الفصل الثاني

يُكشَف الستار عن قطعة أرض من بستان الروضة، فيه إلى اليمين مقعد من الخشب جميل الصنع عليه متكآت من الريش، وهذا البستان على نهر النيل، وطريق الجيزة ظاهر من وراء الماء، وإلى يسار المرسح بالنسبة للمتفرج قصر عربي جميل البناء، هو قصر الهودج الذي بناه الخليفة الآمر للبدوية. أما هذا القصر فيقع عند الممثلين في منتصف الجدار الأيسر للمرسح، بحيث تبقى مسافة بينه وبين النيل، ومثلها بينه وبين المتفرجين، وللقصر باب صغير إلى جانبه نافذة صغيرة ذات شباك مربع من النحاس، إذا ارتفع الستار وجدت البدوية جالسةً على المقعد في ملابس جميلة، والمرأة رَيْطَة — بفتح الراء، وتسكين الياء، وفتح الطاء، التي ورد ذكرها في الفصل الأول — واقفة إلى يمينها، فهي متجهة إلى الجمهور، وهي لابسة ملبس الوصيفات، ووجهها قد شُوِّه بشيء من الكحل مدلى فوق خدها يستر حقيقة خلقتها الجميلة، والمرأة عصبية المزاج شديدة النشاط، أما البدوية فظاهرة الكآبة في جلستها، ويراها الرائي قد اتكأت بمرفقها إلى جانب المقعد وأسندت رأسها براحتها؛ ولذا فهي مائلة في الرقدة …

البدوية : تشفقين علي، وأنت التي أغريت الخليفة بي؟
ريطة : إذا ساءك ما فعلت فحسن ظني شافع، لقد زعمت أنك تعرفين أن الدنيا أربعة أمور: مأكل، ومشرب، وملبس، ومنامة. وإن الذي ينالها على أحسن حال هو السعيد، وإنك تعلمين أن هناك شيئًا خامسًا لا أستطيع ذكره في حضرتك، فإذا أنا مكنتك من كل ذلك في قصر الخليفة، وكان الخليفة لك زوجًا، كنت …
البدوية : والقلب يا ريطة؟ ونعمة الحب؟ إني أحب ابن عمي، ولا أشتهي من الدنيا شيئًا سواه، هو دنياي وجنتي، وما هذا القصر بأحب إلي من خيمة أبي، ولا هؤلاء الأجناد بأعظم من عبيده، وما جلستي بجوار هذا الخليفة بأعز علي من رؤية ابن مياح يحادثني وأحادثه كالحمامتين استقلَّا عن الدنيا في مهب الرياح، آه يا ريطة لعمري!
للبس عباءة وتقر عيني
أحب إلي من لبس الشفوفِ
وآكل كسيرةً في كسر بيتي
أحب إلي من أكل الرغيفِ
وبيت تخفق الأرياح فيه
أحب إلي من قصر منيفِ
ما نعيم الحياة يا ريطة إلا راحة القلب، وأين مني راحة القلب وحبيب القلب مفقود؟! واحسرتاه عليك يا حسين!
ريطة : ولكن ماذا ينفع هذا النحيب يا مولاتي؟ لقد قضى ابن عمك في ذمة الله كما بلغت، فهل ينفعك اليوم وَجْدك عليه؟ تدبري يا سيدتي وانظري، أعاد إليك ابن مياح بعد إذ فارقته عامًا؟
البدوية : لو كان في الأحياء ما تركني هنا.
ريطة : إذن فلماذا تمنعينن نفسك عن الخليفة، وتسومينه كل هذا الهجر، وهو راضٍ بذلك، صابر حتى تهدأ ثائرة نفسك؟ لعمري لو كنت من القطا ثم مضى عليك مثل ما مضى لاستأنست، ويحي! ماذا ينفع ابن مياح اليوم وفاؤك وهو في أحضان الملائكة؟! …
البدوية : أقصري يا ريطة أقصري، أراك تفتحين جراح قلبي وتدمين حبات فؤادي، أما يكون الوفاء إلا للأحياء؟! لقد جهلتُ الشعر وأنكرتني المكارم إن خنت عهد ابن عمي في نواه.
ريطة : ستأسفين يا ابنتي على عمر تقضينه حزنًا وبكاء، وشباب تقضينه همًّا وشقاء، من ذا الذي يشعر بمصابك ويرق لحالك، بل هبي أن في الناس من يرثي لك ويتوجع، فما ينفعك الرثاء؟
البدوية : لا شيء لا شيء، ولكن للحزن لذة وللبكاء نشوة، هما بعض رحمة الله وحنانه.
ريطة : ولكنك إذا فكرت، ثم قلت ما هذا الخيال الكاذب الذي أنا فيه، ثم نهضت فاقتبلت موكب السعادة المقبل عليك؛ لحمدت عقباك وأسِفت على ما فات.
البدوية : هيهات! ليس إلى العزاء سبيل.
ريطة : ما لي معك حيلة يا بنية، ولكني أشفقت على شبابك، فأردت أن أبقي عليك؛ لأن الخليفة …
البدوية : إني أعرف ذلك، ولهذا أعددت نفسي. لن أرضى في الناس بابن عمي بديلًا. أسمعتِ؟
ريطة : والسيف يا أميمة؟
البدوية : هذا كل ما كنت أرتجي، أفإذا عرض لي الموت الذي يجمعني بالحبيب آباه؟! وافرحة القلب ونعماه!
ريطة : بارك الله فيك يا أميمة (تُقبلها)، والله لأنقذنك منه يا أميمة، يمين الله عليَّ ذلك يا ابنتي، ولقد سبرت غورك الآن عامًا كاملًا، فلم أعد أخشى فضيحة سري.
البدوية : ما هذا يا ريطة! لقد بدل منك، ألهذا سر؟
ريطة : سر، وأي سر يا ابنتي؟ أتقسمين أن لا تبوحي؟
البدوية : كيف تطلبين إلي هذا، وقد أفضيت إليك بسري، وما سألتك عليه قسمًا؟
ريطة : إذن فاذكري أني أنا جارية الإمام المصطفى لدين الله زعيم الإسماعيلية.
البدوية : من هو هذا؟
ريطة : الأمير نزار بن المستنصر بالله أخو الخليفة المستعلي أبي هذا الذي في دست الخلافة.
البدوية : أنت جارية عمه الذي قُتل ظلمًا في القصرين.
ريطة : أجل! أجل! بل أنا أم والدة الأمير حسن الذي هو الآن في برقة فارًّا من ظلم ظالمه حتى يأذن الله …
البدوية : وكيف لا يعرفك هذا الخليفة؟
ريطة : يعرفني! كيف يعرفني وقد فررت بولدي إلى برقة قبل أن يُولَد، لقد مضى اليوم ست وثلاثون سنةً، بيد أني أخفي نفسي حقيقةً تحت هذا الكحل كما تفرست بالأمس خشية أن يفتضح أمري لمن يعرفني، ولكني أحمد الله على أنه عمل برأيي فلم يُحضر معك في هذا القصر أحدًا من أهل أبيه.
البدوية : وماذا جاء بك إلى ديار أبي في الصعيد؟
ريطة : جئت أعمل لرد الخلافة إلى ولدي.
البدوية : ولكنك لم تفعلي شيئًا، أكنت تريدين أن تستنصري بقبيلتنا؟
ريطة : بقبيلتكم؟ قبيلتكم التي عاونت المستعلي على قتل سيدي!
البدوية : إذن فلماذا جئتنا؟
ريطة : لم أشأ أن أطرق القاهرة حتى أعيش بين عرب الصعيد ونوره عهدًا أصقل به ما صدأ على لساني من لهجة أهل المغرب، حتى لا يستريبني هذا الخليفة إذا أنا حادثته؛ فقد علمت أنه كثير الحذر يخشى أنصار ولدي، ولما كنت قد علمت أنه مولع بالأعرابيات، وكنت قد سمعت بما مَنَّ الله به عليك من جمال الحور …
البدوية : وي، وي!
ريطة : رأيت أقرب خطة للبلوغ إليه والقرب من نفسه أن أعلمه بأمرك، ولم أكن أدري أنك عالقة القلب بابن عمك.
البدوية : كيف؟ ألم أخبرك أني كنت على وشك أن أُزف إليه؟
ريطة : حسبتك ككل مخطوبة يا بنية، إن تكن تحب خاطبها فإنها لا تأبى أن تكون لخاطب أحسن منه، على أني كنت ذات مقصد زعمت تحقيقه يدنيك أنت من السعادة.
البدوية : آه يا ريطة، انظري ماذا فعلت؟! قتلت لي أبي، وابن عمي، وعبيد أبي، قوضت بيتي، ونزعتني من بين ذراعي من أحببت من أجل غرض لك قد لا يتحقق.
ريطة : صه! لا تنفري، إنه محقق بإذن الله.
البدوية : أنتم أيها الناس تستحلون كل شيء باسم الله في سبيل أنفسكم، ولا تعرفون أية جريمة تقترفون، عفا الله عنك يا ريطة … ومن ذا الذي جمعك بابن الأفضل؟
ريطة : جمعتني به المصلحة، إنه يضمر السوء لهذا الخليفة.
البدوية : يضمر السوء، وهو الذي كان معه يوم سرقني، بل هو الآمر بذلك؟!
ريطة : لم يكن يستطيع أن يفعل غير ذلك ليوغر صدر الأعراب، إنه يريد أن يملأ الدنيا له كرهًا.
البدوية : لِمَ هذا؟
ريطة : لأنه قتل له أباه، وأبوه الذي بايعه بالخلافة كما بايع أباه من قبل، قتله وهو ذو الفضل عليه، كما قتل وزيره المأمون بعده لمَّا أراد هذا أن يستخلف أحمد بن نزار.
البدوية : أحمد أخا ولدك حسن؟
ريطة : أجل، كان أكبر أبناء سيدي نزار، وكان قد فر إلى اليمن حتى دعاه الوزير المأمون البطائحي إلى القاهرة سرًّا فجاء، واستكشف الآمر أمره، فقبض على أحمد وعلى المأمون وإخوته الخمسة، وقتلهم.
البدوية : يا لله!
ريطة : واليوم لا يستوزر الخليفة وزيرًا ولا يولي أميرًا، أفتعجبين أن يحنق أبو علي لزوال دولته عنه، وكان الملك في بيته منذ عهد جده أمير الجيوش بدر الجمالي.
البدوية : إذن، فهو يعمل في الخفاء على خلعه.
ريطة : أجل وتولية ولدي، أفي ذلك ريب؟! لذلك يممت قصره، وألقيت إليه نبأي، وأقرني على رأيي. وذهب للخليفة من فوره، فرحل هذا إليك، ثم أتيت، وجعلني في خدمتك.
البدوية : أو الرقابة عليَّ؟
ريطة : أنا التي دبرت ذلك بمعونة أبي علي، وإنما رضي بذلك ليأمن سعاية نسائه.
البدوية : وما كان قصدك مني؟
ريطة : لم يكن لي منك قصد إلا أن أصل إلى الخليفة، وها قد وصلت، ولكني غير قادرة على تحقيق غرضي، وبما أنك يا بنيتي لا تريدينه، وقد سبرت غورك، فتبين لي أنك لا تودين البقاء هنا، تشتهين العودة إلى بلادك، فكوني معي واتكلي على الله.
البدوية : وكيف ذلك؟
ريطة : أريد أن تساعديني على قتله.
البدوية (بفزع) : قتله! (تصمت) هذا جرم فظيع.
ريطة : وهو … ألم يقتل أباك، وابن عمك؟ … دخل عليهما ضيفًا، وخرج سفاحًا.
البدوية : بلى! بلى! ولكن جزاءه بيد الله لا بيدي يا ريطة، كيف ألقي بنفسي في نار جهنم؟!
ريطة : لقد حسبتك تثأرين لقومك يا أميمة، هل يترك العربي ثأره؟!
البدوية : كلا، ولكن لا يليق بالعربية القتل، ولا بالمسلمة الختل.
ريطة (لنفسها) : يا قوة الله! لقد خاب الأمل، ألا تريدين الخلاص من هذا الخليفة؟
البدوية : بلى!
ريطة : أنا أخلصك منه، ولكن على شرط واحد.
البدوية : وهو؟
ريطة : إذا دخل عليك ثم استلقى في فراشه ونام، أن تنهضي تفتحين الباب، منه تخرجين إلى البادية، وأدخل أنا عليه بالقاضية.
البدوية : ولا هذا أيضًا.
ريطة : إذن فوالله لا تبلغين العتق الذي تشتهين.
البدوية : لعمري لا، الرق أحب إلي من أن تكون لي يد في قتيل.
ريطة : ليكن ذلك، أترضين بالخلاص على أن تتركي باب غرفتك، وأنت فيها وحدك مفتوحًا ثلاث ليالٍ متوالية؟
البدوية : ولِمَ هذا؟
ريطة : لا شيء سوى أن أدخل إليك، ثم أحملك أنا ورجالي برًّا بقسمي ما دمت قد أقسمت لك بذلك.
البدوية : لقد كان في الإمكان ذلك منذ عهد بعيد، فلماذا تلجأين إليه اليوم؟
ريطة : أريد أن أبعدك عن مشهد الدماء.
البدوية : أليس في ذلك تآمر؟
ريطة : إني لا أدعوك إلى مناصرتنا، وإنما أعمل على البر بقسمي وعلى أن أحفظ عفافك عليك، فإذا شئت أن تحتفظي به فهذا تدبيري.
البدوية : أقره، ولا أشهده.
ريطة : هذا ما أردت، والآن فانهضي ندخل الهودج، اليوم عيد النيروز وسيفد أهل مصر والقاهرة على هذه الحديقة على عادتهم كل سنة، هلمي …

(تتقدمها، تفتح الباب الصغير، وتدخل وتتبعها البدوية، ثم قبل أن تدخل تقف وتنشد.)

البدوية :
رب إني أنيب مما أراه
حائمًا في سماء هذا المقامِ
إن نفسي تتوق للعتق لكن
بئس عتق يُنال بالإجرامِ

(ويفتح الباب وتدخل، وإذا بالأمير أبي علي قد دخل يمشي الهوينى من اليمين، ثم يتقدم هنا وهناك، وينظر ثم ينطق بسر اللقاء.)

أبو علي : نيروز، نيروز!
ريطة (تطل من النافذة الصغيرة التي في المرسح المفصلة بمربعات النحاس) : غدير، غدير!
أبو علي (يتقدم من النافذة) : أنت هنا يا ريطة!
ريطة : مرحبًا بأبي علي.

(أثناء الحديث يدخل أسامة، وهو مُرتدٍ برنسًا أبيض ذا قبعة، وهو محني الظهر قليلًا، وهيئته تدل على أن بفؤاده خبالًا، ثم يقترب من النيل، ويجلس يأخذ بعض عشبه، ويأكل كالقردة.)

أسامة : هذا مكان جميل، ومرعى خصيب.
أبو علي : ماذا فعلت يا ريطة؟
ريطة : لم ترضَ البدوية أن تقتل الرجل بيدها.
أبو علي : ربما كانت قد عادت فأحبت الرجل.
ريطة : أما هذا فلا، لقد سبرت غورها، قلبت عليها وجوه النصح والتزيين، فلم تزد إلا تعلقًا بابن عمها وكرهًا للرجل.
أبو علي : كأنها لا تسطيع …
ريطة : إنها تأباه، وتنفر منه خشية عذاب الله.
أبو علي : أهي من هؤلاء؟
ريطة : بل لقد أبت أن تفتح باب غرفتها والرجل فيها، ولكنها وعدت أن تفتحه إذا لم يكن بها ثلاثة أيام متوالية، وإذ إنه يأتي إليها مرةً كل يومين إلى آخر الليل إذا عاد من مجلسه في القاهرة، فما عليك إلا أن تحضر رجالك، أدخلهم غرفتها وهي نائمة، حتى إذا دخل الثعلب ظفروا به إذ ذاك.
أبو علي : أحسنت أحسنت، سأعد العدة للغد، أصبح اليوم أمر الروضة وحراسها في يدي، فاطمئني.
ريطة : هذا خبر سار.
أبو علي : وأَسَرُّ منه أن سيدي الأمير حسنًا حاضر إلى مصر قريبًا.
ريطة : حاضر! أوصلتك منه رسالةً؟
أبو علي : بل من شيخ الجبل، ينبئني أنه أرسل يستدعي الأمير من مخبأه الذي تعلمين، يوصيه بالرحيل إلى مصر سرًّا، كما أنه خبرني أن بمصر الآن فتى غريبًا أرسله في خدمة الله.
ريطة : وافرحتاه! وافرحتاه! هل أخبرك عن اسم هذا الفتى؟
أبو علي : قال إنه يُدعَى اليوم «ذو الفقار».
ريطة : ذو الفقار اليوم، فما اسمه الأصلي؟
أبو علي : لم يخبرني به، ليس من الصواب ذكر اسمه، ذو الفقار هذا اسم سيف سيدنا علي عليه السلام.
ريطة : عليه السلام، وما علامته؟
أبو علي : صورة كبش ملوَّن في عمامته.
ريطة : صورة كبش؟
أبو علي : أتعرفين ما كناية الكبش؟
ريطة : لا أدري
أبو علي : الكبش كناية عن فداء فرقة الإسماعيلية، فأنت تعلمين أن إبراهيم الخليل لما رأى في المنام أن الله يأمره أن يذبح ولده إسماعيل لم يتردد في إطاعة ربه، وهَمَّ بذبحه، فأدركه الله وافتداه من السماء بكبش حنيذ.
ريطة : وهل هؤلاء الإسماعيلية ينتسبون إلى ابن الخليل إبراهيم؟
أبو علي : كلا، ولكنه تيمن، وتشبه جميل، والآن أستودعك الله، إني سأبحث عن هذا الفتى حتى ألاقيه، ثم آتي به إليك في أول الليل، فأدخليه حيث شئت.
ريطة : حسن! في وديعة الله.
أسامة : ما …
ريطة : ما هذا؟! رجل يستمع! قُضِي الأمر!
أبو علي : لي الويل. ما هذا … اختفي أنت (تختفي، ويذهب أبو علي صوبه) من أنت يا رجل؟
أسامة : أنا … ألا تعرفني؟
أبو علي : ويحك من أنت؟ … متى جئت هنا؟
أسامة : جئتْ منذ جئتْ (هذا التسكين على تاء الفاعل في جئت مقصود كي لا يعرف أبو علي هل يعني جئتُ بالضم أم جئتَ بالفتح).
أبو علي (بخوف) : ولماذا جلست هنا؟
أسامة : أبحث عن حماري.
أبو علي : تبحث عن حمارك؟ أين هذا الحمار؟
أسامة : أنت أخذته (ينهض) … هاتِ حماري … حماري الأصهب.
أبو علي : ويحي إني ما رأيت لك حمارًا.
أسامة : إذن فعليك اللعنة.
أبو علي : ويلاه … من هذا الرجل؟ إني أرى به شبه الحاكم بأمر الله كما وصفوا، أيكون هو الحاكم؟! لقد قال شيخ الجبل إنه سيعود إلى الدنيا بعد قرن من الزمان …
أسامة : أجل أنا الحاكم.
أبو علي : إنه يعرف ما في القلوب، ويلاه! لقد صدقت نبوءة الشيخ، متى نزلت من السماء يا مولاي؟
أسامة : أنا ما نزلت من سماء، ويحك إني كنت في الماء.
أبو علي (لنفسه) : لا شك في ذلك، قيل إن ملابسه وجدت ببركة الحبش ولم توجد جثته، فمن أعطاك هذه الملابس يا مولاي؟
أسامة : هذه ملابس الجنة، حاكتها لي الحور (يذهب صوبه) أين حماري قلت لك؟ لقد أخرجته الآن من البحر وجمعت له هذا العشب؛ فأين ذهب؟
أبو علي : والله ما رأيت حمارك الكريم يا مولاي.
أسامة (يصفق بيديه آسفًا) : إنه ينكر حماري الأصهب.
أبو علي : آه! لي الويل! تذكرت الآن أنه لا يعني حماره الذي كان يركبه، بل يعني شريعته التي سنها وخالفها الناس، لقد كان يكني عنها بالحمار (إلى أسامة) كلا يا مولاي لا أنكره.١
أسامة : إذن فعلي به، عجِّل! هاتِه!
أبو علي : كيف؟ إنك تعلم أني رجل جاهل لا أعرف الحق، فدلني عليه أكن لك نعم النصير.
أسامة : لا شأن لي، هاتِ حماري (يقبض على رقبته) هاتِ حماري، وإلا جعلتك بين فخذي (يهم بركوبه ويجره).
أبو علي : آه! آه! خادمك أنا يا مولاي.
أسامة : أنت خادمي؟! ليس لي خادم لقد قُتِلوا جميعًا في الصعيد ليلة سرقوا ابنتي.
أبو علي : ابنته! من هذا؟ (يتمعن فيه) من تكون يا رجل؟
أسامة : هلم! أوصلني إلى الفسطاط وإلا قتلتك.
أبو علي : ليس هذا فعل إله ولا ولي، أتراني عثرت بمجنون؟
أسامة : وأنت أيضًا تسميني مجنونًا … أنت أيضًا؟! هاتِ حماري، هاتِ حماري (يقبض على كتفه، وينظر في وجهه) آه أنت؟ أنت هنا.
أبو علي : هذا أبو البدوية الذي صرعته، ويلاه! حم القضاء.
أسامة : عرفتك يا سارق ابنتي، فلا مفر لك مني (يقبض على رقبته).
أبو علي : ويلاه، النجدة! النجدة!
أسامة : لا تَصِحْ، وإلا قتلتك على الفور.
أبو علي : وماذا تريد مني؟ هأنذا سامع فمُر بما تريد.
أسامة : أريد ابنتي، أين هي؟
أبو علي : في هذا القصر، في هذا القصر، هذا هو الهودج الذي ابتناه لها الخليفة خدرًا.
أسامة : خدرًا لها، وقبرًا له!
أبو علي : عسى الله أن يحقق ذلك.
أسامة : كيف؟ أأنت ترجو له ذلك؟ أنتَ!
أبو علي : كيف لا؟ لقد قتل لي أبي الملك الأفضل، وأنزلني عن الوزارة، وصادرني في مالي، وأراه قد ملأ الدنيا دمًا ونحيبًا، اعفُ عني يا أسامة! اعف عني …
أسامة : أعفو عنك! عنك أنت! وأنت الذي زيَّنت له سرقة ابنتي …
أبو علي : لا أنكر ذلك، ولكنه هو الذي أمرني أن أستصحبه، ولم يكن لي أن أخالف أمره، وهو يستريبني، بيد أني رأيته أعمى في غوايته، فكرهت أن أخرجه إلى النور حتى يكرهه الناس طرًّا، ولا سيما الأعراب؛ لأنهم كانوا أنصار أبيه على نزار.
أسامة : نحن لم نكن أنصار أبيه بل أنصار أبيك، إنه هو الذي دعانا لمقاتلة نزار في الإسكندرية، آه! لقد طالما حزنت إذ كنت تحت لواء أبيك، ولكنكم معشر الوزراء تعملون لأنفسكم باسم الخلفاء، فإذا رأيتم منهم ازورارًا انقلبتم عليهم، ورميتموهم بويلات الأمور.
أبو علي : لقد كان أبي حسن الظن بأبيه وقد صدق ظنه، ولكن هذا ماذا فعل بأبي وبالعرب وبالملة وبالدين؟! هلم معي يا أسامة، ليس هذا مكان الحديث، تعالَ معي إلى الدار أحدثك أعجب الأحاديث.
أسامة : ولكني أريد ابنتي، لا أفارق هذه الأرض حتى أراها.
أبو علي : ستراها، ولكن لا سبيل إلى هذا الآن، وإن وقفت ألف عام.
أسامة : لست أريد أن أملأ منها عيني، كلا، كلا، إنها في قلبي، ولكني أريد أن أعرف، أغَلَبها الرجل على عفافها فأقضي نحبي؟ أم ظلت كما أخذها مني؟
أبو علي : اطمئن يا أسامة، إنها على ما عهدتها، لقد كانت في القصرين حتى أسبوعنا هذا، ثم إذ تم بناء هذا القصر نقلها إليه، ولم تستصحب معها أحدًا من أهل القصرين. إن خادمتها جارية لي، وتعرف كل شيء.
أسامة : بارك الله فيك بما بشرت!
أبو علي : ولكن خبرني، أراك تتكلم عنها كلام العقلاء، أكنت تدعي الجنون؟
أسامة : لا، والله يا ابن أمير الجيوش، ولكني ما زلت منذ سرق الخليفة ابنتي أهيم في الفلوات، أقصد قبائل الأعراب في الصعيد، أشكو إليهم بثي لما أصابني في ابنتي، وأستنهضهم للأخذ بالثأر ممن انتهك حرمتي، فما نفروا معي، بل قال عني الجمع إني مجنون إذ أرفض زواج الخليفة من ابنتي، فهمتُ في الفلوات لا أدري بمن أستنصر حتى رأيتني أصرخ من وجدي في الفضاء: أُمَيْم أُمَيْم، ولا أسمع إلا صدى صوتي، فملكني من ذلك خبال يساورني من بعده بعض الأحيان جنة أتبينها في نفسي، وأهم أقلع عنها فلا أستطيع، ولقد اندفعت بي قدماي إلى جزيرة الروضة هذه؛ إذ علمت أن الخليفة يبتني بها قصرًا لابنتي، فلما نظرت في البحر زعمت أنه يبلغها صوتي، فناديتها، ثم ناديتها، وإذ ردد البحر صوتي ولم تُجِب، عاودني الجنون، فهمتُ مرةً أخرى حتى بلغت هذا المكان، ولكني في رشدي يا أبا علي لولا تهدم جسماني.
أبو علي : هوِّن عليك، هوِّن عليك، إني سأريك ابنتك.
أسامة : بل أريد أن أعود بها إلى الصحراء، أطنب لها خيمتي كما كانت، وأقعد بها ابنتي كما كانت، ثم أزفها إلى ابن أخي حسين.
أبو علي : سأعينك على هذا، ولكن خبرني أين ابن مياح اليوم؟ لقد خبرت أنه مات قتيلًا.
أسامة : كلا، كلا، لا قدر الله، إنه كان ملقى على الأرض صريعًا لا قتيلًا.
أبو علي : وأين هو الآن؟
أسامة : لا أدري.
أبو علي : ألم تسمع عنه شيئًا؟
أسامة : قيل إنه ذهب إلى الشام.
أبو علي : لماذا؟
أسامة : لا أدري.
أبو علي : أيكون قد ذهب إلى حلب؟
أسامة : هكذا خبروني.
أبو علي : يريد لقاء شيخ الجبل.
أسامة : لم يخبرني بذلك أحد … بل أجل، هكذا قال لأخته ناعسة.
أبو علي : إذن فهو الذي عاد اليوم من حلب — وعنه ورد لي الخطاب — لا شك في ذلك، لقد حان أن أنتقم لأبي، وأعيد الملك في بيت أمير الجيوش.
أسامة : ماذا تعني؟
أبو علي : لا يعنك هذا، ستُرَد إليك ابنتك عما قريب، ولكنك لن تراها حتى ترى ابن أخيك أولًا.
أسامة : بل أراها بحق الله عليك، أين ابن مياح اليوم؟ لعله لا يأتي أبدًا.
أبو علي : بل إنه بمصر.
أسامة : ولكنك لم تخبرني، لماذا أنتظر حتى يعود ابن مياح؟
أبو علي : لأنه معه مفتاح ذلك، إن شيخ الجبل زعيم الإسماعيلية ناقم على الخليفة؛ لأن أباه قتل سيدهم الأكبر نزارًا عمه الأكبر، وأنا اليوم على رأيهم.
أسامة : أنت أيضًا يا ابن الأفضل؟
أبو علي : أنا قبل كل إنسان.
أسامة : أتريد قتل أمير المؤمنين؟
أبو علي : هذا ما إليه أقصد إن وفقني الله لذلك.
أسامة : إذن، فإليك عني أيها الخائن. تقتل أمير المؤمنين، تقتل خليفة رسول رب العالمين، إليك!
أبو علي : ويحك يا أسامة! ماذا أصابك؟
أسامة : تقتل ابن فاطمة الزهراء بنت خير من أقلت الأرض، وأظلت السماء؟!
أبو علي (لنفسه) : أترى الرجل عاودته جنته، لعنة الله عليه … (لأسامة)، وابنتك أترضى لخليفة رسول الله أن يستبيح عرضها؟
أسامة : من هذا؟
أبو علي : خليفة رسول الله.
أسامة : يستبيح عرضها؟!
أبو علي : أجل.
أسامة : ويحك! أيستباح عرضي وأنا حي؟!
أبو علي : ما هذا؟ أرى الرجل قد جن.
أسامة : ما جن إلا أنت!
أبو علي : ولكن أميمة ابنتك، ابنتك التي كانت كزهرة الروض يانعةً نضرة. تشرق على الدنيا كأنها الشعرى يا أسامة، أنسيت أميمة؟ أنسيت الذي أخذها من بيتك عنوةً، وكانت بين ذراعيك وذراعي زوجها الذي أحبك. آه! يا لمروءة العرب! يا لشرف الآباء! مسكينة أنت يا أميمة!
أسامة (يبكي) : ابنتي ابنتي!
أبو علي : لا تبكِ، لا تبك، لماذا تبكي؟! دع البكاء لابنتك وحدها، أنت تريد أن تكون صهرًا للخليفة، وهي تأبي إلا أن تحفظ عفافها عن العرب، سأخبرها بذلك عسى أن يقطع اليأس سيل دمعها، وتستسلم لقضاء الله.
أسامة : لا، لا، لا تخبرها بالله، ابنتي أميمة، أرِنيها.
أبو علي : لن تراها.
أسامة : أرنيها بحقي عليك.
أبو علي : وإذا لقيك الخليفة؟
أسامة : أقتله بيدي! بيدي، وأنتقم.
أبو علي : ولكنك أنكرت مني ذلك الآن!
أسامة : أنا؟!
أبو علي : أجل، أنت!
أسامة : لا، ورب الكعبة لا … أجننت أنا حتى أنكر عليك هذا.
أبو علي : إذن، فتعالَ نرتقب الفرصة كما خبرتك، إنك إن تبدُ لها الآن تنبه الخليفة، فقطعت السبيل على ابن أخيك، أنت رجل شيخ فاتر الذراع متهدم كما قلت، فاعتمد علي، اعتمد علي، وتوكل على الله في تدبير الأمور.
أسامة : أنا فاتر الذراع؟! أنا فاتر الذراع؟! (يعدل قامته، ولكنه لا يستقيم تمام الاستقامة) آه! لن تفتر لعربي ذراع، وفي صدره نفَس يتردد … ويحك يا أبا علي، هذا ذراعي إذن فترِّب ذراعي (يجرد من تحت برنسه سيفًا كان يخفيه).
أبو علي : أغمِد، أغمد، وتستر! ليس هذا أوان تجريده.
أسامة (يغمد السيف) : صدقت!
أبو علي : تعالَ معي إلى داري، هلم! إنك فاضحي إن بقيت.
أسامة : لا بأس بالانتظار حتى حين.
أبو علي : هلم (لنفسه) ليس هو المجنون بل أنا، هلم (يتقدمه).
أسامة :
ابنتي ابنتي رويدك إني
أتقفى آثار من ظلموكِ
كفكفي الدمع إن دمعك غالٍ
لا تذيليه أو يموت أبوكِ

(يخرج من اليمين، وراء أبي علي، وعند ذلك يسمع لغط قوم يدنون من جهة اليسار كأنهم آتون من مصر الفسطاط، يعزفون، ويطبلون، ويرقصون، ويغنون، وكأن بينهم جارية يرد عليها الجماعة، ثم يدخلون فتراهم في ملابس زاهية على وجوههم لمعة البشر والسرور؛ لأنهم في عيد هو عيد النيروز، وبينهم فتى في الثانية والعشرين من عمره قد تلثم وتحنك، وعلى رأسه شال عمامة نقشت فيه صورة كبش باللون الأحمر، أما ما كانوا يغنون فهو.)

المغنية :
زهر الربيع مثل الأقمارْ
ملا علينا الروض أنوارْ
هاتِ الكؤوس هاتِ الأوتارْ
نشرب ونطرب ونغني

(ويرقصون على هذا النغم، ويردده المغنون وراء الجارية المغنية، ثم تنبري المغنية تغني البيتين الآتيين.)

المغنية :
عيد البلاد عيد النيروزْ
ولله ما نبيعه بكنوزْ٢
هاتِ الخوابي هاتِ الكنوزْ
نملا ونشرب ونغني

ويردد المغنون البيتين الأوليين، زهر الربيع … إلخ. تنبري المغنية وحدها تغني البيتين الآتيين.

المغنية :
عيدنا جمع آسيا وموسى
وأحمد ودميانة وعيسى
امتى نبطل دي الهوسه
علشان ما نطرب ونغني؟٣

يردد المغنون البيتين الأولين: زهر الربيع …

المغنية :
قولو معي يا اهل بلدنا
الله يخلي اللي جمعنا
ويفرق اللي فرقنا
علشان ما نفرح ونغني

(ويردد المغنون زهر الربيع … إلخ، ويشربون جميعًا، ويعودون إلى الرقص.)

مياح (يرقص مع الجمع، ولكنه لا يشرب، ثم تراه يقف من آنٍ لآنٍ ينظر إلى النافذة ثم يتأوَّه ويقول) : آه! آه! آه! هنا، أُمَيْم هنا، أُمَيْم آه.
المغنية : ما بال أمير النيروز يتأوه؟
مياح : طربًا لصوتك يا مليحة، هلم (يعود الرقص، فإذا اشتغل الجمع بالرقص عاد إلى الجدار وأخذ يتأوَّه) أُمَيْم! أُمَيْم! آه!
المغنية (بعد أن تكون قد غنت الدور الرابع والراقصون رقصوا) : كأني بهذ الأمير قد أنهكه الرقص …
مياح (يتنبه) : غني يا مليحة، غني البيتين اللذين حفظنك إياهما في الخان.
المغنية : حبًّا وكرامةً، هلم يا بنات!

(هنا تفتح نافذة القصر، وتظهر فيها البدوية، ووراءها ريطة، وتأخذ البدوية تستمع للغناء والرقص):

نعمة الحب يا حبيب فؤادي
متعة من نعيم جنة عدن
فاحفظ الحب بالوفاء لتحظى
بنعيم الفردوس في المنزلين
البدوية : كأني أسمع شعري يا ريطة!
مياح (لما رآها قد فتحت النافذة وقف مضطربًا بجوار القصر تحت النافذة تقريبًا، ويتقدم ويتأوه وهو قابض على يسار صدره بيده) : آه! آه!
أحد الجمع : دعونا من هذا النشيد يا رفاق، إنا نحن أهل مصر، ولنا الحق في تسيير أغاني العيد على هوانا، لا على هوى فتى غريب عنا وعن بلادنا، هلم يا فاطمة أعيدي ما قلت أولًا أو فزيدي، هلم! (يرقصون سكوتًا، ويشتغلون بالرقص مدة كلام البدوية) …
البدوية : فتى غريب! أيكون ابن مياح بينهم؟! ويلاه! أين مني اليوم حسين؟ وأين أبي؟ هل ترد القبور ودائعها؟! واحسرة النفس عليهما! واشقائي، وحرقتي، وعذابي!
أحد الجمع (الذي هو المتكلم سابقًا) : لماذا لا تغني يا فاطمة؟
غيره : إنها لا تريد أن تنقض رأي الجماعة.
أحد الجماعة : كيف ذلك؟
غيره : إننا ارتضينا هذا الفتى الغريب أميرًا لنيروزنا، ومن العيب أن ننقض ما اتفقنا عليه.
أحد الجماعة : هذا صحيح، ولكن البيتين لا يناسبان المقام.
مياح (بصوت متألم) : أي مقام غير هذا لهذا الشعر يا رفاق؟! أي مقام؟! فتشوا في خبايا القلوب، وانظروا من فيه، لعمري لو نظرتم لوجدتم …
أحد الجمع، وغيره : البدوية، البدوية.
الجماعة (على إثر ذلك) : البدوية.
مياح : أجل! هي، هي (ويكون كلام ابن مياح بين كلام الثلاثة الأول، وكلام الجماعة، ويعلي صوته ولا يبالي، وإذا انتهى الجمع من النطق كان ابن مياح يتم قوله) هيه.
البدوية : صوته، والله! ولكن أين هو؟ إني لا أرى له شبحًا، وإن كان خياله يتردد أمام ناظري.
ريطة : تريثي يا مولاتي، لا يليق بك أن تفضحي أمرك في الناس.
أحد الجمع : غني يا فاطمة، غني مدح البدوية الذي أعددت عساها تنظر إلينا، إن هذا اليوم لا يُعوَّض، إنه يوم يعيد فيه أهل مصر جميعًا، وقد أسقطوا كل شيء إلا الأخوة.
غيره : الدين للديَّان إن كان هناك ديَّان! ها! ها!
الجميع : ها ها ها.
أحد الجمع : زد على ذلك أن الخليفة لا يأذن لأحد من رعاياه بدخول حديقة الروضة إلا في عيد النيروز هذا، غني يا فاطمة.
المغنية : حبًّا وكرامةً:
يا أُصَيْحابي تعالوا وانظروا
مطلع البدر وحيوه معي
إن بدر الليل عنا غائب
خجلًا ممن بدت في المربع

(يرقصون، والبدوية تنظر، وابن مياح مضطرب يروح ويجيء لا يدري ماذا يفعل.)

البدوية : شكرًا لكم يا رفاق، شكرًا، متعكم الله بطيب الحياة، وحماكم لوعة الفراق.
ريطة : سيدتي! ما هكذا يكون الدعاء، ما خطبك؟!
البدوية : ادنوا مني يا رفاق، خذوا هذا، وانصرفوا على بركة الله (تنثر عليهم نقودًا) ادعوا الله يستجب دعائي، عسى أن يتولاني برحمته، إن صوت الجماعة مجاب.
الجماعة : آمين! آمين! (يقدم كل منهم منديله ينشره بين يديه وفمه ليتناول النقود في سقوطها).
البدوية (باضطراب وشك) : من هذا الملثم؟ لماذا لا يدنو؟ حادثيه يا ريطة، (لا تنتظر) ادنُ منا أيها الفتى! ادنُ منا! هاتِ منديلك يا أخي.
مياح : لا حاجة بي إلى المال يا سيدتي.
ريطة : ولكن الأميرة تريد ذلك (تنظر فيه وتتمعن).
مياح : الأميرة!
ريطة : أتأبى كرامة الأميرة، أم تريد أن تغضبها؟ (لنفسها) هذي صورة الكبش في طيات عمامته.
مياح : آه … (يمد صوته في آه، وعند ذلك تكون ريطة تنطق بآخر جملتها السابقة) أغضبها (تغرورق عيناه بالدموع) أغضبها! ما عشت لأغضب أميمة.
البدوية (في أثناء ذلك تطل من النافذة) : آه، مَن هذا؟ أكاد أراه، أعاد حسين إلى الدنيا؟ إني أرى به شبح ابن عمي.
ريطة : عليَّ بأمير النيروز (لا تنتظر دعوة ريطة)، هاتِ منديلك يا أخي (تنظر إليه بإمعان وحدَّة).
مياح : منديلي، ها هو ذا (يخرجه من جيبه، وقد تضرج بالدماء قليلًا، دماء جرحه القديم، وينشره بيده اليمنى على ذراعه اليسرى، بمعنى أنه ينشره، ثم يتلقاه على ذراعه اليسرى حتى يصبح صفحة واحدة، وإذ تنظر إليه البدوية تأخذ تتمعن فيه).
البدوية : ماذا على المنديل أيها الأمير؟
مياح : اقرأي يا سيدتي.
البدوية : نعمة الحب يا حبيب فؤادي … (تمسك عن القراءة فجأة، وتتأوه) آه! آه!
ريطة (بسرعة) : غني يا مليحة، وارقصوا يا رفاق، هلم هلم! (ابن مياح يطوي منديله على الفور، وتأخذ فاطمة في الغناء والجميع في الرقص).
البدوية : حسين! حسين!
ريطة : انصرفوا راقصين مغنيين.

(يغنون ويرقصون من باطن المرسح إلى خارجه حتى يخلو المرسح إلا من حسين؛ إذ يتأخر عنهم … ولا يبطل الغناء ولا الرقص بمجرد خروجهم من المرسح، بل يظلون عليه مدة حتى يدخلوا غرفهم، وعندئذ لا يسكتون دفعة واحدة؛ لأن انقطاع الصوت والحركة مرة واحدة يحدث في التمثيل فراغًا مكروهًا.)

البدوية : حسين! حسين! أنت هنا يا ابن عمي! أفي الأحياء؟! يا رحمة الله …
حسين (يصعد الأحجار التي تحت النافذة مضطربًا، ويكاد يبكي) : أميم. أميم. أنت التي تحدثين أم أن ذاك صدى طيفك في فؤادي الكليم؟!
البدوية : بل أنا بل عروسك يا حسين، أنقذني أنقذني خذني إليك، أألقي إليك بنفسي أيها الحبيب؟
مياح : أجل، هأنذا، ألقِ بنفسك ولا تبالي.
ريطة : ما هذا يا بني؟ ألا تخشى أن تسقط من يديك على الصخر؟
مياح : ويلاه!
البدوية : ساعديني أيتها الأم البارة، ساعديني وبري بقسمك، لقد فتح الله باب الفرج فأفسحيه لي بيديك.
ريطة : ليس هذا أوان الهرب، والطرقات غاصة بالناس، اصبري حتى يأذن الله.
مياح : لقد نفد صبري، نفد صبري كما نفد دمعي وزفير صدري، لقد نفد مني كل شيء فلم يعد بي إلا اللمح والأنين، أعيني على اللقاء حبيبين قطع الدهر أوصالهما، وعروسين منع القدر وصالهما.
البدوية : هل من سبيل إليه يا ريطة؟
ريطة : كيف السبيل يا ابنتي؟! تدبري وانتظري ليلتين (إلى ابن مياح) يا ذا الفقار!
مياح (بدهشة) : يا ذا الفقار أتعرفني!
ريطة : اذهب من فورك إلى أبي علي بن الأفضل.
البدوية : من هو هذا؟ شريك المحرم.
ريطة : لا يعنك هذا، إنه أصدق أصدقائك.
مياح : أهو كذلك يا أميمة، (لريطة) أين داره اليوم يا خالتاه؟
ريطة : عند باب زويلة، اذهب إليه من فورك واتكل على الله، اذهب قبل أن يعود الخليفة.
البدوية : لا تفارقني يا ابن عمي! لا تفارقني!
ريطة : آه! لعمري لتعملين على أن يقع ابن عمك في يد صاحب النقمة، ثم ترينه مسفوك الدم قتيلًا.
البدوية : صاحب النقمة! ويلاه. اذهب يا حسين، اذهب يا أخي، لا تعرض نفسك للأذى من أجلي (هنا يسمع صوت المغنية عن بُعد، أي من داخل غرف الممثلين، ثم تتقدم على مهل حتى تدخل المرسح في الموكب، فينزل ابن مياح متقهقرًا عن الصخر).
مياح : وداعًا (يعلي صوته)، وداعًا يا أميمة. أميمة (ينضم إلى الموكب).
البدوية : حسين! حسين! حسين! (تختفي، وتقفل ريطة النافذة).

(وصوت البدوية في حسين مسموع، كل ذلك قبل رجوع الموكب، ويكون انضمام حسين إليه ساعة دخول الراقصين.)

أحد الجمع : أين أنت يا أمير النيروز؟
مياح : هأنذا.

(على أحد الجمع أن يسأل سؤاله قرب انتهاء المغنية من الدور، فإذا نطق به ولم تكن قد أوشكت أن تنتهي، فليُعِده مرة ثانية، وعلى ابن مياح أن يكون جوابه قبل انتهاء المغنية أيضًا، ولا يهمه سمع الجمهور أم لم يسمع، الغرض أولًا سَبْك الحالة وجعلها طبيعية؛ لأن مثل هذه المواكب لا تكون مرتبة كحفلات الكنائس، وإذا انتهت المغنية نظر ابن مياح إلى النافذة، وتأوه من نفس نغم المغنية وعلى ضربه مع الترقي، ويجب أن يتعلم هذه الآهات عن معلم موسيقي) آه، آه، آه (يخرج مع الجميع).

الستار
١  كان أبو علي هذا — ويُدعَى قطيفة — يؤمن بإمام منتظَر، ولما قضي الأمر ضرب السكة باسم «الإمام المنتظر».
٢  فكرت الحكومة في جعل عيد وفاء النيل يوم النيروز ليُحتفَل بالعيدين في وقت معًا، وحبذا لو جعلتهما في يومين متعاقبين …
٣  قد أبطلنا هذه الهوسة منذ سنة ١٩١٩، والحمد لله!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١