الفصل السادس عشر

خروج الحسين إلى العراق

كان الحسين قد انتقل من المدينة إلى مكة وأرسل ابن عمه مسلمًا إلى الكوفة كما تقدم. وجاءته كتبه بأن معظم أهل الكوفة على بيعته، فعزم على الخروج إليها وهو يحسب أنه إذا جاءها استتبَّ الأمر له، وكان يستشير أصحابه فمنهم من يخوفه من الذهاب ومنهم من يحرضه عليه، وكان في جملة المحرضين عبد الله بن الزبير، وكان طامعًا في الخلافة لنفسه؛ لأنه من كبار أبناء الصحابة، كما كان أبوه الزبير بن العوام طامعًا فيها قبله على عهد الإمام علي، وقد حاربه عليها في وقعة الجمل إلى جوار البصرة، ولكنه قُتل هناك هو وطلحة وفاز علي بالأمر، فلما قُتل علي وتولى الخلافة معاوية بن أبي سفيان لم يجرؤ ابن الزبير على مناجزته، فلما مات معاوية كان ابن الزبير والحسين في الكوفة فطلبوا منهما البيعة ليزيد كما تقدم فأبيا، ثم خرجا إلى مكة وفي نفس كل منهما أن يطلب البيعة لنفسه، فرأى ابن الزبير أنه لا يستطيع ذلك والحسين معه في مكة؛ لأن الناس يؤثرون الحسين عليه، فرغَّبه في طلب بيعة أهل الكوفة وحبَّب إليه المسير إليها، وكان الحسين مخلص الطوية صادق اللهجة مثل أبيه، والمخلص سليم النية سريع التصديق، وما أضاع علي الخلافة إلا لطيبة قلبه وحلمه ورغبته عن الدهاء والمكر.

وكان ابن الزبير يُظهر للحسين عكس ما يضمره، وربما أعرب له عن بقائه بمكة وهو يريد خروجه منها، وفي جملة ما دار بينهما من الحديث في هذا الشأن أن ابن الزبير قال له مرة: «ما أدري ما ترك لنا هؤلاء، وقد كفننا عنهم ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم. خبرني ماذا أنت صانع؟»

فقال الحسين: «لقد هممت بالذهاب إلى الكوفة، وكتبت إلى شيعتي فيها وأشراف الناس، وأستخير الله.»

فقال ابن الزبير: «أما والله لو كان لي بها مثل شيعتك لما عدلت عنها.» ثم خشي أن يتهمه فقال له: «أما إنك لو أقمت بالحجاز وأردت هذا الأمر ههنا لما خالفناك بل ساعدناك وبايعناك ونصحنا لك، فأقم إن شئت واندبني لهذا الأمر فتُطاع ولا تُعصى.»

فلما خرج ابن الزبير قال الحسين لمن عنده: «إن هذا الرجل ليس شيء في الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز، وقد علم أن الناس لا يعدلونه بي، فود لو أني خرجت حتى يخلو له الجو.» ويظهر من ذلك أن الحسين لم يكن يجهل طمع ابن الزبير، ولكنه ظل راغبًا في الخروج، ولعله خاف مناوأته إذا بقي هناك.

وممن نصح للحسين ألا يخرج من مكة عبد الله بن عباس، ابن عم أبيه، وكان قد أدرك غرض ابن الزبير فنصح للحسين مرارًا بأن يبقى، فلم يطعه، فجاء في مساء اليوم الذي كلمه فيه ابن الزبير فقال له: «يا ابن عم، إني أتصبَّر ولا أصبر، أني أتخوف عليك من الذهاب إلى أهل العراق، فلو أنهم قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم، ثم دعوك، فسِر إليهم، وإن كانوا قد دعوك وأميرهم عليهم قاهر لهم، وعماله تحيي بلادهم، فإنما دعوك إلى الحرب، فاكتب لهم فلينفوا عاملهم ثم اقدم عليهم. أما إذا أبيت إلا أن تخرج من مكة، فسِر إلى اليمن؛ فإن بها حصونًا وشعابًا، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وتبث دعاتك حتى يقوى شأنك وتنظر ما يكون.»

فقال الحسين: «يا ابن عم، إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق، ولكنني أزمعت المسير إلى الكوفة.»

فقال ابن عباس: «فإن كنت سائرًا فلا تسِر بنسائك وصبيانك؛ فإني لخائف أن تُقتل كما قُتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه.» ثم قال: «لقد أقررت عين ابن الزبير بخروجك، والله الذي لا إله هو لو أعلم أني إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علينا الناس وأنت تطيعني وتقيم لفعلت.» ثم خرج.

•••

خرج الحسين من مكة ومعه نساؤه وأولاده وأبناء عمه، وما زال ينتقل من مكان إلى آخر والناس ينضمون إليه، حتى أتى مكانًا اسمه «الثعلبية»، كان قرية ثم خرب، وهناك جاءه الخبر بمقتل مسلم بن عقيل، وبما حلَّ بشيعته، وحذروه المسير إلى الكوفة، فكاد يرجع عن طلبها لولا أن قام بنو عقيل إخوة مسلم فحرضوه على المسير وقالوا: والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق مسلم.

فتحمس الحسين وقال: «صدقتم، لا خير في العيش مع هؤلاء.»

وما زال سائرًا حتى دنا من ضواحي الكوفة والناس يأتونه في الطريق ويحذرونه، فأصر على المسير، ولكنه أطلق الحرية للذين معه فقال لهم: «قد خذلتنا شيعتنا، فمن أحب أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منَّا ذمام.»

فتفرقوا عنه يمينًا وشمالًا، حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة وفي جملتهم عبد الرحمن وعامر، وكانا من جملة من حرضوه على المسير للانتقام، وكان عبد الرحمن لا يستصعب شيئًا في ذلك السبيل بعد ما كان يعتقده من مقتل سلمى.

أما سلمى فإنها كانت قد صممت على النهوض لملاقاة الحسين لكي تطلعه على جلية الخبر وهي تحسبه لا يعلمه، وباتت ليلتها تحت تلك الشجرة على أن تصبح في الغد وتسير، ولما أصبحت ودعت الشيخ وخرجت، ولم تمشِ قليلًا حتى رأت الغبار يتصاعد من جهة الكوفة ثم ظهرت من تحته الخيل، فعلمت أن ابن زياد أرسل جنده لملاقاة الحسين، فتظاهرت بالاستسقاء من بعضهم وسألت عنهم، فعلمت أن قائدهم عمر بن سعد وأن عددهم يبلغ بضعة آلاف، فنزل هذا الجند في القادسية ونظم الخيول بين القادسية إلى ضفان، ومن القادسية إلى القطقطانة وإلى جبل لعلع، فخفق قلب سلمى خوفًا على الحسين ورجاله، ولكنها ظلت سائرة وقلبها طائر أمامها التماسًا لملاقاة عبد الرحمن. حتى بلغت جبلًا اسمه ذو جشم، فوقفت لتطل منه على الطريق، وإذا بغبار يتعالى عن نحو ثلاثين فارسًا وأربعين راجلًا ما عدا النساء والأطفال، فعلمت أن القادمين هم الحسين ورجاله، ولكنها استقلَّت عددهم واستغربت مجيئهم بهذه القلة بعد أن رأت جند الكوفة وكثرتهم، ثم تبادر إلى ذهنها أنها ترى طليعة الجيش وأن البقية آتية، فوقفت جانبًا وقلبها يخفق وعيناها شائعتان تتفرسان في وجوههم لعلها ترى عامرًا أو عبد الرحمن، فلم ترَ أحدًا، فترجح عندها أن الذين تراهم ليسوا كل الجند، فسألت عبدًا كان منفردًا عن الركب، فعلمت أنهم الحسين ورجاله جميعًا. فاستغربت ذلك وانقبضت لما علمته من كثرة جند الأمويين في القادسية، واشتغل خاطرها على عبد الرحمن وعامر، ثم رأت جماعة أسرعوا فنصبوا فسطاطًا كبيرًا في سفح الجبل، وبعد قليل أقبل فارس حسن اللباس والقيافة جليل القدر يحيط به الرجالة وعليه جبة من خز وعلى رأسه عمامة، وقد اختضب بالوسمة (وهي ورق النيل أو نبات يخضب بورقه) وهو في نحو السابعة والخمسين من عمره ولا يزال الجمال ظاهرًا في وجهه مع ما فيه من آثار الانقباض، فعلمت أنه الحسين، فاشتغلت لحظة بالتطلع إليه فإذا هو قد ترجَّل ودخل الفسطاط وهو صامت كأنه يفكر في أمر ذي بال، وأشار إلى رجاله أن يرشفوا الخيل ترشيفًا، وسلمى بالباب في جملة الواقفين وعيناها تتنقل في الناس، ثم تحولت إلى سائر المعسكر وتفحصت الرجال ببصرها فلم تجد عامرًا ولا عبد الرحمن فاضطرب قلبها وارتابت في كلام الناسك، ثم عادت إلى الخيمة لعلها تجد أحدهما فيها، فرأت فارسًا قادمًا من جهة الصحراء وعليه لباس الأمراء، ففتح له الناس طريقًا حتى أقبل على الخيمة وترجَّل ودخل على الحسين، فلم تعرفه سلمى ولكنها سمعت بعض الناس يتحدثون عنه ويتذمرون من قدومه، ثم علمت أنه الحر بن يزيد التميمي قدم من القادسية في ألف فارس لرد الحسين عن الكوفة، فالتفتت سلمى إلى الناحية الثانية من الجبل فرأت الخيل قد ملأت السهل.

ثم دخل الحر على الحسين وقال له: ما الذي جاء بك إلى هنا؟

فقال الحسين: «إني ما جئتكم حتى جاءتني كتبكم بأن أقدم إليكم.»

فقال الحر: إننا والله ما ندري ما هذه الكتب.

فقال الحسين: «أتكتبون ثم تنكرون؟!»

قال: إننا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وإنما نحن أُمرنا إذا لقيناك ألا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد.

فقال الحسين: «الموت أدني إليكم من ذلك.» ثم صاح في أصحابه: «قوموا فاركبوا وانصرفوا.»

فاعترضه الحر قائلًا: بل لا ينصرفون.

فصاح الحسين فيه: «ثكلتك أمك، ماذا تريد؟»

قال له الحر: أما لو غيرك من العرب قالها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل كائنًا ما كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه.

فقال الحسين: «فما تريد؟»

قال: أريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله.

قال: «إذن والله لا أتبعك.»

فنظر الحر إليه وعيناه تعتذران عن جرأته وقال: إني لم أومر بقتالك، وإنما أُمرت ألا أفارقك حتى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقًا لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة ريثما أكتب إلى عبيد الله فأستشيره في أمرك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤