تحية لهم، وعزاء لنا

غريبٌ جِدًّا هذا الإحساس، لم أشأ أن أحضر العملية؛ فالمصاب صديق والمعالِج صديق، وبُعدي عن الجراحة قد أنشأ بيني وبينها نوعًا من الجفوة حتى أصبحتُ وكأني ما زاولتها يومًا.

ولكني فوجئت بالدكتور أحمد البنهاوي يستدعيني لحجرة العمليات لأرى بعيني مدى الإصابة.

الدكتور أحمد البنهاوي ذلك الذي لم يتغير شكله كثيرًا منذ أن قابلته لأول مرة على «ترابيزة» الغداء في مدرسة الزقازيق الثانوية، أصبح الآن عميدًا لكلية طب جامعة عين شمس. الحقيقة حين علمتُ الخبر لم أستعجب وإن كنت قد دُهشت أن يقع اختيار مجلس الكلية المكوَّن من فطاحل الأساتذة على أستاذ جراحة المخ هذا الذي يبدو وكأنه في الثلاثين، عميدًا للكلية. بل أكاد أكون قد فرحت، فمن الفرح أن تجد واحدًا من دفعتك وصديقًا لك قد احتل مركزًا علميًّا خطيرًا كعميد لكلية طب راسخة مثل عين شمس.

ناداني الدكتور البنهاوي لأرى إصابة الرأس التي يعالجها، كان الصديق المصاب قد انهال عليه بعض الصعايدة بنبابيتهم على رأسه فكُسِرت الجمجمة، وحدث نزيفٌ رهيب داخل العظم، بحيث أُصيب المريض بشلل وأخذتْ حالته تتدهور حتى أوشك أن يسلم الروح. لم يكن هناك وقت لعمل أشعة أو لمعرفة بالضبط مكان الإصابة والشريان أو الوريد الذي ينزف. كانت أمامنا — كما قال الدكتور البنهاوي — نصف ساعة فقط، إذا لم تعمل العملية فيها مات ذلك الإنسان العزيز. ولم يكن بالمستشفى الذي كان يرقد فيه المصاب آلات جراحية تصلح لجراحة المخ (مع أنه مستشفى دار الشفا الكبير)! وهكذا ودون انتظار لعربة الإسعاف حملنا المريض في عربةٍ عادية وبأقصى سرعة إلى مستشفى الجمهورية.

والآن هو يُريني الجرح، كان شيئًا مهولًا خارقًا للعادة؛ كان عمق الجرح لا يقل عن عشرة سنتيمترات داخل الجمجمة، أمامي كان يدخل الشفاط فيه لعمق عشرة سنتيمترات ولا يأتي لآخره. وكان كمٌّ هائل من النزيف قد تكوَّن خارج «الأم الجافية» هذا صحيح، ولكنه كان يضغط بشدة ويكاد يخنق المخ بكل وظائفه.

المهم أنه بحذقٍ ليس غريبًا على البنهاوي تم شفط النزيف والورم الدموي، وبعد يومٍ واحد كان المريض قد شُفيَ من الشلل النصفي وجلس، ثُمَّ تحرك، ثُمَّ عاد طبيعيًّا تمامًا، وكأن شيئًا لم يكن.

أذكر هذا كله لسببٍ غريب، فقبل أقل من ١٥ عامًا كانت هذه الإصابة تعتبر قاتلة؛ إذ لم يكن الإنسان قد جرؤ بعدُ على ولوج ذلك الصندوق الرهيب المغلق؛ صندوق المخ. الآن هي لا تعالج فقط ولكن المريض بعدها يعود عاديًّا تمامًا كما رأينا.

الحقيقة أنه بعد العملية جلستُ وحيدًا في غرفة ملابس الأطباء يكاد الدم يطفر من عيني. هذه مهنةٌ واضحة سريعة الفائدة سريعة المفعول. هذا هو إنسان كان مُشرفًا على الموت تمامًا وإذا به الآن وبمبضع الجراح قد عاد إلى حالته سليمًا مُعافًى.

والآن تلك الكتابة التي أزاولها، ترى هل باستطاعتها أن تُعطي نتيجةً مُرضية لصاحبها تمامًا كما رأيت النتيجة الآن، أم هي أحيانًا كالأذان في مالطة تتساءل دومًا عنه وترى هل يسمعه أحد؟ أقول هذا الكلام لأن المضحك أن الصديق أحمد البنهاوي حاول منذ بضع سنوات أن يكتب القصص وقد كتب فعلًا أشياء جميلة، ولكن من حسن حظ مرضاه ومن حسن حظ الطب أنها لم تطلع في رأسه ويتخذها هوايةً دائمة أو حرفة.

أيها المنعَّمون بالنتائج الحية الملموسة لأعمالكم، وخاصة إذا كانت النتيجة هي إعادة الحياة إلى جسد دخل فعلًا منطقة الموت، تحية لكم وعزاء لنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠