الدور الثاني

ثورة المهدي

لقد كان السودان قبل هذه الثورة جزءًا متممًا لمصر، ولم يكُن قائمًا بذاته ولا منفصلًا عنها. ولما شبَّتِ الثورة المذكورة، وكان ذلك قبل الاحتلال البريطاني لمصر، صادفت في أول أمرها بعض النجاح، ولكن لم تلبث هذه الحال بعد تعيين عبد القادر باشا حكمدارًا عامًّا للسودان أن تغيَّرت، وقبض هذا الضابط القدير على ناصية الحال بالقوة المحلية التي كانت تحت إمرته، بدون أن يلتجئ إلى طلب إمدادات من مصر، التي كانت في ذلك الحين في شغل شاغل عنه لاضطراب البلاد بالثورة العرابية.

وقد تمكَّن عبد القادر باشا من قمع تلك الفتنة، وإخماد نار الثورة في الجزيرة كلها تقريبًا. ولا ريب أنه كان في إمكانه إعادة الأمن إلى ربوع السودان، إذا كان قد أُمِدَّ بالخمسة عشر ألف جندي التي فُوِّض أمرُ قيادتها إلى هكس باشا.

فقد كانت الخطة التي وضعها خطةً حكيمة؛ وهي تنحصر في أن يستمر مرابطًا هو وجيوشه ومدفعيته وأسطول البواخر على طول مجرى النيل الأبيض. وفي هذا الوقت لم يكن بيد المهدي سوى كردفان، وهي عبارة عن بيداء قاحلة، لا تستطيع بحال من الأحوال أن تمير الجموع الملتفة حوله؛ فكان بذلك مضطرًّا للتخلص من هذا الموقف إلى سلوك أحد هذين الطريقين: فإما أن يخاطر بنفسه — وهذا أمر بعيد الاحتمال — ويهاجم جيوش عبد القادر باشا وهي متحصنة على النهر بمدافعها وبواخرها، فتضربه الضربة القاضية.

وإما أن يبقى كما هو محصورًا في كردفان — وهذا أكثر احتمالًا — فيكون القضاء عليه محققًا بمرور الزمن؛ أعني أن الجوع لا يلبث أن يهاجم جموع أولئك الغوغاء، فيفتَّ في عضدهم ويبدِّد شَمْلهم، فتخبو نار الثورة من تلقاء نفسها. هذا فضلًا عن أن أنصار المهدي يكونون قد أدركوا أن حكومة هذا الرجل أقل رفقًا بهم من حكومة مصر، فينصرفون عنه ويهجرونه حالما تخمد جذوة الحماس الذي تأجَّج بين ضلوعهم في بادئ الأمر.

هذه كانت هي خطة القائد المصري البارع عبد القادر باشا حلمي، وهي بلا شك خطة حكيمة سديدة. وإننا نرى من الإنصاف لذكرى الكولونيل استوارت أن نقول إنه كان يرى رأي عبد القادر باشا عينه، ولكن ممَّا يُؤسَف له أشد الأسف أن هذا الرأي لم يُعمل به، ولو نُفِّذ لَمَا كان السودان سقط في أيدي الثوَّار أبدًا.

قال سلاطين باشا Slatin Pasha في كتابه «السيف والنار»، ص٢٣٢، بهذا الصدد:

لو صادفتْ نصائحُ عبد القادر باشا آذانًا مُصْغِيةً لَجرت الأمور في السودان في غير المجرى الذي جرت فيه، ولَكانت النتائج غير هذه النتائج السيئة.

فقد كان يرى عدم تسيير حملة كبيرة لإعادة فتح كردفان، وأن تُترك والثوار الذين فيها، وأن يبقى الجيش المصري والمدد الذي يتلقَّاه مرابطًا في حصون قوية على طول مجرى النيل الأبيض، وكانت القوات العسكرية التي تحت إمرته كافية لقمع ثورة الجزيرة الواقعة بين النيلَيْن الأزرق والأبيض، والإيقاع بجيوش المهدي الآتية من الغرب والحيلولة دون تقدُّمها.

ولو اختيرت هذه الخطة لَكان من المحتمل كثيرًا أن يدبَّ الفسادُ في صفوفهم، وتَسُودهم الفوضى بسبب اختلال الإدارة عندهم وعدم وجود نظامٍ ما يستندون إليه؛ وبذلك تستطيع الحكومة أن تسترجع الأراضي التي ضاعت منها ولو بالتدريج على مَمَرِّ الأيام. ولا ريب في أني لم أكُن بمستطيع في ذلك الحين أن أحتفظ بسيطرة الحكومة في دارفور. على أننا لو قدرنا في هذه الحالة ضياع هذه المديرية نهائيًّا، فإننا نكون قد اخترنا أَخَفَّ الضررَيْن بلا مراء. ولكن لم يكُن ذلك رأْيُ القابضِين على أَزِمَّة الحكم في القاهرة.

فقد ظهر أمر عالٍ جاء فيه أنه لا بد من توطيد سطوة الحكومة بجيش يُرسَل تحت إمرة الجنرال الإنجليزي هكس، بمساعدة ضباط أوروبيين آخرين. أما عبد القادر باشا فقد استُدْعِي وعُيِّن علاء الدين باشا — الذي كان فيما سبق حكمدارًا عامًّا لشرقي السودان — بدلًا منه.

فلم تكد تبلغ مسامع المهدي هذه الأخبار حتى وعاها وعمل لها حسابها وأعدَّ لها عدتها. ا.ﻫ.

وقد استمر عبد القادر باشا حلمي على خطته الآنفة الذكر، وفي أثناء ذلك حدث الاحتلال البريطاني، وأرغِمت مصر بعده مباشَرةً على استدعاء قائدها المنتصر وأحد أبنائها الظافرين، الذي كان في مقدوره أن ينتشل بلاده من أزمةٍ من أكبر الأزمات التي انتابتها في تاريخها كله، دون الحاجة إلى الاستعانة بأي عنصر أجنبي. وفعلًا استُدْعِي عبد القادر باشا حلمي من السودان، واستُبدِل به ضابط مصري آخَر هو سليمان نيازي باشا، وعُيِّن معه هكس باشا رئيسًا لأركان حربه. وكان الغرض من ذلك كما تكشف عنه الوثائق المنشورة بعدُ هو أن يكون القائد المصري قائدًا بالاسم فقط، ويكون الرئيس البريطاني لهيئة أركان الحرب هو القائد الفعلي. فقد رُئِي أن رجلًا قويَّ الشكيمة كعبد القادر باشا لا يمكن أن يقبل بتاتًا مركزًا هذه صفته، لا سيما بعد ما أيَّده الله به من النصر والتوفيق. وهذا فيما نظن كان عِلَّةَ استدعائه.

على أن الأمور لم تَجْرِ كما كان مقدَّرًا لها؛ فإن سليمان نيازي باشا نفسه — الذي كان الإنجليز يَرَون فيه رجلًا ضعيفًا يخضع لأوامر هكس باشا — قد خيَّب ظنهم ولم يفعل ما كانوا يرجونه منه، فاقتضى الأمر استدعاءه هو أيضًا، وسُلِّمت قيادةُ جيش السودان نهائيًّا إلى هكس باشا ومعه عدد من الضباط البريطانيين لمساعدته.

فهل يسلِّم عاقلٌ بعد هذا بأن كل ما حصل كان بدون تدخُّل الحكومة البريطانية، وإذا كانت ثَمةَ حاجةٌ ماسَّة لمصر إلى تعيين قائد بريطاني، وهيئة أركان حرب بريطانيين على رأس جيش السودان، فلِمَ لَمْ يَبْدُ ذلك منها قبل احتلال الإنجليز لها؟

ويؤيِّد ما قلناه آنفًا من أن الغرض من تعيينِ قائدٍ مصري آخَر بدلًا من عبد القادر باشا حلمي هو أن يكون ذلك القائد قائدًا بالاسم لا بالفعل، ما قاله ﻫ. أ. كلفي H. A. Kolvy في كتابه «تاريخ الحملة السودانية»، ص١٢، وهو حامل لوسام الحمام السامي الشان، ومن فرقة حرس الجريناديرز المشهورة، وقد استقى معلوماته وجمعها من قسم المخابرات بوزارة الحربية بلندن عام ١٨٨٩.
وكتابه وثيقة رسمية وفي المرتبة الأولى من الأهمية، وإليك ما جاء فيه بهذا الصدد:

عبد القادر باشا يخلفه هكس باشا، وكان عزم عبد القادر باشا في ذلك الوقت أن يتعقَّب الفريق المرتد إلى كاروج، ولكن قبل تمكُّنه من ذلك حلَّ محلَّه في سلطته المدنية علاء الدين باشا الذي وصل إلى الخرطوم، وحلَّ في سلطة عبد القادر العسكرية سليمان نيازي باشا «اسمًا»، وهكس باشا «فعلًا»، وقد كان هذا في فيلق ضباط أركان حرب بومباي، ثم التحق بالجيش المصري برتبة ميجر جنرال. وقد جاء نيازي باشا إلى الخرطوم في ٢٠ فبراير سنة ١٨٨٣ بوظيفة قائد عام، بينما جاءها هكس باشا في ٧ مارس في هذه السنة بصفة رئيس أركان حربه، إلا أن سليمان نيازي باشا كان قد أُفهِم أنَّ عليه أنْ يرجع في جميع الأمور إلى رأي مرءوسه الذي «أُلقِي على عاتقه تبعة تدبير الاستعدادات وإدارة الحركات الحربية». ا.ﻫ.

فهل هناك برهان أوضح من هذا على صدق ما قلناه آنفًا؟

نعم، إن هكس باشا وضباط أركان حربه الإنجليز كانوا ضباطًا ممتازين، ولهم دراية حسنة بمهنتهم العسكرية، لكنهم كانوا يجهلون تمام الجهل حالة البلاد وطبيعة أرضها. وبدلًا من أن يتبع أولئك الضباط خطةَ عبد القادر باشا حلمي التي هي غايةٌ في الحكمة، ويضعوها نصبَ أعينهم، ساقوا الجيش إلى صحاري كردفان. وهناك هلك منه مَن هلك ظمأً، ومَن بقي قاتَلَ في أرضٍ مُوافِقةٍ تمامَ الموافَقة للأعداء، وغير صالحة لقتال جيش منظم، فعانى أشدَّ الآلام ثم أُبِيدَ عن آخِره؛ أعني أن ما كان منتظرًا أن يحل بالمهدي ورجاله حلَّ بجيشنا بسوء الخطة التي وُضِعت له.

فمَن المسئول بعد كل هذا عن ضياع السودان، أمصر أم إنجلترا؟

وإليك ما قاله الجنرال السير رجنالد ونجت باشا Sir Reginald Wingate Pasha — وهو أعرف القواد الإنجليز بالمسائل السودانية — بالصفحة ١١٥ من تقرير اللورد كرومر Lord Cromer عن مصر والسودان سنة ١٩٠٦، بعد أن عاين ميدان القتال:

زرت ميدان الواقعة التي قَتَلَ فيها الدراويش المرحوم الجنرال هكس باشا، وأفنَوْا كل جيشه سنة ١٨٨٣. ومن الغريب أن العساكر كانوا في حالة شديدة من العطش مع وجود بِركة كبيرة من المياه على بُعْد ميلٍ واحد عنهم، ولكنهم لم يعلموا بها، والمحل واقع على بُعْد ٣٠ ميلًا جنوبي الأبيض في وسط غابة كثيفة. ولا شك في أنه لو كانت النجدة المرسَلة لرفع الحصار عن الأبيض أكثر عددًا وأقوى عددًا لَكانت لاقتْ ما لاقته حملة هكس. وإرسال تلك الحملة في أحوالٍ كهذه يُعَدُّ ضربًا من الجنون، وهو أكبر دليل على أن الحكومة في ذلك الحين لم تكُن عالِمة بحقيقة الحال، ولم تحسِب حسابًا للصعوبات التي لا بد لجيش عظيم من ملاقاتها في أثناء مروره ببلاد كهذه. ا.ﻫ.

وقد وصل اللورد كرومر من إنجلترا إلى مصر بعد سفر الحملة بعدة أيام، فكتب عنها في تقريره السابق الذكر، ص١١٦، ما يأتي:

لم أعثر على كتابة من الجنرال هكس يُستَدَل منها على عدم استصوابه لهذه الحملة، ولكن لا ريب عندي في أنه كان عالمًا حق العلم أن الجيش الذي تحت قيادته لم يكن صالحًا للقتال، ولم يشأ أن ينصح للحكومة بالعدول عن هذه الحملة حتى لا يقال إنه تردَّد في تأدية مهمة محفوفة بالأخطار. ا.ﻫ.

وإننا نقول تعليقًا على هذا القول — دون أن يكون لنا أدنى قصد إلى انتقاص الجنرال هكس، أو تسويء ذكرى هذا الجندي الذي فاض روحه في حومة الوغى، وصار في عداد الغابرين — إن هذا التأويل من اللورد كرومر لا يتفق مع الواقع.

وبيانًا لذلك نذكر لك الكيفية التي ألفت بها هذه الحملة والحوادث التي توالت عليها:

لما تألفت الحملة بمصر وأُرسِلت إلى السودان، نِيطَت قيادتها العامة بضابط مصري هو سليمان نيازي باشا، وتعين هكس باشا أركان حرب وقائدًا ثانيًا لها، ودامت هذه الحالة إلى أن انتصر الجيش في واقعة المرابيع في ٢٩ أبريل عام ١٨٨٣.

وكتب عنها السير فرنسيس ونجت باشا في كتابه «المهدية في مصر والسودان»، ص٧٥، ما ترجمته:

طهَّر النصرُ البلادَ من الثوَّار بين الخرطوم وسنار، وعادت قبائل كثيرة وقدَّمت الطاعة إلى الحكومة. وصار هكس في حالة تُمكِّنُه من توجيه النظر إلى كردفان منبع الثورة، غير أنه كان عليه قبل هذا أن يزيل من طريقه العراقيل التي كان يلقيها له كبار الموظفين في الخرطوم بعدما مرت ساعة الخطر الوقتي، فشمَّر عن ساعده، وحارَبَ هذه الدسائس محارَبةً طويلة استغرقت شهر مايو ويونيو ويوليو، ولم تستبعد الحكومة أكبرَ عائق يقوم في وجهه — أَلَا وهو سليمان نيازي باشا — إلا بعد أن قدَّم هكس استقالته. وعلى إثر ذلك حلَّ محلَّه، فأصبح هكس باشا القائدَ العام للحملة التي ستُرسَل إلى كردفان. ا.ﻫ.

فماذا يستطاع أن يُستنتج من هذا غير أن هكس باشا كان يريد أن تكون يده هي العليا في كل أمر، ورأيه فوق كل رأي؛ فقدَّم استقالته لكي يُزال من أمامه أكبر مُخالِف له، أَلَا وهو سليمان نيازي باشا، الضابط الوحيد الذي يعلوه، فيُقال من منصبه ليخلو له الجو.

ولا مساغ للشك في أن تغييرًا له مثل هذه الأهمية لا يمكن حدوثه إلا بتدخُّل قوي من قنصل بريطانيا العام بالقاهرة، وهذا مما يبرِّر إلقاءَ المسئولية الكبرى على حكومة إنجلترا.

فمن البديهي إذن ألَّا يجد اللورد كرومر شيئًا ممَّا توقَّعه من هكس باشا؛ لأنه هو الذي اختطَّ خطة هذه الحملة، وهو أيضًا الذي دبَّرها. ولو كان الأمر على خلاف ذلك لَكان من واجبه أن يلفت أنظار الحكومة التي يعمل لها للأخطار التي تقف في سبيله، ثم يقوم بواجبه بعد بيانها كجندي.

ويظهر فوق ذلك أن الضباط الإنجليز أنفسهم عندما أمعنوا في تلك الصحاري لاح لهم شبح خطئهم، غير أنه لسوء الطالع كان قد قُضِي الأمر وسبق السيف العذل.

والدليل على صحة ما تقدَّم ما دَوَّنه سلاطين باشا في كتابه «السيف والنار»، ص٢٤١، قال:
بعد وقت قليل وصلت إليَّ مذكرات أمير الألاي فركهار Colonel Farquhar رئيس أركان حرب، ومستر أدونوفان Mr. O’Donovan مُكاتِب جريدة ديلي نيوز. فلما قرأتها جميعها من أولها إلى آخرها بعناية تامة ألفيتها مفزِعة محزنة، فقد أطنب كلاهما في وصف الشقاق الذي كانت حلقاته مستحكمة بين الجنرال هكس وعلاء الدين باشا، وحمل فركهار على رئيسه بشيء من العنف لزَلَّاته العسكرية، واستشعر الاثنان بالكارثة التي حلت. ولام فركهار رئيسه، وعنَّفه تعنيفًا مرًّا لتقدُّمه بقوة ساءت حالتها وروحها المعنوي حتى بلغت مبلغًا يؤدي بها من غير نزاع إلى نزول كارثة. ا.ﻫ.

ومن الأمور الطبيعية التي لا تحتاج إلى جدالٍ أن الجيش الذي يكون مَسُوقًا إلى هلاكٍ محقَّقٍ بالعطش، وبما سينزله به عدوه، تحت إمرة رؤساء أضاعوا كل ثقته بهم لقيادتهم له إلى موارد الحتوف والهلكة، لا يمكن أن يكون رُوحُه في مستوى عالٍ.

وقد وُجِّهت أسئلة في مجلس النواب البريطاني بصدد البرقيات التي تبادَلَها السير إ. مالت والجنرال هكس، فطلب الإرل جرانفيل من السير إ. بارنج أن يوافيه بها. وفعلًا أرسلها مع رسالة مؤرَّخة في ٢٠ فبراير سنة ١٨٨٤، وصلت إلى لندرة في ٢٠ مارس من هذه السنة، وهي منشورة مع البرقيات المذكورة في الجزء ١٢ من الكتاب الأزرق الإنجليزي عن مصر عام ١٨٨٤، تحت رقم ١٩٧.

ومن هذه البرقيات يتبين بوضوح تامٍّ ما حدث بصدد استدعاء سليمان نيازي باشا، وتعيين الجنرال هكس قائدًا عامًّا لجيش السودان، وتفويضه سلطة التصرف حسَبما يهوى ويشاء. وهي أيضًا تَثبُت بكيفية قاطعة تدخل قنصل بريطانيا العام في هذه المسألة، وتبين كيف استغل هذا القنصل ما لمركزه من نفوذ وجاه في بلوغ مآربه.

وإليك بعضًا من هذه البرقيات، وهي التي لها علاقة بتلك المسألة:

ملحق رقم ١٩٧: من الجنرال هكس إلى سير إ. مالت
(١)
الخرطوم في ١٣ مارس سنة ١٨٨٣

إن الحاجة ماسَّة كثيرًا للحصول على قرار من مصر يبين فيه بدقة مركز الحكمدار الذي تعين حديثًا ومركز عبد القادر باشا. فالآن يسود الإدارة ارتباك شديد وفِقدان للثقة إلى أقصى حَدٍّ مع رواج في سوق الدسائس حتى ليرتج عليَّ إذا ألقي عليَّ هذا السؤال: هل الانتصاران اللذان أحرزناهما على الثوار يجزيان عن الفوضى الضاربة بجرانها بين ظهرانينا بسبب سفر عبد القادر باشا قبل مجيء خلفه؟ فأرجوكم عمل ما يلزم لإرسال أمر حاسم في هذا الموضوع؛ إذ أراني والحالة هذه مكتوف اليدين، لا أستطيع أن أجد معاونة فعلية، ولا أظفر بمعلومات وافية.

وتنوي الحكومة أن تُعَيِّنَ هنا حاكمًا جديدًا؛ ليقبض على السلطتين المدنية والعسكرية، ويكون خلفًا لعبد القادر باشا وسليمان نيازي باشا. وهذه المشروعات فشلت فشلًا تامًّا بسبب سفر عبد القادر باشا. وما زالت مصالح السلطتين المذكورتين تتداولها نفس الأيدي التي كانت قابضة عليها. ووقع الحاكم الجديد في الارتباك بسبب مركزه الشاذ المزعزع. فالسيادة القديمة لا تزال قائمة ولكن لا وجود لسلطتها في الخرطوم. وقد أطلعني علاء الدين باشا أمس فقط على برقية يطلب منَّا فيها إبداء الرأي في أيهما أفضل: إيقاف سير الحركات الحربية التي قام بها عبد القادر باشا، أم الانتظار حتى تنتهي. وقد فوض علاء الدين باشا لي الأمر، وقال إنه ينفذ ما أرتئيه صوابًا، ولكن أرى أني لا أملك الفصل في هذه القضية، وأن للحكومة وحدها حق النظر في الموقف الحالي وإصدار أوامرها.

ولكن الحالة لم تبقَ معلقة مدة طويلة. فقد تولى هكس باشا — كما سيظهر — حل هذه المشكل بنفسه، ولم يصبرْ حتى تأتيه الأوامر التي أَلَحَّ في طلبها فأقام نفسه حاكمًا بأمره، واحتفظ بهذا المركز طول الوقت الذي قضاه في السودان، فإنه بعدما حل بالخرطوم في ٢ مارس وأرسل البرقية السالفة في ١٣ منه، لم يلبث أكثر من ستة أيام — أي التاسع عشر من هذا الشهر نفسه — حتى أرسل البرقية الآتية إلى إرل دوفرن (الكتاب الأزرق الإنجليزي عن مصر سنة ١٨٨٣، ج١٣، قطعة رقم ٢، ملحق رقم ٣٣)، وها هي:

الخرطوم في ١٩ مارس سنة ١٨٨٣

حملت علاء الدين باشا على أن يعلن نفسه حاكمًا طبقًا للأمر الذي صدر قبل مجيئي إلى هنا، وسأجري الآن الحركة التي تدعو الضرورة إليها من تغيير في الضباط وتبديل بينهم.

ونذكر للقارئ فيما يلي بقية البرقيات الملحقة بالرسالة السالفة رقم ١٩٧:

ملحق رقم ١٩٧: من سير إ. مالت إلى الجنرال هكس
(٢)
القاهرة في ٢٣ مايو سنة ١٨٨٣

تسلمت برقيتكم المؤرخة في ١٣ من الشهر الجاري، ويقول شريف باشا إنه أصدر الأوامر بألا تجري أية حركة حربية إلا بعد مشورتكم ورضاكم، وأن العمل بهذه الأوامر يحصر القيادة في شخصكم بالفعل. فإذا اتصل به من جنابكم أن أوامره لم تنفذ فهو لا يتأخر عن تكرارها، ولكنه لا يوافق على تعيينكم قائدًا عامًّا؛ لأن الثورة دينية، وينشأ عن تقليد هذا المنصب لمسيحي هياج الخواطر وإثارة روح التعصب.

ملحق رقم ١٩٧: من الجنرال هكس إلى سير إ. مالت
(٤)
الخرطوم في ٣١ مايو سنة ١٨٨٣

وردت برقيتكم، وإني لأدرك تمام الإدراك السبب الذي من أجله لم يسمح بتعييني قائدًا عامًّا، وغاية ما أريده هو أن يخطر سليمان باشا بأن أوامري يجب أن تنفذ، فلقد وقف في وجهي سدًّا منيعًا، وقاسيت المشاقَّ والمحن في سبيل تنفيذ ما وضعته من ترتيبات وتدابير، وأكثرها أُغفِل ولم يُنفَّذ. ولا أظن أن الأوامر التي أُرسِلت إليه من نِظَارة الجهادية كانت صريحة بالقدر الكافي؛ ولذا لاقيت مصاعب ضِقْتُ بها ذرعًا، وسأعد تقريرًا بما يلزم وأرسله إليكم.

ملحق رقم ١٩٧: من سير إ. مالت إلى الجنرال هكس
(٩)
القاهرة في ٢٢ يوليو سنة ١٨٨٣

أبلغت شريف باشا ما جاء في البرقيتين الواردتين منكم، المؤرختين في ٢٨ من الشهر الماضي، وما جاء في البرقية المرسلة منكم إلى الجنرال بيكر المؤرخة في ١٦ الجاري. وأتوقع أن أتوصل إلى استدعاء سليمان باشا أو إكراهه على الخضوع والطاعة.

ملحق رقم ١٩٧: من الجنرال هكس إلى سير إ. مالت
(١٠)
الخرطوم في ٢٣ يوليو سنة ١٨٨٣

أرسلت اليوم إلى ديوان الجهادية استقالتي من منصبي بجيش السودان. ولقد فعلت ذلك وأنا متأسف، ولكني لا أستطيع القيام بأعباء حملة أخرى تحت هذه الظروف الشبيهة بالظروف التي أحاطت بالحملة الأخيرة. ويقول لي سليمان باشا أنه لا يفهم من برقية رئيس مجلس النظار المؤرَّخة في ١٤ يوليو أنه ملزم بتنفيذ آرائي فيما يختص بنظام أو كيفية زحف أو هجوم الجيش الذي يستعد الآن للتقدُّم نحو كردفان ما لم يوافق هو عليها. وهو بذلك يقول في الواقع إنه يفعل عكس تعليماتي إذا نفذ آرائي وكانت غير متفقة مع آرائه. وحيث إن آرائي في الحملة الأخيرة كانت تناقض آراءه مناقضة شديدة، فستكون آراؤنا أشد تناقضًا في حملة كردفان. فلست بمستطيع تجاه ذلك إلا أن أستقيل، وقد حدث في الأيام القلائل الأخيرة انه في مناسبتين هامتين أهملت وجهات نظري.

وإني لأرجو أن يعرض الجنرال بيكر على سمو الخديو أمر استقالتي، وأن يؤكد له أسفي لهذه الضرورة، وأبرقوا إليَّ بالرد.

ملحق رقم ١٩٧: من سير إ. مالت إلى الجنرال هكس
(١١)
القاهرة في ٢٣ يوليو سنة ١٨٨٣

لقد تقرر استدعاء سليمان باشا حالما يقع الاختيار على حاكم جديد، فأرجو ألا تبوحوا بهذا القرار حتى يُعلَن رسميًّا. وإني آمل أنكم ستجدون بعد إتمام هذا الأمر سهولة في عملكم كما تجدون طريقكم خلوًا من العراقيل والعقبات. وسيكون علاء الدين قائدًا اسميًّا.

ملحق رقم ١٩٧: من الجنرال هكس إلى سير إ. مالت
(١٢)
القاهرة في ٢٧ يوليو سنة ١٨٨٣

وصلت إليَّ اليوم برقيتكم المؤرَّخة في ٢٣ الجاري. ولكني أحسب أنكم لا تشددون في طلب قبول استقالتكم بعدما تقرر استدعاء سليمان باشا كما ذكرت لكم في برقيتي المؤرخة في ٢٣ الجاري، التي أبرقت بها إليكم خصيصًا لتكونوا على علم بذلك.

ملحق رقم ١٩٧: من الجنرال هكس إلى سير إ. مالت
(١٤)
الخرطوم في ٣١ يوليو سنة ١٨٨٣

وصلت إليَّ برقيتكم المؤرخة في ٢٧ يوليو. ولست أصر في هذه الحال على استقالتي. ولكن أرجو العفو عن تساؤلي؛ هل أنا مصيب إذا استنتجت ممَّا تقرر أنني سأكون في مأمن من العراقيل؟ وأن أعمالي المقبلة لن تقف دونها الحوائل؟ ورجائي إليكم أن تُلِحُّوا في إرسال هذا القرار إلى هنا بالبرق. والأمور في الخرطوم في حالة جمود تام. وإن ما أتمناه أن تتحسن الأحوال بعد عودة علاء الدين باشا. وقد ارتفع النيل كثيرًا وسبَّب ذلك بطئًا كبيرًا في نقل المؤن والأسلحة؛ ولذا أصبحت أتوقع تأخيرًا عظيمًا في موعد سفر الحملة إلى كردفان.

ملحق رقم ١٩٧: من سير إ. مالت إلى الجنرال هكس
(١٥)
القاهرة في ٢ أغسطس سنة ١٨٨٣

أبلغني شريف باشا أنه تلقى من ديوان الجهادية كتاب استقالتكم، ولكنه يظن أنكم قدَّمتموه قبل أن يصل إليكم نبأ القرار باستدعاء سليمان باشا؛ ولذا لا يرى مسوِّغًا للرد عليكم.

فهل لي أن أخبر سعادته بأنه مصيب في ظنه؟ وقد أرسلت إلى الخرطوم بالبرق الأوامر بالتغييرات الجديدة.

ملحق رقم ١٩٧: من الجنرال هكس إلى سير إ. مالت
(١٦)
الخرطوم في ٣ أغسطس سنة ١٨٨٣

اطَّلَعْتُ على البرقية الواردة من الديوان الخديوي إلى حكمدار السودان العام، وقد جاء فيها بعد النطق بتعيينه أيضًا قائدًا للجيش:

نود أن يسود الاتحاد والوئام عَلاقاتكم مع الجنرال هكس باشا، بحيث يكون بعونه تعالى وببركة هذا التعاون … إلخ …

ومعنى هذا أن أبقى في موقفي الذي كنت فيه قبلًا. وإني لا أظن أن علاء الدين باشا ينوي إقامة العراقيل في طريقي. ولكن تجاربي وخبرتي في الحملة الأخيرة أرتني رأي العين أن أتحاشى التورُّط في القيام بحملة أخرى تحت نفس الظروف التي سلفت. أما العامل الديني في الثوار فقد اختفى في هذه الأيام ولا يزال متواريًا إلى الآن، حتى صرت أحسب أن ليس هناك أي خطر في تنصيبي قائدًا عامًّا. وسأجعل نصب عيني أن أنتفع باستمرار بما يُسدِيهِ إليَّ علاء الدين باشا من المعونة وبمعارفه للبلاد وأهلها. وأمنيتي أن يرافق الحملة على أن أتولى فيها قيادة الأمور الحربية. وإذا تم ذلك لزم أن أحصل على رتبة أرقى من رتبتي الحالية.

ملحق رقم ١٩٧: من الجنرال هكس إلى سير إ. مالت
(١٨)
الخرطوم في ١٥ أغسطس سنة ١٨٨٣

أرجو إبلاغ شريف باشا أنني أرسلت كتاب استقالتي قبل أن أعلم بقرار استدعاء سليمان باشا، أما علاء الدين باشا فرجل من طراز آخر بالكلية.

ملحق رقم ١٩٧: من الجنرال هكس إلى سير إ. مالت
(١٩)
الخرطوم في ١٩ أغسطس سنة ١٨٨٣

تلقى الحاكم العام برقية فحواها أن سمو الخديو عيَّنني قائدًا عامًّا للقوات هنا. وهذا أفضل فيما أظن. أما من حيث الشعور الديني فلا إخال أن هناك أي خوف من إثارة روح التعصب. فالمديريتان اللتان يسودهما أحسن الأمن والنظام — وهما دارفور وبحر الغزال — حاكم الأولى رجل نمسوي، وحاكم الأخرى إنجليزي.

وأما علاقتي مع علاء الدين باشا فعلى أحسن ما يرام.

الخلاصة

ومجمل هذا الباب أن السودان كان قبل الثورة المهدية جزءًا متممًا لمصر غير منفصل عنها. ولما قامت هذه الثورة وكان ذلك قبل الاحتلال البريطاني لمصر أصابت في بداية الأمر بعض النجاح، ولكن لم تلبث هذه الحال بعد تعيين عبد القادر حلمي باشا حكمدارًا عامًّا للسودان أن انقلبت، وكبح هذا الجندي القدير جماح الثائرين تمامًا بالقوات المحلية وحدها. ولو كان أُمِدَّ باﻟ ١٥٠٠٠جندي التي أُمِدَّ بها هكس باشا لقضي على الثورة قضاءً محققًا.

وكانت خطة عبد القادر باشا تنحصر في أن يرابط هو وجيوشه على النيل الأبيض بعد تخليص المنطقة التي في شرقيه من الثوار، وتوطيد الأمن في ربوعها، ويدع المهدي وجموعه في مديرية كردفان الصحراوية، ومرور الزمن على انحصارهم فيها خير كفيل للقضاء على المهدي وأتباعه. وهذا ما رآه سلاطين باشا والكولونيل استوارت الذي درس أحوال السودان جيدًا. غير أنه لسوء الحظ أُهمِلَت هذه الخطة ولم يُعمَل بها.

ثم جاء الاحتلال الإنجليزي واستُدعِي عبد القادر باشا من السودان. وهذا تدبير غير حكيم ولم تقدم عليه مصر من نفسها؛ لأن هذا الضابط أحد أبنائها العاملين، وانتصر على الثوار، وكان ساعيًا في انتشالها من شدة من أعظم الشدائد التي لاقتها في أدوار حياتها. فليس من المعقول أو الجائز أبدًا أن تكون مصر أقدمت على استدعائه دون إكراهها على ذلك إكراهًا. وسبب ذلك ليس بخافٍ ولا يحتاج إلى بحث وعناء. فقد وقع الاحتلال الإنجليزي وحصر جميع المناصب الخطيرة في قبضة الإنجليز. فكان عليه أن يسلم قيادة جيش السودان إلى ضابط إنجليزي يعاونه في عمله ضباط آخرون إنجليز. ولما كان الحماس الديني هو الذي أثار الثورة؛ فقد رؤي من الحكمة أن لا يُعَيَّنَ رسميًّا قائد نصراني على رأس جيش السودان، وأن يُعَيَّنَ لهذا المنصب اسميًّا ضابط مسلم ضعيف الإرادة، حتى يكون الأول القائد الفعلي، وتكون كلمته النافذة وأمره المتبع المطاع.

ولما كان منصب كهذا لا يقبله بالطبع رجل قوي الشكيمة كعبد القادر باشا، فقد استُدعِي وعين مكانه سليمان نيازي باشا، وهو رجل طاعن في السن، واهن الإرادة والعزم. على أن الأمور لم تجرِ على ما كان يُرام ويُشتهى حتى بقيادة هذا الشيخ الاسمية. واقتضت الضرورة أن تدخل المسألة في دور الاضطرار لا الاختيار، وكان لا مفر من تعيين ضابط بريطاني على رأس جيش السودان، فأُسنِد هذا المنصب إلى هكس باشا.

فإذا كانت مصلحة مصر كما يقول الإنجليز في حاجة إلى سيطرة ضباط بريطانيين على هذا الجيش، فلِمَ لَمْ تَبْدُ هذه الحاجة قبل احتلالهم لها؟

هذا، ومن يتصفح الوثائق الرسمية التي ذكرناها آنفًا نقلًا عن كتاب الحكومة البريطانية الأزرق، يتجلى له الدور الذي لعِبه قنصل بريطانيا العام في مصر بصفة غير رسمية، محاولًا بقوة نفوذه وتدخله جعل يد هكس باشا فيما قَلَّ وجَلَّ فوق كل يد في السودان.

أما أن هكس باشا كان صاحب الحكم المطلق، فهذا تدل عليه تصرُّفاتُه التي بلغت حتى تنصيبه الحكمداريين، الذين كانوا رؤساءه في وظائفهم بدون أن ينتظر أوامر الحكومة المركزية. وأما وقوع المسئولية عليه في حملته المشئومة فذلك ثابت من البرقية التي أرسلها سير إ. مالت إلى إرل جرانفيل (الكتاب الأزرق الإنجليزي عن مصر عام ١٨٨٤، ج١٢) حيث يقول فيها سير إ. مالت:

وكان مرادي أن يعلم أنه — أي هكس باشا — مطلق اليد حر التصرف، لا مسيطر عليه في الطريق التي يختار أن يسلكها، وأنه تقع على عاتقه وحده تبعة أعماله من أولها إلى آخرها. ولو أنه أشار على الحكومة المصرية بعد تنصيبه قائدًا عامًّا بضرورة العدول عن حملة الأبيض، فيقيني أنها كانت تنصت لرأيه وتعمل به.

ومن الثابت أيضًا أن هكس باشا كان معترفًا بأن القوة التي كانت تحت إمرته فيها حَدُّ الكفاية، كما يتضح ذلك من البرقية التي أرسلها إلى الجنرال بيكر من الخرطوم في ١٨ يونيو سنة ١٨٨٣ (راجع الكتاب الأزرق الإنجليزي عن مصر عام ١٨٨٣، ج٢٢، الملحق رقم ١، للبرقية رقم ٥٠) فقد اعترف فيها بأنه مستعد بالقيام بالحملة بالقوة التي لديه، وبأنه لا يرى احتمالًا لوقوع أية نكبة. ولو كان من جهة أخرى معارضًا في إرسال تلك الحملة، لكان بلا ريب قدَّم استقالته لا سيما أنه فعل ذلك عندما أراد الحصول على القيادة العليا.

نعم إن هكس باشا وضباطه البريطانيين كانت لهم دراية بمهنتهم العسكرية، لكنهم كانوا يجهلون أحوال البلاد وطبيعة أرضها جهلًا تامًّا. وقد ساق الجنرال هكس باشا جيشه في فيافي كردفان، مخالفًا بذلك الآراء السديدة التي أبداها الرجال العارفون بأحوال تلك الجهات، مثل عبد القادر باشا والكولونيل استوارت، فأهلك جيشه وهلك هو معه.

وقد وصف سير ريجنالد ونجت — وهو الجنرال الأكثر دراية بشئون السودان — حملة كردفان بأنها «ضرب من الجنون».

سبحان الله! ومَنِ المسئول عن عواقب هذا الضرب من الجنون، أمصر التي أُكرِهت على اتِّباع مشورة أُملِيَت عليها، أم الإنجليز الذين أملَوْا عليها هذه المشورة؟

فيتضح جليًّا مما تقدَّم أن قنصل بريطانيا العام كان يضغط على الحكومة المصرية، وهذا يفيد مصادقة الحكومة البريطانية على هذه الحملة المشئومة، وإلا كانت أشارت بقبول استقالة هكس باشا. ومن هذا المسلك يبدو تورُّط الحكومة البريطانية في سياسة متناقضة، فقد كانت من البداية إلى النهاية تتنصل من تبعة الأعمال الحربية في السودان، مع أنها كانت في الوقت ذاته موافقة بطريق غير مباشر على حملة كردفان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢