الفصل الخامس

مجلس سكينة بنت الحسين

أما حسن فسار حتى وصل إلى منزل سكينة بنت الحسين، فرأى بجانب الباب حظيرة فيها دوابها ودواب من يقدم إليها من الوفود؛ لأن منزلها كان مقصد الشَّعراء والأدباء وأهل الوجاهة من قريش وغيرهم. وكان حسن قد سمع جعجعة الجمال وجلبة الخدم قبل وصوله إلى الدار، فلما وصل رأى كثيرًا من الدواب وأكثرها للأضياف، ورأى بينها جمل ليلى الأخيلية.

فلما انتهى إلى باب بستان الدار دخل ولم يستأذن؛ لأن الناس كانوا يدخلون منه إلى دار الأضياف ويخرجون بلا استئذان، ومشى في باحة كبيرة رأى في بعض جوانبها غرفًا عديدة في صف واحد عرف أنها دار الأضياف، ثم رأى في صدر البستان بيتًا متقن البناء على بابه الخدم، فعرف أنه مسكن سكينة، فتحوَّل إلى دار الأضياف، لعله يرى ليلى هناك فيقيم معها ريثما تأتي سمية فتكون له وسيلة إلى مقابلتها، فبلغ دار الأضياف والخدم يقومون بإعداد الأطعمة من الذبائح ونحوها، وقد سرَّه اشتغالهم عنه لكي يتمكن من البحث عن ليلى، فطاف الغرف غرفة غرفة فلم يجد أحدًا يعرفه، فظلَّ ماشيًا وهو يسمع ضجة من جهة مسكن سكينة بعضها من الخدم في الخارج والبعض الآخر من الداخل، وكان يتخلل الضجة قهقهة وقوقأة مثل قوقأة الدجاج، فمشى إلى مصدر الضحك فإذا هو في غرفة بجانب المسكن وببابها بضعة رجال لم يعرفهم، فدنا منهم وألقى التحية فردوا السلام وأبصارهم شاخصة إلى داخل الغرفة، فأطلَّ حسن من فوق أكتافهم فرأى هناك رجلًا قصيرًا دميمًا، قليل اللحم، أزرق اللون، أحول البصر، أقرع الرأس، أثط اللحية، جلس القرفصاء على أكمة من التبن وهو يحضن بيضًا ويقوقئ كما تقوقئ الدجاجة، فاستغرب حسن ذلك ونظر إلى أحد الوقوف مستفهمًا فقال له الرجل: «ألا تعرف من هذا؟!»

قال: «لا … ومن هو؟»

قال: «أشعب الطماع الذي اتخذته سكينة بنت الحسين مضحكًا لها.»

قال حسن: «أسمع اسمه وأعرف بعض أخباره المضحكة، ولكن منظره أضحك من أخباره. ما الذي أقعده هذا المقعد وهو يقوقئ كأنه يحضن بيضًا؟»

قال الرجل: «بل هو يحضن بيضًا حقيقةً عقابًا له على ذنب ارتكبه بين يدي سكينة مولاته، فأمرته أن يقعد على هذا البيض حتى يفقس وقد مضى عليه أيام وهو على هذه الحال!»

فشُغل حسن بذلك المنظر عن قلقه لطول انتظاره خادمه، وأراد أن يشغل نفسه هنيهة أخرى فقال: «يا أشعب ما الذي أجلسك هذا المجلس؟»

قال: «أجلسني إياه مولاتي سكينة، فهل فيكم من يخرجني من هذا الحبس؟»

فقال حسن: «ومن يتوسط لك في هذا الأمر؟»

قال: «كأني بليلى الأخيلية قد دخلت دار مولاتي اليوم، فإذا كانت هنا، فلا أرى أقدر منها على إخراجي من هذا المكان.»

قال حسن: «هان الأمر، فلك عليَّ أن أوسط ليلى في العفو عنك.»

•••

ولم يتم حسن كلامه حتى سمع صوتًا يناديه، فالْتفت فرأى خادمه عبد الله واقفًا على بضع خطوات منه فقال حسن: «ما وراءك؟»

فدنا عبد الله منه وقال: «دخلت البيت وسألت عن عرفجة فقيل لي إنه خرج في الصباح ولم يَعُدْ بعد ولا يعرف أحد مقره.»

فابتدره حسن قائلًا: «وسمية؟»

فقال: «وسألت عن سمية فعلمت أنها ذهبت إلى سكينة من برهة قصيرة فسررت بذلك وأتيت لأخبرك، فهل رأيتها هنا؟»

قال: «لم أرها ولعلها في البيت مع النساء، فكيف أصل إليها؟! بورك فيك يا عبد الله، امكث أنت بالباب مع الخدم والجمل معك حتى أخرج أو أحتاج إليك في شيء.»

قال: «سمعًا وطاعة.» وخرج.

وعاد حسن وقد شغل عن أشعب ونجاته بالبحث عن سمية، ولما تصور أنه سيتمكن من مقابلتها خفق قلبه، فلم يرَ وسيلة إلى ذلك إلا ليلى، فجاء باب القاعة التي تستقبل سكينة فيها ضيوفها، فرأى عليه رجلًا واقفًا وقوف الحاجب فقال له حسن: «هل في مجلس بنت الحسين أحد؟»

قال الرجل: «إن مجلسها غاص بالناس، وفيهم جماعة من الشَّعراء والشاعرات.»

قال: «وهل فيهم ليلى الأخيلية؟»

قال: «نعم.»

قال: «قل لليلى إن حسنًا بالباب يدعوك إليه.»

فدخل الرجل ثم عاد وليلى معه، فلما رأت حسنًا رحبت به، فمشى بها إلى خلوة وقال لها: «إني مسافر الليلة وقد جئت لوداعك.»

قالت: «رافقتك السلامة، ووفقك الله في مهمتك.»

قال: «ولكني أعرض عليك أمرًا أرجو مساعدتك فيه الآن وهو لا يتعبك.»

قالت: «وما هو؟»

قال: «أتعرفين سمية بن عرفجة؟»

قالت: «نعم أعرفها وقد رأيتها من برهة وجيزة جالسة بجانب سكينة تخاطبها وسكينة تلاطفها لأنها تحبها كثيرًا. وأنت ما شأنك معها؟»

قال: «شأني معها شأن الخطيب وخطيبته فهل هي لا تزال هناك؟»

قالت: «لقد سرني أنك خطبتها فإنها زينة بنات المدينة، وأظنها باقية لأني لم أرها خرجت، وعلى كل حال تعالَ معي فندخل القاعة فتمكث أنت مع الجلوس من الرجال وأدخل أنا إلى مجلس النساء وراء الستار حيث تقيم سكينة وصاحباتها فأبحث عن سمية.»

قال: «أرجو أن تجمعيني بها ساعة لا يرانا فيها أحد سواك؛ لأني خطبتها منذ ثلاثة أعوام وجئت المدينة بالأمس، وها أنا ذا خارج الآن ولم أشاهدها أو أخاطبها.»

قالت: «لك عليَّ ذلك.»

قال: «خير البر عاجله، فإني مسافر عند الغروب.»

قالت: «ألا تؤجل سفرك إلى غد؟»

قال: «كنت أود ذلك ولكنني على موعد مع صديق لكي نسير معًا، وسيوافيني عند الغروب إلى باب المدينة.» ثم غيَّر مجرى الحديث فقال: «وأوصيك بأشعب الطماع فإنه يحضن بيضًا عقابًا له على ذنب ارتكبه وقد وعدته بأن تتوسطي له لدى مولاته سكينة، فلا تنسيه.»

فضحكت وقالت: «قبحه الله، ما أكثر مزاحه، ولكنه وافق هوى في نفس سكينة، فهي كذلك تحب المزاح، وقد تعوَّدت معاقبته بمثل ذلك العقاب، وحضن بيضًا مرة حتى فقس وخرجت فراريجه فملأت الدار، وهي تسميها «بنات أشعب». إني ذاهبة وسأكلمها في شأنه، فتعالَ معي واجلس مع الجالسين فإذا لقيت سمية أومأت إليك فتخرج.»

•••

دخلت ليلى ودخل حسن في أثرها، ثم أطلَّ على القاعة فإذا هي واسعة وقد فُرشت بالطنافس الثمينة، وحولها الوسائد المزركشة، وفي صدرها ستارة عليها صور أشجار وطيور ملونة خلفها سكينة ونساؤها بحيث ترى الضيوف ولا يرونها.

ورأى في القاعة جماعة قد تصدرهم خمسة عليهم لباس البدو، فسألها: «من هؤلاء المتصدرون؟»

قالت: «هم الشَّعراء. ألا تعرف أحدًا منهم؟»

قال: «أظنني أعرف الجالس على الوسادة المثناة، فهو الفرزدق، وقد عرفته بضخامة بدنه وعبوسة وجهه وغلظه، أليس هو الفرزدق؟»

قالت: «نعم هو بعينه. ألا تعجب من اجتماعه هو وجرير في مجلس واحد مع ما اشتهر بينهما من المهاجاة؟»

قال: «وأين جرير؟»

قالت: «هو ذاك الذي كفَّ شعره وأدهن، ومتى تكلم سمعت لكلامه غنة يخرج بها الكلام من أنفه كأن فيه نونًا.»

قال: «ومن هو الآخر القصير الدميم العظيم الهامة؟» قالت: «هو كُثَيِّر عزة العاشق المشهور.»

قال: «أعاذ الله عزة من منظره فإنه قبيح. ومن ذاك الشَّاب الجميل العريض المنكبين الحسن البزة، وكأنه جالس القرفصاء؟»

قالت: «هو جميل بثينة أحد عشاق بني عذرة. ألا تراه حزينًا لِما اشتهر من حبه لها وحرمانه لذلك منها؟»

قال: «ومن ذلك الأسود؟ إني لأستغرب منظره، والشعراء يندرون في السود؟»

فضحكت وقالت: «هو نصيب الشَّاعر الفحل، وأما سواده فلأن أمه أمة، وهو من قضاعة.» ثم أشارت عليه بأن يجلس على إحدى الوسائد وأن ينتظر ما يكون من شأنها مع سمية.

فجلس وهو يخاف فوات، ولم يكد يستقر به المقام حتى سمع لغطًا من وراء الستار فاستبشر وظنَّ أن ليلى تخاطب سكينة أو سمية، ثم رأى جارية وضيئة خرجت وقالت: «أيكم الفرزدق؟»

وكان حسن يتوقع أن تناديه فلما سمعها تنادي الفرزدق الْتفت إليه فرآه يقول: «ها أنا ذا.»

قالت: «أنت القائل:

هما دلياني من ثمانين قامة
كما انحط باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا:
أحيٌّ فيُرجى أم قتيل نحاذره؟
فقلت: ارفعوا الأمراس لا يشعروا بنا
وأفلتُ في أعجاز ليل أبادره؟»

قال: «نعم.»

قالت: «فما دعاك إلى إفشاء السر؟ خذ هذه الألف دينار والْحق بأهلك.» فأخذها وانصرف. ثم دخلت الجارية على مولاتها وخرجت فقالت: «أيكم جرير؟» فلما عرفها جرير نفسه قالت: «أنت القائل:

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا
حين الزيارة فارجعي بسلام
تجري السواك على أغر كأنه
برد تحدر من متون غمام
لو كان عهدك كالذي حدثتنا
لوصلت ذاك وكان غير ذمام
إني أواصل من أردت وصاله
بحبال لا صلف ولا لوام؟»

قال: «نعم.»

قالت: «أفلا أخذت بيدها وقلت لها ما يُقال لمثلها؟ أنت عفيف وفيك ضعف، خذ هذه الألف والْحق بأهلك.» فأخذها وانصرف. ثم دخلت على مولاتها وخرجت وقالت: «أيكم كثير؟» فلما عرفته قالت: «أنت القائل:

وأعجبني يا عز منك خلائق
كرام إذا عد الخلائق أربع
دنوك حتى يدفع الجاهل الصبا
ودفعك أسباب المنى حين يطمع
وأنك لا تدرين صبًا مطلته
أيشتد إن لاقاك أو يتضرع
وأنك إن واصلت علمت بالذي
لديك فلم يوجد لك الدهر مطمع؟»

قال: «نعم.»

قالت: «قد ملحت وشكلت، خذ هذه الألف واذهب لأهلك.» ودخلت وخرجت وقالت: «أيكم نصيب؟» قال نصيب: «أنا هو.»

قالت: «أنت القائل:

ولولا أن يقال صبا نصيب
لقلت بنفسي النشأ الصغار
بنفسي كل مهضوم حشاها
إذا ظلمت فليس لها انتصار؟»

قال: «نعم.»

قالت: «ربيتنا صغارًا ومدحتنا كبارًا، خذ هذه الألف والْحق بأهلك.» فأخذها وانصرف. ثم دخلت وخرجت فقالت لجميل: «مولاتي تقرئك السلام وتقول لك: ما زالت مشتاقة لرؤيتك منذ سمعت قولك:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بوادي القرى إني إذن لسعيد
لكل حديث بينهن بشاشة
وكل قتيل عندهن شهيد

فجعلت حديثنا بشاشة وقتلانا شهداء، خذ هذه الألف دينار والْحق بأهلك.» فأخذها وانصرف.

وكان حسن ينظر ويسمع ولا يستغرب مثل ذلك المجلس؛ لأن اهتمام النساء بالشعر والأدب وجلوسهن لمثل تلك المطارحة كان شائعًا في تلك الأيام، ونبغ من النساء شاعرات ماهرات منهن ليلى الأخيلية وغيرها. ولكنه استغرب اهتمام سكينة على رفعة مقامها بمباحثة الشَّعراء فيما قالوه ونظموه، وكان يسمع ويرى وهو قلق البال لتأخر ليلى عنه، ولم يكن يدري كيف يدعوها أو يستعجلها فرأى أن يُسمعها صوته، وكان قد لاحظ وجود صور للطير والأشجار على الستار الحاجز بين مجلسي الرجال والنساء، كما لاحظ وجود أمثالها على الوسائد، فرأى أن يتخذ من ذلك موضوعًا لإسماع ليلى صوته. وما كادت الجارية تفرغ من مخاطبة الشَّعراء وتهم بالدخول بعد أن انصرفوا، حتى استوقفها وقال: «تمهلي يا بنية.»

فوقفت والْتفتت إليه، فقال لها: «لقد باحثت هؤلاء الشَّعراء وأفحمتهم فانصرفوا، فهل أسألك سؤالًا؟»

قالت: «قل ما تشاء.»

قال: «أرى على ستاركم صورًا وقد قال رسول الله : «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» …؟»

فأشارت الجارية إليه أن يتمهل ودخلت إلى سيدتها، ثم عادت إليه وقالت له: «وما يضرنا وما نحن من المصورين؟»

قال: «ولكنكم اتخذتم تلك الصور أستارًا، ولو كانت تلك صور أشجار فقط لهان أمرها، ولكنها صور لذوات أرواح، وفي الحديث: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه الصورة» …»

وهنا سمع صوتًا جهوريًّا من وراء الستار يقول: «لا تنسَ تتمة الحديث: «إلا رقمًا في ثوب».» فأدرك أن ليلى هي المتكلمة، وسكت بينما عادت الجارية إلى مجلس النساء ولبث هو على مثل الجمر لا يدري ماذا يصنع، والْتفت نحو نافذة عالية فرأى الشَّمس قد مالت إلى الغروب، فازداد قلقه، وخشي أن يطول انتظار صاحبه سليمان بباب المدينة.

•••

وبينما هو يفكر في ذلك إذ سمع لغطًا وراء الستار أعقبه ضحك كثير وصوت يقول: «قد أطلقنا سراحه، اذهبي يا بنانة وأخرجيه، قبحه الله ما أخبثه.» فأدرك أن سكينة هي المتكلمة، ولكنه ظنها تريد إخراجه هو فاضطرب، ثم ما لبث أن رأى ليلى خارجة وهي تشير إليه أن يتبعها، فسار في إثرها حتى خرجا من القاعة، فدنت منه وقالت: «لا تخف، إنها لم تأمر بإخراجك ولكنها أمرت بإخراج أشعب الطماع؛ لأني أوصيتها به عملًا بإشارتك.»

فقال: «بورك فيك، ولكن أين سمية.»

قالت: «ليست هنا، كانت في المجلس وخرجت قبل أن أراك.»

فاستعاذ حسن بالله وانقبضت نفسه ثم قال: «هل أنت على يقين مما تقولين؟»

قالت: «لقد تحققت خروجها، فلعلها خرجت إلى بيت أبيها؛ لأنها لا تستطيع الغياب طويلًا عنه.»

وفيما هما يتكلمان رأيا أشعب مهرولًا نحوهما، فلما بلغ مكانهما همَّ بتقبيل يد حسن وقال: «جزاك الله عني خيرًا فقد أنقذتني من عذاب طويل؛ لأن البيض لم يكن ليفقس قبل بضعة أيام، فأسأل الله — تعالى — أن يقدرني على مكافأتك. هل أستطيع خدمتك في شيء؟»

قال حسن: «إني لم أفعل ما يستحق هذا الثناء.» ثم الْتفت إلى ليلى كأنه يريد الرجوع إلى الموضوع، فتنحى أشعب قليلًا وقال حسن: «أستودعك الله يا ليلى، وأرجو أن أراك في خير.» فقالت: «أسأل الله لك السلامة والنجاح.»

وعجل حسن بالخروج لعله يلقى سمية في الطريق أو في البيت أو في مكان آخر. فلما خرج وجد خادمه عبد الله في انتظاره ومعه الجمل، فركب والشمس قد أذنت بالمغيب وبان الشَّفق الأحمر، وما زال يحث جمله حتى بلغ بيت عرفجة، فأحسَّ بشيء استوقفه بغتة، وما هو إلا عامل الحب أوقفه بجانب منزل الحبيب، فلم يتمالك أن نادى عبد الله، فجاء هذا ووقف بين يديه وهو يقول: «هل أسأل عن سمية فلعلها عادت؟»

فأُعجب حسن بنباهته ودقة شعوره، وابتسم ولم يجب، فأسرع عبد الله إلى البيت ثم عاد وهو يقول: «إنها لم تعد يا سيدي.»

فتنهد حسن، وخُيل إليه أن سمية باقية هناك في بيت سكينة ولكن ليلى لم ترَها، أو أنها رأتها وأخفت أمرها. وتكاثرت عليه الهموم وتراكمت الظنون — والمحب سيء الظن كلما اشتد حبه كثرت هواجسه وزاد سوء ظنه بحبيبته وأكثره من قبل الغفلة، فإذا رأى حبيبه يخاطب أحدًا مهما يكن من شأنه أو مقامه أو قرابته تبادر إلى ذهنه أنه يغازله أو يسر إليه أمرًا، وإذا أبطأ عليه بالزيارة سبق إلى فهمه أنه في موعد مع آخر أو لا يحبه أو يحب سواه، وقد يُخيل له أن أهل الحبيب كلهم ضده وأنهم يمنعونه منه فإذا تخاطبوا همسًا أو قصروا معه في شأن خُيل له أنهم يريدون به سوءًا أو هم ينصبون له أحبولة؛ فالمحب كثير الهواجس سيء الظنون.

فلا تلمْ حسنًا إذا أساء الظن بليلى وحسبها تآمرت على إخفاء سمية عنه.

وقضى برهة في مثل هذه الهواجس وهو على جمله، ثم انتبه فإذا بالظلام يتكاثف، وتذكَّر صديقه سليمان، فأجفل وشق عليه تأخره عن الموعد مع ما أبداه الرجل من الرغبة في مرافقته وبالغ في إكرامه والتقرب منه، فاستحث جمله وطلب باب المدينة وقد يئس من مشاهدة سمية، وإن علَّل نفسه بلقائها عند رجوعه من مكة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤