للموظفين فقط

علامة بدت واضحةً كل الوضوح الآن، وهي سوء معاملة موظفي الدولة المتَّصلين بمصالح الجمهور للجمهور، وكأنهم ينتقمون منهم. وأنا أعلم تمامًا ما يعانيه الموظف من نقص في الدخل ومن مصاريف أولاد ومن ظروف معيشة ومن مليون مشكلة، ولكن ما ذنبي أنا زميله المواطن لينتقم مني ويُفرِّغ فيَّ أزمته.

أقول هذا لأني من بين أكوام الخطابات التي وجدتها تنتظرني لدى عودتي، قرأتُ هذا الخطاب الذي حزَّ في نفسي إلى درجة أفسد عليَّ فيها الحياة إلى الآن، فقد تصورتُ نفسي في موقف صاحب الخطاب، وظلَّ الألم يعتصرني ويلحُّ عليَّ، وأنا إذ أنشره لا أفعل هذا لأقلق راحة أحد، إنما لأرى إلى أي مدًى وصلنا في تعذيب أنفسنا.

  • (١)

    في ٣ / ١ / ١٩٧٧ أُخطرتُ تلغرافيًّا بوفاة نجلي محمد فريد، وكان يعمل خبيرًا اجتماعيًّا في المملكة العربية السعودية، وأن جثمانه سيصل إلى مطار القاهرة يوم  ٥ / ١ / ١٩٧٧.

  • (٢)

    توجهت إلى المطار في صباح هذا اليوم، ولكن الطائرة وصلت الساعة ١٢:٣٠ صباح يوم ٦  / ١ بعد انتظار أكثر من ١٨ ساعة.

  • (٣)

    وكانت الحكومة السعودية قد تكرَّمت وأرسلت مرافقًا يصاحب الجثمان وزوجة ابني وأولاده مشكورة.

  • (٤)

    استعلمتُ من إدارة المطار عن كيفية استلام الجثمان فطلبوا مني الانتظار حوالي الساعة، ثُمَّ التوجُّه إلى المخزن لاستلامه، توجَّهت أنا والمرافق إلى المخزن ولا أذكر رقمه بالتحديد، واستعلمت عنه فأخبروني أنه في المخزن الآخر الذي يبعد عن هذا المخزن بأكثر من ٣ كيلومترات، وفعلًا توجَّهتُ إليه واستعلمتُ منه، وبعد فترة قالوا لي إنها موجودة في المخزن الأول، وتأكيدًا لذلك فتحوا المخزن فشاهدتُ فيه تلالًا من الصناديق والحقائب ولم أجد فيه صندوق الجثمان. وعُدت أدراجي إلى المخزن الأول، فأبلغني أمين المخزن أنه سيبحث عن الجثمان، وطلب من المرافق (السعودي من فضلك) عدة أوراق قدَّمها له، وأخيرًا طلب مني طابع دمغة (بمناسبة مقالك عن الدمغة) توقيع ٢٥ مليمًا لأضعه على إيصال الاستلام. وكانت الساعة ٣ صباحًا، فأفهمته بأنه لا يوجد معي طوابع دمغة، وعرضتُ عليه أن يأخذ ثمنها فرفض وأفهمني أنه يوجد مكتب بريد بالبدروم يمكن شراؤها منه. فأفهمته بأنني متقدِّم في السن ولا يمكنني البحث في هذا المكتب، ورجوته أن يُرسِل أحد عمال المخزن لشرائها رفقًا بوالدٍ مات ابنه ويبحث عن جثمانه، وأخرجنا ورقة من ذات اﻟ ٢٥ قرشًا ليعطيها له ليشتريها ويعيد الباقي، فاعتبر سيادته ذلك إهانة له. أغلق المكتب على نفسه، فتركتُ المكتب وذهبتُ للبحث عن مكتب البريد فوجدته مغلقًا، وعلمت أنه يفتح ٦ صباحًا؛ فانتظرتُ على الباب أنا والمرافق (السعودي من فضلك) حتى فتح في الساعة ٧ صباحًا واشتريت الدمغة وذهبت إلى أمين المخزن وقدمتُها له، وظننت أن الأمر قد انتهى. وإذا بسيادته يطلب مني أن أختار أحد العمال من عمال المخزن لإحضار الجثمان لأنه لا يزال في الطائرة ولم يصل المخزن؛ وهنا لم أتمكن من ضبط أعصابي وصحت: لماذا أختار العامل الآن؟! ولماذا لم تقُلْ لي هذا عند طلبك إحضار الدمغة؟ وسقطتُ في غيبوبة، ولما أفقتُ بعد ساعة تقريبًا علمتُ من المرافق (السعودي من فضلك) أنه اختار أحد العمال وأعطاه جنيهًا أتعاب إحضار الجثمان. وحضرتْ عربة نقل الموتى ودار السائق بين المكاتب المتعدِّدة طورًا للاطلاع على رخصة القيادة، ومكتب آخر للاطلاع على رخصة السيارة، وثالث لأخذ تعهُّد عليه. وأخيرًا تسلمت هذا الجثمان — ابني حبيبي — وكانت الساعة ١٢:٢٠، أي بعد أكثر من ٣٢ ساعة من الإجراءات.

حسن حسني عبد الحليم
٢ شارع قنطرة غمرة، ميدان الظاهر

•••

عُذرًا لسردي هذه الفاجعة التي لا يمكن أن تحدُث إلا عندنا، إني لا أطلب تحقيقًا في الموضوع؛ فهو قد حدث ويحدث وسيحدث وآلاف غيره. ولكني أريدها مرآة تعكس لسادتنا الموظفين ما يقومون به أحيانًا بوعي أو بدون وعي انتقامًا من ظروف أو أزمات، أو هكذا، زهقًا وضيقَ حال، نحن منكم وأنتم مِنَّا، فلماذا يعذِّب بعضنا البعض؟ لماذا؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠