ليس كلامًا في السياسة

في ١٦ سبتمبر ١٩٧٠ بدأ يحدث شيء في الساحة العربية لا أعتقد أنه قد حدث قبلًا في تاريخها أو سيحدث من بعدُ. في ذلك اليوم من شهر «أيلول» قرر الملك حسين أن يذبح خمسة وعشرين ألف فلسطيني «من رعاياه»!

والقرار دُبِّر له في عنايةٍ بالغة، وربما ترك الملك حسين مزايدات واستفزازات بعض منظمات المقاومة الفلسطينية تعمل عملها في تهيئة الجو كي ينقسم رعاياه إلى أردنيين وفلسطينيين أعداء، وكي يحين الوقت ليبدأ المذبحة.

إن الوصف التفصيلي لهذه الجريمة المروعة لم أقرأه في صحفٍ عربية، بل في الصحف الأجنبية التي كان لها مراسلون في عمان شاهدوا ورأوا بأعينهم ما جرى. هؤلاء الشهود «المحايدون» قرَّر أكثرهم أن البشاعة والوحشية التي تم بها هذا العمل لم تحدث في تاريخ البشرية إلا مرتين، مرة على يد تيمور لنك عندما أراد فتح العاصمة «هيرات» القائمة على الحدود بين الهند وإيران، فانتقى قريةً صغيرة بجوار العاصمة وذبح جميع سكانها نساءً وأطفالًا ورجالًا وشيوخًا، ثُمَّ أرسل رجلًا من أعيانها إلى العاصمة بعد أن فقأ عينيه ليكون الراوي الوحيد الباقي على قيد الحياة؛ يقصُّ على سكان العاصمة ما شهده بعينَيه حتى يستسلموا.

ولكن المروع لم يكن فقط ما يدور في عمان وإربد، المروع الأكثر هو ما حدث في الساحة العربية، ولا أقول الساحة العربية الرسمية؛ فقد دعا القائد الخالد إلى عقد اجتماع قمة على عجل لإيقاف المذبحة، المروع هو ما كان يحدث على الساحة الشعبية العربية، فلقد وقفنا جميعًا من «المحيط الهادر» إلى «الخليج الثائر» نسمع الأخبار وبعضنا يشيح على أثرها بيده وكأن لا فائدة، وبعضنا سادر في حياته وكأن شيئًا لم يكن، والبعض القليل المتحمس تائهٌ مروَّع حائر لا يدري ماذا يفعل. ولن أغالي إذا قلت إننا جميعًا عشنا أيامًا طويلةً بضمائر مرهقة قد أثقلها الإحساس بالعجز.

بعد عامين فقط، وأيضًا في ١٦ سبتمبر (أيلول الأسود) بدأ جيش «الدفاع» الإسرائيلي بنفسه مذبحةً أخرى لتصفية بقايا الشعب الفلسطيني في سوريا ولبنان، أذاعت الخبرَ وكالات الأنباء، وبنفسها راحت إسرائيل تجاهر ودون أدنى خجل بهجومها على سوريا والأردن وتصدر البلاغ تلو البلاغ عن عمليات «التمشيط» التي تقوم بها قوات «الدفاع الإسرائيلية» وتتولى فيها قصف مخيمات اللاجئين بالقنابل والنابالم للقضاء على «الإرهابيين» أنى وأين كانوا. وأي طفل فلسطيني إرهابي في نظر إسرائيل، وأي امرأة «إرهابية» باعتبارها ستلد «إرهابيًّا»، وأي شيخ إرهابي لأنه لا بُدَّ أبٌ أو جدٌّ لإرهابي.

إنما المُحيِّر حقًّا هو موقفنا نحن العرب، وأيضًا من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، تجاه هذا الذي يحدث. ولا أقول أيضًا كقياداتٍ سياسية أو كحكومات، وإنما كشعوب عربية، إن لم تكن قد ذاقت نفس طعم المذابح مثلما حدث لنا هنا في مصر أيام غارة مصنع أبي زعبل ومذبحة الأطفال في مدرسة بحر البقر، إن لم تكن قد ذاقت فهي لا بُدَّ يومًا ما ذائقة نفس الطعم.

ماذا فعلنا؟

على رأي كاريكاتير صلاح جاهين المشهور، كان ناسٌ كثيرون في القاهرة، وفي ذلك اليوم بالذات مشغولين بحدثٍ ضخمٍ هائل أهم، حفل المطربة صباح في نادي الجزيرة وحكاية بيع فستانها. وأعتقد أنهم لا بُدَّ في مراكش كانوا يسمعون وإلى الرابعة صباحًا مثلنا حفل موشحات أندلسية أو تسجيلًا معادًا لاحتفالات ميلاد الملك، واليمن الجنوبية كانت مشغولة بالشمالية والعكس بالعكس، والعراق بإيران. والأردن كان يعقد الندوات لمناقشة مشروع الملك حسين لحل الأزمة. وهكذا استُشهد من الجيش اللبناني ٤١ ضابطًا وجُنديًّا ومن قوات الفدائيين ٦١ فدائيًّا وعدد لا يُحصى من أطفال المخيمات ونسائها في سوريا ولبنان.

دعوةٌ سريعة وممن؟

جاءت الدعوة سريعة وبالتليفون. كان مقرها أمانة النقابات المهنية بالاتحاد الاشتراكي، وحضرها الأمين العام، وكان أعضاء الاجتماع هم أعضاء مكاتب النقابات المهنية في مصر، وكانت نقابة المحامين قد طلبت من أمانة المهنيين أن تدعو لاجتماع لمناقشة هذا العدوان الإسرائيلي الحادث في وضح النهار ودون أدنى مواراة أو خجل.

والحقيقة لم أتوقع أن يكون الاجتماع من النوع الذي تسوده هذه الروح؛ روحٌ ديمقراطية لا تخضع لأي قيد على رأي ممكن أن يعنَّ لصاحبه. وتحدث عددٌ وافر من الحضور، وكنت قادمًا في التو من بيروت بعد حضوري المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وكنتُ قد تركتُ لبنان وأثار جريمة العدوان بادية لكل عيان، ونقلت لزملائي المجتمعين ما رأيتُه وما لمسته من غياب يكاد يكون تامًّا للرأي الشعبي العربي.

لقد استثمرنا أحلى السنوات من عمر ثورتنا في الوطن العربي، وسقط مِنَّا الشهداء تلو الشهداء دفاعًا عن هذه الأمة من أقصى جنوبها إلى أقصى الشمال، وخسرنا الكثير، بل كدنا نصبح الخاسرين الوحيدين في معركة تُعرِّف هذه الأمة على ذاتها وكيانها ورسالتها. جاء عبد الناصر إلى مصر مصرية ولا شيء أكثر من هذا، وغادرها وقد آمنت مصر برسالته وأدركت ولأول مرة منذ زمانٍ طويل أنها عربية وأنها جزء من أمةٍ عريضة ومترامية من المحال أن تحيا بغير هذه الأمة، ومن المحال أن تحيا هذه الأمة أو تكون بغيرها. إنها غنية برجالها وإمكانياتها، وحتى بصراعاتها غنية، تكاد تصبح بمواردها الطبيعية أغنى أمة على سطح الأرض، وتنفرد مع قليل غيرها من الأمم بلغةٍ واحدة، ومزاجٍ نفسي يكاد يكون واحدًا، ودينٍ في أغلبه واحد. ولقد سَرَت بعد هزيمة ٦٧ بالذات نغمة في مصر راحت تروِّج للعودة للتقوقع على النفس ولعق ما أصابنا من جراح، ولكن فات أصحاب هذا التيار أن صعوبة التحقيق لا تعني بالضرورة أن المبدأ خاطئ أو قاصر، إنها تعني فقط أن العقبات كثيرة وأن المسائل لا تتحقق هكذا بين يوم وليلة، وأنه إذا كان القدر قد ألقى بحكم الموقع والتاريخ والحجم على مصر أن تقود نضال هذه الأمة، فالتصدي لهذه العملية التاريخية شيءٌ مكلِّف ومحفوف بالمصاعب والمخاطر، فالتصدي أبدًا إذا انهزمنا مرة أو طُعنا بالانفصال مرة أن ننفض يدنا ونيئس. إننا تصدينا لرسالة يلزم لتحقيقها عشرات السنين ومئات المحاولات، وجريمة حقيقية أن نكسر بأنفسنا إرادة الطموح فينا، وعند أول عقبة نعود للتقوقع والانكفاء لِلَعْق الجراح.

إن الصدمة التي حدثت لنا بهزيمة ٦٧ لم أكن شخصيًّا ولا أعتقد أن أحدًا كان باستطاعته أن يتنبه إلى أنها ستغور في أنفسنا بعيدًا إلى هذا العمق. لقد ضخمْنا العدو إلى ما هو أكثر بكثير من حجمه، وقللنا من أنفسنا إلى ما هو أقل بكثير من حجمنا.

إنني لا أفهم كثيرًا في تعبير «الحرب النفسية»، ولكنني متأكد أن آثارها إن كان بعضها بفعل دعايات العدو وأجهزته، فإن معظمها بفعلنا وبأيدينا. وصديقًا لصديق وجارًا لجار وسيدةً لأخرى نتولى جميعًا وبالحديث اليومي الذي لا يتغير ولا يشذُّ تحطيم أي بارقة أمل فينا أو بصيص نور. ربما ليبرر كل مِنَّا لنفسه تقاعسه واستسلامه المطلق لسقوطه الخاص والشعور بالهزيمة الذي يعفيه من مسئولية الأمل؛ فالأمل لا ينبت إلا في صدور الأحرار، والعجز إحساس عبيد ومبرر لكل التصرفات الخسيسة التي يمكن أن يقوم بها إنسان فقدَ تاج الإنسان، وتاج الإنسان كرامته.

لا لم نمت، ولا انتهينا في ٦٧، ولا في غير ٦٧ سننتهي.

كل ما في الأمر أننا في حاجة إلى صدمة، ولتكن كهربائية، أو من أي نوع كان، لنفيق.

الوفد يتشكل

وأعود إلى اجتماع النقابات المهنية الذي ذكرته.

تحدث الكثيرون حديثًا نافعًا في أحيان، مضحكًا في أحيان، ولكن القلوب والعقول مفتوحة، وفي صراحة تسكب المحتويات.

وصدر عن الاجتماع بيان هام وقرارات.

وكان أحد هذه القرارات إيفاد عددٍ مختار من أعضاء المؤتمر للتوجُّه إلى سوريا ولبنان والاتصال بالمسئولين هناك وبقيادات المقاومة لنشاركها الموقف من ناحية، ومن ناحية أخرى نتدارس معها ماذا يمكن أن نفعله.

وشرفني المجتمعون واختاروني عن نقابة الصحفيين ضمن هذا الوفد. وفي الحق لم أجد في نفسي حماسًا كبيرًا للعودة — بعد يومين فقط من المجيء — إلى بيروت دمشق. إن الزيارة الواحدة لبيروت تحدث لي في العادة نوعًا من الحُمَّى يلزمني دائمًا بعض الوقت كي ألمَّ شتات نفسي وأعود كما أنا.

كان الوفد مُكوَّنًا من الأستاذ مصطفى البرادعي نقيب المحامين، ومن الدكتور عبد الرازق عبد الفتاح سكرتير عام نقابة المهندسين، ومن الأستاذ يوسف كامل عبد العزيز عضو مجلس نقابة المحامين، والأستاذ أحمد يحيى سكرتير عام النقابة، والدكتور المعتز بالله مبارك سكرتير عام نقابة الأطباء.

وصلنا بيروت، وقررنا أن نبدأ مهمتنا بعقد مؤتمرٍ صحفي نظمه لنا الزميل الأستاذ طه نقيب الصحافة اللبنانية في نقابة الصحافة هناك، ولم أكن أتصور أننا وفقط في هذا المؤتمر الصحفي الأول نفسه سنكتشف حقيقة المهمة التي جئنا من أجلها. الغريب أننا لم نتفق على شيء، كل ما اتفقنا عليه كان أن ننتخب الأستاذ البرادعي رئيسًا للوفد. ولكن بقيت المشكلة؛ ماذا نفعل؟ هل نكتفي بكلمات المجاملة التقليدية نحملها إلى إخواننا أعضاء المقاومة والشعب اللبناني الشقيق؟ هل نحمل لهم تحيات وتمنيات زملائنا النقابيين في مصر والذين يمثلون نصف مليون متعلم ومثقف؟ هل نقول قلوبنا معكم وسحقًا لما يرتكبه الأعداء؟

السلاح المجهول

بالضبط لماذا لا يكون هناك عملٌ شعبيٌّ شامل وسريع وعلى مستوى الأمة العربية كلها من المحيط إلى الخليج؟

عمل ليس مهمًّا حجمه أو لونه، ولكن المهم فيه أن يكون شاملًا وفي وقتٍ واحد، فليس مطلوبًا من العمل — وبالذات في مراحله الأولى — أن ينزل بأمريكا أو بإسرائيل أضرارًا بقدر ما هو مطلوب منه أن يكشف لأنفسنا عن أنفسنا، وبإرادتنا نصنع إرادتنا، إنها ليست كلمات إنشاء أو تراكيبَ أدبية، إنها حقائقُ علمية. إن السبب الرئيسي لروح الهزيمة واللامبالاة التي استشرت عقب ٦٧ أننا بعد أن كُنَّا أمة تكاد تكون — ولو بالروح — واحدة قبل الحرب، انقسمنا إلى أممٍ كثيرة وشيع بعدها، بل حدث ما هو أكثر، وأصبح كل فرد مِنَّا أمة بمفردها، أي استحال المائة مليون عربي في الحقيقة إلى عربي واحد هو أنا أو أنت فقط، أنا وحدي المهزوم واليائس وفاقد الإرادة، وحدي أتفرج ووحدي أحمل المأساة.

والهزيمة الحقيقية أن ننفرط إلى أفراد لا مُبالين. ماذا أصبح يجمع الشعب العربي في كل مكان؟ لا شيء، حتى الأماني المشتركة لا تجمعه، لا الكلمة أصبحت واحدة ولا الهدف واحدًا ولا واحدةً في أي شيء.

المطلوب من العمل الشعبي شيءٌ واحد فقط في أول خطوة؛ أن نشترك جميعًا في عمل، حتى لو كُنَّا قد تفرقنا مبادئ وشيعًا، فليجمعنا العمل الواحد، أبسط الأعمال، ولو حتى نتفق أن نصمت جميعًا ولمدة دقيقةٍ واحدة غدًا في التاسعة صباحًا.

قد يبدو للبعض أن الاقتراح ساذج وبسيط، ولكن أخطر ما فيه أنه ساذج، إذ أن نتيجته مروعة.

إن جزءًا كبيرًا من اليأس الذي عمَّ شعوبنا سببه أننا في تفكيرنا لمواجهة الغزو الصهيوني الاستعماري كُنَّا دائمًا نتصور أننا لا بُدَّ أن نتصدى له بواجهتنا الرسمية فقط، بما فيها من قيادات وجيوش وحكومات، وحتى ليس كل القيادات والجيوش والحكومات، بعضًا فقط سميناه دول المواجهة، وعلى جيوش هذه الدول أو بالضبط على بعضها فقط ألقينا عبء «العمل».

ولقد بدأت تتضح لنا الآن أبعاد القضية. والحديث عن قومية المعركة ليس إلا إدراكًا واحدًا من إدراكات ذلك البُعد؛ فقد كُنَّا نظن أننا نواجه إسرائيل فإذا بنا نكتشف أننا نواجه يهود العالم مجتمعين. وقد كُنَّا نظن أننا نواجه حروبًا صغيرةً فإذا بنا نكتشف أننا نواجه خطةً خبيثةً وماكرةً ومدبرةً بعناية — ومنذ نصف قرن من الزمان على الأقل — وأن إسرائيل واليهودية العالمية ليست وحدها عدونا إنما وراءها رأس الرمح في القوى الاستعمارية العالمية؛ أمريكا وأفلاكها. وراءها رأيٌ عامٌّ عالمي استطاعوا خداعه وتلفيقه — وأيضًا من زمنٍ طويل — شيئًا فشيئًا بدا يتضح لنا أن المواجهة أكبر من أي قطر عربي بمفرده، وحتى أكبر من قومية المعركة لو اجتمعت لها الحكومات العربية كلها، إنما لا بُدَّ لها أيضًا من شعبية المعركة، من اشتراك كل مواطن عربي في المعركة ولو بعملٍ صغير، ولو بقرشٍ واحد يمول به كل أسبوع معركة حياته أو موته.

وأبدًا لم تستعمله

وشعبية المعركة ليست لعبًا بالكلمات، إنها السلاح السري الخطير الذي يملكه العرب ولم يستعملوه إلى الآن. إن الذي يخيف إسرائيل وأمريكا، وكل الدوائر المتآمرة علينا والمتربصة بنا، أن يحدث وعلى امتداد الوطن العربي كله توقف الخمس الدقائق أو نصف الساعة وفي وقتٍ واحد جامع شامل يلم شتات عامل البناء في طنجة والوزير في حكومة اتحاد إمارات الخليج وخفير المخزن في اللاذقية والرعاة في اليمن الجنوبية والسودان.

ذلك أننا لو فعلنا هذا لأدخلنا إلى المعركة السلاح الرهيب الذي لم نستعمله أبدًا، سلاح الكم الهائل من البشر الذي نمتلكه، سلاح المائة مليون إنسان. إن إسرائيل تخاف من سلاح المائة مليون إذا حُشد؛ لأنها مهما فعلت لن تستطيع التفوق لا هي ولا أمريكا معها في هذا المجال. إن إدخال الشعب طرفًا في المعركة الرهيبة الذي إذا دخل المعركة لن يخرج منها أبدًا إلا منتصرًا، وأن الأمر قد يبدأ برفع الذراع علامة المشاركة، ولكنه لا بُدَّ أن ينتهي حتمًا بالسيطرة الكاملة على كل المصالح الأمريكية في المنطقة، وعلى خنق إسرائيل ولو حتى بأجسادنا نفسها مجتمعة ومتلاصقة وزاحفة لاسترداد هذا الجزء من أرضنا.

إن إشراك الشعب العربي كله في المعركة يضع أمريكا وإسرائيل أمام أمرين لا ثالث لهما: إمَّا إبادة هذا الشعب لإبادة إرادته، وإمَّا التسليم له بما يريد. ولأننا لم نعد في عصر تستطيع فيه حتى ولو دولةٌ معربدة مغرورة مسلحة مثل أمريكا أن تُبيد مائة مليون مهما رغبت في هذا الأمر وحلمت به، فلن يبقى لها إلا التسليم.

بالضبط، لماذا لا يكون هناك عملٌ شعبي شامل وسريع وعلى مستوى الأمة العربية كلها من المحيط إلى الخليج؟

هكذا تبلورت مهمتنا الشعبية في مؤتمرنا الصحفي الأول، أصبحت هدفًا واضحًا نتحرك تجاهه، ونتصل بالنقابات وبالقيادات وبالسياسيين على أساسه.

والحق أني لم أتصور أن رد الفعل سيكون بهذه الضخامة؛ خرجت الصحف اللبنانية جميعها في اليوم التالي وهي تتحدث عن «المبادرة الشعبية المصرية».

ولكن الأمر لم يسلم من المضحكات، فعقب إعلان مهمتنا اتصل بي صديقٌ يمني وسألني بالتدقيق عن هذا «الوفد» المصري الشعبي، وبعده جاءني أكثر من صحفي وسياسي من المقيمين في لبنان وبروح من الشك راحوا يستجوبونني عن هذا «التحرك» وعن علاقته بنوايا مصر والقيادة السياسية في مصر. إلى هذه الدرجة فقدنا الثقة في أنفسنا. إن أي تفكير أو مبادرة لا بُدَّ أنه موحًى به من جهة أو وراءه نية ما. أصبحت البراءة في عالمنا العربي أبشع التهم، إذ إنك لن تجد للبراءة سببًا أو مبعثًا واضحًا يريح بعض النفوس ويلون العمل. وهكذا تظل التهمة على البراءة مسلطة ومشرعة.

ولكن الصدى الأهم كان هو الصدى الشعبي الذي أردناه؛ بدأت الأفكار تتفجر والحماس للفكرة لدى القيادات النقابية في لبنان وسوريا يطغى. صحيح! لماذا يقف الشعب مكتوف الأيدي معزولًا عن المعركة؟ لماذا يترك الأمر كله لجامعة الدول العربية تتصرف فيه وتحله؟ وأين الجامعة «الشعبية» العربية، جامعة الإرادة الشعبية والعمل الشعبي؟

أيكون هذا هو السلاح؟

أن نتحرك كشعبٍ هائل وأن نعوض بحركاتنا تلك ما ينقصنا؟

أن نبدأ الحركة بخطوةٍ بسيطة واحدة، وأن نختار وبسرعة لجان اتصال من النقابات والهيئات والقيادات الشعبية والاتحادات العمالية والفلاحية والطلابية والنسائية والشبابية العربية كي نقوم بعملٍ واحد وسريع نرفع به الرأس ونواجه العدو؟

إني أطرح الفكرة على قيادتنا السياسية وعلى اتحادنا الاشتراكي وعلى تنظيماتنا العمالية والنقابية.

بإلحاح أطرحها.

ملحوظة: هذه المقالة أعتقد أنها في عام ١٩٨٠ كوميدية تمامًا، ولكني آثرت أن أثبتها، فمن يدري ماذا يكون الحال؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠