الفصل الأول

فذلكة تاريخية

قريش قبيلة من عرب الحجاز، تتفرَّع عنها عدَّة بطون، أشهرها بطن عبد مناف، وهو فخذان: بنو أمية، وبنو هاشم، وكانت الرياسة في قريش لهذه الفخذين لا ينازعهما فيها منازع، إلا أن بني أمية كانوا أكثر عددًا، وكانت لهم الزعامة في الحرب، حتى إذا ما جاء الإسلام — والنبي من بني هاشم — اعتز به الهاشميون، وذهل الناس بأمر النبوة عن العصبية، لا سيما أن الإسلام نهاهم عنها، وقال نبيه: «إن الله أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها؛ لأننا وأنتم بنو آدم، وآدم من تراب.»

وبقي العز لبني هاشم في مكة حتى مات أبو طالب عم النبي، وهاجر بنوه مع من هاجروا من الصحابة إلى المدينة، وفيهم أخواه حمزة والعباس وكثيرون غيرهما من بني عبد المطلب وجميع بني هاشم، فخلا الجو في مكة لبني أمية، وصارت الرياسة إليهم أثناء محاربتهم للمسلمين في بدر وغيرها، ورئيسهم يومئذٍ أبو سفيان والد معاوية مؤسس الدولة الأموية.

فلما انتصر المسلمون في غزواتهم، وهمُّوا بفتح مكة في السنة السابعة من الهجرة، كان أبو سفيان كبير قريش فيها، وقد تحقق يومئذٍ أن المسلمين فاتحوها لا محالة، فجاءهم وأسلم، ثم أسلم أولاده كذلك.

ولما تولَّى أبو بكر الخلافة لم يكن بنو أمية وأهل قريش كلهم ينالون من المناصب إلا بعض ما يناله المهاجرون الأولون، فشكوا ذلك إليه فقال لهم: «أدركوا إخوانكم في الجهاد»، وأنفذهم في حروب الردة فأحسنوا الجهاد وقوَّموا الأعراب، ثم تولَّى عمر فبعث بهم إلى حرب الروم في الشام فافتتحوها، وظل معظمهم فيها، فولي عليها منهم يزيد بن أبي سفيان حتى مات في طاعون عمواس، فخلفه أخوه معاوية، ولما تولَّى الخلافة عثمان أقره عليها، فاتصلت رياسة بني أمية على قريش في الإسلام كما كانت قبله، واشتغل بنو هاشم بأمر النبوة ونبذوا الدنيا.

فلما قُتل عثمان واختلف الناس في أمر من يبايعونه بعده، كان دعاة علي أكثر عددًا، ولكنهم كانوا خليطًا من قبائل عربية شتَّى، وبعكس ذلك كانت أحزاب معاوية كلها من قريش، أهل البأس والشدة، وهم جند الشام إلى ذلك الحين، فكانت عصبية معاوية أشد وأمضى، ثم ظهر الخوارج من رجال علي، فانكسرت شوكته، حتى إذا قُتل سنة ٤٠ﻫ اضطر ابنه الحسن أن يخلع نفسه، فاتفق الجماعة على بيعة معاوية في منتصف سنة ٤١ﻫ، وكان الناس قد رجعوا إلى أمر العصبية فدانوا للأقوى مالًا وجاهًا، وبذلك غلب معاوية واستقلَّ بالخلافة، وساعده على ذلك دهاؤه وحسن سياسته؛ فإنه كان يصانع رءوس العرب من بني هاشم بالإغضاء والاحتمال والصبر على الأذى والمكروه، وكانت غايته في الحلم لا تدرك، ولكنه كان من ناحية أخرى يبالغ في الحطِّ من قدر بني هاشم وبخاصَّة أهل البيت منهم، وأبناء الإمام علي، حتى كان يفرض على من يعترف بطاعته أن يلعن عليًّا جهارًا، فإذا لم يفعل عاقبه، وله في ذلك حوادث كثيرة أشهرها مقتل حُجْر بن عدي الكندي أحد أشراف بني كندة في السنة الحادية والخمسين للهجرة؛ فقد قتلوه لأنه أبى أن يلعن عليًّا.

•••

وأقام معاوية خليفةً في الشام عشرين سنة (من سنة ٤١ حتى سنة ٦٠ﻫ) والمسلمون في الحجاز والكوفة ينتظرون موته ليبايعوا الحسين بن علي؛ لقربه من الرسول، على أساس أن الخلافة شورى يولُّونها من أرادوا بالانتخاب كما كان شأنها إلى ذلك الحين، لكن معاوية سبقهم قبل موته إلى بدعة أحدثها؛ إذ أوصى بولاية العهد لابنه يزيد، فجعلها بالإرث، فلما تُوفي تولَّى يزيد الخلافة وسنُّه بضع وثلاثون سنة، فبايعه الناس بين راضٍ ومكره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤