رماديات

تلفتُّ حولي أقرأ الوجوه. لم يكن بها أثر لحزن ما، كان كل وجه يرى ويسمع ويصغي إليك بل ويحادثك، ولكنك تحسُّ أنه مجرد قناع، وأن الوجه الحقيقي غارق في بحرٍ خاص لا قرار له؛ غريب هذا! لقد تغيرنا، لا أقصد كمجتمع وإنما كأفراد وكتصرفات أفراد. أذكر منذ عشر سنوات أو أكثر قليلًا أن أشرف زميل لنا على الموت في المستشفى، وما كاد الخبر يُعرَف حتى غصت طرقات المستشفى والحجرات المجاورة لحجرته بعشرات — ولا أقول بمئات — من الزملاء والكُتَّاب والفنانين والفنانات. جزعهم جزعٌ حقيقيٌّ نابعٌ من القلب، وفجيعتهم حين مات فجيعةٌ حقيقية.

ثُمَّ ها نحن الآن! يموت أعزُّ الناس فلا يستغرق الحزن عليه دقائق. حتى أقرب المقربين يحزنون، هذا صحيح، ولكن طاقتهم على الحزن محدودة سرعان ما تستنفد ليعود كلٌّ منهم يغوص في خضم حياته ومشاكله. حتى الفرح! لم نعد نفرح فرحًا كالبحر الهائج عارمًا صادقًا صادرًا عن القلب بلا أي مانع أو حاجز. نفرح! هذا صحيح، ولكنه ذلك الفرح المحدود الضئيل الذي نحاول تضخيمه بإحالته إلى قهقهة، ولكنها قهقهة تخرج عاليةً صاخبة إنما بغير روح. حتى ضحكات الجمهور في مسارح القطاع الخاص، ضحكاتٌ عالية ولكنها مغتصبة، مشنَّجة، حنجرية، وكأنما يجاملون بها الممثلين على المسرح. أيكون قد مضى بنا زمن البراءة والفطرة، وأن الحياة قد تعقدت وتشابكت. كثرت بحيث لم يعد هناك مكان لعاطفةٍ ما، مفرطة بحيث لم يعد للأسود الفاقع أو الأبيض الناصع وجود في حياتنا، إنما هو الرمادي يصبغ كل شيء. برمادية نتلقى بزوغ الشمس في الصباح، برمادية نحتسي كوب الشاي، بعيونٍ رمادية نبدأ العمل، نحب ونتزوج ونجوع بلا مبالغة أو تفريط، إنما برماديةٍ باهتة نفعل. أين عواطفنا الجامحة؟ أين الطموح العظيم؟ أين الإقدام النهم على الحياة؟ أين الحب وحتى آخر قطرة دم؟ أين الشجاعة والأريحية والشهامة؟ أين الصديق؟

يُخيَّلُ لي أننا قد أصبحنا نعيش بعواطف أخرى، باشتباكات مصالح، بقيمٍ مختلفة تمامًا، بكمٍّ من العواطف ما أشد ضآلته.

كل الدلائل تُشير إلى أننا اجتزنا أشد المصاعب وعبرنا أكبر العقبات، وأننا في طريقنا إلى الأحسن، ولكننا بشر. وأعتقد أن المحن الروحية التي خاضها إنساننا المصري خلال الأعوام القليلة الماضية، محن تشيب لهولها الولدان، محن كانت كفيلة بخنق كل نبضة حياة في أيٍّ مِنَّا، وبطولتنا أننا صمدنا واجتزناها. وها نحن الآن على الجانب الآخر، ولكننا شيوخٌ وصلنا، حتى أطفالنا شابت منهم الرءوس.

وأملي أن أعيش حتى يستردَّ كل شيء طعمه الخاص، حتى يعود للفرح فرحه، وللحزن روعته، وللقلب دقه، وللعواطف تدفقها، أسنعود من جديدٍ نضحك ونبكي ونجوع ونحب، ونفعل هذا بكل ذرة في كياننا؟

إنني لا أملك سوى الرجاء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠