الإسكان تحوَّل من أزمة إلى مأساةٍ خلقية

مثلي مثل آلاف وملايين المصريين، تابعت خلال الأسبوعَين الماضيَين كل ما كُتب عن قانون الإسكان الجديد وما دار من نقاش؛ كل ما هو ضد القانون، وكل ما هو معه، كل من سمَّاه قانون إعانة أصحاب البيوت، وكل من جعله المُنقِذ الوحيد لأزمة الإسكان الرهيبة التي نحيا في ظلها، ولا أدري أهي الصُّدف المحضة أم لأن الحال عامٌّ ومزمِن وكالآلام الروماتزمية لا يكفُّ عن النقح والطنين؛ فقد تصادف أن وصلني في وقتٍ واحد ثلاثةُ خطابات، اثنان منها من رجلين والثالث من مواطنة سمَّت نفسها الآنسة السيدة.

أحد الخطابات كان في ست عشرة صفحة، وكان كأنه نابع من عمقِ آلامٍ عمرُها ألفُ عام، فقد كان من زوج يعرض عليَّ مأساةً بلغ حَرجي منها أن احترتُ أن أموت فيها على نفسي من الضحك غيظًا أو أغتاظ منها إلى حد الانفجار. ومشكلة هذا المواطن أنه تزوَّج من عشر سنوات، وظل زواجه موفقًا لمدة ست سنوات أنجب فيها ولدًا وبنتًا. والقصة طويلة، أختصرها بقولي إن زوجته كرهته وبدأت على حدِّ تعبيره «تلعب بذيلها.» وأخيرًا بعد أن ضاقت به السبل استجمع رجولته وقرَّر مواجهتها وفعلًا وفي غرفة النوم المغلقة (حتى لا يسمع الأولاد) واجهها. ودُهش هو بل رُوِّع لأنها لم تحاول أن تصرخ أو تتشنَّج أو تدافع أو تتَّهمه أو تصنع شيئًا من كل هذا؛ لأنها ببساطةٍ شديدة قالت: ما قلتَه ليس دقيقًا؛ فهذه المعلومات عائمة، أنا عندي معلوماتٌ وتفاصيل أكثر مما قلتَه بكثير، أنا بصراحة أصنع كذا وكذا، وفي نيتي أن أصنع كذا وكذا؛ لأنني كرهتُك بكل نفسي. ماذا تريد؟

أسهب في شرح ما جرى له لدى سماعه ما قالت، وفكَّر أن يهجم عليها ويظلَّ يضغط بيديه حول رقبتها حتى يقتلها. ولكنه كما يقول منعته أسبابٌ كثيرة، آخرها — ولكنه في رأيي أولها — أنه لا يملك الحيوانية الكافية لقتل فرخة، فما بالك بزوجته التي مهما كانت فهي إنسانة وليست فرخة. «إيه رأيك بقى؟ إن كنت راجل صحيح زي كل الرجالة طلقني.» وفعلًا كما يقول رمى عليها يمين الطلاق. وخرج إلى الصالة ليُدخِّن سيجارة ويُفكِّر فيما يصنعه بعد هذا. غير أنه فوجئ لدى أول خطوة يريد أن يخطوها بمشكلة لا يمكن أن تخطر على البال، إنه لا يستطيع أن يطردها من البيت؛ فالشقة في الحكم القضائي تعتبر مكانًا للزوجة ولأولادها، وأن عليه هو أن يذهب. ولكنه لا يملك مكانًا يذهب إليه، فهو لا يستطيع أن يقيم مع شقيقه أو شقيقته أو في بيت العائلة في قرية تبعد عن العاصمة ٣٠٠ كيلومتر، بينما عمله في العاصمة! يطردها ويُهدِّدها بالقتل؟! ويبدو أن الزوجة أو المطلَّقة كانت مستعدَّة لكل شيء، وقد ذكرت له أن الشقة بحكم القانون شقتها وأن الأولاد أيضًا بحكم القانون تحت ولايتها، وأنها قالت إنها لا تملك مكانًا تلجأ إليه، لا نقود خلوًّا لشقة ولا قريبة تسمح لها بالإقامة مع أولادها الاثنين معها. وأنا هنا قاعدة لا يستطيع أن يخرجني إنس ولا بوليس ولا جان. خرج إلى القهوة واستشار، وعاد وبات في الصالة، وفي العمل أيضًا، وبسرعة تامة، وبقيت المشكلة رابضة بلا حل، بلا أمل في أي حل.

في الحقيقة بقيَ حلٌّ واحد فقط، أن يُرجعها لعصمته، وذلك بأن يقوم بواجبه الزوجي فيصبح الطلاق كأنه ما كان. ولكنها رفضت هي بتاتًا هذا الحل، وتمامًا مجرد أن يلمسها؛ فهي لا تقبل حتى رؤياه، فما بالك أن يقضي ليلة حب معها؟ وهي متمسِّكة بالطلاق الذي وقع ولا ذرة أمل أن تُغيِّر موقفها.

– وأنا راخر متمسك.

– طيب شوف لك بقى حتى تتهوَّى فيها.

– ما ليش إلا هنا.

– والله تقعد هنا تمشي من هنا أنا ح أعمل اللي على كيفي، وإذا ما كنش عاجبك الباب يفوِّت الجمل.

وهكذا بدأت المأساة التي كَتب لي القارئ ست عشرة صفحة يستعرضها. فهما لا يستطيعان أن يقولا للناس إنهما مطلقان، وفي نفس الوقت ليسا زوجَين على الأقل بينهما وبين أنفسهما. وهو يسمع، ويشاهد المفتاح يفتح الباب في الثالثة والرابعة صباحًا، وأحيانًا بعد أيام قد تمتد إلى أسبوع. وهو مضطرٌّ إمَّا أن يرتكب جريمة ويقتلها، وهذا حلٌّ قلنا وقال هو إنه ليس باستطاعته، ولا يبقى له إلا أن يسكت.

ثُمَّ طرأت على رأسه فكرة، طب ما راخر يعمل اللي هو عايزه. وفعلًا كأنهما في بيتين منفصلين، بدأت النساء الغريبات يدخلن ويخرجن، وبالتالي بدأت هي تُحضِر الرجال الأغراب. بل وبدأ ما هو أتعس وأبشع؛ بدأ الولد والبنت بِعَدِّ الأسئلة التي لا تجد جوابًا، أو يُجاب عليها بغموض لا يشفي غليلًا. بدأ الولد والبنت يعرفان كل شيء، وبالطبع ينهاران من الداخل تمامًا. ثُمَّ … ثُمَّ بقية الخطاب الطويل ألم، ألم! أبشع أنواع الألم! والسبب «أزمة المساكن» والخلوَّات! هذا خطاب.

الخطاب الثاني يكاد يكون من دفعة من خريجي الجامعة — وليس من مجرد فرد — لم يستطيعوا لأسبابٍ اقتصادية والتزامات عائلية أن يتزوَّجوا أيام كان الخلو مائة ومائتي جنيه، وحين بدأوا يفكِّرون في الزواج كان قد ارتفع إمَّا إلى التمليك بالآلاف وإمَّا إلى الخلو أيضًا بالآلاف. وصل بعضهم إلى الأربعين والواحد والأربعين والخمسة والأربعين، والعمر ينزلق، ولا مال يتكون ليكوِّن خلوًّا أو تمليكًا، ولا زوجة ترضى ما دام الزوج جامعيًّا بأقل من السكن في الشقة، يعني ذبالة عمرهم بدأت تذوي، وحنينهم إلى الخلفة وتكوين عائلة تُؤويهم ليل نهار يتعاظم، وهم كأبطال الإغريق الذين حلَّت عليهم «لعنة السكن» لا يزالون يسكنون كل اثنين في حجرة، وأحيانًا كل ثلاثة، بالضبط كما كانوا أيام التلمذة. ويسألني القارئ في النهاية ماذا يفعل؟ وماذا أستطيع أن أفعل لمساعدته ومساعدة أمثاله، وكأنني هرقل القادر على أن يقاوم لعنة آلهة الأوليمب أو شيطانة المساكن؟

أمَّا الخطاب الثالث القادم من الآنسة السيدة أو السيدة الآنسة فمشكلةٌ أعجب، والبنت من المنيرة من أسرةٍ متواضعة تسكن هي وأمها وأبوها في حجرة، والولد أبوه مزارع باليومية في إحدى محافظات بحري. والاثنان أتاح لهما التعليم بالمجَّان فرصة أن يكملا ويدخلا الجامعة، وليس أن يتخرجا في وقتٍ واحد فقط بل أيضًا خلال السنوات الأربع يتعارفان ويتحابَّان. وحيث لا مكان لأي شيءٍ آخر، فهو يسكن لدى خاله في نصف حجرة يشاركه فيها ابن خاله، وهي كما قلنا مع أبيها وأمها في حجرةٍ على السطوح؛ بيت من بيوت المنيرة حيث لا مكان لأي شيءٍ آخر، حتى ظلَّا خمس سنوات لا يتلامسان إلا بالأيدي وبالقبلات المختَلسة في الأورمان، أو على ظلام ضفاف النيل أحيانًا. وهما مخطوبان في بنصر كلٍّ منهما دبلة، ولكن في القاهرة مأساة تمنع أي انتقال للدبلة من اليد اليمنى إلى اليد اليسرى أبدًا. حتى الكتاب كتباه، بل ومن مرتَّبها المتواضع ومرتَّبه بدآ في شراء أشياء للبيت. الحلم الذي لا سبيل إلى تحقيقه إلا بأن يعود فلاحًا يزرع الأرض مع أبيه، وترضى هي أن تتنازل عن العمل وتعود تتعلم كيف تشتغل «نفرة» باليومية في قرية حبيبها. وحيث إن هذا مستحيل، والالتقاء تحت سقفٍ واحد مستحيل أيضًا، وحيث إننا بشر ومكتوب حتى كتابنا، ضج جسداهما بالوضع وحدث ما حدث في ركن من سطوح البيت الذي تحتل حجرة أبيها وأمها قطعة منه، واستحلياها، فتكرر الحدوث ما دام «الجو ربيع» وصيف. ولكن الكارثة لم تكن هنا، الكارثة حين جاء الشتاء وهما شابان يطفح جسداهما بالشباب وبالرغبة الحلال، واستحال الحدوث على السطوح واستحال حتى أن يكون في حجرة أبيها وأمها؛ ذلك أن الأب مرض بالشلل النصفي ورقد في الحجرة ليل نهار، وأنت لا تستطيع أن تتوقف عن الطعام وقد تعودتَ أن تعيش بأكل الطعام. ولم يكن هناك من حلٍ آخر. وبالإقناع والتلامة وبكل سلاح رضي الأب ورضيت الأم أن يشاركهما الشابان الحجرة أثناء الليل. وضعا ستارة من القماش تقسم الحجرة قسمين، وبدأت المأساة من أول ليلة؛ بعد أن اطمأنَّا إلى استغراق الأب والأم في النوم بدآ يستيقظان. ولكن الشاب ريفيٌّ خجول، ولساعات مضى يتصبَّب عرقًا ويحاول أن يلغي وجود النائم في نصف الحجرة الآخر، غير أنه لا يستطيع أبدًا، لا ليلتها ولا ليالي كثيرة تلتها. ولا طب ولا أطباء نفعا؛ فالمشكلة ليست طبية، إنها «مرضٌ سكنيٌّ» محضٌ علاجه «الانفراد». وتستغيث بي السيدة الآنسة لأتوسط لها لدى المحافظ؛ فقد بدأتْ تحسُّ أن عواطف عريسها الزوج بدأت تفتر وتُهدِّد بأن تنقطع، وهو كما تقول: «حياتها» إن تركها ستنتحر، وهي لا تقول هذا تهديدًا، ولكنها بدت لي من خلال سطورها الطويلة الدقيقة أنها فعلًا ستفعلها لو الشاب تركها.

•••

لم تعد المسألة إذن مسألة إسكان. لقد تحوَّلت من أزمة إلى مأساةٍ اجتماعية أخلاقية تمامًا، وتدهورت إنسانيًّا إلى مراحل أحطَّ من حيوانية الحيوان.

أيها السادة الذين تناقشون في مجلس الشعب مشاكل قوانين الإسكان، نحن نواجه وضعًا لا تستطيع الحكومة بإمكانياتها الحالية حَلَّه، هذه حقيقة أنا متأكد منها. ومتأكد أيضًا أن المُلَّاك أو من يُسمَّون القطاع الخاص هم وحدهم القادرون على زرع عمارات ومساكن مهما بولغ في تقدير أرباحهم منها، فهي في رأيي المتواضع أهون ألف مرة من أجيال تتهرَّأ وقيم تغوص وتنمحي وأطفال حتمًا فاسدون أو سيفسدون. أي حلٍّ في هذه الحالة حلال، وأقولها وأنا الاشتراكي المؤمن تمامًا أن الاستغلال هو شيء من أسوأ الخصال البشرية، أقولها مثلما فعل عمر رضي الله عنه حين أمر بإيقاف إقامة الحد أيام الأزمة، أي أوقف ركنًا من أركان الإسلام. أقول فليربحوا وليستغلُّوا؛ فلا بديل إلا أن نتحوَّل بواسطة الأزمة الحالية إلى حيوانات في زرائبَ كافرةٍ بكل قيمة، مستعدةٍ لأن ترتشي وتسرق وتفعل ما فعله مالك. ما دامت إنسانيتها مهدَّدة على هذا النحو في أخصِّ خصائصها: سقف يُؤويها. لقد قدَّم المهندس حسن محمد حسن وزير الإسكان حلًّا يُغري به القطاع الخاص على الإسراع في مساعدة الحكومة لسنْد مجتمع يتقوَّض؛ فأرجوكم وافِقوا الرجل وساعِدوه على أن يصنع شيئًا يكون فيه حلٌّ عملي للمشكلة؛ فما أقرؤه من بريد وما أسمعه وألمسه من قصص، شيء يختل له أي عقل لأي إنسان لديه ذرة عقل. إنه شيء لا يمكن احتماله. وإلى الجحيم بأي مكسب قد يكسبه صاحب المسكن؛ فالمطلوب أن يكثر العرض ليقلَّ الطلب، وبطبيعة الأشياء ما دمنا سنغريهم فسيبنون أكثر ويُزاد العرض، وحتمًا سنصل إلى وضع تعتدل فيه كفة الميزان. دعوكم من الألفاظ الجوفاء، فالناس تتعفَّن نفوسها من الداخل، أجيال بأكملها تضيع، ولا يمكن أن نسمح للعفن أن يُصيب أعماق — بالذات — شبابنا وشباتنا وأجيالنا الكثيرة التي كبرت في الأزمة وتقاسي بأعنف القسوة منها. ولا يمكن أن نسمح لنفوس هؤلاء أن يُصيبها العفن حتى لو جاء القانون ليعطي بعض المكاسب لأصحاب العمارات الموجودة المؤجَّرة مفروشة لتُطرَح للإيجار، والتي ستُبنى لنحل المشكلة قبل أن تُحلِّلنا تمامًا. فنحن في منتصف الطريق، وإذا اعتمدنا على الحكومة أن تبني أرخص وأقلَّ ربحًا فسنكسب قليلًا من النقود هذا صحيح، ولكننا سنخسر جيلًا، هذا إذا كان في استطاعة الحكومة أن تفعل، فما رأيك وهي لا تستطيع؟ إني ها هنا أناشد كل من باستطاعته أن يبني بيتًا أو عمارةً أن يفعل، ولا أقول فلنكفَّ عن بناء دور العبادة، ولكن العبادة تبدأ بمسلك، والمسلك يبدأ بمسكن، وما فائدة أن تعبد الله في بيته الفاخر بينما الخطيئة كالنار مستشرية في بيوتنا، داخلها وخارجها، والسبب أزمة المساكن؟ لا أعرف بلدًا في العالم يمرُّ به على نفس الدرجة الذي نمرُّ به نحن، يمر به أناس صامتون، فمعظم من يتحدثون ويتحذلقون على صفحات الجرائد والمجلات والإعلام لهم سقف يظلهم ويتيح لهم أن يكون لهم رأي أو موقف. المعذَّبون، المحروقون المكويُّون غضبًا وحنقًا الذين لا يكتبون ولا يكابرون، لا يملكون إلا أن يموتوا بغيظهم هم الذين يعانون بوحشية يعانون، وكل مناقشة وكل تأجيل يزيد من بشاعة ما يحتملون؛ فقرِّروا، وفِّروا شيئًا، أي شيء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠