أبواب المدينة آملًا أن يطول الأمر بينه وبين الروم حتى يأتيه المدد، وبينما توذر يهاجمه أقبل خالد في كتيبته فأخذ الروم من خلفهم، وكبر خالد وكبر الذين معه، فسمع رجال يزيد تكبيرهم فأيقنوا مقدم المدد فزاد ذلك في قوتهم، أما الروم فما لبثوا حين سمعوا التكبير وأحسوا هجمة خالد عليهم أن تداعت قواتهم واضطربت صفوفهم، فأخذهم يزيد من أمامهم، وخالد من خلفهم وأمعنوا فيهم قتلًا فلم يفلت منهم إلا الشريد، وغنم المسلمون خيلهم ودوابهم وأداة حربهم وكل ما خلفوا من متاعهم، فقسمه يزيد على أصحابه وأصحاب خالد، ثم عاد إلى دمشق مجللًا بفخار النصر، مطمئنًّا إلى أن الله منجز المسلمين وعده ما صدقوا وصبروا وآثروا الآخرة على الدنيا.

عاد خالد بعد هذه الموقعة التي قتل فيها توذر فسار إلى مرج الروم، فألفى أبا عُبَيْدَةَ انتصر على شنس وقتله ومزق جيشه كل ممزق، وانطلق يلاحق فلوله إلى حمص، وبلغت هذه الأنباء هرقل وبلغه أن أبا عُبَيْدَةَ يحاصر بعلبك، فارتحل إلى الرهاء بعد ما بعث إلى أهل حمص يعدهم المدد ويشجعهم على المقاومة، وكيف لا يقاومون والفصل شتاء وبرد حمص قارس فلا طاقة لهؤلاء العرب باحتماله والصبر عليه! ولم تطل مقاومة بعلبك، بل صالح أهلها أبا عُبَيْدَةَ فتركهم إلى حمص، فحاصروها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، وامتنع أهل المدينة بحصونها فلم يكونوا يخرجون لقتال المسلمين إلا في اليوم الشديد برده، وبلغ البرد بالمسلمين أشده، وطال بالروم الحصار وهم ينتظرون مدد هرقل أو جلاء المسلمين فرارًا من البرد، لكن المسلمين صبروا، ومدد هرقل لم يصل، وانصرم الشتاء، فأيقن أهل حمص أن لا طاقة لهم من بعد بهؤلاء الذين لا يبرحونهم ولا يفتئون يضيقون الخناق عليهم، وإنهم ليختلفون، فيقول بعضهم بمصالحة المسلمين، ويرى بعضهم الصلح عارًا دونه الموت، إذا الأرض زلزلت فتصدعت جدران المدينة وتهافتت منها دور كثيرة، فأخذ أهلها الرعب، ورأوا فيما حدث نذيرًا من الله بعذاب شديد، ففزعوا إلى رؤسائهم يطلبون الصلح فلا نجاة لهم إلا به.

ولو أن المسلمين اقتحموا حمص في هذا الوقت لما قاومت ولأخذوها عَنْوَة، لكنهم كانوا قد طال حصارهم لها، واشتد عليهم شتاؤها، ثم كان اضطراب الأرض بالزلزال قد رابهم وروعهم، فلم يشعروا بما كان من رعب أهل المدينة وفزعهم؛ لذلك أجابوا رؤساء المدينة إلى الصلح حينما فاتحوهم فيه، فتركوا لأهلها دورهم وبنيانهم، وصالحوهم على صلح دمشق في الخراج والجزية، وأخذوا منهم من المنازل ما يكفي لإقامتهم، ثم إن أبا عُبَيْدَةَ كتب إلى عمر بما حدث، فبعث عمر إليه: «أن أقم في مدينتك وادع أهل القوة والجلد من عرب الشام؛ فإني غير تارك البعثة إليك بمن يكاتفك إن شاء الله.»

أقام أبو عُبَيْدَةَ في مدينته حتى تنصف الربيع من السنة الخامسة عشرة للهجرة، فلما زالت عن جنده شدة الشتاء وما أصابهم من زمهريره، عاودهم النشاط للفتح، وانضم إليه أهل القوة والجلد من عرب الشام فازدادوا نشاطًا، فعاد أبو عُبَيْدَةَ يفكر في متابعة الغزو بشمال الشام، وزاده إقبالًا على هذا التفكير ما ترامى إليه من أنباء عمرو بن العاص وزملائه الذين نازلوا جنود هرقل بفلسطين، وتداول المشورة مع خالد بن الوليد، فاستقر رأيهما على السير شمالًا إلى أنطاكية من ناحية، وإلى حلب من الناحية الأخرى، والطريق إلى أنطاكية بشاطئ نهر الأرْنُد،٢ ويمر بحماة وشيزر، وتهدده قلاع اللاذقية، ودون الطريق إلى حلب حصن قِنَّسْرين تحيط به هضاب لا بد من اجتيازها قبل بلوغ هذا المعقل المنيع.

خلف أبو عُبَيْدَةَ عبادة بن الصامت على حمص، ومضى في الجيش نحو حماة، ففتحت له أدستان أبوابها، ثم تلقاه أهل حماة مذعنين، فصالحهم على صلح حمص، وبلغ أهل شيزر أن المسلمين يسيرون إليهم فأسرعوا إلى مصالحتهم على صلح حماة، وفتح أبو عُبَيْدَةَ سلَميَّةَ، ثم سار حتى أتى ثغر اللاذقية، فلما رأى أهلها مقدمه تحصنوا بمعقلهم وأغلقوا باب مدينتهم وأعدوا لمقاومة عدوهم، مطمئنين إلى أنه إن حاصرهم استطاعوا الوقوف في وجهه، حتى يأتيهم المدد من طريق البحر، ورأى أبو عُبَيْدَةَ حصون المدينة وأدرك صعوبة مرامها، وأنه إن يقف قبالتها يطل وقوفه، فإذا جاءتها الأمداد كان بين أن ينصرف عنها عاجزًا دونها، أو يقيم على حصارها فيصرفه ذلك عن السير إلى أنطاكية؛ لذلك لجأ إلى الحيلة، فعسكر على بعد من المدينة ثم أمر أن تحفر حفائر كالأسراب تستر الحفيرة منها الفارس راكبًا، فلما فرغ رجاله من حفرها أظهروا أنهم منصرفون عن المدينة إلى حمص، ورآهم أهل اللاذقية يسيرون فاطمأنوا ورجعوا إلى مألوف حياتهم، فلما جن الليل عاد المسلمون أدراجهم فاستتروا بتلك الحفائر، وأصبح أهل اللاذقية ففتحوا أبوابها وانتشروا بظاهرها، فلم يرعهم إلا المسلمون يخرجون من مكانهم مندفعين إلى المدينة يدخلونها عَنْوَة، فيقف حرسهم على بابها يمنعون أهلها من دخولها، وتحيط قواتهم بالحامية المقيمة في حصونها، وفر الذين خرجوا إلى ظاهر المدينة، تولاهم الفزع فهم يطلبون النجاة حيثما وجدوا إلى النجاة سبيلًا، ولم يجد الذين أقاموا بالمدينة بدًّا من التسليم فسلموا، وطلب الفارون الأمان، فصالحهم أبو عُبَيْدَةَ على خراج يؤدونه قلوا أو كثروا، وترك لهم كنيستهم وبنى المسلمون من بعد مسجدًا على مقربة منها.

وسار أبو عُبَيْدَةَ من اللاذقية إلى مَعَرَّة حِمْص٣ ففتحها، ووجه خالد بن الوليد منها إلى قِنَّسْرين كورة ولاية حلب، ولم تكن مناعة قِنَّسْرين لتخفى على ابن الوليد، ولم يكن يخفى عليه ما يجيئها من مدد، ولكن! متى راعت خالدًا قوة حصن أو مناعة مدينة! ومتى ردته الصفوف المتراصة عن اقتحامها وخوض لجتها! لذلك سار إلى غايته مطمئنًّا إلى أن الله ناصره، وكان لقِنَّسْرين حاضر إلى جنوبها يقيم بها عرب من تنوخ وسليح في خيامهم وكأنهم طلائع لهذه المدينة المنيعة، شأنهم في ذلك شأن إخوانهم العرب الذين ينزلون ظاهر المدن لحمايتها، وعلم الروم أن القادم عليهم هو العبقري القاهر، فلم يطمئنوا إلى مقدرة أهل الحاضر على الوقوف في وجه الغزاة، فخرج ميناس، أعظم رجل في المملكة بعد هرقل، على رأس جند عظيم، فسار إلى الحاضر فعبأ جيشه بها وأقام ينتظر مقدم المسلمين ليصدهم عن التوغل في ملك قيصر، وبعث رجالًا من أهل ثقته يتنطسون أخبار عدوه ليدبر على ضوئها خطة لقائه، وإنه ليتنسم هذه الأخبار إذ فجأه خالد مع الصبح من حيث لا يدري، وحاول ميناس أن يصد هذه المفاجأة، لكن خالدًا كان قد أحكم تدبيره فهاجم الروم بكل قوته، فلم يستطيعوا الصبر أمامه، وكيف يصبرون واسمه يهز القلوب، ويدك العزائم! وكيف يصبرون وقد تداولت أسماعهم أنباء المسلمين وفتحهم دمشق وحمص وحماة واللاذقية! ومتى كان لجيش تحطمت قوته المعنوية صبر! وحاولوا الفرار فإذا خالد قد أخذ عليهم مسالكه، فأمعن جنده فيهم قتلًا فمات أكثرهم على دم واحد، وتَردَّى ميناس على رأسهم يتخبط في دمه، ولجأ الذين فروا إلى قِنَّسْرين وتحصنوا، فتبعهم خالد إليها فَأَلْفَاهُمْ غلَّقوا أبوابها، عند ذلك بعث إليهم النذير يقول: «لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا.» وقاومت حصون المدينة زمنًا أيقن أهلها بعده أن لا مفر لهم من النزول على حكم قاهر ميناس وتذريق وقواد الروم جميعًا، فبعثوا إليه طالبين الأمان على صلح حمص، لكن خالدًا رأى أن يعاقبهم بمقاومتهم فأبى إلا تخريب المدينة، ففر أهلها إلى أنطاكية تاركين أموالهم ونساءهم وأبناءهم وديعة بيد القدر.

هذه هي الرواية المشهورة في فتح قِنَّسْرين، على أن بعض المؤرخين المولعين بالأدب يضيفون إليها موقفًا كان لجبلة بن الأيهم الغساني في الدفاع عن هذه المدينة، وأنت تعلم أن جبلة كان آخر ملوك بني غسان من قِبَل هرقل، وأنه كان حليفًا صادق الولاء للروم، وقد كان، كغيره من ملوك بني غسان وملوك الحيرة محبًّا لشعراء العرب، يكرمهم ويحسن وفادتهم، وكان حسان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول الله أحب الشعراء إليه وأحظاهم عنده، ومدائح حسان فيه لا تزال تروى إلى اليوم على أنها من عيون الشعر العربي، وكان جبلة مقيمًا عند جسر الحديد على نهر الأرند قريبًا من أنطاكية حين ترامت إليه أنباء قِنَّسْرين وحصارها، فسار إليها يخفف الضغط عنها ويعين حاميتها على قهر عدوهم، وإنه لفي مسيرته إذ جاءته طلائعه برجل من المسلمين ذكر أنه سعيد بن عامر الخزرجي، وأنه ينتمي إلى أجداد جبلة من مُزَيْقِيَاء إحدى بطون بني ثعلبة العنقاء، وادَّكر جبلة حين سمع اسم الخزرج صديقه الشاعر الأنصاري، فسأل سعيدًا: كم لك منذ فارقته؟ وأجابه سعيد، عهدي به قريب، وقد دعاني إلى دعوة صنعها وأمر جاريته أن تنشد شعرًا فيك فأنشدت:

لله دَرُّ عصابة نادمتهم
يومًا بِجِلَّق في الزمان الأولِ
أولاد جَفْنة حول قبر أبيهمُ
قبر ابن مَارِية الجَوَادِ المُفْضِلِ
يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهم
لا يسألون عن السواد المُقْبِلِ
بِيضُ الوجوه كريمةٌ أحسابُهم
شُمُّ الأنوفِ من الطِّراز الأولِ

فلما سمع جبلة ذلك منه أجازه وذكر له أن الملك بعثه مددًا لقِنَّسْرين، وطلب إليه أن يحذر خالدًا بأس جنوده ومضاء أسيافهم، وتابع جبلة وجيشه السير مع الروم ولقي خالدًا وكاد ينتصر عليه لولا أن جاء المسلمين مدد رجح كفتهم، فهزموا جبلة واستولوا على المدينة المحصورة، ففر من أهلها إلى أنطاكية من فر، وقدم أبو عُبَيْدَةَ في جنده فألفى خالدًا تم له النصر، فصالح أهل قِنَّسْرين على الأمان والجزية، وأن تهدم حصونهم وأسوارهم، ورأى العرب من أهل الحاضر ما كان من ذلك، فأقبلوا يعلنون الطاعة وأسلم منهم كثيرون، أما من بقي على نصرانيته فضُربت عليه الجزية.

وهذه الرواية عن جبلة وسيره للدفاع عن قِنَّسْرين مرجوحة في رأيي؛ ولذلك لم يذكرها الطبري وابن خلدون وابن الأثير وابن كثير ومن إليهم، وإن ذكرت في فتوح الشام المنسوب للواقدي، أما الرواية المشهورة التي ذكرها المؤرخون الثقات فهي الراجحة، وقد كتب أبو عُبَيْدَةَ إلى عمر بفعال خالد بن الوليد وقضائه على ميناس وجيشه واقتحامه قِنَّسْرين على مَنَعتها، وقوله لأهلها: «لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا.» فأخذ عمر الإعجاب بعبقرية خالد بارزة في هذه الأعمال أيما بروز، وقال: «أمَّر خالد نفسه! يرحم الله أبا بكر! هو كان أعلم بالرجال مني!»

هذه الكلمات التي قالها عمر تدلنا على أن خالدًا أتى في قِنَّسْرين بمعجزات فاقت مواقفه بدمشق وحمص وما سواهما من البلاد التي فتحها المسلمون منذ تولى عمر الخلافة إلى يوم تنفست عنها شفتاه، ودلالتها على ذلك أشد وأقوى لما نعرفه عن عمر وسوء رأيه في خالد، حتى لقد عزله عن إمارة الجيش أول ما آلت إليه إمارة المؤمنين، وقد بلغ من عمق الأثر الذي تركته هذه الفعال في نفس عمر أن أسند إلى خالد إمارة قِنَّسْرين حين لقيه ببيت المقدس بعد أشهر من ذلك اليوم.

ومن عجب أن تترك فعال خالد بقِنَّسْرين كل هذا الأثر في نفس أمير المؤمنين، وأن تكون قِنَّسْرين عاصمة الولاية الممتدة حولها؛ ثم لا يقص المؤرخون الثقات من تفاصيل فتحها أكثر مما رأيت،٤ وليس هذا الإيجاز مما خصت به قِنَّسْرين، بل جرى عليه الطبري ومن أخذ مأخذه، وجرى عليه البلاذُري ومن تابعه، فأجملوا وقائع الفتح بالشام إجمالًا لا يتفق وتفصيلهم وقائع العراق وما حدث فيها، وإنما فصلوا من وقائع الشام غزوة اليرموك وفتح بيت المقدس، وأعاروا فتح دمشق بعض العناية، لاعتبارهم اليرموك مفتاح الشام كما اعتبروا القادسية مفتاح العراق، ولأن دمشق عاصمة الشام وبيت المقدس مدينة المسجد الأقصى، وكم وددنا لو أنهم فصلوا ما حدث بقِنَّسْرين لنقف منه على السر في كلمة أمير المؤمنين.

ذكرنا أن أهل قِنَّسْرين بعثوا إلى خالد يطلبون الأمان على صلح حمص، وأن خالدًا رأى أن يجزيهم بمقاومتهم، فأبى إلا تخريب المدينة، ففر أهلها إلى أنطاكية، فلما جاء أبو عُبَيْدَةَ وعرف ما طلبوا رأى فيما أراد خالد أن يجزيهم به عدلًا لا غبار عليه، ولذلك هدم حصون المدينة وأسوارها ثم رأى أن يقرن إلى العدل الرحمة، فأجاب أهل المدينة إلى الأمان والصلح الذي طلبوا، قيل: إن كنائس المدينة ومنازلها قسمت فاستولى المسلمون على نصفها، وقيل: بل أقيم مسجد على بقعة من أرضها وترك ما سوى ذلك لأهلها كما كان فعاد الذين فروا إلى أنطاكية وقد رضوا أداء الجزية، وأمر أبو عُبَيْدَةَ فأحسنت معاملتهم كما أحسنت معاملة غيرهم في البلاد التي فتحها المسلمون، وقام العدل بينهم على أساس من المساواة الصحيحة وإنصاف الضعيف من القوي.

مع ذلك بقي في نفوسهم من الحفيظة والحقد ما دفعهم إلى الانتقاض والغدر حين سار المسلمون عنهم يريدون حلب، ووجه أبو عُبَيْدَةَ إليهم قوة حصرتهم وأخذت منهم بقرًا وغنمًا وتركت بينهم حامية تكفل إذعانهم، وتحمي مؤخرة الجيش الفاتح، واطمأن أبو عُبَيْدَةَ فسار حتى نزل حاضر حلب فاجتمع له أصناف من عرب هذا الحاضر، صالحهم على الجزية، وأسلم منهم بعد ذلك من أسلم، وقدم أبو عُبَيْدَةَ عِيَاض بن غَنْم إلى حلب فحاصرها، فلم يلبث أن طلبوا الصلح مع أن حصونهم منيعة، وما مناعة الحصون إذا تضعضعت القلوب وضعفت الهمم وخارت العزائم! وقد رأى أهل حلب ما حل بمن قبلهم ورأوا المقاومة لا ترد هؤلاء الفاتحين الذين لا يهابون الموت، فألقوا بأيديهم، قيل: إن عياضًا قبل ما طلبوا من الأمان على أنفسهم وأولادهم ومدينتهم وكنائسهم وحصنهم، فصالحهم عليه، وأن يدعوا مكانًا يقيم المسلمون فيه مسجدهم، وقيل: بل صولحوا على قسمة منازلهم وكنائسهم، وقيل: إن أبا عُبَيْدَةَ دخل حلب فلم يجد بها أحدًا ورأى أهلها انتقلوا إلى أنطاكية، فلما تم الصلح رجعوا إليها.

تردد ذكر أنطاكية في هذا الفصل، وقد رأينا من قبل أن هرقل لجأ إليها حين جلا عن حمص بعد فتح دمشق، وسنرى أبو عُبَيْدَةَ الآن يسير إليها فيفتحها، فلا يلبث هرقل بعد فتحها أن يذر الشام كله وأن يرتد إلى القسطنطينية، ثم لا يلبث جبلة بن الأيهم أن ينضم إلى المسلمين وأن يذهب إلى عمر بالمدينة، وليس في ذلك عجب؛ فقد كانت أنطاكية إلى يومئذ عاصمة الإمبراطورية الرومية في الشرق، والمدينة التي تلي فيها مدينة قسطنطين، وكان أباطرة الروم يؤثرونها على الإسكندرية لقربها منهم، ولشعورهم بأنها أوثق ارتباطًا بهم من العاصمة المصرية التي يفصلها البحر عنهم، والتي كانت تثور الحين بعد الحين بهم؛ لذلك كانت أنطاكية موضع عنايتهم، فكانوا يقيمون بها من المعابد والعمائر والملاعب ما جعلها تُزهَى على دمشق وغير دمشق من سائر مدن الشرق، كان ذلك شأنها أيام الوثَنِيَّة الإغريقية والرومية، ثم كان ذلك شأنها أيام المسيحية، كانت معابد الأوثان تقوم في أرجائها فخمة ضخمة، وقد دكتها الزلازل غير مرة فأعادها الأباطرة أكثر فخامة، وكانت الكنائس المسيحية التي قامت من بعد لا تقل عن تلك المعابد جلالًا ومهابة، ذلك أن لأنطاكية سبقًا إلى المسيحية تفاخر به؛ فأهلها أول من أطلق عليهم اسم المسيحيين، وبطارقتها يذكرون أن القديس بطرس هو الذي نصر آباءهم، وقد أقام بَرْنابا بينهم وأذاع تعاليمه فيهم، فكان له بالمدينة من التلاميذ والأتباع ما جعلها في العصور المسيحية الأولى مقر نشاط ديني عظيم، ومقام بطريق آسيا، وقد عقدت بها في النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي عشرة مجامع كنسية تركت مقرراتها من الأثر في تكوين الفرق المسيحية ما يفصله تاريخ النصرانية، ونشأ عن ذلك أن انفسحت رقعة المدينة في ذلك العهد فبلغ ساكنوها مائة ألف نسمة، وما كانت لتضيق بمعيشة هذا العدد العظيم وموقعها عند مصب الأرنط على بحر الروم يجيء إليها بكل ما يحتاج إليه أهلها محمولًا على السفن من مختلف بلاد الإمبراطورية، كما أن موقعها على طريق القوافل المؤدي إلى حلب، والمتفرع من حلب إلى العراق، وإلى آسيا الصغرى، قد جعلها مستقر تجارة عظيمة متصلة بين الشرق والغرب.

ظلت هذه المكانة لأنطاكية إلى عهد عمر، فكانت عنده عظيمة الذكر والأمر، وكان فتحها يعادل في نظره فتح المدائن وفتح بيت المقدس؛ لذلك كان ينتظر أنباء أبي عُبَيْدَةَ عنها بالتلهف الذي كانت ينتظر به أنباء سعد بن أبي وَقَّاصٍ عن القادسية، ولم يكن أبو عُبَيْدَةَ يجهل مناعة أنطاكية بموقعها وقوة حصونها، كما لم يغب عنه أن الروم الذين نجوا بعد هزائمهم في وقائع الشام كلها قد اجتمعوا وعزموا الدفاع عنها، وكانت أنطاكية منيعة حقًّا، تحيط بها من كل جوانبها أسوار رفيعة سميكة يدهش ارتفاعها ويدهش سمكها، وكانت هذه الأسوار ترتفع أحيانًا من أخاديد الوادي الممتد إلى ناحية حلب، وتعلو الجبال المحيطة ببعض نواحي المدينة أحيانًا أخرى، حتى ليُخَيل إلى الناظر إليها أن الجبال أحاطت بها من كل جانب، فلا سبيل إلى اختراقها أو تخطيها. موقع هذه مناعته، وبه من قوات الروم كل من تراجع بعد حروب الشمال بالشام، جدير أن يصد المسلمين عنه، بل أن يصرفهم عن التفكير في منازلته، وكان جديرًا بهرقل أن يتحصن به، وأن يجلب إليه عن طريق البحر كل مدد يدفع به عدوه ويغسل به العار الذي لحقه ولحق إمبراطوريته، لكن هرقل لم يفكر في العود من الرهاء إلى أنطاكية، ولا في إمداد المدينة العظيمة بل تركها يسير أبو عبيدة إليها، فيخرج إليه أهلها فيهزمهم في معركة حامية خارج حصونها، ثم يحاصرها من كل جوانبها، فلا تجد مفرًّا من التسليم له والنزول على حكمه، وصالحهم أبو عُبَيْدَةَ على الجزية والجلاء، ورحل عنهم.

وكأنما كَبُرَ على أنطاكية أن تنزل بها هذه الهزيمة النكراء، فنقض أهلها عهدهم، فبعث أبو عبيدة إليهم عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ، فقضى على انتقاضهم، وصالحهم على الصلح الأول، وكتب أبو عُبَيْدَةَ إلى عمر بما كان من ذلك كله، فكان أمر الخليفة إليه أن يرتب حامية مرابطة بأنطاكية، وألا يؤخر عن رجالها العطاء حتى لا تنتقض المدينة كرة أخرى.

لم يبقَ بعد أنطاكية إلا أن يطهر المسلمون ما بقي من شمال الشام، وأن يقضوا على كل انتقاض فيه؛ لذلك سار أبو عُبَيْدَةَ إلى حلب حيث اجتمع جيش من الروم كرة أخرى فهزمه وبدد شمله، ثم فتح قُورس ومَنْبِج، وبعث خالد بن الوليد ففتح مَرْعَش، بذلك كله اتصل الفتح في الشام بالفرات، وقربت الشقة بين قوات المسلمين فيه وقواتهم في العراق، هذا إلى أن يزيد بن أبي سفيان خرج من دمشق فغزا بيروت ففتحها وفتح الثغور المجاورة لها، وترامت هذه الأنباء كلها إلى هرقل وهو بالرهاء فأيقن أن سورية لم تبقَ له، وأنها ضاعت منه وانسلخت عن إمبراطوريته.

ماذا عساه يصنع؟ أفيبقى بالرهاء يؤلب أهل الجزيرة ومن جاورهم ليقاوموا، ولعل القدر يبسم لهم بعد عبوسه؟! كلا بل تولاه اليأس وأيقن أفول نجمه؛ لذلك سار من الرهاء قاصدًا القسطنطينية، فلما مر بشِمشاط كان خالد بن الوليد يسير في بلاد قِلقيَّة من مَرْعَش إلى تل أعزاز إلى الدَّلوك مهددًا بذلك رجعته، وفصل هرقل مسرعًا من شمشاط فمر في طريقه بشرفٍ علاه وأشرف منه على أرض سورية الجميلة وقال والهم ملء جوانحه: سلام عليك يا سورية، سلامًا لا اجتماع بعده، ولن يعود إليك رومي أبدًا إلا خائفًا! وبلغ بُزَنطية مُنْهَدَّ الركن، فألقى بها عصا تسياره دامي القلب كئيبًا محسورًا.

أليس عجيبًا أن يكون ذلك مصير هرقل ومصير سورية! لقد غزا الفرس الروم في سنة أربع عشرة وستمائة للميلاد واستولوا على الشام ومصر، فلم يلبث هرقل حين جلس على عرش الإمبراطورية أن سار على رأس جيشه وحارب الفرس وهزمهم، وأجلاهم عن مصر والشام، واسترد منهم الصليب الأعظم، ثم رده في حفل حافل إلى بيت المقدس، فما بال جيوشه تنهزم أمام المسلمين كل هذه الهزائم؟! ما باله لا يتولى قيادتها ولا يبعث إليها من قوة روحه مثل ما فعل أول ما جلس على عرشه؟! بل ما باله يبقى بعيدًا عنها، فيقيم بحمص ثم بأنطاكية، ثم بالرهاء، ليفر آخر الأمر فرار الجبان إلى بيزنطية فينزلها مذمومًا مدحورًا؟! هذا ولما تكن عشر سنوات قد انقضت بين انتصاره على الفرس وانهزامه أمام المسلمين؛ فقد هزم الفرس في سنة خمس وعشرين وستمائة، وبدأت هزائمه أمام المسلمين سنة أربع وثلاثين وستمائة، وكان فراره من سورية كلها سنة ست وثلاثين وستمائة، أليس لهذا الانقلاب العجيب من سر يمكن جلاؤه؟ أم أنه القدر دفع المصادفة فأدت إليه، فلا سبيل لتفسيره ومعرفة أسبابه؟!

ليس في حياة العالم أمر لا يخضع لسنن الكون، ولو أنا عرفنا كل هذه السنن وأحطنا علمًا بكل ما يقع من الحوادث جليلها ودقيقها، لاستطعنا أن نفسر الظواهر الاجتماعية، وأن نعرف ما يترتب عليها، بالدقة التي نعرف بها مدار الأفلاك وسير الكواكب، لكن كثيرًا من السنن لا يزال علمه غائبًا عنا، ومن حوادث الكون كثير تفوتنا معرفته؛ إما لأنه مضى ولم يدونه من سبقنا تدوينًا نطمئن إلى دقته، أو لأن حياتنا أقصر من أن نحيط في أثنائها بكل الدقائق التي تجعل حكمنا على الظواهر الاجتماعية دقيقًا دقة رياضية، لكن ذلك لم يمنع الكتاب والمفكرين في كل العصور من أن يلتمسوا الأسباب ويرتبوا عليها النتائج، فإذا جاء بعدهم نظراؤهم محَّصوا آراءهم لينفوا زيفها وليبلغوا بها غاية الدقة، وهذا التمحيص ابتغاء الدقة سيظل متصلًا على الأجيال حتى نبلغ من العلم بالسنن الكونية في شئون الاجتماع ما بلغنا من العلم بالقوانين الرياضية، فتتجلى أمامنا أسرار الوجود الإنساني ويستوي لنا علم ماضيه ومستقبله، وأغلب ظننا أن الأمد لا يزال بعيدًا بيننا وبين هذا المبلغ، فليكن دأبنا مداومة التمحيص لمعرفة الحقيقة؛ فهذا التمحيص هو مظهر الحيوية العقلية والنشاط الروحي، فإذا لم يتيسر لنا أن نكشف عن كل الحقائق كاملة استطعنا أن نظفر منها بأكبر حظ مستطاع.

والآن ما سر الانقلاب الذي طرأ على هرقل وجيوشه، فجعلها تنهزم أمام قوات المسلمين ولمَّا تمضِ عشر سنوات بعد انتصارها على الفرس، وإجلائها إياهم عن مصر والشام، وتهديدها عاصمة ملكهم؟! أتُراها أجهدتها تلك الحروب وقد استطالت ست سنوات واستنزفت من الأموال ودماء الرجال ما استنزفت؟ قد يكون لهذا السبب قيمته في بعض الأحيان؛ لكنه لا قيمة له فيما نحن بصدده، وهو لذلك لا يفسر انقلاب الروم من النصر إلى الهزيمة في هذه السنوات القليلة، ذلك لأن قوة العرب لم تكن كقوة الفرس أو كقوة الروم نظامًا وعدة، وعشر سنوات كافية لتجنيد جيش جديد من أرجاء الإمبراطورية لا يستطيع العرب تجنيد مثله عددًا وعتادًا، وقد رأينا في اليرموك ودمشق وفحل والغزوات كلها أن أعداد الروم كانت تزيد على أعداد العرب أضعافًا مضاعفة، ثم لم يُغنِ ذلك عنها ولم يؤتها القوة على المسلمين، بل صدقت كلمة خالد بن الوليد في اليرموك: «إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال.» لا مفر إذن من أن نلتمس لهذا الانقلاب أسبابًا أخرى تفسره وتجلوه.

وهذه الأسباب شتى، ولكنها تتضافر جميعًا فتؤدي إلى نتيجة محتومة هي في رأينا علة ما حدث، وخلاصة هذه النتيجة أن سياسة الدولة انتهت إلى بَرَم الناس بها وسوء رأيهم فيها، وإلى انصرافهم لذلك عن تأييدها، وعدم حماستهم لمؤازرتها، والنصر متعذر في جو نفسي هذا شأنه، ذلك بأن التجنيد الحربي لا يكفي وحده لإحراز النصر، فالتجنيد المدني ليس دونه خطرًا، ونحن نشعر اليوم بهذا الأمر شعورًا قويًّا، ويخيل إلينا أن مرجعه أن المدنيين يقاسون من أهوال الحرب ما يقاسي الجنود في الميدان؛ فهم معرضون للحصر البحري، والغزو الجوي، وما إلى ذلك مما لم يكونوا يتعرضون في تلك العصور لمثله، وهذا صحيح، ولكنه لا يصور إلا الناحية العنيفة مما قد يتعرض المدنيون له، ولا يصور ما هم مطالبون به من تضحيات إيجابية متصلة هي أساس قوة الجند، وعلى قدرها يكون رجاؤهم في النصر، فالمدنيون هم الذين يمدون الجيش بعتاده وأقواته، وهم الذين يستحبون الحرمان حين الحرب ويؤثرون الجيش على أنفسهم وذويهم، ليكفل لهم نصرُه حياةَ سلمٍ فيها أمنٌ ودَعَة، وهم إنما يبذلون هذه التضحيات مخلصين يوم يطمئنون إلى سياسة الدولة، وإلى قيام الحكم على أساس العدل بينهم وإصلاح شئونهم، فإذا لم يرضوا هذه السياسة وبرموا بها لم يبذلوا هذه التضحية إلا كارهين، ولم يكن عندهم من الحماسة لانتصار الدولة ما يزيد جيوشها إقدامًا وبأسًا، وهذه الحال النفسية أقوى أثرًا في انتصار الجيوش وخذلانها من كل مدد وعتاد.

وهذه الحال النفسية هي التي قوَّت هرقل ونصرته على الفرس، فقد كانت عوامل الفساد والانحلال تدب في كيان الإمبراطورية الرومية قبل أن يجلس هذا العاهل على عرشها ويتولى أمورها؛ لذلك غلبها الفرس واستولوا على ممتلكاتها، فلما قام هرقل بالثورة على فوكاس لسوء حكمه وتولى الأمر مكانه، آمن الناس بأن عصرًا جديدًا يوشك أن يبزغ فجره، وأن الإمبراطورية لن تلبث أن تسترد ما كان لها من عزة وسؤدد؛ لذلك أقبلوا على هرقل يؤازرونه مخلصين، يبذلون من التضحيات كل ما يستطيعون بذله، ويرخصون أمنهم بل حياتهم في سبيل نصرته، وما أعظم ما يستطيع من يرخص حياته! لذا ظفر هرقل فاسترد ما أضاع سلفه، وانتظر الناس من بعد أن يتحقق رجاؤهم في العصر الجديد.

لكن هرقل ما لبث حين استتب له الأمر في مصر والشام أن لجأ إلى سياسة أحفظت عليه أهل مصر والشام، لقد خوت خزائنه، ولا بد أن يملأها، فبهظ أهل هاتين الولايتين بالضرائب فنفروا، لكن نفورهم من فداحة الضرائب لم يكن وحده ليغير على العاهل العظيم قلوبهم لو أنهم وجدوا عن التضحية المادية عوضًا في حكم يكفل لهم الأمن والحرية، ولا شيء أعز على الناس من حرية العقيدة، إنهم ينفرون إذا حاولت صرفهم عما وجدوا عليه آباءهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وهم لا يستمعون إليك إلا أن يتبينوا إخلاصك لهم وحرصك على هداهم، فإذا اطمأنوا إلى ذلك قاربوك في حذر أول الأمر، حتى إذا آمنوا بما دعوتهم بذلوا في سبيل إيمانهم دماءهم وأرواحهم، أما وذلك شأنهم مع الذين يدعونهم للحق بالحسنى فأَحْرِ بهم أن تثور نفوسهم إذا أراد حاكم أن يصرفهم قسرًا عن عقيدتهم ليفرض عليهم عقيدة غيرها، فإذا لم يستطيعوا الثورة الصريحة عليه مكروا به وتمنوا له السوء، وكان هذا شأن هرقل في مصر والشام وسائر بلاد الإمبراطورية؛ لذلك تغيرت عليه النفوس ونفرت منه القلوب، فلم يجد سندًا من قوة المدنيين ومن روحهم المعنوية تؤازر جيوشه في حرب المسلمين.

فهو حين تم له النصر على الفرس وجاء بالصليب الأعظم إلى بيت المقدس أعطى اليهود العهد الذي طلبوه بالأمان على أنفسهم ومعابدهم، لكن المسيحيون وقساوستهم جعلوا، بعد حفلة إعلاء الصليب، يذكرون اليهود بالسوء ويغرونه بهم، إذ يتهمونهم بأنهم كانوا أشد من الفرس قسوة على المسيحيين وأفظع منهم جرمًا في تدمير الكنائس وإحراقها، ولقد تردد هرقل بادئ الرأي في نقض عهده، فلما ألح عليه من حوله وذكروا له من الحجج ما يحله من هذا العهد، زال تردده، فأمر بإجلاء اليهود عن بيت المقدس بل أباح دماءهم «حتى لم يبقَ منهم في دولة الروم ومصر والشام إلا من هرب أو اختفى.»٥ ولم يكن الذين هربوا من بيت المقدس إلى الصحراء فيما وراء نهر الأردن قليلين، هؤلاء ظل حقدهم على هرقل لهذه الفعلة النكراء متقد الضرام لم يطفئه أنه أذن لهم من بعد بالعود إلى موطنهم، فتربصوا، حتى إذا لاحت أعلام المسلمين ضَوَوْا إليهم وصاروا لهم أدلاء يكشفون لهم عن عورات البلاد ويقفونهم على أسرار الدولة.

لم يكن اليهود وحدهم هم الذين أكل قلوبهم الحقد على هرقل، بل كان النصارى يشكون كذلك مر الشكوى، ذلك أن هرقل رأى، حين اطمأن له الأمر، أن يوحد المذاهب المسيحية في الإمبراطورية كلها، إيمانًا منه بأن تعدد المذاهب هو الذي فرق كلمتها وخضد شوكتها، وكان أكبر رجائه أن يحقق زعماء الكنيسة هذه الوحدة بحكمتهم لتقوم في أرجاء الإمبراطورية على الرضا والوفاق، دون إجبار أو إكراه، ولو أن ذلك تم لكان قوة للدولة على أعدائها، ولشاد لهرقل مجدًا باقيًا على التاريخ، لكنه لم يكن ليتم، فبقيت المذاهب على تعددها، واضطر الإمبراطور أن يكره الناس على الإذعان للمذهب الرسمي الذي فُرض عليهم، فمن أبى حقت عليه كلمة العذاب، وأبى الناس فاضطهدوا، فشكوا إلى هرقل بطش عماله، فأعارهم أذنًا صماء، فانصرفت عنه النفوس ونفرت منه القلوب.

كان هرقل حسن القصد لا ريب حين أراد تحقيق الوحدة المذهبية، لكنه نسي حقيقة لو ذكرها لسار غير سيرته، ولما تغير الناس عليه، فتوحيد القوانين تيسيرًا للمعاملات بين الناس أمر مرغوب فيه، بل أمر واجب، ومهما يكن من اختلاف الرأي في صلاح القانون الذي ينظم هذه المعاملات فمن المستطاع تغييره يوم يخشى سوء أثره، لكن حرية الضمير في أمر العقيدة لا يمكن أن يحد القانون منها أو أن ينظمها، فهذه الحرية ملاك حياتنا الإنسانية، كما أن الهواء ملاك حياتنا المادية، لذلك يضيق الناس بكل حد منها، ويثورون أعنف الثورة بمن يحاول القضاء عليها، وزعماء الكنيسة وأئمة المذاهب أحرص على حريتهم وعلى حرية الناس في هذا الأمر، فلن يتفقوا على حدِّه وتقييده، ذلك بأنهم إن قيدوه ضعف سلطانهم الروحي على النفوس وتزعزعت مكانتهم في القلوب، وهذا ما حدث بالفعل حين اختار هرقل أسقُفًا لأنطاكية، وآخر لبيت المقدس، وثالثًا للإسكندرية، وفرض على الناس أن يقبلوا المذهب الذي أقره مجمع خَلْقِدونية، فلم ينزل واحد من هؤلاء الأساقفة عن مذهبه ولا عن حرية رأيه، ثم اختلفوا في سياستهم باختلاف طباعهم، فاضطهد أسقف الإسكندرية المصريين ليحملهم على تغيير مذهبهم، ولجأ أسقف بيت المقدس إلى الحيلة، وكان أسقف أنطاكية أوسع صدرًا، ولو أن هرقل لم يفرض مذهبًا ولم يلزم الناس اعتناقه لما انصرفت عنه النفوس ولا تغيرت عليه القلوب، ولقد بلغ من تغيرها أن وقف أهل الشام حين غزا العرب بلادهم لا تتحرك في نفوسهم الحماسة لدفعهم، بل كان كثير منهم يضرعون إلى الله في أعماق نفوسهم أن تزول دولة قيصر عنهم، كتب أبو الفرج العبري يقول: «لما شكا الناس إلى هرقل لم يجب جوابًا، ولهذا أنجانا الله المنتقم من الروم على يد العرب، فعظمت نعمته لدينا أن أخرجنا من ظلم الروم وخلصنا من كراهتهم الشديدة وعداوتهم المرة.»

فداحة الضرائب، وحقد اليهود، والاضطهاد الديني؛ هذه عوامل ثلاثة جعلت المدنيين من أهل الشام ينظرون إلى الروم المحاربين فلا تحركهم حماسة لنصرهم، أو حرص على معاونتهم، وثم عامل رابع تضافر مع هذه العوامل الثلاثة التي أدت إلى هزيمة هرقل وفراره من سورية، فلم تكن حماسة العرب المقيمين على تخوم بادية الشام لتدفعهم إلى الاستماتة في قتال بني عمومتهم من أبناء شبه الجزيرة، ولعل جبلة بن الأيهم كان أكثر هؤلاء العرب حماسة في نصرة هرقل، فهو مدين بملكه للروم الذين عززوه ونصروه وجعلوا له من المكانة ما يخشى أن يزول إذا انتصر المسلمون، مع ذلك لا تروي كتب التاريخ من مظاهر هذه الحماسة إلا تلك القصة المرجوحة التي أشرنا إليها حين الحديث عن فتح قِنَّسْرين، والتي لا يثبتها المؤرخون الثقات في كتبهم، أما والجو الذي أحاط بهرقل وجنوده هو ما رأيت، فلا عجب أن تدور عليه الدوائر وأن يأفل نجمه، وأن يفر إلى بزنطية كاسف البال حسيرًا مدحورًا.

وهذه العوامل هي التي جعلته يدع لغيره قيادة جيشه، فقد سمع بفعال العرب في العراق لعهد أبي بكر فآثر أن يقوم تذارق إلى اليرموك في عدد ضخم من الجند، فلما هزم الجيش وقتل تذارق رأى ألا يغامر بنفسه مخافة أن ينهزم فيدفن في الميدان كل مجده، ولعله ذكر يومئذ رسالة النبي العربي يحملها إليه دحية بن خليفة الكلبي وهو في طريقه إلى بيت المقدس يرد الصليب الأعظم إلى قبر السيد المسيح، وذكر كيف استهان بهذه الرسالة ولم يكترث لها، وها هو ذا يرى العرب الذين اتبعوا محمدًا وآمنوا برسالته ينتشرون في الأرض ويندفعون إلى بلاده غزاة فاتحين، يستحبون الموت على الحياة فيهب الله لهم كل أنعم الحياة، أين منهم جنوده الذين لا يصبرون على البأساء ولا يجدون في الفرار عارًا! وكيف لهرقل وذلك شأنه وشأن جنده أن ينتصر؟ بل وكيف له ألا ينحدر من قمة المجد إلى حضيض الهوان؟ لقد نسي أن لله في الكون سننًا لا تبديل لها، وأن جهل هذه السنن يؤدي بالناس إلى الخطأ ويورطهم في الضلال، وهذا النسيان هو السبب فيما أصابه، وما جعله في التاريخ عبرة المعتبر.

رأى جبلة بن الأيهم مصير هرقل، ورأى قبائل العرب من أهل الشام يهرع الكثيرون منهم إلى الإسلام، فأيقن أن لا بقاء لملكه ولا لعزه إلا أن يسلم ويسلم ذووه معه، وكتب إلى أبو عُبَيْدَةَ بإسلامه وإسلام بني غسان، فاغتبط أمين الأمة، وأبلغ النبأ أمير المؤمنين فاغتبط عمر له، ثم إن جبلة كتب إلى عمر يستأذنه في القدوم عليه فأذن له، فخرج إلى المدينة في خمسمائة من أهل بيته، وأمر عمر الناس باستقباله، فلم يبقَ بالمدينة بكر ولا عانس إلا تبرجت وخرجت تنظر إلى جبلة وإلى زيه، وكان جبلة قد أمر مائتي رجل من أصحابه فلبسوا السلاح والحرير، وركبوا الخيول معقودة أذنابها، وألبسوها قلائد الذهب والفضة، ولبس جبلة تاجه وفيه قُرطا مارية جدته، وأعجب أهل المدينة بذلك كله فلما انتهى جبلة إلى عمر رحب به ولطف له وأدنى مجلسه.

وأقام جبلة بالمدينة زمنًا ثم خرج مع عمر، فبينا هو يطوف بالبيت وطئ إزاره رجل من بني فزارة فانحنى، فرفع جبلة يده فهشم أنف الفزاري، واستعدى الرجل عمر، فدعا جبلة وسأله فأقر بما حدث، قال عمر: «قد أقررت فإما أن ترضي الرجل، وإما أن أقيده منك.» وأنكر جبلة ما سمع وقال: «وكيف ذلك وهو سوقة وأنا ملك؟!» قال عمر: «إن الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله بشيء إلا بالتقى والعافية.» قال جبلة: «قد ظننت يا أمير المؤمنين أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية.» قال عمر: «دع عنك هذا، فإنك إن لم تُرْضِ الرجل أقدته منك.» قال جبلة: «إذن أتنصر». قال عمر: «إن تنصرت ضربت عنقك؛ لأنك أسلمت فإن ارتددت قتلتك.» فلما رأى جبلة الصدق من عمر قال: «أنا ناظر في هذا ليلتي هذه.»

وكان قد اجتمع بباب عمر من شتى الأحياء خلق كثير يعجب بعضهم لحزم عمر، ويرى بعض فيه شدة ما أغناه عنها، وبلغ من اختلافهم أن كادت تقوم بينهم فتنة، فلما أمسوا تفرقوا وأذن عمر لجبلة في الانصراف، وأسرَّ جبلة إلى رجاله فتحملوا بليل إلى الشام فأصبحت مكة منهم خالية، وتابع جبلة مسيرته إلى القسطنطينية، فدخل على هرقل متنصرًا هو ومن معه، فَسُرَّ بهم هرقل وظن أنه فتح من الفتوح عظيم، وأقطعه حيث شاء وأجرى عليه ما شاء.٦

وعاش جبلة في جوار هرقل عيش ترف ونعمة يضاهئان ما كان له في ملكه بالشام أو يزيدان عليه، لكنه ظل مع ذلك دائم الحنين إلى منازله بأكناف دمشق، روى أبو الفرج في الأغاني أن عمر بعث رجلًا إلى هرقل بكتاب منه، فلما أزمع الرجل الرحيل ذهب إلى جبلة فرأى ما هو فيه من عز يزيد على عز هرقل نفسه، ورأى الجواري حوله يغنينه وينشدنه شعر حسان بن ثابت فيه، وسأل جبلة الرسول عن حسان فقال: أما إنه مضرور البصر كبير السن، فأمر جاريته فأتته بخمسمائة دينار وخمسة أثواب من الديباج دفعها إلى الرسول ليدفعها إلى حسان، ثم راود الرسول على مثلها لنفسه فأبى، فبكى جبلة، ثم قال لجواريه: ابكينني، فوضعن عيدانهن وأنشأن يُنشدن قول جبلة:

تنصرت الأشراف من عار لطمةٍ
وما كان فيها لو صبرت لها ضررْ
تكنَّفني فيها لجَاجٌ ونخوةٌ
وبعت بها العينَ الصحيحة بالعوَرْ
فيا ليت أمي لم تلِدْني وليتني
رجعتُ إلى القول الذي قاله عمر!
ويا ليتني أرعى المَخاض بدِمْنةٍ
وكنت أسيرًا في ربيعة أو مضر!
ويا ليتني بالشام أدنى معيشة
أُجالس قومي ذاهبَ السمع والبصر!

ورجع الرسول إلى المدينة وذكر لعمر حال جبلة وصلته حسانًا، فلما حصل شاعر رسول الله على الدنانير والأثواب انصرف عن أمير المؤمنين وهو يقول:

إن ابن جَفنة من بقية معشر
لم يَغْذُهم آباؤهم باللوم
لم يَنْسَني بالشام إذ هو ربُّها
كلا ولا متنصِّرًا بالروم
يُعطي الجزيل ولا يراه عنده
إلا كبعض عطية المذموم

وتجري بعض الروايات بأن جبلة اشتد حنينه إلى منازله بأكناف دمشق، وود لو استطاع أن يعود إلى الإسلام فيعود إليها على أن يزوجه عمر إحدى بناته، وأنه مات قبل أن يصله رد عمر بإجابته إلى ما أراد، وهذه الرواية غير صحيحة؛ لأن جبلة عاش إلى عهد معاوية بن أبي سفيان، قيل: إن معاوية بعث إليه أن يرجع إلى الإسلام ووعده أن يقطعه غوطة دمشق بأسرها فأبى، وقيل: إن جبلة بعث إلى معاوية يعرض الرجوع إلى الإسلام على أن يعطيه منازله وعشرين قرية من الغوطة، فكتب إليه معاوية يجيبه إلى ما طلب، فوجده قد مات، وقد يستطاع التوفيق بين الروايتين الأخيرتين بأن جبلة أبى ما عرضه عليه معاوية، ثم إنه ندم لإبائه فعاد يطلب ما رفض ومات قبل أن يجاب إليه.

وكانت تقيم مع جبلة بالقسطنطينية جالية من أهله وعشيرته آثروه على منازلهم وأهلهم بالشام، وقد قربهم ملوك الروم وأعزوهم فكانوا في بلاطهم حتى دالت دولتهم، يرجح ذلك أن عددًا من رجال البلاط في قصر هرقل وخلفائه كانوا يسمون باسم جبلة، وهو اسم عربي لم يعرفه الإغريق ولا عرفه الروم قبل أن ينزل جبلة بن الأيهم عاصمتهم.

أقام جبلة في جوار هرقل يهز الحنين إلى منازله قلبه، وأقام هرقل حسيرًا في عاصمة ملكه، يود لو استطاع الرجعة إلى الشام يسير بين جناته الفيحاء، وجباله المجللة بالثلوج، وأوديته الخصبة، حتى يبلغ قبر المسيح ببيت المقدس، أتراه يحاول هذه الرجعة وقد ودع سورية الوداع الأخير، أم أنه وهن عزمه وانهد ركنه؟ ذلك ما سنرى من بعد، فلندعه الآن كاسف البال في قصره، ولنعد إلى فلسطين نساير قواد المسلمين في ربوعه، حتى ندخل معهم بلد المسجد الأقصى.

هوامش

(١) إيلياء هي بيت المقدس.
(٢) الأرنط أو الأرند هو نهر أورينتس orantes وتقع عليه حمص وحماة وأنطاكية ثم يصب بساحل أنطاكية.
(٣) هي معرة النعمان، وقد سميت بهذا الاسم من بعدُ نسبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري.
(٤) لم نعثر على تفصيل لوقعة قِنَّسْرين كتفصيل الواقدي في فتوح الشام. ورأينا أن روايته لا سند لها كما ذكرنا في النص. فالوقائع التي يسوقها أدنى إلى الخرافة؛ فهو يذكر أن خالدًا لم يكن معه غير عشرة من أبطال المسلمين حين زحف جبلة وجيش الروم إلى قِنَّسْرين، وأن هؤلاء العشرة اندمجوا في جند العدو فلم يعرفهم أحد. فلما فتحت المدينة أبوابها لجبلة ومن معه انقض خالد على أميرها فأخذه أسيرًا، ثم أظهر هو ومن معه إسلامهم. وخشي جبلة والقائد الرومي أن يقتلوهم لئلا يقتل خالد أمير المدينة، وكان مقربًا من هرقل، فجرى بين جبلة وخالد حديث طويل انتهيا منه إلى خروج أبطال الروم وأبطال المسلمين للمبارزة رجلًا لرجل، وقتل أبطال المسلمين في هذه المبارزة عددًا عظيمًا من الروم دون أن يصاب منهم أحد. وضاق جبلة وقائد الروم ذرعًا بما رأيا فحملا بجيشهما على المسلمين العشرة فقتل خالد وأصحابه منهم فئة عظيمة. ولكنهم تولاهم الجهد آخر الأمر وكاد عدوهم يظفر بهم، لولا أن سمعوا تكبير المسلمين فأيقنوا مجيء المدد فثبتوا، فإذا أبو عُبَيْدَةَ وجيشه يهاجم جبلة والروم وينقذ خالدًا وأصحابه ويفتح قِنَّسْرين. وهذه خلاصة ما ذكره الواقدي، وقد خلطه بأقاصيص هي الخرافة بعينها، فلا محل لذكرها.
(٥) المقريزي، نقلًا عن فتح العرب لمصر: تأليف بتلر وترجمة فريد أبو حديد، ص١١٩.
(٦) الأغاني: جزء ١٤ ص٤؛ طبعة ساسي. ولا يثبت الكثيرون من المؤرخين قصة جبلة هذه ويرون روايتها أدنى إلى فنون الأدب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠