الفصل الرابع والعشرون

اجتهاد عمر

رُوي أن عمر بن الخطاب سأل سَلْمَانَ: أَمَلِكٌ أنا أم خليفة؟ فأجابه سلمان: إن أنت جبيتَ من أرض المسلمين درهمًا أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر عمر. ورُوي أنه قال يومًا: والله ما أدري: أخليفة أنا أم ملك، فإن كنت ملكًا فهذا أمر عظيم! قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقًا، قال عمر: ما هو؟ وأجابه صاحبه: الخليفة لا يأخذ إلا حقًّا ولا يضعه إلا في حق، فأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس، فيأخذ من هذا ويعطي هذا، فسكت عمر.

وتعريف الخلافة على هذا النحو وحبسها في هذه الحدود لا يتفق وما فهمه المسلمون الأولون عنها، فقد نُعت الخلفاء الأولون بأنهم الخلفاء الراشدون، وقصد بهذا النعت أنهم خلفاء رسول الله على المسلمين؛ ساروا سيرته، واتبعوا سنته، ونهجوا نهجه في أمور الدين والدنيا، وذلك قول عمر: إن لي صاحبين سلكا طريقًا فإن خالفتهما خُولف بي، أما الذين جاءوا بعد الخلفاء الراشدين فقد ساروا في الناس سيرة الملوك، ولذلك كانوا أمراء للمؤمنين، ولم يكونوا خلفاء لرسول الله ولا لخلفائه.

فرسول الله لم يكن قط ملكًا، وما تولاه من شئون المسلمين بالمدينة لا يشبه ما تولاه ملوك الفرس والروم لعهده، وما يتولاه الملوك في مختلف الأمم والعصور، إنما كان رسول الله هاديًا للناس ومرشدًا لهم، وكان بشيرًا ونذيرًا يبلغ الناس رسالات ربه، ويدعوهم إلى دينه القيم بالحكمة والموعظة الحسنة، ولقد أوى المسلمون إلى ظله ليزدادوا هدًى بما يسمعونه من آي الوحي وبما يعلمهم من سنته، وخلفاؤه الراشدون هم الذين قاموا في الناس مقامه، لم يكن هؤلاء الخلفاء رسلًا يُوحى إليهم، لكنهم كانوا أصحاب رسول الله، امتثلوا تعاليمه وأشربوا مبادئه، فلما استُخْلِفوا من بعده نشروا هذه التعاليم والمبادئ بين الناس توجيهًا لهم إلى الهدى، ليأخذ كل منهم بالحق ولا يضعه إلا في حق، وعلى هذا المعنى كان عمر خليفة، كما كان أبو بكر خليفة؛ ولذا حرص على أن يترسَّم طريق الصدِّيق في بساطة العيش، وفي التسوية بين نفسه وبين الناس، وفي تحري الحق ودعوة الناس إليه والقضاء بينهم به.

كان رسول الله يدعو الناس لاتباع ما يوحى إليه من ربه، فلما كثر أصحابه جعلوا يسألونه عن أمور تَعْرِضُ لهم لم ينزل فيها وحي، والأخذ فيها بمعروف الجاهلية يخالف ما كان النبي يذيعه بينهم من تعاليمه، وكثيرًا ما كان ينزل الوحي جوابًا على ما يسألون عنه، فيقول تعالى في سورة البقرة:١يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ * كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ ۚ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ.
هذه الآيات المتتابعة من سورة البقرة نزلت في أوقات متفرقة، وقد نزلت كلها جوابًا على مسائل كان المسلمون يوجهونها لرسول الله، فأوحى الله إليه هذه الآيات لهدايتهم وهداية البشر وإرشادهم، ولبيان الأحكام فيما يسألون عنه، وهذه الآيات نزلت في حوادث رواها المفسرون، وأسموها: «أسباب النزول.» يقول المرحوم محمد الخضري في كتابه «تاريخ التشريع الإسلامي»:

أما الأحكام التي نزلت بدون حادث أو سؤال فقليلة، وقلما نرى حُكمًا لم يذكر المفسرون حادثًا أنزل مرتبًا عليه.

روي أن رسول الله أرسل مَرْثَدًا الْغَنَوِيَّ إلى مكة ليخرج منها قومًا مَستضعَفين، فعرضت امرأة مشركة عليه نفسها تريد زواجه، وكانت ذات جمال ومال، فقبل ما عرضت ووقف التنفيذ على إذن رسول الله، فلما رجع إلى المدينة وعرض الأمر على النبي لإجازة النكاح نزل قوله تعالى: وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ … إلى آخر الآية، وأنت تذكر أن اليهود والمنافقين بالمدينة كثيرًا ما كانوا ينتهزون أوقات الشراب ليثيروا بين الأوس والخزرج منازعاتهم القديمة، وأن عمر سأل رسول الله لذلك عن الخمر ولم يكن قد نزل فيها قرآن وقال: اللهم بَيِّنْ لنا فيها، فنزلت الآية: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا.

وكان المسلمون يسألون أحيانًا عن أشياء، فلا ينزل الوحي بالجواب عليها لأول ما يسألون النبي عنها، عند ذلك كان يقضي فيها برأيه؛ وذلك قوله: «إنما أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي.» فإذا نزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به ترك ما قضى به على حاله، واستقبل ما نزل به القرآن،٢ وقد نزل الوحي غير مرة مخالفًا لما قضى به، من ذلك ما سبق أن ذكرناه في أسرى بدر؛ فقد طمع هؤلاء الأسرى في الفداء وأغلوه، فاستشار رسول الله أصحابه فيهم، فقال أبو بكر: «قومك وأهلك استأنِ بهم لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تتقوى بها على الكفار.» وقال عمر: «كذبوك وأخرجوك، قدِّمهم فاضرب أعناقهم؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر، وإن الله تعالى أغناك عن الفداء.» وسمع محمد، بعد وزيريه، لكبراء المسلمين، ثم قبل الفداء وأطلق الأسرى، من بعد ذلك نزل قوله تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللهَ ۚ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ،٣ فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله: «لو نزل بنا عذاب ما نجا إلا عمر.»
وخالف الوحي رسول الله كذلك في أمر الخوالف الذين دُعوا للخروج إلى غزوة تبوك لقتال الروم، فاعتذروا إلى النبي بشتى المعاذير واستأذنوه في التخلف بالمدينة فأذن لهم، فنزل في ذلك قوله تعالى: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ،٤ فلو أن هذه الآية نزلت قبل أن يأذن رسول الله للخوالف لما أذن لهم.

على أن ما خالف الوحي فيه اجتهاد رسول الله قليل، ولذلك كانت سنته متبعة فيما لم يخالفه الوحي فيه، كما كانت طريقته في الاجتهاد حجة متبعة كذلك وقد كان يلجأ إلى القياس، سألته جارية خثعمية فقالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الحج شيخًا زَمِنًا لا يستطيع أن يحج، إن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال لها: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك؟» قالت: نعم، قال: «فدين الله أحق بالقضاء.» وإلحاق دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء ونفعه هو عين القياس.

وكان رسول الله يقضي بين المسلمين ويقول لهم: «إنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار.» يقول الآمدي، «وذلك يدل على أنه قد يقضي بما لا يكون حقًّا في نفس الأمر.» ولا عجب في قول الآمدي هذا؛ فإنما كان رسول الله يقضي بما كان يرفعه إليه الخصوم من حجة، ولم يكن قضاؤه وحيًا من عند الله، بل وزنًا للبينات التي تقدم إليه، وقد يعجز صاحب الحق عن إقامة الحجة على حقه أو يعجز عن دفع حجة خصمه، والقاضي العادل لا يقضي بعلمه، وإنما يقضي بما يطمئن ضميره إلى قيام الحجة عليه.

على أن القضاء شيء والسُّنة شيء آخر، وإن صح أن ينطوي القضاء على السنة إذا رتب الحكم مبدأ يطبق عمومه على الحوادث المتشابهة، أما السنة لذاتها فما بيَّن به رسول الله ما أوجبه القرآن من المبادئ والأحكام، بالقول أو بالفعل أو بهما معًا، وذلك قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ،٥ والسنة بالفعل كالصلاة والحج، فقد كان رسول الله يصلي بالمسلمين الصلوات الخمس ويقول لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي.» ولما حج رسول الله قال للذين معه: «خذوا عني مناسككم.» أما السنة بالقول فهي الحديث، ومن الحديث ما اتصل بالوحي مفصِّلًا ومفسِّرًا له، ومنه ما اتصل بالحياة مما وقع في عهد النبي ورفع إليه فأبدى فيه رأيه، وكان النبي يبدي رأيه في هذه الأمور بعد مشاورة أصحابه عملًا بقوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ.

وقد شاور النبي أصحابه في الدعوة للصلاة، فقال بعضهم: نار، وقال بعضهم: بوق، وقال بعضهم: ناقوس، ثم انتهوا إلى الأذان على ما قدمنا، وكان يشاور أصحابه فيما يصنع إذا خرج للقتال، شاورهم في غزوة أحد أيتحصن بالمدينة أم يلقى العدو بظاهرها، وشاورهم يوم الحُدَيْبِيَة، وشاورهم في غير هذين من غزواته، وكان أبو هريرة يقول: «ما رأيت أحدًا قط كان أكثر مشاورة لأصحابه من النبي

وكان رسول الله يدعو أصحابه إلى الاجتهاد، رُوي عن عمرو بن العاص أنه قال: جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله فقال لي: يا عمرو! اقضِ بينهما، قلت: أنت أولى بذلك مني يا نبي الله، قال: وإن كان، قلت: على ماذا أقضي؟ قال: «إن أصبت القضاء بينهما فلك عشر حسنات، وإن اجتهدت فأخطأت فلك حسنة.»

وحكَّم رسول الله سعد بن معاذ في بني قُرَيْظَةَ فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم، وأقر النبي رأيه.

وقتل أبو قتادة رجلًا من المشركين؛ فأخذ سَلَبَه غيرُه، فقال أبو بكر: لا نقصد إلى أَسَدٍ من أُسْد الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلبَه؛ ارْدُدْ عليه سَلَبَ قتيله، فقال رسول الله: «صدق، اردُدْ عليه سلبه.»

ولما بعث النبي معاذ بن جبل إلى اليمن ليفقه الناس في دينهم سأله: بِمَ تحكم؟ وأجاب معاذ: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، وأقره النبي على ذلك وقال: «الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يحبه الله ورسوله.» وهذا يتفق وما رُوي عنه عليه السلام أنه قال لعبد الله بن مسعود: «اقضِ بالكتاب والسنة إذا وجدتهما، فإذا لم تجد الحكم فيهما اجتهدْ رأيك.»

على أن اجتهاد الرأي لم يقصد به، في زمن النبي ولا في العصور الأولى، إلى إقامة مذاهب في الفقه تستوعب ما يجري في الخاطر أو تؤدي إليه الفروض، بل كان مقتصرًا على ما يحدث بالفعل من شئون الحياة مما يحتاج إلى الرأي لحسمه، رُوي عن ابن عباس أنه قال: «ما رأيت قومًا قط كانوا خيرًا من أصحاب رسول الله ، ما سألوه عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبض، كلهن في القرآن … وما كانوا يسألونه إلا عما ينفعهم، وكان عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن.» وعن عمر بن إسحاق أنه قال: «لَمَنْ أدركت من أصحاب رسول الله أكثر مما سبقني منهم، فما رأيت قومًا أيسر سيرة ولا أقلَّ تشديدًا منهم.»

لذلك لم يكن للخلاف الذي ينشأ عن اجتهاد الرأي، لإقامة مذهب كامل، أثر ظاهر في التشريع لذلك العهد، بل كان رسول الله ينهى أصحابه عن التفرق والتنازع في الدين، امتثالًا لما جاء في القرآن من مثل قوله تعالى: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ،٦ وقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ،٧ وغيرها من الآيات الكثيرة التي في معناها، وقد نهى أصحابه حين رآهم يتكلمون في القدر وقال لهم: «إنما هلك من قبلكم بخوضهم في هذا.» لذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة الخوض والنظر في المسائل الكلامية مطلقًا، ولو أن ذلك حدث لنقل إلينا كما نقل عنهم اجتهادهم الرأي في المسائل المتصلة بالواقع من أمور الحياة.
وقد كان المسلمون الأولون أشد احتياجًا لاجتهاد الرأي، بعد أن اختار الله رسوله إليه، ذلك أنهم كانوا في عهده يستفتونه فيفتيهم، وترفع إليه القضايا فيقضي فيها، ويرى الناس يفعلون معروفًا فيمدحه، أو منكرًا فينكره، وكان أصحابه يقولون بآرائهم فيبلغه ذلك، فيصوب المصيب ويخطئ المخطئ، فلما قُبض لم يكن لهم بد من الأخذ بالقياس في الوقائع التي لا نص فيها، وقد فعلوا ولم ينكر أحد منهم على من فعل لكنهم لم يُفتوا برأيهم على سبيل الإلزام ولا على أنه حق، بل على أنه ظنٌّ يستغفرون الله منه، أو على سبيل صلح بين الخصمين، يقول ابن حزم في كتاب «الإحكام في أصول الأحكام»: «وأما القول بالرأي والاستحسان والاختيار فكثير عنهم — رضي الله عنهم — جدًّا، ولكنه لا سبيل إلى أن يوجَّه إلى أحد منهم أنه جعل رأيه دينًا أوجب حكمًا، وإنما قالوا إخبارًا منهم بأن هذا الذي يسبق إلى قلوبهم، وهكذا يظنون، وعلى سبيل الصلح بين المختصمين، ونحو هذا.»٨ وما كان لهم ألا يجتهدوا والأقضية الجديدة ترفع إليهم، وأحوال الحياة في القبائل والأمم التي اتصل أصحاب رسول الله بها تختلف عن أحوال الحياة عندهم، وهذه الأحوال وهذه الأقضية تحتاج كلها إلى رأي لا سبيل إلى طمأنينة الناس للعيش من دونه.

وكان أول اجتهادهم استخلافهم أبا بكر إثر وفاة النبي، وأنت تذكر ما حدث في سقيفة بني ساعدة من محاورة ومن جدل اشتد وعنف حتى كاد يؤدي إلى الفتنة، ثم انتهى إلى بيعة أبي بكر، فلما تولى أبو بكر أمر المسلمين اختلفوا في بَعْثِ أسامة لقتال الروم، وذلك حين رأوا انتقاض العرب بسلطان المدينة، قال قوم من المهاجرين والأنصار للصدِّيق: «إن هؤلاء (يقصدون جيش أسامة) جلُّ المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقضت بك؛ فليس ينبغي أن تفرق عنك جماعة المسلمين.» وطلب أسامة نفسه إلى عمر بن الخطاب أن يرجع إلى الصدِّيق يستأذنه أن يعود بالجيش، ليكون قوته على المشركين فلا يتخطفون المسلمين، وكان جواب الصديق على ذلك كله: «والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني أنفذتُ بَعْثَ أسامة كما أمر به رسول الله ، ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته.»

ولما امتنعت القبائل القريبة من المدينة عن إيتاء الزكاة وعزم أبو بكر قتالهم، جمع الصحابة يستشيرهم، فخالفه قوم، بينهم عمر بن الخطاب، ورأوا ألا يقاتلوا قومًا يؤمنون بالله ورسوله، وأن يستعينوا بهم على عدوهم، قال عمر: «كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها؟» وأجابه أبو بكر: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، وقد قال، إلا بحقها.» قال عمر: «فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.»

ولما وقعت غزوة اليمامة واستشهد فيها من استشهد من حفاظ القرآن، ذهب عمر بن الخطاب إلى أبي بكر وهو بمجلسه من المسجد وقال له: «إن القتل قد اسْتَحَرَّ يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقُرَّاء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن.» قال أبو بكر وقد تولته الدهشة لما سمع: «كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ؟» ودار بين الرجلين حوار طويل اقتنع الصديق على أثره برأي عمر، فدعا زيد بن ثابت وذكر له اقتراح عمر جَمْعَ القرآن وقال: فقلت لعمر: «كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ، فقال: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر.» ثم استطرد موجِّهًا الحديث لزيد فقال: «إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ، فَتَتَبِّعِ القرآن فاجمعه.» قال زيد: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ، قال أبو بكر: هو والله خير، وأتم زيد هذا الحديث فقال: فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فقام من مجلسه هذا فجعل يتتبع القرآن من الرقاع والأكتاف والعُسُب وصدور الرجال حتى جمعه.

فلما انتهت حروب الرِّدَّة وبدأ غزو العراق وبعث خالد بن الوليد بأخماس الفَيْء إلى المدينة، أمر أبو بكر بالتسوية بين الناس في العطاء، فقال له عمر: كيف تجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه؟ أو قال له: كيف تجعل من ترك داره وأمواله وهاجر إلى رسول الله كمن دخل في الإسلام كرهًا؟ فقال له أبو بكر: إنما أسلموا لله وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ. وقد رأيت أن عمر فرق بينهم في العطاء وجعلهم طوائف لما استخلف.

هذه أمثلة من اجتهاد أبي بكر في شئون الدولة العامة؛ وهي كما ترى، شئون كلها جليلة الخطر، وأما اجتهاده في الفقه فمنه: أنه ورث أم الأم دون أم الأب، فقال له بعض الأنصار: لقد ورثت امرأة من مَيِّت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت، فرجع إلى التشريك بينهما.

وسئل أبو بكر عن الكلالة فقال: أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان؛ الكلالة ما عدا الوالد والولد.

أنت ترى مما سبق في هذا الفصل، ومما سقناه في الفصلين الثالث والرابع حين تحدثنا عن عمر في صحبة النبي وفي عهد أبي بكر، ما كان للفاروق من نصيب عظيم في اجتهاد الرأي، أيد بعضه القرآن، وأقر بعضه رسول الله وأعجب به حتى كان يقول: «جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه.» وقد رأيت أن عمر استفتح عهده فأمر برد السبايا من أهل الرِّدَّة إلى عشائرهم، على خلاف ما رأى أبو بكر من قبله، وقال: إني كرهت أن يصير السبي سنة في العرب، وأنه لم يولِّ على البعث الأول إلى العراق رجلًا من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كما كان يفعل أبو بكر، بل ولى عليهم أبا عبيد الثقفي؛ لأنه كان أول الناس انتدابًا لهذا البعث بعد أن تقاعس الناس ثلاثة أيام، وأنه عزل خالد بن الوليد عن إمارة الجند بالشام، مع أنه سيف الله بحديث رسول الله، وأن أبا بكر قال فيه: ما كنتُ لِأَشِيمَ سيفًا سَلَّهُ اللهُ على الكافرين، وأنه أجلى اليهود والنصارى عن مواطنهم من شبه الجزيرة، وكان رسول الله ثم أبو بكر من بعده قد عقدا مع نصارى نجران عهدًا على الجزية يدفعونها لقاء احترام المسلمين عقيدتهم ودفاعهم عنها، وهذا كله اجتهاد رأي من جانب عمر أَبَنَّا حكمته في مواضعه.

ثم إنك رأيت اجتهاد عمر رأيه بعد ذلك في مواطن كثيرة، حسبنا أن نشير منها إلى اجتهاده في حد الخمر، وفي اعتزال البلد الموبوء وعزله عن غيره من البلاد، وفي التفريق في العطاء بين المسلمين حسب سبقهم إلى الإسلام أو قرابتهم من رسول الله، وفي أمور كثيرة غير هذه قضى بها تطور الأحوال في شبه الجزيرة وفي البلاد المفتوحة، وسيقتضينا هذا الفصل أن نعود إلى الحديث في بعض هذه الأحوال، وأن نتناول من اجتهاد عمر ما كان جليل الأثر في عهده! وما كان لموافقته أو لمخالفته من أثر بعد ذلك في حياة الإسلام والمسلمين.

ويجمل بنا، قبل أن نفصل ما نرى تناوله من اجتهاد عمر أن نذكر أن الفاروق كان يؤمن بأن الإسلام روح وعقيدة، وأن الإنسان لا يكمل إيمانه حتى يدرك الروح الذي أوحى الله به دين الحق إلى رسوله؛ لذلك كان يطبق أحكام القرآن بالروح التي نزلت بها، فإذا ثبتت عنده سنة عن رسول الله من قول أو فعل، عرف مناسبة هذه السنة ليكون دقيقًا في الأخذ بها، من ثم كان يسترشد بالروح لا بالحرف عند الفصل فيما يعرض عليه، وكان لعظيم إيمانه ولشدة امتثاله تعاليم رسول الله، جريئًا في الاجتهاد، وإن خالف ظاهر النص، فإذا ورد نص لم يبقَ في أحوال الجماعة ما يقتضي تطبيقه لم يطبقه، وإذا اقتضت أحوال الجماعة تأويل النص أوله، حريصًا في هذا وفي ذاك على ملاءمة الحكم لأحوال المجتمع مع اتفاقه في الوقت نفسه مع روح المبادئ والتعاليم المحمدية السليمة.

أظهر جماعة من العرب الإسلام، وكانوا سادة في قومهم، فجعل الله لهم سهمًا في الصدقات، وأمر النبي أن يعطيهم سهمهم تألفًا لقلوبهم وتثبيتًا لإيمانهم؛ هؤلاء هم المؤلفة قلوبهم، وقد نص القرآن على عطائهم في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وكان رسول الله يعطيهم من الفَيْء ومن الزكاة، أعطى أبا سُفْيَانَ، والأقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، وعَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ، وصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وكان يعطي الواحد منهم مائة من الإبل.

فلما وَلِيَ أبو بكر الخلافة أعطاهم كما كان يعطيهم رسول الله، ثم جاءه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس يطلبان أرضًا فكتب لهما بها، فلما استخلف عمر ذهبا إليه يستوفيانه ما في كتاب أبي بكر، لكن عمر مزق الكتاب وقال: «إن الله أعز الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتم إليه وإلا فبيننا وبينكم السيف.» ثم منع هذه الطائفة كلها ما كان لها من نصيب في الزكاة، وجعلها كغيرها من المسلمين.

هذا اجتهاد من عمر في تطبيق نص من نصوص كتاب الله، وهو لا ريب اجتهاد موفق، فإنما فرض الكتاب لهذه الطائفة من العرب حين كان الإسلام في حاجة إلى تألفهم، فلما عز الإسلام زالت الحاجة فلم يبقَ للعطاء مُسَوِّغ، ولو أن عمر وجد في الفرس أو في الروم من يحتاج الإسلام إلى تألفهم لفرض لهم، وهو قد فرض للهُرْمُزان بالفعل حين جاء المدينة ثم أسلم، من ثم كان هذا الفرض معلقًا على الحاجة إلى من فُرض له، فإذا زالت الحاجة سقط الفرض، هذه روح النص، ويجب لذلك تطبيقها كما طبقها عمر.

واجتهد عمر في نص من كتاب الله اجتهادًا نخالفه اليوم فيه، فقد قال تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، ثم قال: فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وجَلِيٌّ أن المقصود من هذا النص أن يقع الطلاق بالفعل مرة فمرة، وللزوج بعد كل من المرتين أن يراجع زوجته، فإذا طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وحكمة هذا النص واضحة؛ فالطلاق فصم لحياة الزوجية تترتب عليه نتائج خطيرة لكل من الزوجين، وتتعداهما لأبنائهما، وكثيرًا ما يسوء أثرها في هؤلاء الأبناء طيلة حياتهم؛ لذلك أباح الكتاب مراجعة الزوج زوجته بعد الطلقة الأولى، وبعد الطلقة الثانية، واشار إلى أن الطلاق يجب أن يسبقه سعي للتوفيق بين الزوجين في قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا، فإذا تعذر التوفيق ووقعت الفرقة بالطلاق جازت المراجعة مع ذلك مرتين، ولكيلا يستخف أي الزوجين بعد ذلك بفَصْمِ عُرْوَةِ الزواج، فرض الكتاب ألا يحل للزوج مراجعة زوجته بعد الطلاق الثالث حتى تنكح زوجًا غيره، فإذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق ثلاثًا، لم تكن إلا طلقة واحدة؛ لأن الطلاق فعل يقع لا قول يُلفظ، وكان ذلك الشأن في عهد النبي وفي عهد أبي بكر، جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس أنه قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أنَاةٌ، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم.»

كيف رأى عمر هذا الرأي وأمضاه على الناس مع مخالفته ظاهر النص وظاهر الحكمة؟ يجب لندرك ذلك أن نرجع إلى السبب في نزول الآية: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، روى ابن جرير في تفسيره ما ذكره بعضهم من: «أن هذه الآية أنزلت لأن أهل الجاهلية وأهل الإسلام قبل نزولها لم يكن لطلاقهم نهاية تَبِينُ بالانتهاء إليها امرأته منه ما راجعها في عدتها منه، فجعل الله تعالى ذكره لذلك حدًّا حرم بانتهاء الطلاق إليه على الرجل امرأته المطلقة إلا بعد زوج، وجعلها حينئذ أملك بنفسها منه.» ورُوي أن رجلًا قال لامرأته على عهد النبي : لا آويك ولا أدعك تَحِلِّين! فقالت له: كيف تصنع؟ قال: أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك، فمتى تحلين؟! — أي لغيره — فأتت النبي فأنزل الله: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، فاستقبله الناس جديدًا، من كان طلق ومن لم يكن طلق، وعن قتادة أنه قال: «كان أهل الجاهلية كان الرجل يطلق الثلاث والعشر وأكثر من ذلك ثم يراجع ما كانت في العدة، فجعل الله حد الطلاق ثلاث تطليقات.»

يتضح من هذا السبب في نزول الآية أن تحديد حق الرجل في مراجعة زوجته، ما دامت لم تَبِنْ بانقضاء عدتها، وجعل المراجعة مرتين لا أكثر، إنما أريد به ألا يضار الرجل المرأة وألا يذرها كالمعلقة حياتها، وهذا رفق بالمرأة يتفق وروح الإسلام، فقد ذهب القرآن في هذا الرفق بالنساء كل مذهب، فأمر أن تبقى المطلقات للمرتين الأوليين في بيت الزوجية طول عدتهن، وأن تحسن معاملتهن، فقال: لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ،٩ وقال: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، وقال: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ،١٠ وقال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا،١١ وقال: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ،١٢ هذه الآيات وغيرها تحرم على الزوج أن يضار زوجته، وترى المضارة إثمًا عظيمًا، وقد فرض الله المراجعة للإصلاح، فإذا تبين أن الإصلاح غير ممكن، وتبين أن مراجعة الزوج زوجته لا يقصد بها إلا المضارة، لم تبقَ حكمة المراجعة قائمة.

وأكبر الظن أن الذين كانوا يطلقون نساءهم في عهد عمر لم يكونوا رحماء بهن بعد طلاقهن، ذلك أن سبايا العراق والشام كثرن وافتتن بهن أهل المدينة وأهل شبه الجزيرة، فكانوا يسارعون إلى طلاق نسائهم مبالغة في إرضاء من شغفت قلوبهم بهن، وكانوا يذكرون الطلاق الثلاث في كلمة واحدة حتى تطمئن ذات الدَّلِّ على أنها أصبحت المنفردة بقلبه.

ولعل أسبابًا أخرى دفعت جماعة من المسلمين في هذا العهد الأول إلى العبث بالطلاق الثلاث استهتارًا وضرارًا، من ذلك أن يتزوج الرجل أخرى عربية أو أعجمية من غير السبايا، فتشترط عليه أن يطلق زوجته الأولى ثلاثًا فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، فإذا راجعها مع ذلك أثارت مراجعته لها في البيت نزاعًا لا تستقر معه حال ولا تطمئن به حياة.

مثل هذه الأسباب هي التي دعت عمر إلى فتواه، وإمضائه طلاق الثلاث بكلمة واحدة كأنه ثلاث طلقات متفرقات، فقد رأى أن الرجل إذا بلغت به الاستهانة بعقدة الزواج، فجمع الطلاق الثلاث في واحدة كان رجلًا مستهترًا يجب أن يحمل وزر استهتاره؛ وذلك قوله: «إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أَنَاةٌ، فلو أمضيناه عليهم.»

هذا اجتهاد رأي خالف عمر فيه من بعد غير واحد من الفقهاء، وخالفه أهل عصرنا الحاضر في طائفة من البلاد الإسلامية، ولا ضَيْرَ على عمر من ذلك، ولا ضَيْرَ منه على مخالفيه؛ فعمر وغيره من الصحابة لم يكونوا يفتون برأيهم على سبيل الإلزام ولا على أنه وحده الحق، بل على أنه رأي إن يكن صوابًا فمن الله وإن يكن خطأ فمن صاحبه، فهو يستغفر الله منه، لقي عمر رجلًا له قضية فسأله: ما صنعت؟ قال: قضى عليٌّ وزيد بكذا، قال عمر: لو كنت أنا لقضيت بكذا! قال الرجل: فما يمنعك والأمر إليك؟ وأجابه عمر: لو كنت أردُّك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه لفعلت، لكني أردُّك إلى رأيي، والرأي مشترك، ولهذا لم يَنْقُضْ ما قضى به علي وزيد. وأبدى عمر يومًا رأيًا، فقال قائل: هذا ما رأى الله ورأى عمر، فانتهره عمر بقوله: بئسما قلت! هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر، وأمسك هنيهة ثم قال: السنة ما سنه الله ورسوله، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة.

أما وقد ذكرت اجتهاد عمر في الطلاق الثلاث بكلمة واحدة ومخالفته فيه ظاهر النص وظاهر الحكمة للأسباب التي قدمت، فيجمل بي أن أشير إلى أنه اجتهد في غير هذه، من مسائل الزواج والطلاق وحقوق الزوجية والأمومة، اجتهادًا كان له أثر في التشريع الإسلامي من بعد، فقد نهى عن نكاح المتعة، فجرى المسلمون من أهل السنة على رأيه من يومئذ، ومنع بيع أمهات الأولاد وكن يُبَعْنَ في حياة الرسول وفي عهد الصدِّيق، وقد أراد علي بن أبي طالب أن يرجع في خلافته إلى بيعهن، وقال: إن عدم البيع كان رأيًا اتفق عليه هو وعمر؛ فقال قاضيه عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: رأيك ورأي عمر في الجماعة أَحَبُّ إلينا من رأيك وحدك، وأجابه علي: اقضوا كما كنتم تقضون؛ وذلك لأنه كره الخلاف، وأفتى عمر في المطلقة وزواجها من غير زوجها الأول في العدة، وميراثها قبل انقضائها، وما يتصل بذلك، بفتاوى لا يزال أكثرها معمولًا به إلى اليوم.

لا أراني بحاجة إلى أن أعود إلى القول فيما قرره عمر حدًّا لشارب الخمر، وقد سبقت فذكرت ذلك من قبل، وحسبي أن أذكر هنا أن عمر اجتهد في تقرير هذا الحد بالقياس إلى حد القذف الوارد في القرآن، والرأي والاجتهاد والقياس واحد، وهذا الاجتهاد حق لولي الأمر الذي يملك أن يشرِّع في حدود الكتاب والسنة.

ولعمر موقف من سنة رسول الله جدير بالوقوف عنده؛ فقد كان عمر من أثبت المسلمين إيمانًا بالله ورسوله، ومن أشدهم حرصًا على اتباع ما جاء به الرسول من عند الله، وعلى التأسي به في قوله وفعله، لكنه كان شديد الحرص كذلك على ألا يشوب كتاب الله بشيء، وعلى أن يحول دون ما قد يصرف المسلمين عن الكتاب الكريم، وهو في ذلك قد كان متبعًا سنة رسول الله وسنة أبي بكر من بعده، رُوي عن رسول الله أنه قال: «لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن، ومن كتب شيئًا غير القرآن فليمحه.» وقال: «إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فمني وما خالفه فليس عني.»١٣
وكان هذا الحرص رأي عمر في حياة النبي إلى حين وفاته، رُوي عن ابن عباس أنه قال: لما حُضِر النبي قال — وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب: «هلم أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده.»١٤ فقال عمر: إن النبي غلبه الوجع، وعندكم القرآن؛ فحسبنا كتاب الله، واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قرِّبوا يكتب لكم رسول الله كتابًا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما كثر اللَّغَطُ والاختلاف عند النبي قال: «قوموا عني» وكان ابن عباس يقول: «إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.» فكان ذلك — والله أعلم — وحيًا أوحاه الله أنه إن كتب لهم ذلك الكتاب لم يضلوا بعده البتة، فتخرج الأمة من مقتضى قوله: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ بدخولها تحت قوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، فأبى الله إلا ما سبق في علمه من اختلافهم كما اختلف غيرهم.

هذا رأي ابن عباس، أما عمر فظل على الرأي الذي قال به: «حسبنا كتاب الله.» وقد اتبع المسلمون هذا الرأي في خلافة أبي بكر وفي خلافته إلا ما ثبت لهم بطريق القطع واليقين أن رسول الله قاله.

رُوي عن أبي بكر أنه جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: «إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافًا فلا تحدثوا عن رسول الله شيئًا، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستَحِلُّوا حلاله وحرِّموا حرامه.» فلما استخلف عمر سار على سنة أبي بكر هذه، وأمر الناس ألا يحدثوا عن رسول الله حتى لا يختلفوا، وقد بلغ من شدته في تنفيذ هذا الأمر أن حبس ثلاثة من كبار الصحابة هم ابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو مسعود الأنصاري؛ لأنهم أكثروا الحديث عن رسول الله هذا مع شدة احتياطهم في روايتهم، وقد كان من أثر ما أمر به عمر أن قلت رواية الحديث حتى قال أبو عمرو الشيباني: كنت أجلس إلى ابن مسعود حولًا لا يقول قال رسول الله ، فإذا قال قال رسول الله استقلته الرِّعدة وقال: هكذا أو نحو ذا أو قريب من ذا، وكان أبو هريرة ممن يُكثرون الحديث عن رسول الله بعد عهد عمر، فسأله أبو سلمة يومًا: أكنت تحدث في زمان عمر هكذا؟ فقال: لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخْفَقته.

وسيَّر عمر قَرَظَة بن كَعْبٍ وجماعة معه إلى العراق ومشى معهم، فلما فصلوا عن المدينة سألهم: أتدرون لِمَ شيَّعتكم؟ قالوا: نعم، مكرمة لنا، قال: ومع ذلك فإنكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جوِّدوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم، فلما قدم قرظة قال له أهل العراق: حدثنا عن رسول الله، فقال: نهانا عمر.

نهى عمر عن رواية الحديث، واشتد في تنفيذ أمره بذلك؛ مع هذا روى الناس الأحاديث في مناسبات لم يكن لعمر قبل بمنعهم عن الرواية فيها، والقضايا أهم هذه المناسبات؛ فما قضى به رسول الله حجة ويقاس عليه، لم يجد أبو بكر في كتاب الله ميراثًا للجدة يقضي به لامرأة جاءته تطلب ميراثها، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله يعطيها السدس، وشهد محمد بن مَسْلَمَةَ بمثل ذلك، فقضى به أبو بكر. وسلم رجل على عمر بن الخطاب من وراء الباب ثلاث مرات فلم يُؤذن له فرجع، فأرسل عمر في أثره وسأله: لِمَ رجعت؟ قال سمعت رسول الله يقول: «إذا سلم أحدكم ثلاث مرات فلم يُجَبْ فليرجع.» فطلب منه عمر البينة على هذا الحديث فجاء بها، وكان قضاة عمر يقضون بكتاب الله وسنة رسوله، فإذا جاءهم خصم بحديث أو سنة عن رسول الله تبينوا ما جاء به، فإذا ثبت قضوا به، وما كان عمر ليستطيع أن يمنع الاستشهاد بالحديث أو بالسنة في القضاء كما منع رواية الحديث، وقد خشي أن تكثر الرواية لهذا السبب، وأن تدفع المصلحة بعضهم لاختلاق الأحاديث والتحايل على إثبات صحتها، فيكثر الحديث الكذب؛ لذلك فكر في كتابة السنن حتى لا يزيد أحد عليها، كما أشار على أبي بكر من قبل بجمع القرآن.

لكنه لم يلبث حين عاود التفكير في الأمر أن تردد فيه؛ فدعا أصحاب رسول الله فاستشارهم، فوافقه أكثرهم وأشاروا عليه بكتابة السنن، وقضى شهرًا يفكر في الأمر ويستخير الله فيه: أيقدم عليه أم يحجم عنه، ثم إنه أصبح يومًا وقد عزم الله له فقال للناس: «إني كنت ذكرت لكم من كتابة السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت فإذا أناس من أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبًا، فأكبُّوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدًا!» وعدل عن كتابتها وكتب في الأمصار عنها: «من كان عنده شيء فليمحه.»

أكان عمر على حق حين عدل عن كتابة السنن وأمر بمحو ما كان مكتوبًا منها، أم كان مخطئًا فكان لخطئه نتائجه من بعد؟

تستطيع أن تقول إنه أخطأ، وإن مَرَّ الزمن دل على خطئه، فقد بدأت الأحاديث من بعده تتوالد وتتداول إلى غير حد، فمنذ عادت الخصومة بين بني أمية وبني هاشم إلى الظهور في أعقاب مقتل عثمان، ثم لما قامت الحرب الأهلية بين علي ومعاوية فخاصمت عائشة عليًّا وأيد عليًّا من أيده، كثرت الأحاديث الموضوعة لعلي وعليه كثرة أنكرها علي في حياته فقال: «ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا ما في القرآن، وما في هذه الصحيفة أخذتها من رسول الله وفيها فرائض الصدقة.» ولم يقف هذا القول واضعي الحديث عن وضعه لهوى يدعون الناس إليه، أو لفضائل يحسبون أن الناس أحرص على اتباعها حين ينسب إلى رسول الله حديثها، وكثرت الأحاديث الموضوعة لأغراض سياسية أو غير سياسية كثرة راعت المسلمين لمنافاة الكثير منها لما في كتاب الله، ولم تنجح المحاولات التي بذلت لوقفها في زمن الأمويين، بل جعلت تزداد وتتضاعف كل يوم عما قبله، فلما كانت الدولة العباسية وجاء المأمون بعد قرابة قرنين من وفاة النبي، كان قد أذيع من هذه الأحاديث الموضوعة عشرات الألوف ومئاتها، وبينها من التضارب وفيها من التهافت ما لا يخطر ببال، وحسبك لتقدر ذلك أن تذكر أن البخاري ألفى الأحاديث المتداولة تربى على ستمائة ألف حديث، لم يصح لديه منها أكثر من أربعة آلاف حديث، وأن أبا داود جمع خمسمائة ألف حديث لم يصح لديه منها غير أربعة آلاف وثمانمائة؛ وكثير من هذه الأحاديث التي صحت عند جامعي الحديث نقدها غيرهم من العلماء والفقهاء، فلو أن عمر جمع ما صح لعهده من الأحاديث والسنن لوقف توالدها من بعده، ولما أصبح الحديث الصحيح في الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، على تعبير الدارقطني، ولأمكن أن يتحقق ما رُوي عن معاوية أنه قال: «خذوا من الحديث بما كان في عهد عمر فإنه قد أخاف الناس في الحديث عن رسول الله .» أما ولم يفعل، فكثرت رواية الحديث، ولم يعد الناس يعرفون ما كان في عهد عمر وما وُضع من بعده، وترتب على ذلك من ابتداع الأحاديث ما رأيت، فذلك الدليل على أن عمر أخطأ حين عدل عن جمع السنن، وأمر بمحو ما كان مكتوبًا منها.

تستطيع أن تقول هذا، وأن تكون لك شبهة فيه، بعد أن بلغ عدد الأحاديث في عهد المأمون ستمائة ألف حديث، لم يصح منها إلا أربعة آلاف تعرض الكثير منها للتفنيد والطعن من بعد، لكنك تكون غير منصف في هذا الحكم وإن قامت لك الشبهة فيه؛ فقد كان عمر يحسب أن الذين يخلفونه من أمراء المؤمنين سيسيرون سيرته في النهي عن رواية الحديث، وسيحبسون مثله من يكثرون الحديث عن رسول الله، فإذا لم يفعل هؤلاء الخلفاء، بل تغاضوا متعمدين عن الأحاديث توضع لأسباب سياسية وغير سياسية، وشجع بعضهم على وضعها، فالذنب في ذلك ليس ذنب عمر، بل ذنب أولئك الخلفاء، والذين شجعوا منهم على وضع الأحاديث أعظم وزرًا وأكبر جريرة، أفيكون من العدل، والأمر كذلك، أن ينسب الخطأ إلى عمر؟!

وهب عمر أمر بكتابة السنن، ثم حدثت الفتنة من بعده وقامت الحرب الأهلية بين علي ومعاوية؛ وبين الأمويين وبني هاشم، واتخذت رواية الحديث عن رسول الله أداة دعاية في هذه الحرب وهذه الفتنة، أترى أن الناس كانوا يصدون عن كتابة هذا الحديث الموضوع وروايته؟! أم ترى كان الدعاة السياسيون يشجعون عليه ويجمعون منه مثل الذي جمع عمر، ثم يضفي أصحاب المصلحة فيه من سلطانهم الرسمي عليه ما لم يضف مثله أحد على ما جمعه البخاري وسائر الأئمة المحدثين من بعد، ولا يكون عجبًا بعد ذلك أن يصبح لهذه المدونات الرسمية من القيمة الدينية ما خشيه عمر حين قال: «والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدًا!» وحين قال: «ذكرت قومًا كتبوا كتابًا فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله.»

وكانت عبارة عمر هذه يزداد مدلولها تحقيقًا لو أنه كتب السنن ثم لم تحدث الفتنة ولم يوضع الحديث الكذب، ولم تبلغ كثرته حتى يصبح الحديث الصحيح فيه كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، فما كان كتاب عمر ليحتوي السند الذي يرفع به الحديث إلى النبي، بل كان زيد بن ثابت أو غيره من كبار الصحابة يتولى تحقيق ما يُذكر له من الأحاديث في نصها ونسبتها، ويثبتها على أنها من كلام رسول الله لا ريب فيها، عند ذلك كان الناس يجدون أمامهم كتابين: أحدهما أوحاه الله إلى رسوله ليبلغه الناس، والآخر حدَّث رسول الله به الناس، ويكون الكتابان مقترنين في زمن التدوين، وقد يؤدي ذلك إلى ما خشيه عمر من إقبال الناس على كتاب الحديث وتركهم كتاب الله؛ لهذا الأمر احتاط عمر، فنجح في احتياطه كل النجاح، فكتاب الله لا يزال ولن يزال بين أيدي الناس أوحاه إلى رسوله هدى للناس ورحمة ونورًا، فأما ما جمعه الجامعون المحققون من بعد من حديث رسول الله مسندًا إلى رواته، فلا يشوب كتاب الله به أحد، ولا يقبل عليه ويدع كتاب الله من أجله أحد، بل ينظر الناس إليه نظرة الإكبار والإجلال تقديرًا لمن أسند إليه، ثم لا يحول ذلك بينهم وبين تمحيصه بعرضه على كتاب الله، ونقده من جهة السند والمتن.

أحسبك ترى بعد الذي سبق أن اجتهاد عمر في تدوين الحديث، وانتهاءه إلى العدول عنه، اجتهاد له ما يسوغه، وافقته أنت على رأيه أو خالفته فيه.

أما واجتهاد عمر ما رأيت، فَأَحْرِ به أن تطمئن له نفوس المسلمين، وذلك ما كان، وأنت بذلك تستطيع أن تسمي عمر إمام المجتهدين، فلا يتهمك أحد بغلو أو مبالغة، على أن عمر لم يقصد قط إلى الاجتهاد النظري ولم يرضَ عنه، علمًا منه بأن هذا الاجتهاد يؤدي إلى الاختلاف، وهو أشد الناس كراهية له، سمع يومًا عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد أو الثوبين، فصعد المنبر وقال: «رجلان من أصحاب رسول الله اختلفا، فعن أي فُتْيَاكُم يصدر المسلمون، لا أسمع اثنين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت وصنعت.» وكان يقول: «لا تختلفوا؛ فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختلافًا.» وكانت الدعوة إلى عدم الاختلاف بعض رأيه منذ أسلم، وكان لذلك يلعن من سأل عن رسول الله عما لم يكن، فلما استخلف دفعته شدة الحرص على اتفاق كلمة المسلمين ألا يصدر الرأي قبل أن يستشير كبار الصحابة ويناقشهم فيه، حتى يطمئن كل الاطمئنان إلى الرأي الذي يصدره، قال الدهلوي في كتابه «حجة الله البالغة»: «كان من سيرة عمر رضي الله عنه أنه كان يشاور الصحابة ويناظرهم حتى تنكشف الغمة ويأتيه الثلج، فصار غالب قضاياه وفتاواه متبعة في مشارق الأرض ومغاربها.»١٥ ولذلك كان ابن مسعود يقول: «كان عمر إذا سلك طريقًا وجدناه سهلًا.»

والفقه الإسلامي مدين لاجتهاد عمر بما لا يقل عن السياسة الإسلامية لحسن رأيه، وصدق إيمانه وعزمه، في إقامة الإمبراطورية، فقد قرر مبادئ وآراء في الفقه أخذ بها الذين جاءوا من بعده، وعدوا صدورها عنه حجة على صحتها، والكثير من هذه المبادئ خطير الأثر جليله؛ وهو لذلك باقٍ إلى اليوم يطبق، في الفقه الإسلامي وفي غير الفقه الإسلامي من الشرائع، على أنه من المبادئ العالمية التي لا تقبل نقضًا.

من هذه المبادئ مبدأ الضرورة؛ فقد قرر الكتاب، للقتل وللسرقة وللزنا وللقذف ولقطع الطريق، حدودًا هي حدود الله، وقال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.١٦ مع ذلك رأى عمر أن يدرأ الحد بالضرورة استنادًا إلى قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.١٧

جاءوه يومًا بامرأة زنت وأقرت فأمر برجمها، فقال علي بن أبي طالب: لعل بها عذرًا! ثم قال لها: ما حملك على ما فعلت؟ قالت: كان لي خليط، وفي إبله ماء ولبن، ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن، فظمئت فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي، فأبيت عليه ثلاثًا، فلما ظمئت وظننت أن نفسي ستخرج أعطيته الذي أراد، فسقاني، قال علي: الله أكبر! فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وفي السنن للبيهقي عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عمر أُتي بامرأة جهدها العطش، فمرت على راعٍ فاستسقت فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت، فشاور الناس في رجمها فقال علي: هذه مضطرة أرى أن تخلي سبيلها، ففعل.

ورُوي أن غلمانًا لحاطب بن أبي بَلْتَعَةَ سرقوا ناقة لرجل من مُزَيْنَةَ، فأتى بهم عمر فأقروا، فأمر كثير بن الصَّلْت بقطع أيديهم، فلما ولى رده ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم تجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له، لقطعت أيديهم، ثم وجه القول إلى عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة فقال: وايْمُن الله إذ لم أفعل ذلك لأغرمنك غرامة توجعك! ثم قال: يا مزني، بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربعمائة، قال عمر لابن حاطب: اذهب فأعطه ثمانمائة، وأعفى الغلمان السارقين من الحد؛ لأن حاطبًا اضطرهم إلى السرقة لجوعهم وحاجتهم إلى سد رمقهم.

ومن المبادئ التي قررها عمر، وهي جارية اليوم في أكثر الأمم حضارة، مبدأ المساواة أمام القضاء، كتب بذلك إلى أبي موسى الأشعري وإلى غيره من قضاته كما رأينا ونفذه هو في قضائه بدقة بالغة، وقد ذكرنا من قبل أمثالًا على ما فعله من ذلك.

وقصة جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ الغَسَّانِيِّ من الأمثلة البارزة في هذا الصدد، ويجرى مجرى هذه القصة ما حدث حين خاصم يهودي علي بن أبي طالب إلى عمر ومكانة علي من رسول الله ومن المسلمين جميعًا لا تخفى، مع ذلك قال له عمر: قم يا أبا الحسن واجلس أمام خصمك، أو قال له: ساوِ خصمك يا أبا الحسن، فساوى علي خصمه وجلس أمامه وقد بدا التأثر على وجهه، فلما انتهت الخصومة قال عمر: أكرهت يا علي أن تجلس أمام خصمك؟ والرواية تجري بعد ذلك بأن عليًّا أجابه: كلا! ولكني كرهت أنك لم تُسَوِّ بيننا حين قلت يا أبا الحسن، يريد أن الكنية تشير إلى التعظيم، وعبارة علي هذه لا تنفي أن عمر كان شديد الحرص على المساواة بين الناس أمام القضاء، وأنه كان يرى هذه المساواة من أول مقتضيات العدل، بغض النظر عما في نفس القاضي من تقدير خاص ومن محبة أو كراهية لأحد الخصوم.

وأثر هذه المساواة وإدخالها الطمأنينة إلى نفوس المتقاضين يبدو في حوار طريف، ساقه ابن طباطبا في كتابه «الفخري في الآداب السلطانية.» حين قال عمر لرجل: إني لا أحبك، فسأله الرجل: فتنقصني من حقي شيئًا؟ قال عمر: لا، قال الرجل: فما يفرح بالحب بعد هذا إلا النساء.

قد تحسب أن مبدأ المساواة أمام القضاء ليس اجتهادًا في الفقه، وأن ذكره عند الكلام عن اجتهاد عمر تجوزٌ لا يجوز، والحق أنه اجتهاد أي اجتهاد؛ فكثيرون لا يزالون يجاهدون إلى اليوم في بعض الأمم لتقرير هذا المبدأ، وهو لم يتقرر في أمم أخرى إلا من زمن قريب، وحسبي أن أذكر ما كان قائمًا من امتيازات للأجانب في التشريع والقضاء في الإمبراطورية العثمانية إلى زمن قريب، وما لا يزال باقيًا من ذلك في مصر إلى أن تزول بقيته الباقية، لترى أن ما قرره عمر كان فقهًا كل الفقه، واجتهادًا كل الاجتهاد، فإذا ذكرت إلى جانب ذلك أن الثورات التي قامت في أوروبا، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر المسيحيين، إنما كان مرماها الأول تحقيق هذه المساواة أمام القانون وأمام القضاء، وأن مبدأ المساواة كان في مقدمة المبادئ التي قررتها الثورة الفرنسية وأثبتتها وثيقة حقوق الإنسان، لم يبقَ لديك ريب في أن هذا الرأي الذي اجتهده عمر من صميم الفقه، وأن عمر واجه به تطور العرب من حال البداوة القبلية التي لا تعرف الولاية العامة والقضاء العام، إلى حال الحضارة ونظامها الإسلامي القائم على أساس من المساواة أمام الشرع وأمام من ينفذون الشرع.

ومن صميم الفقه الذي واجه به عمر التطور الجديد في الحياة العربية اجتهاده في تفصيل ما لم يرد عنه نص صريح في كتاب الله؛ فقد وضع القرآن نظامًا للتوريث لم يكن معروفًا قبل الإسلام، وفرض لكل ذي حق من الورثة حقه، على أن من التفاصيل ما لم يكن عليه نص في هذا النظام، وقد رأيت ما كان من أبي بكر في توريث أم الأم، وقد رُفعت لعمر مسائل أخرى لم يكن عليها نص في كتاب ولا سنة، فلم يكن بد لحلها من اجتهاد الرأي، من ذلك المسألة المعروفة بالمسألة العمرية، أو المسألة الحجرية؛ فقد قُسمت تركة فأصاب أخو المورث لأمه فرضه، ولم يبقَ لأخي المورث الشقيق ما يرثه، فلما رُفع الأمر إلى عمر أفتى بأن الأخ الشقيق أخ لأم وأخ لأب معًا، فليس من الإنصاف أن يُحرم؛ لأنه شقيق، ولذلك قال: هبوا أباه كان حجرًا، وفي رواية كان حمارًا، وورثه من التركة على أنه أخ لأم يشترك مع غيره من الإخوة لأم.

وقد واجه عمر الشيء الكثير من مشاكل الميراث بعد طاعون عمواس بالشام؛ فقد هلك ألوف بهذا الطاعون، وتداخلت مواريثهم تداخلًا كان يشغل دور القضاء في أية أمة من الأمم الأعوام الطوال، فلما برئت الأرض ذهب عمر إلى الشام بنفسه، فنظم مصالحه ودبر أموره، وكان مما صنعه أن قسم المواريث فورث بعض الورثة من بعض وأخرجها إلى الأحياء من ورثة كل منهم، وتستطيع أن تتصور الدقة في هذا الأمر، وما يمكن أن يثور بسببه من نزاع، وليس من غرضي أن أفصل شيئًا من ذلك، وإنما أشير إليه تنويهًا باجتهاد عمر في مشكلة عويصة حلها في أسابيع حلًّا رضيه المسلمون جميعًا مع تعلقه بمنافعهم الخاصة، وهذا دليل بالغ وحجة قاطعة على أن الناس يطمئنون إلى اجتهاد الرأي ما قام على أساس عادل نزيه.

أنتقل الآن إلى مسألة كان اجتهاد عمر فيها متأثرًا بسياسته العامة لأمور الإمبراطورية الناشئة، وبحرصه على مواجهة أطوارها الجديدة، وكان له أثره في ازدياد رقعتها فسحة وسعة؛ ذلك اجتهاده في شأن الأرض التي فُتحت عَنْوَة بالعراق والشام.

وقد رأيت المسلمين في العراق والشام انتصروا بالقادسية؛ وفتحوا المدائن وجَلُولاء وحمص وحلب وغيرها من المدن وغنموا منها، فكان ما غنموه يفرز خمسه ويرسل إلى أمير المؤمنين، وتقسم أربعة أخماسه بين الجند المنتصرين؛ وذلك عملًا بقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.١٨ فلما فتحوا أرض السواد بالعراق أرادوا قسمتها على هذا النحو؛ يكون خمسها لبيت المال، ويقسم سائرها بين الجند الذين اشتركوا في فتحها، وخالفهم عمر عن رأيهم في قسمة الأرض وقال: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد قسمت وورثت عن الآباء وحيزت! ما هذا برأي، قال عبد الرحمن بن عَوْفٍ: ما الأرض والعلوج إلا ما أفاء الله عليهم! أي على الفاتحين، ورد عليه عمر: ما هو إلا كما تقول، ولست أرى ذلك؛ والله ما يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نَيْل، بل عسى أن يكون كَلًّا على المسلمين، فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها، وأرض الشام بعلوجها فماذا تُسَدُّ به الثغور وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أرض الشام والعراق!

لم يسترحِ الفاتحون إلى قول عمر، فأكثروا عليه وقالوا: أتقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا! أما عمر فأصر على رأيه، ولم يزد على أن قال: هذا رأيي، فلما رأوا إصراره عليه قالوا: فاستشر، فجمع المهاجرين الأولين فاختلفوا: بقي عبد الرحمن بن عَوْفٍ على رأيه أن تُقسم لهم حقوقهم، ورأى عثمان وعلي وطلحة رأي عمر، وأرسل عمر إلى عشرة من كبراء الأنصار وأشرافهم، خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج وقال لهم: «إني لم أزعجكم إلا لتشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم؛ فإني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هو هواي؛ فلكم من الله كتاب ينطق بالحق، فوالله لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق!» قالوا: «قل نسمع يا أمير المؤمنين؟» قال عمر: «قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، وإني أعوذ بالله أن أركب ظلمًا! لئن كنت ظلمتهم شيئًا هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت، لكني رأيت أنه لم يبقَ شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم، فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله، وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه، وأنا في توجيهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم فيها الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها، فتكون فيئًا للمسلمين: المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم، أرأيتم هذه الثغور، لا بد لها من رجال يلزمونها! أرأيتم هذه المدن العظام، لا بد لها من أن تُشحن بالجيوش، ولا بد من إدرار العطاء عليهم! فمن أين يُعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟!»

أرأيت إلى هذا الخطاب وإلى ما فيه من الحجج، فهو يشهد بأن الجدل بين عمر وبين الذين يزعمون لأنفسهم حقًّا في أرض العراق قد كان عنيفًا، بلغ من عنفه أن اتهم أمير المؤمنين بالظلم، وإن أصر أمير المؤمنين مع ذلك على رأيه، غير معتمد في هذا الرأي على نص في الكتاب أو سنة سبقت من رسول الله، بل على المنفعة العامة للدولة وسياستها، هو إذن رأي اجتهده عمر، وساق من الحجج في تأييده ما أقنع عثمان وعليًّا وطلحة، وما أقنع هؤلاء الأنصار العشرة الذين سمعوا له، فقالوا جميعًا: «الرأي رأيك، فنعم ما قلت وما رأيت! إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجري عليهم ما يتقوون به رجع أهل الكفر إلى مدنهم.»

اطمأن عمر إلى رأيه ولم يبقَ لمخالفيه ما ينقضونه به، فقال: قد بان لي الأمر، فَمَنْ رجلٌ له جزالة وعقل يضع الأرض مواضعها، ويضع على العلوج ما يحتملون؟ واجتمع رأي القوم على عثمان بن حُنَيْفٍ وقالوا: تبعثه إلى أهم ذلك، فإن له بصرًا وعقلًا وتجربة، وولاه عمر أرض السواد، فكان من حسن تصرفه أن أدت جباية الكوفة وحدها قبل عام من مقتل عمر مائة ألف ألف درهم، وكان وزن الدرهم يومئذ وزن المثقال.

خير ما يصور الرأي الذي انتهى إليه عمر في قسمة مغانم الحرب كتابه الذي بعث به إلى سعد بن أبي وقاص، بعد أن شاور أصحابه وبان له الأمر؛ فقد كتب إليه يقول: «بلغني كتابك تذكر فيه أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم، فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس عليك به إلى العسكر من كُراع ومال فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء.»

وقد حدث مثل هذا الحوار بين عمر وأصحابه على أثر فتح الشام، وجعل أصحابه يحاجونه يومين أو ثلاثة أو دون ذلك، فقد أراد جماعة المسلمين أن يقسم عمر بينهم أرض الشام كما قسم رسول الله خيبر، وكان أشد الناس عليه في ذلك الزبير بن العوام وبلال بن رباح، لكن عمر أجابهم كما أجاب الذين حاوروه في أرض العراق: إذن أترك من بعدكم من المسلمين لا شيء لهم، ولم يقسم الأرض بل تركها لعمالها ليكون خراجها في أعطيات المسلمين.

كان هذا اجتهاد رأي من عمر في أمر الأرض التي غنمها المسلمون في القتال، وقد كان هذا الاجتهاد، على تعبير أبي يوسف في كتاب الخراج:

توفيقًا من الله كان له فيما صنع وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين، وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين عموم النفع لجماعتهم؛ لأن هذا لو لم يكن موقوفًا على الناس في الأعطيات والأرزاق لم تُشحن الثغور ولم تقوَ الجيوش على السير في الجهاد، ولما أمن رجوع أهل الكفر إلى مدينتهم إذا خلت من المقاتلة والمرتزقة، والله أعلم بالخير حيث كان.

•••

هذه أمثلة من اجتهاد عمر في الشئون الكبرى، وفي شئون الدولة العامة على وجه أخص، واجتهاده فيما وراء ذلك من أمور التشريع والفقه كثير تفيض به كتب الفتاوى ويعتمد عليه الأئمة الأربعة وغيرهم من فقهاء السنة الإسلامية كل الاعتماد، وليس من غرضي أن أتقصى هذه الفتاوى أو أثبت كل هذه الآراء، فهذا التفصيل لا يدخل في نطاق بحث عن الإمبراطورية الإسلامية ونهوضها، إنما أردت أن أبرز في هذا الفصل ما كان لعمر من أثر عميق في تطور الحياة العامة لبلاد العرب، وللبلاد التي فتحها العرب، في الناحية السياسية كان هذا الأثر أو في الناحية الاقتصادية والاجتماعية.

وأنت لا ريب قد لاحظت أن عمر كان أشد ميلًا في اجتهاده إلى الصرامة والحزم مع ما عُرف عنه من لين مع الضعفاء ورفق بهم، كان الحزم وكانت الصرامة شأنه مع المؤلفة قلوبهم، ومع الذين يطلِّقون ثلاثًا بكلمة واحدة، ومع شاربي الخمر، ومع الذين يكثرون من رواية الحديث، ومع الغزاة المسلمين فيما غنموا من أرض العراق والشام، وكان العدل الصارم دَيْدَنه في قضائه، وفي تسويته بين الخصوم الذين يقفون أمامه وإن تفاوتت أقدارهم في نظر الناس، وكان حمله الدِّرَّة بعض مظاهر هذه الصرامة الحازمة التي لم تفته حتى في أمور لا يحمل أصحابها شيئًا من تبعتها.

كان عمر يَعُسُّ ليلة، فسمع امرأة تقول:

ألا سبيلٌ إلى خمر فأشربها
أم هل سبيلٌ إلى نَصْرِ بن حجاج

فلما أصبح سأل عن نصر هذا وأرسل في طلبه، فلما جيء به ألفاه من أحسن الناس شَعرًا وأصبحهم وجهًا، فأمره أن يطم شعره ففعل، فظهرت جبهته فازداد حسنًا، فأمره عمر أن يعتم، ففعل فازداد حسنًا، فقال عمر: لا! والذي نفسي بيده لا تكون بأرض أنا بها، وأمر له بما يصلحه وسيره إلى البصرة، ولا ذنب لنصر في جماله حتى يُنفى من الأرض، وإنما أراد عمر أن يقضي في مدينة الرسول على فتنة النساء به.

وسمع عمر نسوة في المدينة يقلن ذات ليلة وهو يَعُسُّ: أي أهل المدينة أصبح؟ قالت امرأة منهن: أبو ذئب، فلما جيء به فرآه من أجمل الناس قال له: أنت والله ذئبهن! وكررها مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: والذي نفسي بيده لا تكون بأرض أنا بها! قال أبو ذئب: فإن كنت لا بد مسيري فسيرني حيث سيرت ابن عمي، يريد نصر بن حجاج فأمر له عمر بما يصلحه وسيره إلى البصرة.

وإنما أراد عمر بهذه الصرامة الحازمة أن يحارب في نفوس العرب كل ضعف يجعل للهوى سلطانًا عليها، ذلك بأن القوة روح الإسلام وجوهره، فالقوة هي التي يتسلط بها المرء على نوازع النفس ونزغ الهوى، وهي التي تنزع من الأمة كل نقائص الضعف، وتدفع عنها كل معتدٍ عليها يريد فتنتها عن عقيدتها، وهذه الروح هي التي فرضت على المسلمين الرفق بالضعفاء وجعلت المنَّ بهذا الرفق إثمًا عظيمًا، فإنما أُريد بالرفق معالجة ضعفهم لكيلا ينحدر بهم الفقر أو الجهل أو المرض إلى ما يزيدهم ضعفًا، وإلى ما يؤدي إليه الضعف من الذلة والخضوع لغير الله، فإذا زال ضعفهم صحوا وأصبحوا أعزة في أنفسهم وقوة للجماعة التي ينتمون إليها.

وكان عمر من أقوى الناس إدراكًا لروح الإسلام هذه، كما كان من أحسنهم علمًا بما في الحياة من عوامل تضعف هذه الروح، وكان لذلك شديد الحرص على مقاومة هذه العوامل، والواقع أن النفس الإنسانية تضطرب، في تطلعها للسمو وفي تهيئها للانحدار بين عوامل لا قبل لها أكثر الأمر بها، والانحدار أيسر لها، وهي له أكثر انجذابًا، أما السمو فيقتضيها جهاد نفسها حتى لا تقع في الشباك الكثيرة التي نصبتها طبيعة الحياة لها، وجعلتها من ضرورات بقائها، ثم زينتها بما يغري هوى النفس ويستهوي شهوتها، والإنسان يفتن في تزيين هذه الشباك فيزيدها فتنة واستهواء.

وكثيرًا ما يرى الناس في زينة هذه الشباك رفاهة وحضارة، وهم في ذلك يختلفون عن الحيوان، فالإنسان والحيوان جميعًا في حاجة إلى الطعام والشراب حفظًا للحياة، وإلى النسل حفظًا للنوع، والحيوان ينال من الطعام والشراب ما يبقي على حياته، ولا تزيد صلة الذكر منه بالأنثى عما يقتضيه النسل، أما الإنسان فيرى في الطعام والشراب والحب متاعًا يفتنُّ فيه، ويهرع إليه، وينال منه جهد طاقته، وهو يلتمس لهذا المتاع من الأسباب والوسائل ما لا تعرفه غريزة مخلوق غيره.

والناس يزدادون في هذا المتاع افتنانًا وعلى النهل منه حرصًا كلما أوفت جماعاتهم على الانحدار والانحلال، أما الجماعة الفتية فتندفع إلى التطهر من رجس هذا الافتنان، وتتخذ من هذا التطهر وسيلتها إلى القوة وإلى السمو، وهذا التطهر هو ما دعا الإسلام إليه فكان رسول الله أسوة المسلمين فيه، ثم عمل أبو بكر وعمل عمر على تثبيت غرسه في قلوب المسلمين ليحتل من سويدائها مكان الإيمان، لهذا انبعثوا، بدافع مما في هذا التطهر من قوة معنوية زادها الإيمان بالله أضعافًا مضاعفة، فاقتحموا حدود الفرس والروم، واكتسحوا سلطانهم، وقضوا على دولتهم قضاء لم يقم لها بعده قائمة.

وكان هذا التطهر غرض عمر من اجتهاده، قد رأيته بلغ منه في أمر نفسه غاية المدى، كذلك بلغ المسلمون في مجموعهم حظًّا منه عظيمًا بفضل ما أبدى عمر من حزم في محاسبة الولاة ومن قسوة بالمستهترين، لكن ما يقع من حوادث الحياة يجانب في كثير من الأحيان غرض المصلحين، ويشوب سعيهم لتحقيق هذا الغرض بشتى الشوائب، وقد يدعوهم ذلك ليجاوزوا القصد في اجتهادهم، ذلك بأن التداول بين السمو والانحدار في طبيعة الإنسان، وعواملهما تتجاور في نفس الفرد وفي نفس الجماعة جوار تجاذب وتنافس، وكثيرًا ما ينخدع الناس فيها فيأخذون بأسباب الضعف يحسبونها أسباب القوة، وبعوامل الانحدار يظنونها عوامل السمو، بل إن هذه الأسباب والبواعث لتتداخل وتتفاعل، ويبلغ من تداخلها وتفاعلها أن يضل الرأي ويضطرب الاجتهاد بينها، وقد رأيت أبا بكر أمر بالتسوية في قسمة الفَيْء بين المسلمين، فلما استخلف عمر وانهالت عليه مغانم فارس والروم دون الديوان وفرق بين الناس في العطاء، ثم رأى أثر ما فعل فعاد إلى النظر في الأمر، وأيقن بأن ما فعله أبو بكر كان خيرًا فعزم أن يرجع إليه، ولكن منيته عاجلته قبل أن يفعل.

ولعمر عذره؛ إذ كان تدفق المال من فارس والروم على جزيرة العرب قد غشي في نفوس كثيرين على ما أراده لهم من تطهر؛ فقل من الناس من يستطيع أن يصفي بواعث السمو في نفسه من شوائب النقص، وقل منهم من يرفعه التطهر إلى مراتب العصمة من الخطأ والخطيئة، فالخطأ والخطيئة من طبيعة الإنسان، تدفع إليهما أهواء هي بعينها الغرائز التي ركبت فينا لحفظ الحياة ولحفظ النوع، والتطهر يرسم لنا الحدود بين الإثم والنفع، وبين الخير والشر، ويحملنا على أن نقف عند ما ينفعنا، ولا نتعداه إلى ما يضرنا، والإثم والنفع والخير والشر والفائدة والضرر، تمتزج أكثر الأحيان بعضها ببعض، امتزاج الذهب وغيره من المعادن النفيسة بالصخر والمعادن الخسيسة، فإذا أريد استخلاص المعدن النفيس خاليًا، وجب أن يصهر هذا المزيج صهرًا قد يجني على خير ما فيه إذا كان قليل الكم بالقياس إلى ما يخالطه، وقد يكون الصهر لذاته سبب فساد إذا لم يعالج بالحكمة واليقظة.

وعمر كان لا ريب حكيمًا يقظًا في اجتهاده وفي دعوته إلى التطهر، ويرجع الفضل في حكمته إلى أنه امتثل روح الإسلام كما أوحاه الله إلى رسوله أدق الامتثال، وأدرك هذا الروح أدق إدراك، ولذلك سما اجتهاده بالمسلمين إلى حيث يسر لهم أن يأتوا بالمعجزة في تشييد الإمبراطورية الإسلامية.

من المأثور عن نابليون أنه كان أكثر افتخارًا بالقانون المدني الذي وُضع في عهده وشارك هو في وضعه، منه بالمعارك العظيمة التي انتصر فيها ففتحت أمامه أبواب أوروبا وأوصلته إلى موسكو، أفتستطيع أن تقول مثل هذا القول عن عمر، وأنه كان يستطيع أن يفاخر باجتهاده أكثر من مفاخرته بالفتوح التي تمت في عهده؟ يجب، قبل أن تجيب على هذا السؤال، أن تفرق بين ما آلت إليه إمبراطورية نابليون، وما آلت إليه إمبراطورية عمر، لقد تحطمت الأولى ونابليون حي، وبقيت الثانية يتوارثها المسلمون قرونًا عدة جيلًا بعد جيل وأسرة بعد أسرة، مع ذلك لو أن عمر كان ممن يفاخرون لكان أكثر فخرًا باجتهاده؛ فهذا الاجتهاد هو الذي أقام الإمبراطورية الإسلامية، وهو الذي أبقاها على الزمان.

على أن الاجتهاد والإمبراطورية كليهما قد هاضا عمر وأجهداه، ولئن كان قد نهض بعبئهما صلبًا قويًّا لقد انتهيا به إلى حيث دعا ربه أن يضمه إليه، وقد أحفظا عليه كثيرين من أهل الأمم التي فتحها المسلمون، ثم كان مقتله بعض أثرهما.

هذه نتيجة قد تثير في نفسك الدهشة، لكنها الواقع من الأمر، وسترى هذا الواقع مجلوًّا في الفصل الآتي، آخر فصول هذا الكتاب.

هوامش

(١) الآيات: ٢١٥–٢٢٢.
(٢) الجزء الرابع من كتاب الإحكام للآمدى: ص٤٢ و٤٣. على أن بعض الأصوليين والفقهاء يسلمون بأن الحكم من النبي بغير القرآن لا يكون إلا اجتهادًا، ويذهبون إلى أن من السنن ما كان وحيًا لا اجتهادًا.
(٣) آية ٦٧ وما بعدها، سورة الأنفال.
(٤) آية ٤٢ وما بعدها، سورة التوبة.
(٥) آية ٤٤، سورة النحل.
(٦) آية ١٣، سورة الشورى.
(٧) آية ١٥٩ سورة الأنعام.
(٨) الجزء السابع: ص١١٨، ١١٩.
(٩) آية ١ من سورة الطلاق.
(١٠) آية ٢ سورة الطلاق.
(١١) آية ٢٢٨ سورة البقرة.
(١٢) آية ٢٣٢ سورة البقرة.
(١٣) طعن بعضهم في نسبة هذا الحديث إلى النبي حتى قال الشافعي: ما رواه أحد عمن يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير. وذهب بعضهم إلى أنه من وضع الزنادقة. مع هذا أثبت الإمام أحمد بن حنبل في مسنده حديثًا يشبهه تمام الشبه في معناه وإن اختلف عنه في لفظه. ذلك أن أبا هريرة قال: قال رسول الله: ما جاءكم عني من خير قلته أو لم أقله فأنا أقوله، وما أتاكم عني من شر فأنا لا أقول الشر. وإنما طعن الذين طعنوا في حديث: ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله … إلخ، لما رأوه من معارضته لما رواه المقدام بن معد يكرب الكندي عن رسول الله أنه قال: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه. ليوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإن ما حرم رسول الله فهو مثل ما حرم الله.» ولست أرى معارضة بين هذا الحديث وبين القول بأن ما ينسب إلى رسول الله لا يمكن أن يخالف ما في كتاب الله. فالطبيعي ألا يخالف حديث رسول الله ما أوحاه الله إلى رسوله، كما أن الطبيعي أن ما ينسب إلى رسول الله من خير فرسول الله يقوله؛ لأنه يقول الخير ولا يقول الشر.
(١٤) وفي بعض الروايات أنه قال: إيتوني بقرطاس أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعدي، أو قال: إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا.
(١٥) ج١ ص١٠٥، والمراد بقوله: «يأتيه الثلج» أي تستريح نفسه كل الراحة، ويطمئن ضميره كل الاطمئنان.
(١٦) آية ٤٧ سورة المائدة.
(١٧) آية ١٧٣ سورة البقرة.
(١٨) آية ٤١ سورة الأنفال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠