الفصل الثاني

الثلاثاء ٣٠ من أغسطس

فتح زيتون عينيه من جديد، كان في بيته، في غرفة ابنته نديمة، تحت أغطيتها، يتطلع إلى سماء غبراء شهباء. واستمر الصوت، صوت شيء يشبه الماء الجاري، ولكن المطر توقف، ولم يعد الماء يتسرب من أي شقوق. قال في نفسه: لعل أنبوبًا قد انكسر، ولكن ذلك محال، فالصوت لا يصدر عن أنبوب مكسور. كان هذا الصوت أقرب ما يكون إلى صوت نهر جارٍ، جریان كميات ضخمة من المياه.

واعتدل في جلسته وألقى نظرة من النافذة التي تطل على الفناء الخلفي فشاهد الماء، بحرًا زاخرًا تحته. كان الماء مقبلًا من الشمال، ويتدفق داخل الفناء، تحت المنزل، ويرتفع مستواه بسرعة.

لم يستطع تفسير ذلك؛ إذ انحسرت المياه في اليوم السابق كما توقع، لكنها الآن تعود، بقوة أشد كثيرًا. وكانت هذه المياه تختلف عن مياه المطر العكرة في اليوم الفائت. كانت هذه خضراء صافية، كانت هذه مياه بحيرة.

وفي تلك اللحظة تيقَّن زيتون أن مصدرها السدود؛ فإما أنها طَفَحَتْ وإما خُرِقت. لم يكن يساوره أدنى شك. وسوف تغمر المياه المدينة في القريب العاجل. كان يعرف أن المياه ما دامت قد وصلت إلى هذه البقعة فلا بد أنها غمرت معظم مدينة نيو أورلينز. وكان واثقًا بأنها سوف تستمر في التدفق، ومن المحتمل أن يصل ارتفاعها إلى ثماني أقدام، أو أكثر، في الحي الذي يعيش فيه، ويزداد على ذلك خارجه. وكان يعرف أن التخلص منها قد يستغرق شهورًا أو سنوات. كان على يقين أنه الطوفان.

واتصل بكاثي.

قال: «المياه تتدفق.»

قالت: «ماذا؟ لا لا! هل انكسرت السدود؟»

– «أظن ذلك.»

– «لا أستطيع أن أصدق.»

وسمعها تكتم نهنهة.

وقال: «يجب أن أذهب.»

وأنهى المكالمة واتجه للعمل.

وقال في نفسه: «لا بد من رفع الأشياء. الرفع، الرفع.» لا بد من نقل كل شيء إلى الطابق الثاني، وتذكر أسوأ ما جاءت به التنبؤات قبل العاصفة، إذا انكسرت السدود فسوف تتدفق المياه وتصل إلى ارتفاع عشر أقدام، أو خمس عشرة في بعض الأماكن. وبدأ يستعد للعمل بأسلوب منهجي. كان ينبغي نقل كل ما له قيمة إلى مكان أعلى. كان العمل عملًا وحسب، وانهمك فيه بهدوء وسرعة.

حمل جهاز التليفزيون، وجهاز الدي في دي، والاستريو، وجميع الأجهزة الإلكترونية إلى الطابق العلوي، وجمع كل ملابس الأطفال وكتبهم وموسوعاتهم، ثم حملها بعد ذلك إلى المكان نفسه.

كان التوتر سائدًا في المنزل في باتون روج. ففي الجو العاصف الأغبر، وإزاء مشاركة هذا العدد الغفير العيش في المنزل الصغير، كانت الأعصاب تفلت. ورأت كاثي أن الأفضل أن تختفي هي وأطفالها، فحملوا أكياس الرقاد، وهي بدائل الفرش والأغطية، والوسائد وأعادوها إلى أماكنها، ثم انطلقوا بالشاحنة الأوديسية؛ بقصد قضاء سحابة النهار في التجوال بالسيارة، والذهاب إلى المراكز التجارية أو المطاعم، أو أي مكان يكفل قتل الوقت، وقرروا أن يعودوا في وقت متأخر، بعد موعد تناول العشاء، للنوم فقط. وكانت تدعو الله أن يستطيعوا العودة إلى نيو أورلينز في اليوم التالي.

واتصلت كاثي بزيتون من الطريق.

قالت: «صندوق مجوهراتي!»

وأخذه زيتون، كما أخذ طقم الصيني الفاخر، ونقل ذلك كله إلى الطابق العلوي، وأفرغ الثلاجة ولكنه ترك الفريزر ممتلئًا، ووضع الكراسي فوق المنضدة في حجرة المائدة، ولما عجز عن حمل صوان ملابس ثقيل، وضعه على حشية ونقلها جرًّا إلى الطابق العلوي، ووضع أريكة فوق أخرى، مضحيًا بإحداهما لإنقاذ الأخرى، ثم حمل المزيد من الكتب، عدد هائل من الكتب، أنقذها كلها؛ لم يكن ليفرط في أي كتاب.

واتصلت كاثي من جديد وقالت: «نصحتك بعدم إلغاء التأمين على الأملاك.»

كانت على صواب، فمنذ ثلاثة أسابيع وحسب، اختار عدم تجديد ذلك الجانب من بوليصة التأمين ضد الفيضان الذي يغطي أثاث المنزل وكل شيء فيه. لم يكن يريد إنفاق النقود، وأقر بأنها كانت على حق، وكان واثقًا بأنها سوف تظل تذكره بذلك لسنوات في المستقبل.

وقال لها: «هل يمكن أن نتحدث في ذلك فيما بعد؟»

وخرج زيتون من المنزل، وكانت تشيع في الجو الرطوبة، وهبات الريح القوية. كان قد ربط القارب في المدخل الخلفي للمنزل، وكانت همسات الماء تتصاعد من خلال الفتحات في السور الخلفي، ومستواها في ارتفاع، وكانت المياه تتدفق داخل فنائه بمعدل مدهش، ووصلت إليه وهو واقف فابتلعت كعبيه وارتفعت لساقيه.

وعاد إلى المنزل وواصل نقل كل ما له قيمة إلى الطابق العلوي. وفي أثناء ذلك شاهد الماء وهو يغطي الأرضيات ويصعد إلى الجدران، ولم تمضِ ساعة أخرى حتى أصبح ارتفاع الماء داخل المنزل ثلاث أقدام. وكان منزله يرتفع على مستوى الشارع بثلاث أقدام.

ولكن المياه كانت نظيفة، كانت شفافة، ذات لون يضرب إلى الخضرة، وشاهدها وهي تملأ حجرة الطعام بمنزله، وأذهله جمال المشهد لحظة قصيرة، إذ أعادت إلى خياله ذكرى غير واضحة المعالم لعاصفة في جزيرة أَرْوَض، وكان غلامًا صغيرًا؛ إذ ارتفع موج البحر المتوسط وابتلع المنازل المقامة على أراضٍ منخفضة، وغمرت مياه البحر الخضراء الزرقاء حجرات الجلوس والنوم والمطبخ، ولم تجد المياه أدنى صعوبة في أن تكسر أو تتفادى الأحجار الفينيقية المحيطة بالجزيرة.

في تلك اللحظة خطر لزيتون خاطر. كان يعرف أن أسماك الزينة التي يحتفظ بها في حوض خاص لن تكتب لها النجاة من دون تجديد للماء ودون غذاء؛ فدسَّ يده في الحوض وأطلقها. ألقى بها في الماء الذي يغمر المنزل، وكانت تلك أفضل فرصة أتيحت لها فسبحت في الماء وابتعدت.

وكان يستخدم تليفونه الخلوي في الحديث إلى كاثي على مدار اليوم. واستعرضا معًا ما لا يمكن إنقاذه: قطع الأثاث الضخمة التي كان من المحال نقلها إلى الطابق العلوي. أما خزانات أدوات المائدة وصوانات الملابس فقد خلع منها كل ما يستطيع من أدراج، وحمل إلى الطابق العلوي كل ما استطاع خلعه وحمله.

وابتلعت المياه الخزانات والنوافذ. وظل زيتون يراقب المياه في فزع وهي ترتفع إلى أربع ثم خمس وست أقدام في المنزل، فتغطي صندوق الكهرباء وصندوق التليفون، ومعنى ذلك الحرمان من الكهرباء ومن خطوط التليفون الأرضية أسابيع متوالية.

وعندما حل الليل كان الحي قد غمرته المياه إلى ارتفاع تسع أقدام. ولم يعد زيتون يستطيع أن يهبط إلى الطابق الأرضي. وعندما حلت الساعة السابعة مساءً كان قد فعل كل ما يستطيع. فاستلقى على فراش نديمة في الطابق الثاني واتصل بكاثي، وكانت تتجول بالسيارة مع الأطفال، خائفة من العودة إلى المنزل في باتون روج.

وقال لها: «أنقذت كل ما استطعت إنقاذه.»

فقالت: «يسرني أنك بقيت بالمنزل.» وكانت تعني ما تقول. فلو لم يكن بالمنزل لفقدت الأسرة كل شيء.

وتحدثا عمَّا يمكن أن يحدث للمنزل وللمدينة. كان واثقين بأنه لا بد من تفريغ أحشاء المنزل، واستبدال البطانات العازلة للجدران وأسلاك الكهرباء، والبلاستر والألواح المجصصة والطلاء والكساء الورقي للحوائط. لقد ذهب كل شيء، حتى أصغر مسامير التثبيت. وإذا كانت المياه قد ارتفعت إلى هذا الحد في المنطقة العالية من البلدة، فلا شك في أنها ازدادت في الأحياء الأخرى. وطافت بذهنه صورتها، صورة المنازل القريبة من البحيرة والمنازل القريبة من السدود. لم تكن تلوح لها فرصة واحدة للنجاة.

ولاحظ زيتون وهو يتحدث معها أن بطارية تليفونه بدأت تفرغ شحنتها. وكانا يعرفان أن عدم توافر الكهرباء يعني أن نفاد شحنة البطارية سوف يقطع سبل الاتصال الموثوق بها.

وقال: «الأفضل إنهاء المكالمة.»

وقالت: «أرجوك أن ترحل، غدًا.»

وقال: «لا لا!» ولكنه حتى وهو يقول ذلك كان يعيد النظر في الموقف. لم يكن يتوقع أن يُحبس في منزله فترة طويلة، كان يعرف أن بالمنزل طعامًا يكفيه أسبوعًا أو أكثر، ولكن الموقف كان به من التوتر ما لم يعمل حسابًا له.

وقال: «خبري الأطفال أنني أُقرئهم تحية المساء.»

وقالت إنها ستفعل ذلك.

وأغلق تليفونه للحفاظ على ما بقي من شحنة البطارية.

كانت كاثي لا تزال تقود السيارة، كانت قد استنفدت جميع وسائل تزجية الوقت وتوشك أن تعود إلى منزل أخيها عندما دق تليفونها من جديد. كان المتحدث عدنان. بدأ بالاعتذار والإعراب عن الخجل، ولكنه كان مع زوجته عبير في باتون روج بلا مأوى يئويهما.

وسألته كاثي: «أين قضيت الليلة البارحة؟»

فقال: «في السيارة.»

وقالت: «يا ربي! فلأنظر ما أستطيع أن أفعله.»

كانت تعتزم أن تسأل ماري آن وباتي بمجرد عودتها إلى المنزل. لا شك في أن المنزل سيكون مزدحمًا، ولكنه لم يكن يصح أن تنام امرأة حامل في السيارة وفي بيت أسرتها متسع لها.

•••

وعندما عادت كاثي إلى منزل آندي، كانت الساعة قد بلغت العاشرة وغرف المنزل مظلمة. وكان الأطفال جميعًا نائمين في السيارة باستثناء نديمة، فأيقظتهم وسارت معهم بهدوء إلى داخل المنزل، وبعد أن استقر الأطفال في أكياس الرقاد، ظهرت ماري آن وواجهت كاثي: «أين كنتِ طول النهار؟»

وقالت كاثي: «في الخارج. أحاول أن أبتعد فلا أعترض حياتكم.»

وقالت ماري آن: «هل تعرفين كم أصبح سعر البنزين؟»

وردت كاثي: «عفوًا؟ لم أكن أعرف أنكِ تدفعين ثمن بنزين سيارتي.»

كانت كاثي تشعر بنفاد صبرها، وبأنها مقهورة، ففي المنزل كان أهلها يُشعرونها بأنها تمثل مع أطفالها عبئًا ثقيلًا، وإذا بأختها تؤنبها الآن على مغادرة المنزل. وأقسمت في نفسها أن تقضي هذه الليلة، ثم تفكر في خطة جديدة لتنفيذها في اليوم التالي، وقالت في نفسها إنها قد تتجه بالسيارة إلى مدينة فينيكس للإقامة مع يوكو. كانت فكرة مضحكة، أي أن تسافر مسافة تبلغ ألفًا وخمسمائة ميل، وأقاربها يعيشون على بعد خمسين ميلًا من نيو أورلينز، ولكنها كانت تهرب من قبل وتلجأ إلى منزل يوكو، وفي يدها أن تعيد الكَرَّة.

كان التوتر قد ازداد بالفعل، ولكن كاثي كانت تشعر بأنها ملزمة، من أجل عدنان وعبير، أن تسأل ماري آن. وعلى أي حال فإن ماري آن كانت تعرفهما؛ إذ قابلت عدنان وعبير عدة مرات، وهكذا ذكرت كاثي لماري آن أنهما قضيا البارحة نائمين في السيارة، وسألتها: «ألا يمكنهما البقاء هنا ليلة واحدة؟»

figure
figure

وقالت ماري آن: «قطعًا لا يمكن!»

في الطابق الثاني المظلم، كان زيتون يضع الكشَّاف اليدوي بين أسنانه، وهو يتفحص كومة من الأمتعة الشخصية التي أنقذها، فوضع على الرفوف ما استطاع وضعه من الكتب، وحفظ الشهادات والصور في صندوق خاص. وجد صورًا لأطفاله عندما كانوا صغارًا، وصورًا من رحلة كانت الأسرة كلها قد قامت بها إلى إسبانيا، وصورًا من رحلتهم إلى سوريا، فنظَّمها وأتى بكيس من البلاستيك فحفظها فيه وأعادها إلى الصندوق.

وفي صندوق آخر، أقدم عهدًا، عثر على صورة غلب عليها اللون البني في إفريز متخلع، فتوقف عندها. لم يكن قد رآها من سنين. كانت صورته مع أخيه لؤي وأخته زكية وهم يلعبون مع أخيهم محمد، الذي كان يكبر زيتون بثماني عشرة سنة، كانوا يلعبون المصارعة معه في غرفة النوم التي كان يشترك فيها زيتون وأحمد وجميع الصبية الصغار في جبلة، وكان عبد الرحمن الصغير واقفًا إلى أقصى اليمين، وربما لم تكن سنه تتجاوز الخامسة، وقد غاصت أصابعه الصغيرة في يد محمد الضخمة.

وحدق زيتون في بسمة أخيه الساحرة، كان لدى محمد كل شيء آنذاك، وكان كل شيء، أشهر بطل رياضي متمرس في تاريخ سوريا. كان من سباحي المسافات الطويلة، من أفضل من عرفهم العالم على الإطلاق، ولما لم يكن ينتمي إلى بلد يشتهر بسواحله فقد زادت الدهشة من منجزاته، كان قد فاز بسباقات في سوريا ولبنان وإيطاليا، وكان في طوقه أن يسبح ثلاثين ميلًا دون توقف، وبأسرع مما يستطيعه أي شخص سواه، أسرع من أي إيطالي أو إنجليزي أو فرنسي أو يوناني.

وفحص زيتون الصورة فحصًا أدق، وقال في نفسه: «مسكين محمد!» كل إخوته وأخواته تكأكئوا عليه. وكان هذا دأبهم كلما عاد إلى بيته. كانت سباقات السباحة، في اليونان وفي إيطاليا والولايات المتحدة، تبعده عنهم مدة أطول مما ينبغي، كان يُقابَل بالحفاوة والترحاب من رؤساء الدول، وكانت صورته تظهر في الصحف والمجلات في شتى أرجاء العالم. كانوا يسمونه الطوربيد البشري، وتمساح النيل، والمعجزة، وهكذا، فعندما يعود إلى المنزل كان أشقاؤه يُجَنُّون فرحًا، ويَطِنُّون حوله كالذباب.

وعند ذلك، عندما كان في الرابعة والعشرين، رحل عن الدنيا، قُتل في حادثة سيارة في مصر، قبيل الاشتراك في سباق سباحة في قناة السويس. وكان زيتون لا يزال يفتقده بشدة، على الرغم من أنه لم يكن قد تجاوز السادسة وقت تلك الحادثة، وبعد ذلك لم يكن زيتون يعرف أخاه محمدًا إلا من خلال القصص والصور والمدائح، ومن النصب التذكاري المقام تكريمًا له على شط البحر في جلبة، على مسافة قريبة من الشارع الموصل إلى منزل الأسرة، وكان الأطفال وهم يكبرون يمرون بهذا النصب كل يوم؛ وهو ما جعل من المحال نسيانه ولو للحظة واحدة.

وجلس زيتون وجعل يحدق في الصورة دقيقة أو نحوها قبل أن يعيدها إلى الصندوق.

•••

لم يستطع النوم داخل المنزل. كانت حرارة الجو قد ازدادت تلك الليلة، ولم يكن يستطيع أن يتحمل في نيو أورلينز مثل هذه الحرارة من دون جهاز التكييف، وأثناء رقاده فوق الملاءات التي بللها العرق خطرت له فكرة. قام فبحث في أحد الخزانات بالطابق العلوي عن خيمة كان قد اشتراها منذ سنوات بعيدة. وفي الصيف الماضي، أقام الخيمة في الفناء الخلفي للمنزل، وبات الأطفال فيها خارج المنزل عدة مرات، عندما انخفضت الحرارة فأتاحت ذلك.

أخرج الخيمة وزحف من نافذة غرفة نوم نديمة إلى السقف، كان الجو أقل حرارة، والنسائم تهب فتحرك الهواء الساكن، وكان سطح الجراج مستويًا، فأقام الخيمة فوقه، وثبَّتها بالكتب وبعض قوالب الفحم، وسحب إحدى الحشايا التي ينام عليها الأطفال وحشرها حشرًا من باب الخيمة … كان الفارق شاسعًا بين داخل المنزل وخارجه.

رقد على الحشية وجعل يصغي إلى صوت حركة المياه، هل كانت لا تزال ترتفع؟ لم يكن ليدهش من ذلك. ولن يشعر بأي صدمة لو طلع الصبح فوجد أن مستواها قد وصل إلى اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة قدمًا بحيث تغمر الحي كله.

كان الظلام حوله تامًّا، والليل ساكنًا باستثناء نباح الكلاب. كان يسمع النباح مقبلًا من كل ركن من أركان الحي؛ إذ كان ذلك الحي حافلًا بالكلاب وكان قد اعتاد نباحها في أثناء الليل، فقد يحدث في إحدى الليالي أن يصيب الهياجُ أحدها نتيجة شيء ما فيدفع الآخرين إلى النباح، في نوبات غير منتظمة من الدعوة والاستجابة، وقد يستمر ذلك ساعات متصلة حتى تهدأ الكلاب، كلبًا كلبًا، وتخلد إلى الصمت، ولكن هذه الليلة كانت مختلفة؛ إذ كان أصحاب هذه الكلاب قد خلفوها وراءهم، والآن تدرك الكلاب ذلك. كانت صيحات الكلاب تنم عن حيرة وعن غضب، وكانت تمزق الليل إرْبًا إرْبًا!

الأربعاء ٣١ من أغسطس

واستيقظ زيتون مع الشمس وزحف خارجًا من خيمته، كان النهار مشرق الضياء، وحيثما نظر وفي أي اتجاه كان الماء يغمر المدينة، وعلى الرغم من أن كل ساكن في نيو أورليانز قد رسم في خياله صورة الطوفان العظيم، وكان يعرف أن مثل ذلك يمكن أن يقع في مدينة تحيط بها المياه وسدود سيئة التصميم، فإن ذلك المشهد في ضوء النهار كان يتجاوز أي شيء تخيله من قبل. لم يكن يستطيع أن يفكر إلا في يوم الحساب، وفي النبي نوح، وأيام المطر الأربعين. ومع ذلك فقد كان الصمت العميق والسكون الكامل في كل مكان. لم يكن شيء يتحرك قط. جلس على السقف وجعل يفحص الأفق؛ عله يشهد حركة من أي شخص، أو أي حيوان أو آلة. لا شيء.

وبينما كان يصلي الصبح، قطع الصمت صوت طائرة عمودية تنطلق فوق قمم الأشجار متجهة نحو وسط المدينة.

وألقى زيتون نظرة من السقف على الماء فوجده في المستوى الذي كان عليه في الليلة السابقة، وأحس ببعض الراحة حين أدرك أنه يحتمل أن يظل المستوى ثابتًا بل أن ينخفض بمقدار قدم كاملة حين يصل إلى التوازن مع مستوى بحيرة بونشارتران.

وجلس زيتون خارج خيمته فتناول طعام الإفطار من بعض ما أنقذه من مخزون المطبخ، وكان يعرف — وإن لم تعد المياه الآن إلى الارتفاع — أنه لم يكن يستطيع أن يفعل شيئًا في المنزل، لقد أنقذ ما استطاع إنقاذه، ولم يكن أمامه ما يمكن أن يفعله هنا حتى تنحسر المياه.

وبعد الإفطار أحس بالقلق، أو بأنه قد وقع في فخ، كانت المياه أعمق أن يخوضها على قدميه، وما تخفيه مريب يحول دون السباحة فيها، ولكنه كان يملك قاربًا، وتطلع فرآه طافيًا فوق ماء الفناء، مربوطًا بالمنزل، وأحس زيتون بما يشبه الإلهام وسط الخراب الذي حل بالمدينة، أثناء وقوفه على سقف منزله الغارق، وتخيل نفسه وهو يطفو وحده على وجه الماء خلال شوارع مدينته. كانت هذه، من زاوية معينة، تمثل عالمًا جديدًا، لم تطأه قدم. يمكن أن يغدو مكتشفًا، وأن يشاهد بعض الأمور للمرة الأولى.

فهبط نازلًا على جانب المنزل، وركب القارب وفك الحبل وانطلق.

جعل يجدف في شارع «دارْت»، في مياه صافية ذات سطح مستوٍ، ومن الغريب أن يشعر، من فوره تقريبًا، بالطمأنينة، كان الضرر الذي لحق بالحي شديدًا، ولكن كانت في قلبه سكينة عجيبة. لقد ضاع الكثير حقًّا، ولكن السكون الذي ساد المدينة كان ذا قوة تشبه التنويم المغناطيسي.

وأبحر بالقارب بعيدًا عن منزله، فمر بعجلات وسيارات ذات هوائيات للراديو تلمس قاع قاربه، وكانت جميع المركبات، قديمها وجديدها، قد اختفت ومن المحال إنقاذها، وكانت الأرقام تملأ رأسه؛ مائة ألف سيارة فُقدت في الطوفان! وربما عدد أكبر. ما الذي سيحدث لها؟ من ذا الذي يقبلها بعد انحسار المياه؟ وفي أي حفرة يمكن دفنها كلها؟

كان كل من يعرفهم تقريبًا قد خرجوا لقضاء يوم أو يومين خارج المدينة، مَرَّ على منازلهم، وكان قد تولى طلاء عدد كبير منها بل ساعد على بنائها أيضًا، وأخذ يحسب مقدار ما فُقد داخلها، وأحس بغصة حين تذكر الألم الذي سوف ينجم عن ذلك الفقدان. كان يعرف أنه لم يكن أحد قد استعد بما فيه الكفاية لهذا، أو لم يكن قد استعد على الإطلاق.

ثم خطر بباله مصير الحيوانات، السناجب والفئران والجرذان والضفادع والسحالي والأبوسوم، لقد ذهبت جميعًا. غرقت ملايين الحيوانات. لن ينجو من هذه الطامة الكبرى إلا الطيور؛ الطيور وبعض الثعابين، وأي حيوان يمكنه الاعتصام بأرض مرتفعة قبل ارتفاع الماء، وبحثت عيناه عن الأسماك، فإذا كان يطفو فوق ماء متصل بمياه البحيرة فلا بد أن الأسماك قد سبحت ودخلت المدينة. وكأنما سمعت الأسماك ذكرها، إذا به يشاهد في هذه اللحظة شبح سمكة تقفز في الماء بين أغصان الأشجار المغمورة في الماء.

•••

وتذكَّر الكلاب، فوضع مجدافه على ركبتيه، وترك القارب يطفو دون صوت، محاولًا تحديد مصدر النباح الذي سمعه في الظلام.

لكنه لم يسمع شيئًا.

وتضاربت في نفسه صورُ ما يشهد؛ إذ لاحت لعينه لوحةٌ انكسر فيها الضوء، حتى ظهرت أنصاف المنازل والأشجار منعكسة في هذه المرآة التي تشكلت على سطح هذا الماء الذي ساده هدوء غريب، وأيقظت جدة هذا العالم القشيب نزعة المغامرة في نفسه، فشعر بأنه يريد أن يرى كل شيء، بل المدينة كلها، وما أصبحت عليه، ولكن حرفة رجل المعمار داخله جعلته يفكر في الأضرار، وفي الزمن الذي سوف يستغرقه إصلاحها. سنوات، وربما عقد كامل. وتساءل إن كان العالم كله قد شاهد ما يشاهد، كارثة ذات أبعاد أسطورية من حيث الحجم والشدة.

كان الحي الذي يقيم فيه يبعد أميالًا طويلة عن أقرب سد من السدود، وكانت المياه ترتفع ببطء جعله يدرك أنه من غير المحتمل أن يؤدي الطوفان إلى وفاة أحد. ولكنه ارتعد حين خطر له ما يكون من أمر المقيمين قريبًا من مواقع انفجار تلك السدود. لم يكن يعرف مواقع تلك الانفجارات، لكنه كان واثقًا بأن الماء الدافق سرعان ما يجرف المقيمين بجوارها.

وحَوَّل اتجاهه إلى شارع فانسين ومضى جنوبًا، وسمع من يناديه باسمه، فرفع بصره وشاهد أحد عملائه، ويدعى فرانك نولاند، وكان رجلًا قوي البنية محافظًا على لياقته وفي الستين من عمره. كان يطل منحنيًا من نافذة بالطابق الثاني، كان زيتون قد قام بأعمال طلبها في منزله منذ بضع سنوات. وكان زيتون وكاثي أحيانًا ما يشاهدان فرانك وزوجته في الحي، وكانوا دائمًا ما يتبادلون التحية.

ولوَّح زيتون بيده واتجه بالقارب إلى منزل فرانك.

وسأله فرانك وهو يطل من علٍ: «هل معك سجائر؟»

وهز زیتون رأسه نفيًا، وزاد اقترابًا من النافذة التي ظهر فيها فرانك. كان يخامره إحساس غريب وهو يجدف فوق فناء منزل الرجل، وكان الحاجز المعتاد الذي يرشد راكب السيارة إلى طريق الدخول للمنزل قد زال. وهكذا استطاع أن ينزلق مباشرة من الشارع مخترقًا الفناء بزاوية حادة فيصل بالقرب من إحدى نوافذ الطابق الثاني، لا تفصله عنها سوى أقدام معدودة. كان زيتون يحاول أن يعتاد التضاريس الجديدة لهذا العالم.

لم يكن فرانك يرتدي قميصًا، مكتفيًا بسروال التنس القصير، وكانت زوجته واقفة خلفه، وكانت لديهما ضيفة في المنزل، امرأة أخرى من عمريهما ذاتهما، وكانت كلتاهما ترتدي تي شيرت وسراويل قصيرة وتعانيان من الحرارة، كان النهار ما زال في أوله، ولكن الرطوبة كانت قد وصلت إلى حد خانق.

وسأل فرانك: «هل يمكن أن تأخذني إلى مكان أشتري منه سجائر؟»

وأخبره زيتون أنه لا يظن أن أي محال قد فتحت أبوابها وتبيع السجائر هذا اليوم.

وتأوه فرانك، ثم أشار إلى مدخل المنزل المجاور قائلًا: «هل ترى ما حدث لدراجتي النارية؟»

وتذكر زيتون حديث فرانك عن دراجته النارية، كانت تُعَدُّ تحفة عريقة اشتراها وأصلحها وأغدق عليها رعايته. وأصبحت الآن غارقة في مياه عمقها ست أقدام. وعندما ارتفع سطح الماء في اليوم السابق، رفعها فرانك من مدخل منزله إلى شرفة المدخل ثم إلى شرفة مدخل المنزل المجاور الذي كان أكثر ارتفاعًا، ولكنها انتهت الآن، كانا يستطيعان إلى الآن مشاهدة شبح مطموسٍ غير واضح المعالم يشبه الدراجة النارية كأنما يشاهدان أَثرًا من آثار حضارة من العصور الغابرة.

وتحدث الرجلان عِدَّة دقائق عن العاصفة، والطوفان، وكيف كان فرانك يتوقعها، ثم لم يعد يتوقعها على الإطلاق.

وسأل فرانك: «هل يمكنك توصيلي إلى شاحنتي حتى أطمئن عليها؟» ووافق زيتون، لكنه أخبر فرانك أن عليه أن يظل معه فترة أطول؛ إذ كان زيتون يعتزم زيارة أحد عقاراته المؤجرة في موقع على بُعد ميلين تقريبًا.

ووافق فرانك على مرافقته في هذه الرحلة، فهبط من النافذة وجلس في القارب، وأعطاه زيتون المجداف الآخر وانطلقا.

قال فرانك: «شاحنة جديدة تمامًا.» كان قد أوقفها في «فونتانبلو»، ظانًّا أن الشاحنة سوف تنجو لأن سطح الطريق أعلى بنحو قدم منه في «فانسين»، وشقَّا طريقهما فعبرا ستة مربعات سكنية إلى حيث أوقف فرانك الشاحنة، وعندها سمع زيتون شهقة فرانك اللاهثة، كانت الشاحنة تغمرها المياه على عمق خمس أقدام، وانتقلت من مكانها مسافة نصف مربع سكني، وكما كان شأن دراجته النارية، كانت الشاحنة قد انتهت وغدت أثرًا بعد عين.

وسأل زيتون: «هل تريد أن تأخذ شيئًا منها؟»

وهز فرانك رأسه، وقال: «لا أريد أن أراها. فلنذهب.»

وواصلا التقدم، وسرعان ما شاهدا رجلًا أكبر سنًّا، وكان طبيبًا يعرفه زيتون، في شرفة الطابق الثاني بمنزل أبيض، وجدفا حتى دخلا الفناء، وسألا الطبيب إن كان يحتاج إلى مساعدة، وأجاب الطبيب: «لا، إني أنتظر وصول البعض.» وأضاف قائلًا إن مدبرة المنزل معه، وإن أحوالهما مستقرة في الوقت الراهن.

وبعد بضعة منازل صادف زيتون وفرانك منزلًا ترفرف فيه قطعة قماش بيضاء من نافذة بالطابق الثاني. وعندما زاد اقترابهما شاهدا شخصين، زوجًا وزوجته في السبعينيات من عمريهما، يطلان من النافذة.

وسألهما فرانك: «هل تستسلمان؟»

وابتسم الرجل.

وسألهما زيتون: «هل تريدان الخروج؟»

وقال الرجل: «نعم، نريد ذلك.»

لم يكن زيتون وفرانك يستطيعان السماح بركوب أي شخص آخر في القارب، فوعدا الرجل بأن يرسلا أحدًا إلى المنزل بمجرد أن يجدا العون في «كليبورن». كانا يتصوران وجود بعض الحركة في ذلك المكان، وأنه إذا كان من الممكن أن توجد الشرطة أو الجيش في أي مكان قريب، فلا بد أن يكون ذلك في كليبورن، الشارع الرئيس القريب.

وقال زيتون: «سنعود بسرعة.»

وأثناء ابتعادهما عن منزل الزوجين سمعا صوتًا أنثويًّا خافتًا. كان صوتًا أقرب إلى الأنين، ضعيفًا مرتعدًا.

وسأل زيتون: «هل تسمع ذلك؟»

وأومأ فرانك، ثم قال: «إنه قادم من هذا الاتجاه.»

وظلا يجدفان في اتجاه الصوت فسمعاه من جديد: «النجدة!»

كان مصدر الصوت منزلًا من طابق واحد في شارع «ناشفيل».

واتجها إلى الباب الأمامي، وسمعا الصوت من جديد: «ساعدوني!»

وترك زيتون المجداف وقفز في الماء. حبس أنفاسه وسبح حتى وصل إلى المدخل. كان الدرج أقرب مما كان يتصور، واصطدمت ركبته بالجدار الحجري فتأوَّه ألمًا، وعندما وقف على قدميه كان ارتفاع الماء يصل إلى رقبته.

وسأله فرانك: «أنت بخير؟»

وأومأ زيتون وصعد الدرج.

وسمع الصوت يقول وقد شاع فيه الأمل: «مرحبًا!»

حاول أن يفتح الباب الأمامي ولكنه لم ينفتح، وركله زيتون فلم يتحرك، فركله من جديد. لم يتحرك. كان ارتفاع الماء يصل الآن إلى صدره، فاندفع بجسمه كله ضاربًا الباب، وكرر ذلك مرة أخرى، وأخرى، وأخيرًا انفتح.

•••

وفي داخل المنزل وجد عجوزًا تحوم حوله، كانت في السبعينيات من عمرها وذات جسم ضخم، ويزيد وزنها على ٩٠ كيلوجرامًا. كان ثوبها المزركش منشورًا على صفحة الماء مثل زهرة ضخمة طافية، ورجلاها تتدليان تحتها. كانت تتعلق برف كتب خشبي.

وقالت: «ساعدني.»

وتحدث زيتون برقة إلى المرأة، مؤكدًا لها أنها سوف تلقى الرعاية. كان يعرف أنها ظلت على الأرجح في ذلك المكان ممسكة بالأثاث أربعًا وعشرين ساعة أو أكثر. لم تكن أمام عجوز كهذه أدنى فرصة للسباحة حتى تصل إلى بر الأمان، ناهيك بالقوة اللازمة لإحداث خرق في السقف. وحمد الله على أن المياه كانت دافئة، وإلا ما كُتبت لها النجاة.

وجرها زيتون إلى الباب الأمامي ولمح فرانك في القارب، كان مذهولًا لا يصدق ما تشاهده عيناه.

لم يكن أحد يدري الخطوة التالية، كان من العسير أن تركب امرأة بهذا الحجم ذلك القارب الصغير في الظروف العادية، كما أن رفعها لإدخالها القارب يتطلب أكثر من رجلين، وحتى لو نجحا في إدخالها القارب فلن يستطيعا قطعًا أن يدخلا معها. لا بد أن ينقلب القارب دون أدنى شك.

وتبادل زيتون وفرانك حديثًا هامسًا مسرعًا، واتفقا على أنه ليس أمامهما سوى أن يتركاها وأن يأتيا بالغوث لها، وقررا أن يمضيا مسرعين إلى كليبورن، فهو شارع فسيح كانا واثقيْن بأنه سوف يستخدم لسفن الإنقاذ، وهناك يستدعيان إحداها، وذكرا ما فكرا فيه للمرأة، كان يُشقيها أن تترك وحدها مرة أخرى ولكنه كان الخيار الوحيد.

ووصلا إلى كليبورن بعد بضع دقائق وشاهدا فورًا ما كانا يطلبانه، ألا وهو سفينة مروحية. لم يكن زيتون قد شاهد إحداها شخصيًّا، ولكنه كان يعرفها من السينما، وكانت تلك من النوع العسكري، عالية الصوت، تدفعها مروحة عظيمة مثبتة عموديًّا في مؤخرتها، وكانت تتجه مباشرة نحوهما.

وقال زيتون في نفسه إنه سعيد الحظ بالعثور على الغوث بهذه السرعة، وأفعم قلبه شعور يشبه الفخر؛ إذ أدرك أنه وعد بالمساعدة ويستطيع تقديمها الآن.

ووضع زيتون وفرانك قاربهما في طريق السفينة مباشرة ولوَّحا بذراعيهما، وجاءت السفينة المروحية مباشرة إليهما، وعندما اقتربت استطاع زيتون أن يشاهد أربعة ضباط أو خمسة يرتدون الزي الرسمي فيها، وإن لم يتأكد إن كانوا من الشرطة أو الجيش، ولكنه كان بالغ السعادة لمرآهم. ولوح زيتون، ولوح فرانك، وكل منهما يصيح: «قفوا!» و«النجدة!»

ولكن السفينة المروحية لم تقف، بل انحرفت حول قارب زيتون وفرانك، ولم تبطئ، ثم واصلت مسارها نحو كليبورن، ولم يلتفت إليهما رجالها.

كانت الموجة التي خلفتها السفينة المروحية عالية كادت تقلب قاربهما، فظل زيتون وفرانك ثابتين في جلستهما قابضين على جانبي القارب حتى هدأت الموجة. ولم يكادا يتبادلان نظرات التعبير عن تكذيب ما شاهداه، حتى مرت بهما سفينة أخرى، كانت هذه أيضًا سفينة مروحية، وبها أربعة ضباط في الجيش، وعاد زيتون وفرانك إلى التلويح وطلب العون، ومرة أخرى انحرفت السفينة المروحية حولهما وواصلت مسيرها دون كلمة واحدة.

وتكرر حدوث ذلك في الدقائق العشرين التالية. مرت عشرات من هذه المراكب، وفي كل منها ضباط في الجيش أو الشرطة، وتجاهلت قاربهما، ونداءاتهما طلبًا للعون. إلى أين كانت تلك السفن ذاهبة؟! وما الذي كانت تبحث عنه، إن لم يكن سكان المدينة الذين يطلبون المساعدة؟ كان أمرًا يستعصي على التصديق.

وأخيرًا اقتربت سفينة من نوع مختلف. كانت سفينة صيد صغيرة، فيها رجلان، وعلى الرغم مما كان زيتون وفرانك يعانيانه من تثبيط الهمة والتشكك في إمكان توقف أحد عاودا المحاولة. وقفا في القارب ولوحا وصرخا. ووقف هذا القارب.

وقال فرانك: «نريد مساعدة!»

وقال الشابان في السفينة: «لا بأس. فلنذهب!»

وألقى الشابان حبلًا إلى زيتون ربطه بالقارب، وأدارا محرك سفينتهما بحيث تجر خلفها قارب زيتون وفرانك إلى منزل المرأة، وما إن اقترب الجميع حتى أوقف الشابان المحرك ووجَّها السفينة إلى مدخل المنزل.

ووثب زيتون في الماء مرة أخرى وسبح إلى الباب، وكانت المرأة لا تزال حيث تركاها تمامًا، في بهو منزلها، تطفو على سطح الماء بالقرب من السقف.

كل ما كان عليهم الآن هو إيجاد طريقة لنقلها إلى سفينة الصيد، لم تكن تستطيع أن ترفع نفسها لركوب السفينة؛ كان ذلك محالًا. ولم يكن في طوقها أن تهبط في الماء حتى يحملها وحده؛ فالماء بالغ العمق ولم تكن تستطيع السباحة.

وسألها أحد الشابين: «ألديك سُلَّمٌ خشبي يا سيدتي؟»

وكان لديها سُلَّمٌ، وأرشدتهم إلى الجراج المنفصل في آخر الممر، فوثب زيتون في الماء وسبح حتى وصل إلى الجراج وأحضر السُّلَّم.

وعندما عاد به وضعه على الأرضية مستندًا إلى السفينة. كانت الخطة تقضي بأن تترك المرأة الرف الخشبي الذي تتعلق به وتمسك بالسُّلَّم، وتضع قدميها عليه، ثم تصعد درجاته إلى السفينة وتدخلها.

وأمسك زيتون بالسلم، بينما عمل الشابان على تثبيته في مكانه مستندًا إلى السفينة استعدادًا لصعودها عليه. كانت تبدو خطة حاذقة.

ولكن المرأة لم تستطع أن تصعد السُّلَّم. قالت إن لها ساقًا موجوعة لا تستطيع الضغط عليها. كان ذلك يتطلب درجة من الرشاقة، وكانت في الثمانين من عمرها، منهكة بسبب الحرمان من النوم أربعًا وعشرين ساعة أثناء طفوها بالقرب من السقف، لا يشغل بالها إلا احتمال غرقها في منزلها نفسه.

وقالت: «آسفة.»

وقَرَّ رأي الجميع على أنه لم يعد أمامهم سوى خيار أوحد، أي أن يستخدموا السُّلَّم كنقالة متحركة، وذلك بأن يجعلوا أحد طرفيه يستند إلى السفينة، ثم يقف أحد الشابين في مدخل المنزل ممسكًا بالطرف الآخر، وعليهم بعد ذلك أن يرفعوه إلى المستوى الذي يجعله يرتكن إلى حافة السفينة ثم يدخلوه فيها إلى المسافة التي تتيح للمرأة أن تركبه فيدحرجوها إلى داخلها.

وأدرك زيتون أنه لو وقف رجلان على جانبي السُّلَّم فلن يستطيعا وحدهما رفع امرأة يزيد وزنها على ٩٠ كيلوجرامًا، وكان واثقًا بأن عليه أن يدفعها من أسفل إلى أعلى. وهكذا فعندما اتخذ الرجلان موقعيهما على جانبي السُّلَّم، ممسكين بطرفيه، وتجهزت المرأة للصعود فوقه، أخذ زيتون نَفَسًا عميقًا وغطس في الماء، وكان يستطيع تحت السطح أن يشاهد المرأة وهي تترك الرف الخشبي وتتعلق بجانب السُّلَّم. لم تكن حركتها رشيقة ولكنها تمكنت من الصعود فوقه وركوبه كأنما كان طوْفًا من نوع ما.

وعندما استقر جسمها بثقله على السُّلَّم، وضع زيتون طرفيه على كتفيه وجعل ساقيه في وضع مستقيم ودفعه إلى أعلى، كانت الحركة أشبه بآلة تدريب الكتفين على الرفع التي جربها زيتون ذات يوم في صالة الألعاب الرياضية، فعندما جعل ساقيه في وضع مستقيم ارتفع السلم فوق سطح الماء حتى شاهد الضوء فوق السطح، ثم أحس بالهواء على وجهه فاستطاع أخيرًا الزفير.

وتدحرجت المرأة إلى حوض السفينة، لم يكن دخولها رشيقًا ولكنها تمكنت من الجلوس، ولم تكن قد أصيبت بأي أذًى على الرغم من بللها وأنفاسها اللاهثة.

وارتعد زيتون إشفاقًا وهو يشهد تعافيها، لا يجوز لأحد أن يرقب امرأة في سنها تعاني على هذا النحو، كان الموقف قد سلبها كرامتها، وكان يتألم وهو يشهد ذلك بعيني رأسه.

وعاد زيتون إلى القارب، ومد فرانك يده إليه من سفينة الصيد مصافحًا ومبتسمًا وهز رأسه قائلًا: «كان ذلك رائعًا!»

وصافحه زيتون وابتسم.

وجلس الرجلان في صمت، ينتظران أن تقرر المرأة موعد الرحيل، كانا يعرفان أنه كان أمرًا في عداد المحال، أي أن ترى منزلها على هذه الحال، وقد أصابته أضرار لا تحصى وخسائر فادحة، ونظرًا إلى كبر سنها، ونظرًا إلى السنوات العديدة التي يستغرقها إصلاح المنزل، كان من المحتمل ألا تعود إليه أبدًا. صبرا لحظة. وأخيرًا أومأت، فقاموا بترتيب مسارهم، كان فرانك الآن في سفينة الصيد، وزيتون وحده في القارب الذي جعلت السفينة تجره خلفها، كان يعاني البلل الشديد والإرهاق.

تولى فرانك مهمة مرشد سفينة الصيد، فتوجَّه الجميع إلى الزوجين اللذين كانا قد رفعا الراية البيضاء، وفي طريقهم إليهما سمعا صوت استغاثة أخرى.

كانت صادرة من زوجين هرمين آخرين في السبعينيات يلوحان بأيديهما من نافذة في الطابق الثاني بمنزلهما.

وسألهما فرانك: «مستعدان للرحيل؟»

وقال الرجل من النافذة: «نعم.»

وأحضر الصيادان الشابان مركبهما إلى النافذة، فبدأ الزوجان اللذان كانا يتمتعان باللياقة البدنية والنشاط، في الهبوط إلى داخل السفينة.

كان عدد الركاب قد أصبح الآن ستة، ومِن ثَم اتجهوا إلى منزل صاحبي الراية البيضاء، وهبط الزوجان المقيمان فيه إلى سفينة الصيد، فارتفع عدد الركاب إلى ثمانية، وكان الشابان قد شاهدا منصة طبية أُنشئت بصفة مؤقتة عند تقاطع شارعي نابليون وسانت تشارلز، واتفق الجميع على توصيل الركاب إليها، كان الوقت قد حان لزيتون وفرانك حتى يفترقا عن سفينة الصيد، فقاما بفك الحبل الذي يربط القارب بها وودعاهم.

وقال أحد الشابين: «حظًّا حسنًا في كل شيء.»

وقال زيتون: «ولكما أيضًا.»

ولم يعرف أحد منهم أسماء سواه قط.

•••

في باتون روج كانت كاثي لا تزال تسير بالسيارة لقتل الوقت، وقد امتلأت سيارتها بالأطفال، وابتغاء التسرية والابتعاد عن الأخبار التي يذيعها الراديو — إذ كانت الأحوال تزداد سوءًا كل ساعة — كانت تتوقف بين الحين والآخر عند أي حوانيت أو مطاعم مفتوحة، كان صوت زيتون يبدو بالغ الهدوء على التليفون في الليلة السابقة، قبل نفاد بطارية تليفونه، ولكن الأحوال تطورت في المدينة منذ ذلك الحين؛ إذ كانت تسمع أنباءً عن أحداث عنف لا ضابط لها ولا رابط، عن انتشار الفوضى، عن الآلاف في عداد الموتى. ما عسى زوجها المخبول أن يفعل هناك؟ حاولت الاتصال به المرة بعد المرة، آملة أن يكون قد نجح بطريقة ما في شحن بطارية تليفونه. حاولت الاتصال به على تليفون المنزل، قائلة في نفسها: لعل المياه انخفضت بمعجزة إلى ما دون مستوى جهاز التليفون، ولعل الأسلاك لم تتضرر. لم تجد شيئًا؛ إذ كانت خطوط الاتصال مقطوعة.

كان المذيعون يقولون في الراديو إن الحكومة قد أرسلت إلى المنطقة مجموعة أخرى من رجال الحرس الوطني يبلغ عددها عشرة آلاف، وإن نحو ثلث هذا العدد كان مكلفًا بالحفاظ على النظام، وعرفت أنه سرعان ما يبلغ عدد جنود الحرس الوطني في المنطقة واحدًا وعشرين ألفًا، قادمين من شتى أرجاء البلد؛ من فرجينيا الغربية، وأوتاه، ونيو مكسيكو، وميسوري. كيف يتسنى لزوجها أن يهدأ وكل فروع القوات المسلحة تهرع إلى المدينة؟

وأغلقت الراديو وحاولت الاتصال بزيتون مرة أخرى. لا شيء. كانت تعرف أن أوان القلق لم يحِنْ بعد، ولكن الأفكار السوداء كانت تتزاحم في رأسها. إذا كانت صلتها قد انقطعت بزوجها الآن، فكيف تعرف إن كان قد حل به مکروه؟ كيف تعرف إن كان حيًّا أو في خطر أو مات؟ وقالت في نفسها إنها تشطح، فليس في خطر، ما دامت الرياح العاصفة قد مضت، ولم يعد الآن سوى الماء. كما أن الجنود في طريقهم إلى المدينة، لا يوجد ما يبرر القلق.

وعندما عادت إلى منزل أسرتها في باتون روج، وجدت أمها هناك، كانت قد أتت لإحضار الثلج، فألقت التحية على الأطفال جميعًا ثم نظرت إلى كاثي.

وقالت: «لمَ لا تخلعين هذا الشيء وتنعمين بالاسترخاء؟» مشيرة إلى حجاب كاثي. وأضافت: «ليس موجودًا هنا، كوني نفسك!»

وكتمت كاثي في صدرها ما كانت تريد أن تقوله وهو كثير، وأفرغت ضيقها وغضبها في إعداد حقائبها للرحيل، قررت أن تصحب الأطفال إلى موتيل، أو إلى مأوًى ما، أي شيء في أي مكان. ربما إلى أريزونا. لم يحالفها التوفيق في باتون روج. وكان جهلها بمكان زيتون يزيد الأمر سوءًا. لماذا أصر هذا الرجل على البقاء؟ كان ذلك قاسيًا، فعلًا. كان يريد الاطمئنان على سلامة أسرته، ولكنه حرم كاثي زوجته من هذه اللفتة الكريمة! وقررت أنها حين تحادثه مرة أخرى فسوف تصر على إخراجه من المدينة. لم يعد يعنيها سبب رغبته في البقاء. فلينسَ المنزل والعقارات، لا يمكن أن يكون في الدنيا ما يستحق.

وفي نيو أورلينز، كان زيتون يشعر بنشاط جم، لم يحدث قط أن شعر من قبل بمثل هذه العجلة ومثل هذا الوضوح للهدف، ففي أول يوم يقضيه في مدينته التي يغمرها الطوفان، ساعد فعلًا على إنقاذ خمسة من السكان المسنين. كان واثقًا الآن بأن بقاءه في المدينة كان له ما يبرره، ويشعر بقوة لا يدري كنهها تُرْغمه على البقاء، وبأن وجوده كان مطلوبًا.

وكانت المحطة التالية لزيتون وفرانك عند العقار الذي يملكه زیتون، رقم ٥٠١٠ شارع كليبورن، وكان زيتون قد اشتراه مع كاثي منذ خمس سنوات، وهو مبنى سكني من طابقين، وكان الناس يسكنونه بالإيجار، ويقيم فيه من أربعة إلى ستة أشخاص في أي وقت من أوقات السنة.

وعندما وصلا وجدا «تود جامبينو»، وهو أحد المستأجرين لدى زيتون، في المدخل الأمامي، ممسكًا في يده بزجاجة جعة. كان تود رجلًا قوي البنية في أواخر الثلاثينيات، وقد أقام في المبنى طوال الفترة التي امتلكته فيها أسرة زيتون، كان يعمل ميكانيكيًّا في ورشة «سبيديل» لتغيير زيت السيارة وضبط محركها معظم أيام الأسبوع، إلى جانب العمل بعض الوقت بتسليم الحقائب المفقودة لأصحابها في المطار. كان مستأجرًا صالحًا فلم يتأخر في إرسال الإيجار قط أو يسبب أي مشاكل لأسرة زيتون يومًا ما.

ونهض ناظرًا نظرة من يكذِّب عينيه عندما شاهد زيتون مقبلًا.

قال: «ماذا تفعل هنا؟»

وقال زيتون مبتسمًا: «حقًّا؟ جئت للاطمئنان على المبنى.» كان يعرف كم كانت العبارة مضحكة، وأضاف: «أردت الاطمئنان عليكم.»

لم يستطع تود تصديق ما يسمع.

وخرج زيتون وفرانك من القارب وربطاه في مدخل المنزل، كان كلاهما سعيدًا بالوقوف على الأرض الصلبة من جديد.

وعرض تود عليهما الجعة فرفض زيتون وقبل فرانك ثم جلس الأخير على درج المدخل، بينما انطلق زيتون إلى داخل المنزل.

كان تود يقيم في شقة بالطابق الأول، وكان قد نقل كل منقولاته إلى الطابق الثاني، فالغرف الأمامية وبهو المنزل جميعًا تغص بالأثاث، بالكراسي والمكاتب المكوَّمة فوق المناضد والأرائك، وشتى الأجهزة الإلكترونية التي أنقذها من الطوفان تستقر الآن فوق منضدة غرفة الطعام، كان المنظر يوحي بصالة بيع عشوائية.

كانت الأضرار التي أصابت المنزل شاسعة ولكنها لا تستعصي على الإصلاح. كان زيتون واثقًا بأنه قد خسر بدروم المنزل، وربما لن يتمكن أحد من الإقامة فيه ردحًا من الزمن، ولكن الطابقين الأول والثاني لم يتعرضا لأضرار خطيرة، وهو ما أراح بال زيتون، كان بالمنزل تراب كثير وطين ولُطَخ، وكان جانب كبير من ذلك يرجع إلى قيام تود بنقل الأشياء من الطابق الأول والخروج والدخول من المنزل، ولكن الأضرار لم تكن خطيرة.

وعلم زيتون من تود أنه لما كان صندوق التليفون الخاص بالمنزل في مكان مرتفع يعلو على مستوى الماء، فإن الخط الأرضي لم يتعطل، فأسرع من فوره بطلب كاثي على تليفونها الخلوي.

قال: «ألو! أنا هنا.»

وكادت تصرخ. لم تكن تدرك مبلغ قلقها الشديد. قالت: «الحمد لله» بالعربية، وأضافت: «اخرج الآن إذن!»

وقال لها إنه لن يرحل، وحكى لها قصة العجوز ذات الرداء الطافي في بهو منزلها، وكيف حمل السُّلَّم الخشبي حتى ينقذها، وقصَّ عليها قصة الصيادين وفرانك والأزواج المسنين. وكان يتكلم بسرعة كبيرة جعلتها تضحك.

وسألته: «متى تعتزم الرحيل إذن؟»

وقال لها: «لا أعتزم ذلك.»

وحاول أن يشرح لها أنه إذا رحل فما عسى أن يفعل؟ سيقيم في منزل مليء بالنساء، من دون عمل يشغله. بل سيقتصر على تناول الطعام ومشاهدة التليفزيون والقلق بعيدًا عن داره، أما هنا في المدينة فسوف يبقى ويرصد التطورات. يستطيع أن يمد يد العون حيثما تدعو الحاجة. وذكَّرها بأنهما يملكان نصف دستة عقارات لا بد من رعايتها. قال لها إنه في أمان ولديه طعام، ويستطيع رعاية نفسه، ويحول دون وقوع المزيد من الأضرار.

قال: «حقًّا! أريد أن أرى ذلك.»

كان يريد أن يرى ذلك، كل ما حدث وما سوف يحدث، بعيني رأسه. كان يحب هذه المدينة ويعتقد في أعماق قلبه أنه يمكن أن يفيدها.

وسألته: «هل تحس إذن بالأمان؟»

وقال: «طبعًا. هذا جميل!»

كانت كاثي تعرف أنها لن تستطيع إقناعه بتغيير رأيه، ولكن كيف تشرح لأطفالها وهم يشاهدون صور المدينة الغارقة أن أباهم يقيم فيها مختارًا، مبحرًا في أرجائها في قارب مستعمل؟ حاولت استخدام المنطق معه، مشيرة إلى أن أنباء التليفزيون كانت تقول إن الأحوال لن تزداد إلا سوءًا، وإن المياه سرعان ما تصاب بشتی ضروب التلوث — كالزيت والقمامة ورفات الحيوان — وإن ذلك سرعان ما ينشر الأمراض.

وعد زيتون بأن يكون حريصًا، ووعدها بأن يعاود اتصاله ظهرًا في اليوم التالي، من المنزل في شارع كليبورن.

وقالت: «اتصل بي كل يوم ساعة الظهر.»

وقال إنه سوف يفعل.

فقالت: «بل لا بد أن تفعل.»

وقطعا المكالمة، وأدارت كاثي جهاز التليفزيون، كان في مقدمة نشرة الأنباء أن المدينة يسودها خرق القانون وينتشر فيها الموت، وكانت أجهزة الإعلام تُجمِع على أن نيو أورلينز قد تدهورت إلى مستوى دول «العالم الثالث». وكان هذا التشبيه كثيرًا ما يستخدم في وصف تدهور الأحوال، عندما تكون المستشفيات مغلقة، وينقطع توافر المياه النظيفة وغيرها من المرافق الأساسية. وفي حالات أخرى، كان التعبير يستخدم عند عرض التليفزيون صور السكان الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية وقد أضناهم الحر خارج مرکز موريال للمؤتمرات، أو الواقفين على أسطح المنازل يلوحون بأيديهم طلبًا للغوث، وكانت أنباء غير مؤكدة ترد عن وجود عصابات من المسلحين تتجول في المدينة، وعن إطلاق النار على الطائرات المروحية التي تحاول إنقاذ المرضى من فوق سطح أحد المستشفيات، وكان يشار إلى السكان باسم اللاجئين.

كانت كاثي واثقة بأن زيتون لم يكن يدرك مستوى الخطر الذي تنقله الأنباء، ربما يشعر بالأمان حيث يقيم في الضاحية السكانية، ولكن ماذا عسى أن يحدث إذا كانت الفوضى قد انتشرت فعلًا، وأنها كانت تشق طريقها إليه وحسب؟ لم تكن تريد تصديق التغطية الإعلامية المبالغ فيها والمشحونة بالتعصب العنصري، ولكن الأمور كانت ولا شك تتطور، وكان معظم الذين بقوا في المدينة يحاولون باستماتة أن يرحلوا. لم تعد تطيق تلك الحال، فطلبت المنزل في شارع كليبورن مرة أخرى، ولكن لم يجب أحد.

كان زيتون قد انصرف، كان بصحبة فرانك في القارب يجدفان في طريق منزل زيتون في شارع دارْت. وفي طريق عودتهما للبيت، وأثناء مرور بضع سفن مروحية بهما، خطر لزيتون أنهما سمعا الذين ساعداهم، خصوصًا العجوز الطافية داخل منزلها؛ لأنهما كانا يركبان قاربًا، ولو كانا في سفينة مروحية تحدث ضجيجًا يصم الآذان، لما سمعا شيئًا، كانا سيمران بها دون أن يسمعاها، ومن المحتمل أن تعجز المرأة عن الصمود ليلة أخرى، كان الفضل يرجع إلى طبيعة هذه المركبة الصغيرة الصامتة نفسها، فلولا صمتها ما سمعا أشد الأصوات خفوتًا. القارب إذن صالح والصمت ذو أهمية جوهرية.

وأوصل زيتون رفيقه فرانك إلى منزله، ثم اتجه إلى طريق العودة، وكان مجدافه يقبِّل المياه النظيفة، وكتفاه تعملان بإيقاع مُحكم، كان زيتون قد قطع مسافة خمسة أميال أو ستة في ذلك اليوم، لكنه لم يكن مرهقًا. كان الليل يهبط، وكان يعرف أن عليه أن يعود إلى المنزل، سالمًا فوق سقف المنزل، لكنه حزن لانتهاء النهار.

ربط القارب في المدخل الخلفي وتسلق داخلًا المنزل. أحضر شواية محمولة إلى السقف. وأوقد شعلة صغيرة ووضع على النار بعض صدور الدجاج والخضراوات التي كانت مجمدة فأخرجها في الصباح حتى تكون جاهزة للطهي، وأعد لنفسه الطعام، وأثناء تناوله هبط الليل، وسرعان ما أمست السماء أظلم من أي ليلة عرفها في نيو أورلينز، كان الضوء الوحيد ضوء طائرة مروحية تحلق فوق وسط المدينة، وقد بدت ضئيلة لا حول لها ولا قوة على البعد.

واستخدم زيتون الماء المعبأ في زجاجات في الوضوء وأدى الصلاة فوق السطح، وزحف إلى داخل الخيمة موجع الجسد وإن كان ذهنه لا يزال يقظًا، فاسترجع أحداث اليوم. لقد اشترك مع فرانك حقًّا في إنقاذ تلك المرأة، ألم يحدث ذلك؟ بل حدث. كانت تلك حقيقة. كما ساعدا أربعة آخرين على الوصول إلى بر النجاة، ولا بد أن تكون أمامه مهام أخرى غدًا. كيف يستطيع أن يشرح لكاثي ولأخيه أحمد أنه يحمد الله كثيرًا على بقائه في المدينة؟ كان واثقًا بأنه قد دُعِيَ للبقاء وأن الله كان يعلم أنه سيخدم الآخرين إذا بقي. كان اختياره البقاء في المدينة مشيئة ربانية.

كانت مشاعره فائرة إلى الحد الذي أذهب النوم عن عينيه، فعاد من خلال النافذة إلى داخل المنزل، وكان يريد أن يعثر على صورة محمد مرة أخرى. كان قد نسي من كان معه في الصورة — هل كان أحمد؟ — وأراد أن يشاهد التعبير على وجه محمد، تلك البسمة التي تأسر الدنيا. وعثر على صندوق الصور، وأثناء بحثه عن تلك الصورة، وجد صورة أخرى.

كان قد نسي هذه الصورة. ها هو ذا، محمد مع نائب رئيس لبنان. لم يكن زيتون قد رآها منذ بضع سنين. لم يكن محمد قد بلغ العشرين بعد، وكان قد فاز ببطولة سباق سباحة يبدأ في صيدا وينتهي في بيروت، أي لمسافة ٢٦ ميلًا. كان الجمهور مذهولًا. كان قد ظهر من حيث لا يتوقع أحد، محمد زيتون، ابن بحار من جزيرة أرْوَض الصغيرة، وأذهل الجميع بقوته وقدرته على التحمل. كان زيتون يعرف أن والده محمودًا موجود في مكان ما في هذه الصورة بين أفراد الجمهور. لم يكن يفوته سباق قط، ولكن الأمر لم يكن كذلك دائمًا.

figure

كان محمود يريد أن يعمل ابنه محمد، بل كل أبنائه، على اليابسة لا في البحر، وهكذا قضى محمد سنوات مراهقته الأولى عاملًا بحِرَفٍ مختلفة، مثل البناء والتدريب على أعمال الحدادة وأشغال الحديد. كان فتًى قوي البنية له صدر عريض وساقان قويتان، ولم يستمر في المدرسة بعد عامه الرابع عشر. وفي الثامنة عشرة كان يبدو أكبر سنًّا بشارب كث وفك مربع، وكان يجمع بين التفاني في العمل وسحر الشخصية، فكان يحظى بإعجاب من هم أكبر منه وإعجاب الفتيات في البلدة.

ووافق والد محمد على مضض بأن يعمل ابنه ضمن طاقم سفن الصيد المحلية في العصر والمساء. وكان وهو لا يزال في الرابعة عشرة، وبعد يوم كامل من صيد السمك بعيدًا عن الأرض بأميال، يصر على أن يقطع المسافة كلها سباحة، فما إن يرفع الصيادون آخر شباكهم من الماء حتى يسمعوا صوت «الطَّشَّة» في الماء، ويروا محمدًا منطلقًا يشق عباب البحر مهرعًا إلى الشاطئ.

ولم يكن محمد يخبر أباه بأمثال هذه المنجزات، وأخفى عنه بكل تأكيد ما قرره بعد سنوات معدودة من أنه قد كُتب له أن يكون أعظم سباحي المسافات الطويلة في العالم.

كان ذلك عام ١٩٥٨، وإزاء عدد من العوامل السياسية، من بينها ازدياد النفوذ الأمريكي في المنطقة، أعلنت مصر وسوريا الوحدة الاندماجية، فنشأت دولة جديدة هي الجمهورية العربية المتحدة. وكان المعتزم أن تؤدي الوحدة إلى قيام كتلة أشد قوة، بحيث يمكن أن تنمو لتضم الأردن والمملكة العربية السعودية وغيرهما. وكانت الوحدة تتمتع بتأييد شعبي واسع النطاق، ورنات الفَخَار تتفجر في الشوارع والنوافذ في سوريا ومصر؛ إذ كان مواطنو الدولتين يرون في الوحدة خطوة نحو تحقيق تكاتف وتضافر أوسع نطاقًا بين الدول العربية، وانطلقت الاحتفالات والاستعراضات من الإسكندرية حتى اللاذقية.

وكان من بين مظاهر الاحتفال إجراء سباق بين جبلة واللاذقية، يشارك فيه سباحون من شتى أرجاء الوطن العربي؛ لقطع مسافة ثلاثين كيلومترًا على طول ساحل البحر المتوسط. كان ذلك أول سباق يجري من نوعه على الساحل السوري، وتابع محمد الذي كان في الثامنة عشرة كل خطوة فيه، من الإعداد له حتى السباق نفسه. كان يراقب السباحين أثناء التمرين، ويدرس ضرباتهم ونظامهم، مشتاقًا إلى المشاركة في ذلك بنفسه، وتمكن من الحصول على عمل في طاقم قارب الإرشاد لأحد السباحين المتسابقين، واسمه منير ديب، وتمكن من مصاحبته بالسرعة نفسها على طول مسافة السباق.

وفي أثناء الطريق، لم يستطع محمد الصبر فقفز وجعل يسبح بجوار ديب وغيره من المتسابقين، ولم يقتصر محمد على مجاراة المحترفين، بل بهر أحد حكَّام السباق الذي قال: «هذا الولد ممتاز، وسوف يصبح بطلًا!» ومنذ ذلك اليوم ومحمد لا يكاد يفكر إلا في تحقيق هذه النبوءة.

لم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة لكنه كان يعمل صباحًا بحرفتي البناء وأشغال الحديد، وعصرًا بصيد السمك، وليلًا بدأ يتدرب استعدادًا لسباق العام التالي، وأبقى تدريبه سرًّا لم يخبر والده به، حتى عندما خاض اختبارين لسباحة المسافات الطويلة، أحدهما بين اللاذقية وجبلة، والآخر بين جبلة وبانياس. ولكن محمودًا ما لبث أن عرف بطموحات ابنه، ولما كان يخشى أن يفقد ابنه في البحر الذي لا يرحم، والذي كاد يسلبه روحه يومًا ما، منع ابنه من سباحة المسافات الطويلة، كان يريده أن يترك الصيد، ويبتعد عن البحر. كان يريد لولده أن يعيش.

ولكن محمدًا لم يستطع التوقف، وعلى صعوبة عصيان والده، واصل التدريب، ودون أن يخبر أحدًا من أفراد الأسرة دخل محمد سباق العام التالي. وعندما خرج من الماء في اللاذقية، كان التهليل يصم الآذان. كان قد فاز بلا عناء.

وقبل أن يتمكن محمد من العودة إلى بلده، قام أحد أصدقاء محمود القدامى، وكان أيضًا من أبطال السباحة، بزيارة منزل زيتون وتهنئة محمود بفوز ولده. وهكذا عرف محمود أن محمد زيتون كان أفضل سباح في سوريا.

وعندما وصل محمد عائدًا إلى منزله في تلك الليلة، كان محمود قد كفَّ عن المقاومة. قال في نفسه إذا كان ابنه يريد هذا، وإن كان قدر ابنه أن يصير سباحًا — إذا كان الله قد خلقه سباحًا — فلن يقف هو في طريقه. وهكذا اشترى لابنه تذكرة في الأوتوبيس إلى دمشق حتى يتدرب ويتنافس مع أفضل سباحي المنطقة.

ووجد زيتون صورة أخرى. كانت صورة أول انتصار كبير يحرزه محمد في السنة نفسها، أي في عام ١٩٥٩، وكان ذلك في سباق لبناني. كان المضمار مزدحمًا وحافلًا بأسماء شهيرة، ولم يفز محمد بالمركز الأول فقط بل حقق زمنًا قياسيًّا فيه؛ تسع ساعات وخمسًا وخمسين دقيقة. كان زيتون شبه واثق بأن هذه الصورة التُقِطَتْ أثناء الاحتفالات في أعقاب الفوز؛ إذ حضر الآلاف لتحية أخيه.

كم كان عمر زيتون آنذاك؟ أجرى حساباته في ذهنه. إنه عام واحد. ربما لم تكن سنه تزيد على عام واحد. لم يكن يذكر شيئًا عن تلك الانتصارات الأولى.

figure

وفي العام التالي دخل محمد السباق الشهير بين كابري ونابولي، وهو السباق الذي اجتذب أفضل سباحي العالم. كانت التوقعات ترجِّح كفة ألفريدو كاماريرو، وهو أرجنتيني كان قد فاز بالمركز الأول أو الثاني خمس سنوات متتالية، وكان محمد مجهولًا عندما بدأ السباق في السادسة صباحًا، وعندما اقترب من الشاطئ بعد ثماني ساعات لم يجل بخاطره أنه الفائز، ولم يدرك أنه قد فاز إلا عندما خرج من البحر وسمع صرخات الدهشة وترديد اسمه في الهتاف. كانوا يرددون: «زيتون العربي فاز!» لم يكن أحد قادرًا على تصديق ذلك. سوري يفوز بأعظم سباق لسباحة المسافات الطويلة في العالم؟! وقال كاماريرو للجميع إن محمدًا أقوى سباح شاهده في حياته.

وأهدى محمد الفوز إلى الرئيس عبد الناصر، وردًّا على ذلك أضفى عبد الناصر رتبة الملازم الفخرية في البحرية على محمد الذي كان في العشرين من عمره. وكان أمير الكويت قد شهد السباق واحتفل بمحمد في عشاء أقيم على شرفه في نابولي. وفي العام التالي فاز محمد مرة أخرى بسباق كابري–نابولي، وفي هذه المرة حطَّم الرقم القياسي الذي كان كاماريرو قد حققه بمدة خمس عشرة دقيقة. كان قد أصبح آنذاك أشهر سباح للمحيطات في العالم.

كان عبد الرحمن في طفولته مبهورًا، وفخورًا فخرًا لا حدود له؛ إذ نشأ وترعرع في منزل كهذا، وله مثل هذا الأخ، مَزْهُوًّا في كل يوم بالمجد الذي اكتسبه أخوه للأسرة، كان اعتزاز أشقاء محمد به يوقد مشاعرهم عندما يستيقظون في صباح كل يوم، ويحدد أساليب سيرهم وكلامهم ورؤية الناس لهم في جبلة وأرْوَض وفي كل مكان آخر في سوريا. لقد أدى ذلك إلى تغيير نظرتهم إلى العالم إلى الأبد. كانت منجزات محمد توحي — بل تثبت في الواقع — أن أسرة زيتون أسرة فذة. وقد فرض ذلك على كل طفل، منذ تلك اللحظة، أن يثبت جدارته بتلك التركة.

لقد مضت إحدى وأربعون سنة على وفاة محمد. كان بزوغ نجمه ووفاته المبكرة بصورة لا تكاد تصدق قد حددا مسار أسرة زيتون بصفة عامة ومسار حياة عبد الرحمن بصفة خاصة، ولكنه لم يكن يحب أن يطيل تأمل ما حدث. اللحظات التي يحس فيها الظلم كان يقول إن أخاه قد سُرِق منه، وإن الظلم المتمثل في انتزاع مثل هذا الرجل الجميل من الدنيا يثير الشكوك في أشياء كثيرة. ولكنه كان يدرك الخطأ الكامن في هذا التفكير، ولم يكن ذلك مثمرًا على أي حال. كل ما كان يستطيعه أن يشرِّف ذكرى أخيه، بأن يكون قويًّا وشجاعًا وصادقًا، وأن يتحمل ويصبر. وليكن صالحًا مثل محمد.

واستقر زيتون في الخيمة ونام نومًا متقطعًا. وعلى امتداد الحي كله كانت الكلاب قد أذهب الجوع صوابها، كان نباحها وحشيًّا طليقًا متصاعدًا.

الخميس أول سبتمبر

في السادسة صباحًا كانت كاثي قد انتهت من وضع الأمتعة في سيارتها الأوديسية، وربطت أحزمة الأمان حول أطفالها فيها. كانت أختاها لا تزالان نائمتين عندما بدأت هي والأطفال السير بالسيارة، مغادرين باتون روج. كانت المسافة إلى مدينة فينكس تبلغ ألف ميل وخمسمائة.

وسألت نديمة: «هل نترك كلبتنا ميكاي حقًّا؟»

لم تكن كاثي نفسها تصدق ذلك، ولكن ما كان بيدها أن تفعل سوى ذلك؟ إذ طلبت كاثي من أختها باتي أن تسمح لها بترك الكلبة لديها أسبوعًا، وأعطت بعض عُلب طعام الكلاب المحفوظ والنقود إلى أحد المراهقين من أبناء باتي حتى يرعى ميكاي المسكينة. كان ذلك أفضل من وضعها في مأوى للكلاب، وأفضل كثيرًا من حملها في الشاحنة كل هذه المسافة إلى فينيكس والعودة بها. لم تكن أعصاب كاثي تتحمل ذلك وتكفيها صعوبة الرحلة مع أربعة أطفال صغار.

كانوا يشرعون في قطع مسافة تستغرق ثلاثة أيام على الأقل بالسيارة، والأرجح أن تستغرق أربعة أو خمسة. ما الذي كانت تفعله؟ كان من قبيل الجنون قيادة السيارة أربعة أيام وقد امتلأت بالأطفال، واتخاذها ذلك القرار في غيبة زوجها! لم يحدث أن مرت بهذا الموقف منذ زمن بعيد، ولكن لم يكن لديها خيار آخر. لم تكن تستطيع البقاء في باتون روج طيلة المدة التي قد تمتد لأسابيع يعلم الله عددها قبل أن تصبح نيو أورلينز صالحة للسكنى من جديد. لم تكن حتى بدأت في التفكير في المدرسة، أو في الملابس؛ إذ لم تصحب معها سوى ما يكفي يومين، أو فيما عساهم أن يفعلوا لكسب المال والعمل متوقف.

وأثناء اتجاهها غربًا في الطريق رقم أ-۱۰ شعرت ببعض الراحة إذ أدركت أنها تستطيع، على الأقل، أن تجد الوقت الكافي للتفكير أثناء انطلاقها في ذلك الطريق الفسيح.

وعندما خرجت من المدينة إلى الطريق الرئيس أدارت رقم تليفون منزل شارع كليبورن. لم يكن الموعد الذي اتفقت مع زيتون عليه قد حان، بل كان أمامه ساعات، ولكنها ضربت الرقم آملة أن يكون زيتون قد وصل إليها أولًا وينتظر أن يتصل بها. ورن التليفون ثلاث مرات، وقال رجل: «مرحبًا؟» كان الصوت صوت أمريكي، ولم يكن صوت زوجها، كما كان فظ النبرات نافد الصبر.

وسألت: «هل عبد الرحمن زيتون موجود؟»

– «ماذا؟ من؟»

وكررت ذكر اسم زوجها.

– «لا! لا يوجد أحد هنا بهذا الاسم.»

وسألت: «هل هذا رقم ٥٠١٠ كليبورن؟»

وقال الرجل: «لا أعرف. أظن ذلك.»

وسألت: «من المتحدث؟»

ومرت فترة صمت، ثم انقطع الخط.

•••

سارت كاثي بالسيارة نحو ميل قبل أن تبدأ حتى في استيعاب ما حدث الآن. من كان صاحب هذا الصوت؟ لم يكن صوت أحد المستأجرين؛ إذ كانت تعرفهم جميعًا. كان رجلًا غريبًا، رجلًا دخل المنزل بطريقة ما ويجيب الآن على التليفون. ومن جديد بدأت الأفكار السوداء تغزو ذهنها بسرعة. ألا يمكن أن يكون المتحدث في التليفون قد قتل زوجها وسطا على المنزل واحتله؟

وأوقفت السيارة عند مطعم ماكدونالدز واستقرت في مكان انتظار السيارات، وأدارت الراديو وفي اللحظة نفسها تقريبًا جاءت الأخبار من نيو أورلينز. كانت تعرف أنها ينبغي ألا تصغي، ولكنها لم تستطع المقاومة، كانت أنباء خرق القانون أسوأ مما سمعته من قبل! وخرجت بلانكو، حاكمة الولاية، ببيان موجه إلى من يعتزم ارتكاب الجرائم، تحذرهم فيه بأن الجنود الأمريكيين الذين عركتهم الحروب في طريقهم إلى نيو أورلينز حتى يعيدوا النظام بأي ثمن. وقالت: «عندي رسالة واحدة لهؤلاء المخربين: هؤلاء الجنود يعرفون كيف يطلقون النار ويقتلون، وهم أكثر من راغبين في أن يفعلوا ذلك إذا اقتضى الأمر، وأتوقع أن يفعلوا!»

كانت كاثي تعرف أن عليها تحويل مؤشر الراديو قبل أن يسمع الأطفال شيئًا من هذا، ولكنها تأخرت أكثر مما ينبغي.

«هل يقولون إن المدينة غرقت يا ماما؟»

«هل غمرت المياه منزلنا؟»

«هل يطلقون النار على الناس يا ماما؟»

وأسكتت كاثي صوت الراديو قائلة: «أرجوكم يا حبايبي، لا تسألوني أي سؤال!»

واستعادت رباطة جأشها وعادت للانطلاق في الطريق الرئيس، وقد عقدت العزم على عدم التوقف حتى تبلغ فينيكس. قالت في نفسها إن كل ما عليها هو أن تصل إلى يوكو فتهدأ، وإن يوكو سوف تبث في قلبها الاطمئنان، وإن زيتون لا بد أن يكون بخير، وقد يكون من حادثته من الناس شخصًا عاديًّا، فليس من المستغرب أن يشترك الناس في استخدام التليفون ما دامت معظم خطوط التليفون الأرضية في المدينة معطلة.

وعادها الهدوء عدة دقائق. ولكن الأطفال عاودوا الأسئلة:

«ماذا حدث لمنزلنا يا ماما؟»

«أين بابا؟»

وأدى ذلك إلى إعادة انشغال ذهن كاثي. ألا يمكن أن يكون ذلك الرجل قاتل زوجها؟ ألا يحتمل أنها كانت قد تحدثت لتوِّها مع من قتل زوجها؟ كانت تحس كأنما كانت تشهد من علٍ تكالب القوى على زوجها. كانت وحدها تعرف ما يحدث في المدينة: الجنون، والمعاناة، واليأس. لم يكن لديه تليفزيون، ولم يكن يستطيع أن يعرف مدى الفوضى. كانت قد شاهدت الصور المأخوذة من الطائرات المروحية، والمؤتمرات الصحفية، وسمعت الإحصاءات، وقصص العصابات وتفشي الجرائم. وعضت كاثي شفتيها: «يا حبايبي لا تسألوني الآن! لا تسألوني!»

«متى نعود إلى البيت؟»

وصرخت كاثي: «أرجوكم! اتركوا هذا الموضوع لحظة. دعوني أفكر!» لم تكن تستطيع مواصلة الصبر. كانت ترى الطريق بصعوبة والحدود تختفي. كانت تحس أنها تقتحمها وتشدها، والدموع تعمي بصرها فمسحت أنفها بظهر يدها، ورأسها على عجلة القيادة.

«ما بكِ يا ماما؟»

كان الطريق يطير بجانبها.

وبعد بضع دقائق نجحت في استجماع القوة الكافية للتوقف في إحدى الاستراحات على الطريق، وطلبت يوكو بالتليفون.

قالت يوكو: «لا تسيري بالسيارة قدمًا أخرى.»

وفي غضون عشرين دقيقة كانت الخطة قد اكتملت. ظلت كاثي في مكانها أثناء قيام أحمد، زوج يوكو، بالنظر في جدول مواعيد الطائرات. لم يكن على كاثي إلا أن تصل إلى هيوستن، وسوف تتخذ يوكو الترتيبات لمبيت كاثي والأطفال في منزل أحد الأصدقاء هناك. وسوف يسافر أحمد بالطائرة فورًا إلى هيوستن، ويقابلها في الصباح هناك ويتولى قيادة السيارة وفيها أفراد الأسرة إلى مدينة فينيكس.

وسألت كاثي: «أنتِ متأكدة؟»

وقالت يوكو: «أنا أختكِ، وأنتِ أختي، لم يعد لي في الدنيا غيركِ!» كانت والدتها كاميكو قد توفيت ذلك العام، وكان فقدانها فاجعة ليوكو وكاثي معًا.

وعادت كاثي تبكي من جديد.

واستيقظ زيتون ذلك الصباح بعد التاسعة مرهقًا من عواء الكلاب. كان قد عقد العزم على أن يعثر اليوم عليها.

وبعد أن أدى الصلاة، انطلق يجدف في القارب فوق الفناء الغارق. كان صوت النباح يدل على أن الكلاب في مكان قريب جدًّا، فعبر الشارع واتجه يسارًا في شارع دارْت، وبعد أن تخطى بضعة منازل وجد مصدر الأصوات.

كانت الأصوات صادرة من منزل يعرفه خير المعرفة، فزاد اقترابًا منه فإذا بالنباح يغدو محمومًا، ونبرات النباح المستيئسة صادرة من داخل المنزل، وكان عليه الآن أن يجد وسيلة لدخول المنزل. كان الطابق الأول تغمره المياه، فحدس أن به كلبين محبوسين في الطابق الثاني. وكان بالقرب من المنزل شجرة كثيرة الأغصان، فجدف حتى وصل إليها وربط القارب في جذعها.

ورفع نفسه ممسكًا بأحد أغصان الشجرة، وتسلقها حتى استطاع أن ينظر من نافذة بالطابق الثاني، لكنه لم يشاهد كلابًا، وإن استمر يسمع النباح. كانا في ذلك المنزل، وكانا يعرفان أنه قريب منهما. كانت الشجرة التي يقف عليها تبعد عشر أقدام عن النافذة، وكان من المحال أن يقفز لبعد المسافة.

في تلك اللحظة لمح لوحًا من الخشب، عرضه قدم وطوله نحو ست عشرة قدمًا، طافيًا في الفناء الجانبي، فهبط وجدَّف حتى وصل إليه وأحضره إلى المنزل وجعله يستند إلى الشجرة، ثم صعد الشجرة مرة أخرى ورفع اللوح حتى ينشئ قنطرة بين الشجرة وبين السطح، كان يرتفع عن الأرض بنحو ست عشرة قدمًا، ونحو ثماني أقدام فوق مستوى المياه.

لم تكن القنطرة التي أنشأها تختلف كثيرًا عن السقالة التي كان يستخدمها كل يوم في عمله، وهكذا فبعد أن فحصه بسرعة واقفًا عليه نصف وقفة على قدم واحدة، سار فوقه ووصل إلى السطح.

ومن مكانه فوق السطح عالج شباكًا حتى فتحه وانسلَّ داخلًا المنزل. وأصبح صوت النباح أعلى وأشد إلحاحًا، فعبر غرفة النوم التي وصل إليها، وهو يسمع أصوات الكلبين التي يزداد طابعها الهيستيري، وأثناء سيره في ردهة الطابق الثاني لمحهما؛ كانا كلبين كما حدس، أحدهما من فصيلة اللابرادور الضخمة، أسود اللون، والآخر أصغر من سلالة مهجنة في قفص. لم يكن لديهما طعام، وكان إناء الماء في القفص خاليًا. كان يبدو أنهما في حالة من التشويش يحتمل فيها أن يعضاه ولكنه لم يتردد، ففتح القفص وأخرجهما، فجرى اللابرادور وتخطاه خارجًا من الغرفة، وأما الصغير فظل كما كان، يُقعي في القفص، وتراجع زيتون حتى يتيح له أن يخرج ولكنه ظل في مكانه.

ولم يكن أمام اللابرادور مكان يقصده، فحاول نزول الدرج وشاهد المياه قد وصلت إلى ما قبل الطابق الثاني ببوصات معدودة، فعاد إلى زيتون الذي خطرت له فكرة.

قال لهما: «انتظرا هنا.»

سار عائدًا عبر القنطرة التي أقامها باللوح الخشبي، وهبط من الشجرة إلى قاربه، وجدف عائدًا إلى منزله، وصعد إلى السطح وانسلَّ من نافذته ونزل الدرجات القليلة التي لم تكن المياه قد غمرتها، وكان يعرف أن كاثي تملأ الفريزر بأكداس من الأطعمة المجمدة، من اللحوم والخضراوات، فانحنى وأخذ قطعتين من اللحم، وأسرع بإغلاق الباب حتى يحول دون تسريب الحرارة إليه. وعاد إلى السطح فحمل زجاجتي بلاستيك من الماء ووضع ذلك كله في القارب، وهرع هابطًا وعاد إلى المنزل حيث كان الكلبان.

وأحسا من جديد بمقدمه ولكنهما كانا هذه المرة بجوار النافذة ورأساهما يطلان من حافتها، وعندما شمَّا رائحة اللحم، وإن كان مجمدًا، عادا للنباح المحموم، وذيلاهما يهتزان، فأعاد زيتون ملء إناء الماء فانقضا عليه، وبعد أن شربا كفايتهما عادا لمعالجة اللحم، فظلا يعضانه حتى زال تجمده، وظل زيتون ينظر عدة دقائق، متعبًا وراضيًا، حتى سمع المزيد من النباح، كانت في الحي كلاب أخرى، وكان لديه فريزر غاصٌّ بالطعام، فعاد إلى المنزل ليستعد.

وضع المزيد من اللحم في قاربه وذهب يبحث عن الحيوانات الأخرى التي خَلَّفها وراءه، ولم تكد لحظة تمر على خروجه من منزله حتى سمع صوت نباح واضح، وإن كان مكتومًا، صادرًا من الموقع نفسه تقريبًا حيث وجد الكلبين.

وزاد من اقترابه متسائلًا إن كان بالمنزل نفسه كلب ثالث، فأرسى القارب بربطه في الشجرة من جديد، وصعد حاملًا قطعتين من اللحم، ونظر هذه المرة من منتصف الغصن إلى المنزل المجاور، من ناحية اليسار، فشاهد كلبين آخرين يتواثبان أمام زجاج النافذة.

فنقل اللوح الخشبي من مكانه الموصل إلى المنزل الأول ومده حتى وصل إلى المنزل الآخر. وعندما رآه الكلبان انطلقا في خبال يثبان في مكانهما.

وما لبث أن فتح النافذة ودخل حتى قفز الكلبان نحوه، ألقى بقطعتي اللحم فانقض الكلبان عليهما وقد نسياه تمامًا، كان يريد أن يأتيهما بالماء أيضًا فعاد بالقارب من جديد إلى المنزل وأحضر المزيد من زجاجات المياه المعبأة وإناءً يشرب منه الكلبان.

وترك زيتون بالنافذة فتحة تكفي استنشاق الكلبين للهواء الطلق، ثم سار على اللوح الخشبي مرة أخرى وهبط الشجرة ودخل قاربه، وبدأ التجديف وهو يقول في نفسه إن الوقت قد حان للاتصال بكاثي تليفونيًّا.

•••

وأثناء تجديفه لاحظ أن المياه ازداد تلوثها، فازداد لونها قُتْمَةً وزالت شفافيتها، وأصبح يخالطها الزيت والبنزين ويشوبها بعض الحطام والطعام والقمامة والملابس وركام من المنازل، ولكن زيتون كان يتمتع بروح معنوية عالية، ويشعر بالانتعاش بسبب ما استطاع أن يفعله من أجل الكلاب، وبأنه بقي من أجل هذه الحيوانات؛ إذ كان يمكن أن تموت أربعة كلاب جوعًا وتستطيع أن تعيش الآن لأنه لم يترك المدينة؛ ولأنه اشترى القارب القديم. كان يتلهف على الاتصال بكاثي.

وعند الظهر عاد إلى المنزل في شارع كليبورن، لم يكن تود موجودًا اليوم وكان البيت خاليًا. دخل المنزل واتصل بكاثي.

وقالت كاثي: «الحمد لله! الحمد لله الحمد لله الحمد لله! أين كنت؟» كانت لا تزال مع الأطفال في السيارة في الطريق إلى هيوستن، فوقفت على جانب الطريق.

وسألها زيتون: «ماذا يقلقكِ؟ قلت سأتصل في الظهيرة، ونحن الآن في الظهيرة.»

وسألته: «من كان ذلك الرجل؟»

وسأل بدوره: «أي رجل؟»

أوضحت له أنها عندما اتصلت من قبل ردَّ على التليفون شخص آخر. أقلق ذلك زيتون، فأخذ أثناء المكالمة ينظر في أرجاء المنزل، لم يلاحظ ما يدل على وقوع سرقة أو جريمة من أي لون، لم يشاهد أقفالًا مخلوعة ولا نوافذ مكسورة، ربما كان ذلك الرجل من أصدقاء تود؟ وأكد لكاثي أن ذلك لم يكن مما يدعو إلى القلق على الإطلاق، وأنه سوف يكشف حقيقة ما حدث.

وأبدت كاثي، بعد أن هدأ بالها، سرورها بأنه استطاع مساعدة الكلاب، وبأنه كان نافعًا، لكنها لم تكن تريده أن يبقى في نيو أورلينز بعد الآن، مهما يكن عدد الكلاب التي يطعمها، أو عدد الأشخاص الذين يعثر عليهم وينقذهم.

وقالت: «أريدك حقًّا أن ترحل، الأنباء القادمة من المدينة بالغة السوء؛ إذ يقع فيها السلب والنهب والقتل، وسوف يصيبك مكروه.»

كان زيتون يدرك من نبراتها مدى قلقها، ولكنه لم يشهد أي شيء يشبه الفوضى التي تصفها، فلو كانت بالمدينة أي فوضى — وكانت تعرف طابع أجهزة الإعلام — فسوف تكون في وسط المدينة. وقال: إن المكان الذي يتنقل فيه بالغ السكون والهدوء والغرابة كأنما ينتمي لعالم آخر، إلى الحد الذي يستحيل معه أن يعرضه للخطر. وقال لها إنه ربما كان من وراء بقائه منطق ما، سبب خفي لشرائه القارب، ووجوده في هذا الموقف المحدد وهذا الوقت المحدد.

وقال: «أشعر كأنما كان من الواجب أن أكون هنا.»

ولم ترد كاثي.

وقال: «إنها مشيئة الله.»

ولم تكن لديها إجابة لذلك.

وانتقلا في الحديث إلى الشئون العملية، قالت إن تليفونها الخلوي كثيرًا ما يتعطل في منزل يوكو في مدينة فينيكس، فأعطت زيتون رقم التليفون الأرضي هناك، فكتبه على قصاصة من الورق وتركها بجوار تليفون منزل شارع كليبورن.

وقال: «أدخلي الأطفال المدرسة عندما تصلين إلى فينيكس.»

وبرقت عينا كاثي.

وقالت: «طبعًا!»

وقال: «أحبكِ وأحبهم!» وأنهيا المكالمة.

وانطلق من جديد، ومن فوره شاهد تشارلي راي، الذي كان يقيم في منزل إلى يمين منزل شارع كليبورن، كان نجَّارًا أزرق العينين، في الخمسينيات من عمره، مواطنًا ودودًا لطيف المعشر، يعرفه زيتون منذ سنين. كان يجلس هادئًا في شرفة مدخل منزله كأنما كان اليوم مثل أي يوم آخر.

وقال زيتون: «بقيت أنت أيضًا؟»

«هذا صحيح.»

«هل تريد أي شيء؟ ماء؟»

وقال تشارلي إنه لا يحتاج الآن، ولكن ربما يحتاج بعد وقت قصير، ووعده زيتون بأن يمر عليه من جديد للاطمئنان وانطلق يجدف مبتعدًا، ويتطلع إلى أن يعرف كم من الناس ظلوا في المدينة، فما دام فرانك قد بقي، وما دام تود وتشارلي قد ثبتا في وجه العاصفة، فلا بد أن تكون بالمدينة عشرات آلاف أخرى. لم يكن وحده صاحب التحدي.

وواصل طريقه، مدركًا أنه لا بد أن يشعر بالتعب، ولكنه لم يكن يشعر بأدنى تعب، بل ما أحس يومًا ما يحسه الآن من قوة.

وفي هذا اليوم انطلق فاقترب من وسط المدينة، وكان يمر بأسر يخوض أفرادها في الماء، ويدفعون أمامهم الأوعية التي تستخدم في الغسيل وقد ملئُوها بمنقولاتهم، ومرَّ بجوار امرأتين تدفعان أمامهما حمام سباحة بلاستيكي يُنفخ ويوضع فيه الماء للأطفال، وقد وضعوا فيه الملابس والطعام، وفي كل مرة كان زيتون يسأل إن كان يستطيع المساعدة، وأحيانًا كان يُطلب منه زجاجة أو زجاجتان من الماء، فيقدم لهم ما لديه، كان يعثر على أشياء بالغة الكثرة — مياه معبأة، ووجبات جاهزة، وأغذية معلبة — وحيثما صادف أحدًا أعطاه ما كان لديه في القارب. كان لديه المخزون الكافي في البيت، ولم يكن يريد أي أثقال أخرى تبطئ سير القارب.

ووصل بقاربه إلى المنصة رقم أ-١٠ عند تقاطع شارعي كليبورن وبويدراس، وهي هيكل من الخرسانة يعلو على سطح الماء بنحو عشر أقدام، وكان فوقها العشرات الذين ينتظرون الإنقاذ، كانت إحدى الطائرات العمودية قد أسقطت زجاجات الماء والطعام، وكان يبدو أن لديهم المؤن الكافية، وسألوا زيتون إن كان يريد أي ماء فقال إن لديه الكفاية، ولكنه يحمل الماء إلى من يحتاجون إليه، فأعطوه صندوقًا، وعندما أدار قاربه رأى نصف دستة كلاب مع المجموعة، معظمها من الجراء الصغيرة، كانت تبدو في صحة جيدة وتتناول ما يكفي من الطعام، كانت تجلس في ظل السيارات هربًا من حرارة الجو.

ولما كان زيتون يفترض أن كل ما أصاب المدينة أشد وطأة على الأرجح في وسطها، اختار ألَّا يقترب من المركز إلى أكثر من هذا الحد، فحوَّل وجهة القارب، وعاد أدراجه إلى شارع دارْت.

وبينما كانت كاثي تقود السيارة إلى هيوستن، كانت يوكو تتخذ الترتيبات اللازمة حتى تقضي الأسرة ليلتها في منزل صديقة قديمة لهما كانت تسميها ماري، وكانت ماري هذه، مثل يوكو وكاثي، أمريكية ولدت لأسرة مسيحية واعتنقت الإسلام بعد أن كبرت، وقد أصبح منزلها الآن ملجأً تحتمي فيه الأسر الهاربة من وجه العاصفة، وعندما توقفت الأوديسية، سيارة كاثي، عند مدخل المنزل وجدت فيه أكثر من عشرة أشخاص، وكانوا كلهم من المسلمين من نيو أورلينز وغيرها من مناطق لويزيانا ومسيسيبي.

وكانت ماري امرأة براقة العينين في الأربعينيات، وقد خرجت لاستقبال كاثي والأطفال عند مدخل البيت، وحملت حقائبهم، واحتضنت كاثي بشدة جعلت الدموع تنساب من عينيها مرة أخرى، وصحبتهم ماري إلى الداخل، وأرشدت الأطفال إلى حمام السباحة خلف المنزل، وفي غضون دقائق كان الأربعة يسبحون في سعادة، وانهارت كاثي على الأريكة وحاولت ألا تفكر في أي شيء.

وعندما عاد زيتون إلى منزله في شارع دارْت، وجد خيمته في الماء أسفل المنزل، كانت الريح قد أطارتها عن السقف، وحدس زيتون أن ذلك كان على الأرجح بسبب طائرة عمودية، فانتزعها من الماء ونصبها من جديد، وجفف داخلها بالفُوَط، ثم دخل المنزل ليبحث عن أثقال يثبتها بها، فأحضر أكوامًا من الكتب، وكانت هذه المرة أثقل ما وجد، ووضعها في أركان الخيمة.

وبينما كان يعمل داخل الخيمة على تثبيتها، سمع صوت طائرة عمودية أخرى تقترب منه، كان الصوت يصم الآذان، وتوقع أن تمر من فوق منزله في طريقها إلى مكان آخر، ولكنه عندما أخرج رأسه من الخيمة ونظر وجد أنها تحلق فوق منزله، بل فوقه، وكان بها رجلان يرسلان الإشارات إليه.

وأشار إليهما إشارة من يطلب ذهابهما، مؤكدًا أنه بخير، ولكن ذلك فيما يبدو زاد من حيرتهما؛ إذ بدأ الرجل الثاني في الطائرة العمودية يدلي قفصًا إليه، وعندها رأى زيتون أن يرسل إلى الرجل إشارة برفع إبهامه دليلًا على أنه بخير، ومشيرًا إلى خيمته، وكرر الإشارة بالإبهام المرفوع وإشارات تفيد أنه بخير. وأخيرًا أدرك أحد الرجلين اعتزام زيتون البقاء، وقرر إلقاء صندوق من المياه المعبأة له، وحاول زيتون من جديد عبثًا، صرف الرجلين عنه، وهبط الصندوق فوثب زيتون متنحيًا عن طريقه، ولكن الصندوق هبط على الخيمة فأوقعها وجعلت زجاجات الماء تتواثب في كل مكان، ورضي الرجلان عمَّا فعلا فَحوَّلا وجهة الطائرة وانطلقت.

وعاد زيتون لتثبيت خيمته من جديد، وبدأ الاستعداد للرقاد، ولكنه كان قلقًا مثلما كان في الليلة السابقة وذهنه تموج فيه أحداث النهار المنصرم، فجلس على السقف يرقب حركة الطائرات العمودية التي تحلق وتنقض فوق باقي منازل المدينة، ثم وضع خطة لليوم التالي؛ سوف يغامر بقطع مسافة أكبر نحو وسط البلد، ويزور مرة أخرى الجسر رقم أ–١٠، ويستطلع ما حدث لمكتب شركته ومخزنها في شارع دَبْلِن، كانت الشركة تحتفظ في الطابق الأول من المخزن بالمعدات الإضافية، مثل الأدوات والدهانات والفراجين والستائر المقواة وغيرها، وتتخذ من الطابق الثاني مكانًا للمكاتب التي تضم أجهزة الكمبيوتر، والملفات، والخرائط، والفواتير، وعقود أملاك العقارات، وبدا الألم في وجهه حين خطر له ما يمكن أن يكون قد أصاب المبنى، وهو متهالك أصلًا.

وكانت الطائرات العمودية تحوم طول الليل، وفيما عدا ذلك كان السكون يلف المكان، ولم يسمع أصوات الكلاب، وبعد أن أدى صلاته، أوى إلى النوم تحت سماء مضطربة.

الجمعة ٢ من سبتمبر

استيقظ زيتون مبكرًا ذلك الصباح وهبط إلى قاربه وانطلق يجدف حتى عبر الشارع قاصدًا إطعام الكلاب، وعند اقترابه منها، سمعها تصدر أصواتًا خافتة كالنشيج فسَّرها على أنها تعبير عن الراحة والامتنان، وصعد الشجرة ومشى بحرص على اللوح الخشبي إلى المنزل على اليمين وزحف من الشباك، وألقى شريحتين كبيرتين من اللحم للكلاب وملأ إناء شرب الماء لهما، وأثناء انهماكهما في الطعام خرج من النافذة وسار بحرص إلى سقف المنزل المجاور ثم دخله، لإطعام الكلبين الآخرين. كانا ينبحان ويهزان الذيل فألقى قطعتين من لحم الضأن لهما وملأ الإناء بالماء، وخرج من النافذة وهبط إلى قاربه وانطلق.

قال في نفسه إن الوقت حان ليرى ما حدث لمبنى مكتبه، كان يقع على مسافة نصف ميل تقريبًا، في شارع متفرع من طريق كارولتون، وهو طريق قريب تصطف على جانبيه المخازن، والمحال التجارية، ومحطات البنزين. كان الماء قد غدا قذرًا، تشوبه قطرات الزيت وينتشر فيه الركام. وكان واثقًا بأن كل من يخرج ليخوض فيه سيمرض وإن لم يكن رأى حتى هذه الساعة من النهار أي شخص في الماء، كانت المدينة يزداد خلوها من السكان، ويقل عدد الخائضين في الماء يومًا بعد يوم، وكذلك عدد الوجوه المطلة من النوافذ، وعدد القوارب الخاصة التي تشبه قاربه.

كان الرذاذ يتساقط طول الصباح، ولكن هطول المطر اشتد الآن، وبدأت الرياح في الهبوب وساءت حالة الجو، واستمر زيتون يجدف عكس اتجاه الريح، مكافحًا للتحكم في القارب، والرياح تثير الموج على سطح المياه الزرقاء البنية.

وتخطى شارع إيرهارت حتى دخل طريق كارولتون، وعبر طريق كارولتون في اتجاه الجنوب الغربي إلى شارع دبلن. كان يتوقع أن يجد بعض الناس في طريق كارولتون، مثل طريقي نابليون وسانت تشارلز، ما دام ذلك هو الطريق التجاري الذي يقصده، كما يقضي المنطق، طالبو سفن الإنقاذ أو السفن الحربية، ولكنه عندما اقترب منه لم يجد فيه أي فرد ذي صفة رسمية على الإطلاق.

لكنه شاهد مجموعة من الرجال في محطة بنزين «شل»، وهي تقع عبر الشارع في مواجهة مكتبه، كانت المحطة تقع على ربوة ولم يكن ارتفاع الماء فيها يزيد على أقدام معدودة، وكان الرجال الثمانية أو التسعة يحملون أكياس القمامة التي ملئُوها بأشياء من مكتب المحطة ويضعونها في قارب معهم، كانت تلك أول حادثة يشهد فيها السلب والنهب منذ هبوب العاصفة، وكان ينطبق على هؤلاء الرجال وصف الذين حذرته كاثي منهم، وكانت هذه جماعة منظمة من المجرمين الذين استغلوا الفرصة، ولم يكونوا يأخذون فقط ما يحتاجونه للبقاء في قيد الحياة، كانوا يسطون على المال والبضائع من محطة البنزين، وقد احتشد منهم عدد كبير كان القصد منه، فيما يبدو، إخافة أي شخص، مثل زيتون، قد يشاهدهم أو يحاول إعاقتهم.

كان زيتون يبتعد عنهم بمسافة تكفي لمراقبته لهم دون خوف من الوصول إليه، أو من الوصول بسرعة إليه، على الأقل. ومع ذلك فقد أبطأ تقدم قاربه، محاولًا أن يجد طريقة تمكنه من الذهاب إلى مكتبه دون المرور مباشرة بهم.

ولكن أحد الرجال كان قد لمحه، كان شابًّا يرتدي شُورْتًا طويلًا من الجينز، وقميصًا أبيض دون أكمام، وبسط كتفيه تجاه زيتون قاصدًا أن يريه مقبض مسدس كان يحمله في حزامه.

وأسرع زيتون بتحويل بصره عنه؛ إذ لم يكن يريد دعوته لمواجهة معه، وأدار وجهة القارب إلى الناحية الأخرى وبدأ انطلاقه إلى المنزل في شارع كليبورن؛ فقد قرر ألا يزور مكتبه اليوم للاطمئنان عليه.

وصل قبل الظهر إلى المنزل واتصل بكاثي. كانت لا تزال في منزل ماري بمدينة هيوستن.

وقال: «لن أتمكن من الاطمئنان على المكتب اليوم.»

وسألته: «لماذا؟»

لم يكن يريدها أن تقلق، كان يعرف أن عليه أن يكذب.

قال: «إنه المطر.»

قالت له إن بعض الأصدقاء قد اتصلوا بها، ليعرفوا مكان وجودها هي وزيتون، والاطمئنان على سلامتهما، وكانت عندما تذكر لهم أن زوجها لا يزال في المدينة تتلقى دائمًا استجابة من ثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى هي الصدمة، والثانية إدراكهم أنهم يتحدثون عن زيتون — وهو رجل لا يثير القلق في أي موقف — وأخيرًا كانوا يقولون ليته وهو يتجول في قاربه يطمئن على منازلهم!

كان يسعد زيتون غاية السعادة أن يكلف بمهمة من المهام، ولم تتأخر كاثي في تكليفه، كانت قد تلقت مكالمة لتوها من أسرة بورميديان الذين تربطهم بهما صداقة عمرها ثلاثة عشر عامًا، كان علي بورميديان أستاذًا لعلوم الكمبيوتر في جامعة تولين، وكان يدير مسجد الرحمة، وهي رابطة للطلاب المسلمين في الحرم الجامعي، كانت الأسرة تملك مبنًى في شارع بورث يضم مركزًا للمعدات والكتب، ومكانًا لمبيت الطلاب الزائرين من العالم العربي.

وكانت دليلة بورميديان قد اتصلت لتوها بكاثي، راجية من زيتون الاطمئنان على المبنى، وتَفَقُّد ما حل به من أضرار، وقال زيتون إنه لا توجد مشكلة في ذلك، وإنه سوف يتحقق مما حدث له. كان يعرفه خير المعرفة؛ إذ قام بعدة أشغال فيه على مر السنين، وكان يعرف كيف يصل إليه، وكان في الواقع يتطلع لمعرفة ما حلَّ بالحرم الجامعي، ما دام يقوم على ربوة.

قالت له: «اتصل مرة أخرى ظهرًا.»

وقال لها زيتون: «طبعًا.»

وقبل أن ينصرف زيتون اتصل بأخيه أحمد، وبعد أن عبَّر أحمد عن ارتياحه الشديد لسماع صوت أخيه بدأ حديثه الجاد.

قال أحمد: «لا بد أن ترحل!»

وقال زيتون: «لا لا! أنا بخير. كل شيء على ما يرام.»

وحاول أحمد أن يؤدي دور الأخ الأكبر فقال: «اذهب إلى أسرتك. أريدك فعلًا أن ترحل، أسرتك تحتاج إليك.»

وقال زيتون، وهو يحاول ألا يبدو مبالغًا في التعبير: «حاجة الناس هنا أكبر. هؤلاء أفراد أسرتي أيضًا.»

ولم يكن أحمد يعرف كيف يعارض مثل هذه العبارة.

وقال زيتون: «هذه مكالمة أجرها باهظ. سأطلبك غدًا بالتليفون.»

عندما وصل إلى جامعة تولين، كان مستوى الماء قد انخفض إلى الحد الذي سمح له بأن يهبط من القارب إلى اليابسة، وسار في الفناء الذي يكسوه البلاط والذي أقيم فيه مسجد الرحمة، وجال ببصره في المكان. كانت الأرضية تغطيها خطوط متقاطعة من الأغصان التي سقطت من الأشجار، ولكن — باستثناء ذلك — لم يكن المبنى قد أصيب بأضرار. كان يوشك أن ينظر في داخل المبنى عندما شاهد رجلًا خارجًا من الباب الجانبي له.

قال: «ناصر؟»

كان ذلك ناصر ديوب، من سوريا أيضًا، وكان قد غادر بلده في عام ١٩٩٥، بعد أن سافر أولًا إلى لبنان، ومن بيروت تسلل فركب إحدى ناقلات البترول خفية من دون أن يعرف مقصدها، واتضح بعد ذلك أنها كانت تتجه إلى الولايات المتحدة، وعندما وصلت إلى الميناء وثب ناصر منها وطلب فورًا حق اللجوء، ومُنح بعد فترة الحق في الاحتماء بالولايات المتحدة، وكان حينذاك قد انتقل إلى نيو أورلينز، وكان يقيم في مسجد الرحمة أثناء الإجراءات القانونية الخاصة بقضيته.

«عبد الرحمن!»

وتصافحا وتبادلا القصص عما مرَّ به كلٌّ منهما أثناء العاصفة، كان منزل ناصر يقع في حي برودمور، متاخمًا لوسط المدينة، وكانت قد غمرته مياه الطوفان، فجاء إلى رابطة الطلبة ينشد المأوى؛ إذ كان يعرف أن المكان يقع فوق ربوة.

وسأله زيتون: «أتود البقاء هنا أم مصاحبتي؟»

كان ناصر يعرف أنه سيكون سالمًا في الحرم الجامعي؛ لانتفاء تعرض المكان للغمر بالماء أو للجرائم، ولكنه صاحب زيتون على الرغم من ذلك؛ لأنه كان يريد أيضًا أن يرى ما حدث للمدينة ومنزله.

هرع ناصر إلى المبنى ليحضر حقيبته الخفيفة ثم دخل القارب، وأعطاه زيتون المجداف الآخر وانطلقا.

كان ناصر في الخامسة والثلاثين من عمره، فارع الطول، على بشرته نمش، وشعر رأسه أحمر غزير، كان هادئ الطبع، وإن كانت به عصبية طفيفة، وعندما شاهدته كاثي أول مرة ظنت أنه ضعيف البنية، وكان قد عمل يومًا ما بطلاء المنازل، وعمل لحساب زيتون في بعض الأوقات، لم يكونا صديقين حميمين، ولكن مقابلة ناصر مصادفة هنا بعد الطوفان أدت إلى التسرية عن زيتون بعض الشيء؛ إذ كانا يشتركان في جانب كبير من الخلفية، مثل النشأة في سوريا، والهجرة إلى أمريكا ونيو أورلينز، والعمل بالحرف اليدوية.

وأثناء التجديف في القارب تحدثا عما شاهداه حتى الآن، وعما كانا يأكلانه، وكيف كانا ينامان، كان كلاهما قد سمع الكلاب تنبح، كانت الكلاب تنبح دائمًا بالليل، وكان ناصر أيضًا قد قام بإطعام الكلاب في المنازل الخالية، وفي الشوارع، حيثما كان يصادفها، كان ذلك جانبًا من أغرب جوانب هذه الفترة الواقعة بين عهدين — أي بعد العاصفة، ولكن قبل عودة أي أحد إلى المدينة — أي وجود هذه الآلاف من الحيوانات التي خَلَّفها أصحابها وراءهم.

زادت قوة الرياح الآن، فظلَّا يكافحان المطر الغاضب الذي ينهمر في خطوط أفقية وهما يجدفان حتى تجاوزا مكتب البريد بالقرب من مكان انتظار السيارات في شارع جيفرسون عند تقاطعه مع شارع لافيت. كانت ساحة الانتظار قد أصبحت موقعًا لإجلاء السكان، فالمقيمون الذين يريدون الانتقال من المدينة جوًّا يأتون إلى مكتب البريد حتى تنقلهم الطائرات العمودية إلى بر النجاة المفترض.

وعندما اقتربا من ذلك الموقع سأل زيتون ناصرًا إن كان يرغب في الرحيل، وقال ناصر إن الوقت لم يحِنْ بعد؛ إذ إنه كان يسمع عن أهالي نيو أورلينز الذين تقطَّعت بهم السبل تحت الجسور العلوية الرابطة ما بين الطرق، ولم يكن يريد أن يكون واحدًا منهم، وهكذا قرر ناصر أنه سوف يظل في المدينة حتى يسمع أنباءً موثوقًا بها عن نجاح حالات الإجلاء من المدينة، وقال له زيتون إنه يرحب بنزوله في منزله بشارع دارْت أو في المنزل الآخر بشارع كليبورن، وكان ذلك بمثابة نعمة من السماء لم يتوقعها ناصر الذي كان يريد الاتصال بعدد من أقاربه لإطلاعهم على أنه لا يزال حيًّا.

واستمرا يجدفان في طريق العودة إلى شارع كليبورن، ومرا بصندوق كامل من زجاجات المياه المعلبة تتراقص وسط المجرى المائي، فأخذاه ووضعاه في القارب، وواصلا المسير.

وعندما وصلا إلى المنزل خرج ناصر من القارب وبدأ يربطه في المرسى، وكان زيتون يخطو خارجًا منه حين سمع صوتًا يدعوه باسمه.

«زيتون!»

كان يظن أنه تشارلي راي يناديه من المنزل المجاور، ولكن الصوت كان قادمًا من المنزل الواقع خلف منزل تشارلي، في شارع روبرت.

«نحن هنا!»

كان من يناديه الزوجان ويليامز، رجلًا يدعى ألفين ومعه بيولا زوجته، وكانا في السبعينيات من العمر، كان الزوج ألفين يعمل راعيًا لكنيسة معمدانية تسمى كنيسة بيت لحم الجديدة، وكان قعيدًا في كرسي ذي عجلات، وكانت بيولا قد تزوجته منذ خمس وأربعين سنة، وكان زيتون وكاثي يعرفانهما منذ أن بدآ يقطنان نيو أورلينز تقريبًا، وعندما كان زيتون وزوجته يعيشان في منزل قريب كانت أخت ويليامز راعي الكنيسة تزور كاثي وتتناول معها بعض الوجبات. ولا تذكر كاثي إطلاقًا كيف بدأ ذلك، ولكن تلك الأخت كانت عجوزًا، وتحب أسلوب كاثي في الطهي، وهكذا كانت كاثي عندما يحين موعد العشاء تعد لها مكانًا على المائدة، واستمرت الحال على ذلك شهورًا عديدة، وكان يسعد كاثي، أن تعلم أن شخصًا ما كان يكلف نفسه عناء تناول الطعام الذي تعده بنفسها.

ونادى زيتون: «مرحبًا!» وانطلق نحو المنزل بقاربه.

وسأله ألفين: «أتظن أنك تستطيع مساعدتنا على الخروج من هنا؟»

كان راعي الكنيسة وبيولا قد صمدا في وجه العاصفة، ولكنهما كانا قد استنفدا الآن مخزونهما من الطعام والماء، ولا يذكر زيتون أنه رآهمها من قبل بمثل هذا الإرهاق.

وقال ألفين: «آن أوان الرحيل.»

وإزاء المطر المنهمر والريح العاصف، كان من المحال إجلاؤهما في القارب، فقال لهما زيتون إنه سوف يأتيهما بمن يساعدهما.

وانطلق في شارع كليبورن، والريح والمطر يحاربانه، حتى وصل إلى المركز الطبي التذكاري حيث كان يعرف بوجود الشرطة ومرابطة جنود الحرس الوطني هناك، ورأى وهو يقترب جنودًا في الحارات وفوق السطوح وعلى المنصات وفي الشرفات. كان المكان أشبه بقاعدة حربية مُحَصَّنة تحصينًا شديدًا، وعندما اقترب إلى الحد الذي يتيح له مشاهدة وجوه الجنود رفع اثنان منهم مسدسيهما، وأصدرا إليه الأمر صائحين: «لا تقترب أكثر من هذا!»

أبطأ زيتون السير بالقارب، وزادت شدة الريح، كان من المحال المكوث في مكان واحد، كما كان من الصعب سماعهما صوته.

وصرخ زيتون: «أبحث وحسب عن مساعدة.»

وخفض أحد الجنديين مسدسه، وظل الآخر يوجه مسدسه إلى زيتون.

وقال الجندي: «لا نستطيع مساعدتك. اذهب إلى شارع سانت تشارلز.»

وتصور زيتون أن الجندي لم يحسن سماعه؛ إذ كانت الريح تدير قاربه وتحجب ألفاظه، فعاد يقول موضحًا وبصوت أعلى هذه المرة: «في آخر الشارع زوجان عجوزان يريدان الجلاء.»

فقال الجندي: «ليست تلك مشكلتنا. اذهب إلى شارع سانت تشارلز.»

وعندها انخفض المسدسان.

وسألهما زيتون: «لِمَ لا نستدعي أحدًا؟» هل كان الجنديان يقصدان فعلًا أن يقطع زيتون الطريق كله بقاربه إلى تقاطع شارعي نابليون وسانت تشارلز، بدلًا من أن يستدعي أحدهما وحدةً أخرى على جهاز اللاسلكي الذي يحمله؟ وماذا كان الجنود يفعلون في المدينة إن لم يكونوا يساعدون على إجلاء الناس؟

وقال الجندي الآخر: «لا نستطيع استدعاء أحد.»

وتساءل زيتون: «ما أغرب ذلك! لديكم كل هذه التكنولوجيا ولا تستطيعون استدعاء أحد؟»

وهنا بدا أن الجندي خائف، ولم تكن سنه تزيد إلا عدة أعوام عن زخاري، ابن زوجة زيتون. لم يجد أي إجابة، وبدا غير واثق من الخطوة التالية، وأخيرًا استدار وانصرف، واستمر الجنود يحدقون في زيتون ممسكين بأسلحتهم.

وانطلق زيتون يجدف في قاربه متجهًا إلى تقاطع شارعي نابليون وسانت تشارلز، وكتفاه تؤلمانه، وكانت الريح تضاعف من صعوبة العمل، وأصبحت المياه ضحلة أثناء اقترابه من التقاطع، وشاهد خيامًا ومركبات حربية، وأكثر من عشرة ضباط وجنود بالشرطة، فخرج من قاربه وسار حتى أتى أحدهم، وكان جنديًّا يقف على الكلأ في المنطقة الوسطى، وهي التي كان سكان نيو أورلينز يسمونها «الأرض المحايدة».

وقال زيتون: «لديَّ حالة حرجة. لديَّ رجل معوَّق يحتاج إلى المساعدة والمعونة الطبية. وهو يحتاجها الآن.»

وقال الرجل: «وهو كذلك. سنتولى أمره.»

وسأله زيتون: «ألا تريد العنوان؟»

وقال الرجل: «طبعًا، أعطه لي.» وفتح مفكرة صغيرة في يده.

وأعطاه زيتون العنوان بدقة.

وكتبه الرجل وأعاد المفكرة إلى جيبه.

وسأله زيتون: «إذن ستذهبون إليه؟»

وقال الرجل: «نعم.»

وسأل زيتون: «متى؟»

وأجاب الرجل: «ساعة تقريبًا.»

عاد زيتون للزوجين ويليامز وطمأنهما: «لا بأس عليكما، إنهم في الطريق، قالوا ساعة واحدة.» فشكر راعي الكنيسة وزوجته زيتون، وعاد هو إلى منزل كليبورن، فاصطحب ناصرًا، وانطلقا للنظر فيما يمكن أن يفعلاه، كانت الساعة قد تخطت الواحدة بقليل.

وعلى مسافة ألف ميل تقريبًا، كان أحمد زوج يوكو يقود سيارة كاثي الأوديسية، بينما تستريح كاثي، وكان الأطفال على المقعد الخلفي أثناء انطلاق الجميع بسرعة كبيرة خلال ولاية نيومكسيكو. وكان أحمد قد قضى سبع ساعات وهو يقود السيارة دون توقف، ولو واصل هذه السرعة لوصلوا إلى مدينة فينيكس عصر يوم السبت.

كان أحمد يحث كاثي على الامتناع عن الإصغاء إلى الأنباء في الإذاعة، ولكن حتى المحطات التي تذيع موسيقى الروك والموسيقى الشعبية الريفية كانت تتسرب منها شذرات من المعلومات؛ كان الرئيس بوش يقوم بزيارة نيو أورلينز في ذلك اليوم، وقد نعى لتوه فقدان المنزل الصيفي في «ترينت لوت» على ساحل المسيسيبي، وكان رجال الحرس الوطني المدججون بالسلاح قد دخلوا مركز المؤتمرات لتوهم، وعلى الرغم مما كان يدفعهم إلى أن يتصوروا أن دخولهم سوف يواجه بما يشبه حرب العصابات، فإنهم لم يواجهوا أي مقاومة على الإطلاق، ولم يجدوا إلا أناسًا منهكين جوعى يريدون الرحيل من المدينة، واستراحت كاثي لسماع ذلك، قائلة لنفسها إنه ربما بدأ التحكم في أحوال المدينة، وكان أحد المعلقين يقول إن الوجود العسكري «سرعان ما يغدو مهيمنًا.»

وأثناء جولات زيتون وناصر، وجدا عربة جيب حربية مهجورة وبداخلها صندوق من الوجبات الجاهزة للأكل، وبعد ذلك بقليل قابلا أسرة من خمسة أفراد فوق معبر علوي، فقدما إليهم بعض الماء وصندوق الوجبات. كانت مصادفة عجيبة، فلم يكن زيتون يحب أن يحمل أي شيء ذا قيمة على الإطلاق، ويرحب بأي فرصة للتخفف مما يعثر عليه.

كانت الساعة تشير إلى الخامسة تقريبًا، وقد بدأ الظلام يكتنف السماء، عندما شرع زيتون في العودة إلى منزل شارع كليبورن.

وكان زيتون واثقًا بأن راعي الكنيسة وزوجته قد أُنقذا بعد مرور هذا الوقت الطويل، ولكنه أراد التأكد، فقام مع ناصر بتحويل مسار القارب إلى شارع روبرت.

كان ألtين وبيولا لا يزالان بالمنزل، جالسين في المدخل، وحقائبهما جاهزة، والمطر الخفيف يتساقط عليهما. كانا قد قضيا أربع ساعات ينتظران.

وشعر زيتون بالحنق، وبأنه لا حيلة له، وبأنه تعرض للخيانة. كان قد وعد راعي الكنيسة وزوجته بالنجدة، ولكنه لم يفِ بوعده لأنه وقع ضحية الكذب.

واعتذر للزوجين موضحًا أنه حاول طلب الغوث أولًا من المستشفى فَطُرِد منها تحت تهديد السلاح، ثم ذهب إلى شارع سانت تشارلز لإخبار الجنود ورجال الإغاثة بما هما فيه من محنة، وعبر راعي الكنيسة عن ثقته بأن العون لا بد قادم، ولكن زيتون لم يكن يريد المجازفة.

قال لهما: «سأدبر شيئًا ما.»

وعندما عاد زيتون مع ناصر إلى المنزل في شارع كليبورن، شاهدا قاربًا صغيرًا له محرك مربوطًا في مدخل المنزل الأمامي، ووجدا داخل المنزل تود جامبينو جالسًا مع كلب جديد، واتضح أنه استطاع بهذا القارب — الذي وجده طافيًا تحت جراج مُهَدَّم وفكر في الاستفادة منه — أن يقوم بجولاته الخاصة في المدينة، فينقل الناس من مداخل بيوتهم وسطوحها إلى المعابر العلوية وغيرها من أماكن الإنقاذ. بل إنه وجد هذا الكلب الذي يأكل الآن طعامه سعيدًا تحت قدمي تود فوق أحد السطوح وأخذه معه.

ومرة أخرى شعر زيتون بوجود قوة ربانية من لون ما؛ إذ كان راعي الكنيسة وزوجته يريدان العون فورًا، وهو الذي عجز عن تقديمه لهما، وها هو ذا تود ومعه المركبة التي يحتاجانها بالضبط وفي اللحظة المناسبة تمامًا.

ولم يتردد تود، ووافق زيتون على أن يرعى الكلب أثناء غيابه، فانطلق تود، أخذ ألفين وبيولا، حاملًا كلًّا على انفراد إلى داخل القارب، ثم أسرع بهما إلى المحطة عند تقاطع شارعي نابليون وسانت تشارلز.

واستغرقت المهمة عشرين دقيقة كاملة، وسرعان ما عاد تود، فجلس في المدخل يشرب الجِعَة ويسترخي من جديد في مدخل المنزل، ويده تربت الفراء المجعد للكلب الذي أنقذه.

وقال مبتسمًا: «بعض المهام لا بد أن يؤديها المرء بنفسه.»

كان زيتون يعرف أن تود ساكن صالح، لكنه لم يكن يعرف ذلك الجانب في شخصيته، فتحادثا وقتًا ما في مدخل المنزل؛ إذ قص عليه تود قصص حالات الإنقاذ التي قام بها بنفسه، وكيف قام بنقل العشرات فعلًا، وكيف كان يوصلهم إلى المستشفيات ومحطات الإغاثة، وكيف كان ذلك الأمر يسيرًا لوجود القارب ذي المحرك، كانت صورة تود في ذهن زيتون دائمًا صورة المغرم بالتجوال، المحب للهو واللعب، كان يحب الاستمتاع بوقته، وكان يكره التقيد بالقواعد والمسئوليات، فكان يدخن ويشرب ولا يلتزم بجداول زمنية منتظمة، ولكن ها هو ذا تتوهج عيناه ويتحدث عن نقل الناس إلى بر الأمان، ويحكي كيف يُقَابل بالتهليل والشكر كلما وصل إلى منزل أو معبر علوي. كان زيتون واثقًا بأن مثل هذه الأوقات قادرة على تغيير طبع الإنسان، وكان يسعده أن يشهد حدوث ذلك هنا، ومرور تود أيضًا بها، فهو رجل صالح زاد صلاحه.

في تلك الليلة عاد ناصر مع زيتون إلى منزله في شارع دارْت، فأخرجا ما بقي من لحم الضأن من الفريزر وشوياه على سقف المنزل، وكل منهما يحكي ما رأى وما سمع، ولكن ناصرًا كان مرهقًا، وسرعان ما خبت طاقته فزحف داخلًا الخيمة، وراح من فوره في نوم عميق.

وعاد لزيتون القلق من جديد، كان لا يزال غاضبًا مما حدث لراعي الكنيسة وزوجته، لم يكن يكدره شيء أكثر من نَكْثِ شخص لوعده. من كان ذلك الرجل الذي قابله في المحطة القائمة عند تقاطع شارعي نابليون وسانت تشارلز، والذي قال إنه سوف يرسل العون إلى الزوجين المذكورين؟ ولماذا قال إنه سوف يأتي ما دام لا يعتزم المجيء؟ وحاول زيتون أن يكون حسن الظن، فقال في نفسه ربما استُدعِيَ الرجل لحالة طارئة أخرى، وربما كان الرجل قد ضل الطريق، ولكن محاولته ذهبت عبثًا. لم يجد عُذْرًا كافيًا، فالرجل قد نقض عهدًا بسيطًا. كان قد وعد بالمساعدة ولم يفِ بوعده.

ولما عجز زيتون عن النوم عاد فدخل المنزل وجلس على الأرض في غرفة نديمة، كانت رائحتها، رائحة بناته، قد خبت وحل محلها المطر وبدايات عفن الرطوبة، كان يفتقد البنات فعلًا، وهو لا يذكر أنه افترق عنهن مثل هذه المدة الطويلة أكثر من مرات معدودة، كان الأمر يجري دائمًا على هذا المنوال؛ كان يشعر في اليوم الأول للفراق شعورًا لطيفًا بالهدوء والسكينة، ثم يبدأ ببطء إحساسه بالشوق إليهن. كان يشتاق إلى أصواتهن، إلى عيونهن السوداء البراقة، وضجيج أقدامهن الصاعدة والهابطة على الدرج، وصراخهن وغنائهن الدائم.

وفتح أحد ألبومات الصور التي احتفظ بها واستلقى على فراش نديمة، وهو يشم رائحة الفراولة في الشامبو الذي تستخدمه. وجد صورة ترجع إلى أول عام قضاه في البحر، على متن سفينة كان أحمد ربانها، وتعجَّب من شعره الذي سقط كثير منه، ومن مدى زهوه. كان وزنه آنذاك أقل بما يقرب من ١٤ كيلوجرامًا، والبسمة لا تفارق شفتيه، رجل يتذوق متعة الشباب الكاملة، كان أخوه أحمد قد أنقذه وأخذ يفتح أمامه عالمًا من بعد عالم.

غادر أحمد البيت بعد وفاة والده بعام؛ إذ ذهب إلى تركيا لدراسة الطب، كان ذلك هو المفترض في الأسرة، على الأقل. وعلى الرغم من أن محمودًا كان قد منع أبناءه من الحياة في البحر، فلم يكن أحمد يريد غير ذلك، وهكذا ركب الأوتوبيس إلى إسطنبول قائلًا لوالدته إن مقصده أن يصبح طبيبًا، وانهمك فعلًا في دراسة الطب فترة من الزمن، ولكنه سرعان ما ترك الكلية والتحق بأكاديمية الضباط البحريين، وعندما علمت أمه أن أحمد سوف يصبح ربان سفينة، دُهِشَتْ، ولكنها لم تقف في طريقه، وبعد عامين تخرج أحمد وانطلق يعبر البحر المتوسط والبحر الأسود في جميع الاتجاهات.

ووجد زيتون صورة من صور أحمد، كان لديه من صور أحمد ما يزيد على صوره الشخصية، كان مما يكاد يبعث على الضحك كثرة الصور التي كان أخوه يلتقطها ويحتفظ بها ويوزعها على أفراد الأسرة، كان يُوَثِّق كل ميناء وكل سفينة. في هذه الصورة، كان يشترك مع أفراد الطاقم في شواء شيء ما، حيوان من نوع ما، وحدق زيتون في الصورة، كان الحيوان أشبه بكلاب السباق: «هل هذا محتمل؟» لا! كان زيتون يرجو ألا يكون ذلك كلبًا، وكان الكلام المكتوب فوق الصورة يقول: «عيد الفصح ١٩٧٨». وفي صورة أخرى كان أحمد يقف في منتصف وسط مدينة نيو أورلينز. وحين كان زيتون يشاهد هذه الصورة، وصورًا أخرى كثيرة لأحمد وهو يقف أمام هذه المدينة أو ذلك الموقع الأثري، كان دائمًا يفكر في الناس الذين كان أحمد يطلب منهم التقاط الصور، لا بد أن أحمد قابل ألف شخص في هذه الرحلات، وكان دافعه الأول أن يعثر على من يساعده على تسجيل حقيقة تقول: «أحمد زيتون، ابن مدينة جبلة في سوريا، كان هنا.» هنا في طوكيو. هنا في أمريكا. هنا في الهند.

figure
مدينة نيو أورلينز، الولايات المتحدة الأمريكية، عام ١٩٧٨.
figure
عيد الفصح اليوناني، ألتامار، سفينة «إم في جليفادا»، عام ١٩٧٨.
figure
مدينة تسكومي، اليابان، عام ١٩٧٦.
figure
دبي، عام ١٩٧٨.

وبينما كان أحمد يشاهد كل ركن من أركان الأرض بسرعة ركنًا بعد ركن، كان زيتون ما زال في دياره، في جبلة، ويريد الخروج. كان زيتون يشعر بأن حياته خاوية في هذه الديار، ولم يعد يطيقها، وفي الأيام التي كان يعمل فيها في حانوت أخيه لطفي لبيع مواد البناء، كان يسمع القصص عن مغامرات أحمد المتواصلة، وعن رحلاته إلى الصين، وأستراليا، وجنوب أفريقيا، وهولندا، وكان زيتون يعرف أن أباه لم يكن ليوافق لو كان حيًّا، ولكنه رحل الآن، ورحل محمد أيضًا. لم يكن زيتون يريد أن يتسمَّر في مكانه في جبلة.

كانت والدته تدرك مشاعره، كانت قد سمعت وقع خطاه في الطابق العلوي وهو يغدو ويروح كالحبيس، وشاهدت الشوق في عينيه عندما كان يحادث أحمد تليفونيًّا، وهكذا بادرت بنفسها ذات يوم فاتصلت بأحمد وطلبت منه أن يصطحب أخاه الأصغر، وقالت إن الوقت قد حان لعبد الرحمن لكي يغادر جبلة وينطلق، ولو لفترة محدودة، تاركًا داره التي أصبح الحزن يغمرها.

figure
figure

واتصل أحمد تليفونيًّا بأخيه الأصغر وأخبره أنه سوف يُبْحر بعد أسابيع معدودة، وانعقد لسان زيتون. قبَّل سماعة التليفون، وقبَّل أمه وأخواته، وعندما حان الوقت، جمع عدة أشياء في حقيبة ولحق بأحمد في اليونان.

وفي أول رحلة لزيتون، كان مجرد عامل على ظهر السفينة، أصغر رجل فيها، وحيَّاهُ أعضاء طاقم السفينة الذين ينتمون إلى شتى البلدان — جنوب أفريقيا وتركيا ونيجيريا — ورحبوا به أصدق ترحيب، وكان زيتون يعتقد في قرارة نفسه أن أخاه أحمد يعامله معاملة أقسى من معاملته الآخرين، كيما ينفي أي اشتباه في المحاباة، ولكنه لم يأبه بذلك، فاستغرق في عمله الذي يتضمن الغسيل والطلاء والنقل، كان يؤدي الأعمال التي يعزف الآخرون عن أدائها.

وأبحروا ما بين بيراوس وناخوس ذهابًا وإيابًا، وكان زيتون مولعًا بذلك كله عاشقًا له، فأطلق شعر رأسه، وكان يقضي وقت فراغه على ظهر السفينة في التطلع إلى ما حوله ومشاهدة الماء مقبلًا على السفينة ومختفيًا وراءها. وعلى الرغم من قسوة جدول العمل — أربع ساعات في الخدمة وأربع ساعات للراحة — ليلًا ونهارًا، فلم يكترث لذلك، ولم يكن في حاجة إلى النوم، أو لم يكن وقت حاجته إلى النوم قد حان بعد.

لم يكن يدرك قبل الآن مدى حاجته الماسة إلى هذا اللون من الحرية، كان يشعر بأن قوته تضاعفت ضعفين، وطوله ازداد ثلاثة أضعاف، وأخيرًا عرف زيتون سر أحمد، سر رغبته في أن يصبح بحارًا، ولماذا خاطر بالكثير حتى يصبح ربَّانًا، وعندما كانا يتقابلان مصادفة على ظهر السفينة أو الطريق إلى مقر كل منهما، كان زيتون وأحمد يتبادلان نظرات ذات معنًى، وبسمات يعروها الخجل. لم يكن زيتون يدرك قبل الآن معنى التحرر؛ كانت الحرية تعني كل شيء له، وكان أحمد يدرك أن أخاه الأصغر لن يعود إلى جبلة في وقت قريب.

كانا يعيشان في البحر، معًا أو كلًّا على حدة، وهما ينتقلان من العشرينيات إلى أوائل الثلاثينيات، وعملا في سفن لنقل البضائع، وسفن للركاب، وسفن تجمع بين البضائع والركاب، كانا ينقلان القمح من ولاية نبراسكا الأمريكية إلى طوكيو، والموز البرازيلي إلى لندن، والحديد الخردة الأمريكي إلى الهند، والأسمنت الروماني إلى نيجيريا، وعند الرحيل من نيجيريا كان دائمًا ما يتسلل إلى الباخرة ركاب دون دفع الأجرة، وفي كل مرة يغادران لاجوس كانا يعثران على رجلين أو ثلاثة مختبئين، وكانا دائمًا يتبعان الترتيبات نفسها، اعمل على ظهر السفينة عملًا تسدد به أجرة الرحلة، وعندما نصل إلى الميناء التالي سوف نطلق سراحك وتتمتع بالاستقلال.

كان العمل الذي يحظى بأكبر تقدير هو العمل على متن سفن البضائع؛ إذ كانت هذه السفن تقضي في العادة أسبوعًا أو أسبوعين في الميناء، وهو ما كان يتيح للطاقم الوقت الكافي لاستكشاف المنطقة. واستكشف زيتون عشرات المدن، وكان دائمًا يرسو وجيبه عامر بالنقود ولا يتحمل التزامات لأحد، وكان يستأجر سيارة، وينطلق بها فيلتهم المدن المجاورة للميناء، ويستكشف الساحل، ويزور المساجد الشهيرة، ويقابل نساءً يطلبن منه أن يبقى.

ولكنه كان رجلًا جادًّا، وربما أشد جدًّا مما ينبغي في بعض الأحيان، لم يكن سرًّا أن البحارة يحبون لعب الورق ويستمتعون بشراب عارض، ولكن زيتون لم يلعب الميسر ولم يذق قطرة من الكحول طول حياته. وهكذا، فعندما تنتهي ورديته كان يعود للعمل؛ كي يساعد كل من يطلب المساعدة، فإذا لم يتوافر أي عمل، يبدأ زملاؤه في طاقم السفينة شرب الخمر، ويأخذ بعضهم نقود البعض بلعب الورق. كان يجد تسرية مختلفة؛ كان يذهب إلى حمام السباحة الصغير على ظهر السفينة، ويربط حبلًا حول وسطه، ويربط الطرف الآخر في الحائط، ثم يبدأ السباحة، ثلاث ساعات متواصلة، حتى يُقَوِّي ذراعيه وظهره، ويختبر مدى قوته، كان دائمًا يختبر نفسه؛ حتى يتبين ما يستطيعه جسده.

وفي النهاية، كان زيتون قد قضى عشر سنوات في العمل بحَّارًا، وشاهد وهو يعمل على متن سفينة تدعى «ستار كاستور» الخليج العربي، واليابان، وأستراليا، وبلتيمور، وعلى متن سفينة تدعى «كابيتان إلياس» شاهد هولندا والنرويج. شاهد قطعانًا من الحيتان الحدباء، والحيتان الرمادية، وأسراب الدولفين وهي ترشد السفن إلى الموانئ. شاهد الشفق القطبي، والنيازك المنهمرة على الأمواج السوداء التي يتهاوى بعضها فوق بعض، وسماء الليل الصافية حيث تكاد النجوم تبدو لصفائها في متناول الأيدي، كأنها تتدلى من السقف في خيط شِصٍّ لصيد السمك، عمل فوق متن السفينة «نيتسا»، والسفينة «أندروميدا»، وظل يبحر في السفن حتى عام ١٩٨٨، العام الذي رست فيه سفينته في هيوستن، فقرر استكشاف الداخل، وكان ذلك ما أتى به إلى باتون روج، وجاءت به باتون روج إلى كاثي، وجاءته كاثي بزخاري، ونديمة، وصفية، وعائشة.

•••

أدى زيتون الصلاة على أرضية منزله ثم رقد في فراش نديمة، وأخذ يتساءل في نفسه عن المكان الذي أوت إليه زوجته وبناته هذه الليلة، وما إذا كن وصلن إلى فينيكس أم لا، وحمد الله على سلامتهن، وعلى سلامته، وعلى أن الجميع سوف يلتقون عما قريب.

السبت ٣ من سبتمبر

استيقظ زيتون في الصباح مع الشمس، فصلَّى ثم ذهب يستطلع حال الفريزر، لم يكن قد تبقى فيه الكثير، وما كان مُجَمَّدًا أصبح يوشك أن ينصهر، فإذا بقي إلى اليوم التالي فسد، وقرر أنه لا بد أن يؤكل ذلك اليوم، فأخرج بعض الهامبورجر للكلاب وقرر شواء الباقي في المساء، وقال في نفسه إنه سيدعو تود وناصرًا وأي شخص آخر يعثر عليه، فيطهون كل ما بقي من اللحم ويقيمون ما يشبه الحفل — على كآبته — فوق السطح.

وسار بقاربه عبر الشارع لإطعام الكلاب.

وسأل الكلبين الأولين: «كيف أنتما يا أولاد اليوم؟»

فغمغما والتهما الطعام وجعلا يلعقان ساقيه، وكان يبهجه مدى امتنانهما ومدى دهشتهما كل يوم.

وقال: «عليكما ببعض الإيمان.»

وانتقل على اللوح المتأرجح إلى الكلبين الآخرين، فأصدرا أصوات همهمة أثناء دخوله من النافذة.

وسألهما: «ما الداعي للقلق؟» وأضاف: «إنني آتي كل يوم في الموعد نفسه. لا تقلقا.»

كان أحمد زوج يوكو قد استمر في قيادة السيارة طول الليل، ولم يتوقف إلا مرة واحدة، حتى وصل الجميع أخيرًا إلى أريزونا وقت الظهيرة يوم السبت، كان كلاهما قد ناله من الذهول والشد العصبي ما نفى النوم عن عينيه، كما كان ذلك اليوم الأول في منزل يوكو وأحمد حافلًا بالتسرية التي حظيت بالترحيب، وسرعان ما أظهر أطفال يوكو وأحمد الخمسة حبهم لأطفال أسرة زيتون، وأحبوا — خصوصًا الصبيان منهم — الخالة كاثي، فاستحالت دون أدنى جهد واحدة منهم، وغدوا يعاملونها معاملة الأقران، وانهمك الجميع يلعبون ألعاب الفيديو ويشاهدون التليفزيون، وحاولت كاثي أن تمتنع عن التفكير فيما حدث لمنزلهم، وأين عسى زيتون أن يكون في تلك اللحظة.

•••

كان زيتون ما زال يخشى الاقتراب من منزله في شارع دبلن — فالرجال المسلحون لا يزالون على الأرجح بالقرب منه — وهكذا لم يكن لديه هو وناصر خط سير محدد في ذلك النهار، فقررا أن يتحققا بدقة من حال الضاحية؛ حتى يعرفا إن كان أحد الجيران قد رحل، ويريا إن كان أحد يحتاج إلى مساعدة.

ولاحظ زيتون أثناء اتجاههما جنوبًا في شارع أوكتافيا أن قوة تجديف الرجلين، وخصوصًا بعد توقف المطر والريح، وهبتهما سرعة كبيرة فانطلقا يتخطيان المنازل، فوق السيارات وحول الركام الطافي.

كان زيتون قد قام بأشغال في أكثر من عشرة منازل في هذا الشارع، وكان يعرف أنه سيعود إليها عندما تزاح المياه عنها. وكانت المياه الساكنة تتغلغل إلى عمق أكبر في المنازل يومًا بعد يوم، وهو ما كان يقلل من احتمال بقاء ما يمكن إنقاذه فيها.

شاهد ناصر الطائرة العمودية أولًا.

كانت الطائرات العمودية في كل مكان، ولكنها لم تكن في العادة تحلق منخفضة إلى هذا الحد، أو تظل تحلق مثل هذه المدة، ونادرًا ما كان ذلك يحدث في حي سكني مزدحم مثل هذا الحي. واستطاع زيتون أن يلمح هذه الطائرة من خلال الأشجار وفوق أسطح المنازل قبل أن يشاهد سطح الماء من تحتها، وجدف زيتون وناصر مندفعين إليها لرؤية ما يحدث، وعندما اقتربا شاهدا بقعة دكناء في الماء، تشبه قطعة من الخشب أو الركام، وواصلا التقدم فشعرا بالهواء المندفع من مراوح الطائرة والأمواج تنداح إلى الخارج.

كان الشيء الطافي في الماء يشبه إطار عجلة السيارة، براقًا ومنتفخًا.

كان جثة شخص. تيقَّنا من ذلك حين استدارت في الماء فبرز الرأس، كان لرجل متوسط الحجم، يلبس تي شيرت وجينز، ويبدو نصف مغمور، ومقلوبًا على وجهه.

ورفع زيتون بصره إلى الطائرة العمودية، هل كانت تحاول الآن إنقاذه؟ وأنعم النظر. كلا. كان في الطائرة رجل يوجه آلة تصوير إلى الجثة، وكرر ذلك عدة دقائق، ثم ارتفعت الطائرة ومالت وانطلقت مبتعدة.

حافظ زيتون وناصر على المسافة التي تفصلهما عن الجثة، كان زيتون يعرف كثيرين من أبناء الحي، فإن كان هذا جارًا أو صديقًا فإن زيتون لم يكن يريد أن يراه على هذه الحال.

كان كلاهما مضطربًا، فانطلقا يجدفان في صمت متجهين إلى المنزل في شارع كليبورن، لم يكن زيتون يتصور قط أن يأتي اليوم الذي يشهد فيه مثل هذا المشهد، جثةً طافية في مياه قذرة، على مسافة تقل عن ميل من منزله، ولم يستطع أن يجد مكانًا للمشهد في سياق ما يألفه ذهنه، فالصورة تنتمي لزمان آخر، لعالم يختلف اختلافًا جذريًّا عن هذا العالم؛ إذ استدعت لخياله صور الحرب، صور الجثث التي تتعفن في ميادين قتال منسية، وتساءل في نفسه: من كان هذا الرجل؟ هل كان يمكننا إنقاذه؟ لم يستطع زيتون أن يتصور إلا أن الجثة ربما أقبلت من مكان بعيد، وأن الرجل قد جرفته المياه من مكان قريب من البحيرة إلى هذه الضاحية، لم يكن يبدو أن لديه تفسيرًا آخر، ولم يكن يريد أن يتخيل إمكان حاجة الرجل إلى المعونة وحرمانه منها.

وبينما كان زيتون يربط القارب في مدخل المنزل في شارع كليبورن سمع رنين التليفون، فالتقطه ووجد أخاه أحمد على الخط.

قال أحمد: «ليتك ترحل!»

وقال زيتون: «أنا بخير، يزداد أماني كل يوم.» ولم يكن يعتزم إخبار أحمد بالجثة التي شاهدها.

وقال أحمد: «أطفالي في قلق عليك.» كان لطفي ابن أحمد وليلى ابنته يشاهدان محطة «سي إن إن» منذ بداية العاصفة، وشاهدا صور الخراب واليأس، ولم يصدقا أن عمهما كان يعيش وسط ذلك كله.

وقال زيتون: «قل لهما ألا يقلقا. وأبلغهما سلامي.»

كان زيتون يشعر بالامتنان لاستمرار قلق أخيه عليه. كان الأشقاء في أسرة زيتون يرتبطون بعلاقة وثيقة، ولكن أحمد كان أشدهم قلقًا وقضاءً للوقت في جمع العناوين وأرقام التليفونات والصور وإضافة ما يستجد منها. ربما كان السبب إحساسه بانقطاع الرابطة معهم لأنه يعيش في إسبانيا، لكنه كان، على أي حال، يريد أن يعرف مكان وجود أشقائه وما يفعلون، وكان يركز على عبد الرحمن بصفة خاصة، إلى الحد الذي جعله يتصل به منذ سنوات ذات يوم، في الظهيرة في نيو أورلينز، ويقترح عليه اقتراحًا بالغ الغرابة.

سأله أحمد: «ماذا تفعل اليوم؟»

كان ذلك يوم السبت، وكان زيتون يتأهب للخروج إلى البحيرة مع كاثي والأطفال.

وقال أحمد: «هل تعرف ركن تقاطع شارع بوربون وسانت بيتر؟»

وقال زيتون إنه يعرفه.

فرد أحمد قائلًا: «عندي فكرة.» ثم أوضح له أنه وجد موقعًا على الإنترنت يمكنه فيه الاتصال به بالصوت والصورة في ذلك الركن، فإذا ذهب زيتون إليه استطاع أحمد أن يراه في الواقع وأحمد جالس أمام الكمبيوتر في إسبانيا.

وسأله أحمد: «هل تود ذلك؟»

فقال زيتون: «بالتأكيد، ولمَ لا؟»

وأخذ زيتون الأطفال في شاحنته وسار بها الأميال القليلة التي تفصله عن الحي الفرنسي، وبحث عن ركن تقاطع شارعي بوربون وسانت بيتر، وعندما وصل بحث عن الكاميرا فلم يجدها، لكنه قال في نفسه إن عليه أن يقف برهة هناك على الأقل. بل إنه وقف مع الأطفال في ركن من أركان التقاطع من باب الحيطة. وعندما عاد إلى البيت اتصل بأحمد الذي كان يوشك أن يتواثب فرحًا في التليفون.

قال أحمد: «شاهدتك! شاهدتكم جميعًا! بجوار محل السجق الساخن!»

وظل يشاهدهم خمس دقائق، والبسمة العريضة على شفتيه طول الوقت، ثم سجل المشهد وأرسله بالإيميل إلى زيتون.

وعندما رأى زيتون المشهد المسجل ضحك واندهش. كان يبدو فيه مع الأربعة الأطفال جميعًا، كانت نديمة تحت مصباح الشارع مباشرة، وزخاري يحمل صفية، وزيتون يحمل عائشة. كان أحمد مولعًا بالتكنولوجيا ويضمر مشاعر عميقة لأشقائه تدفعه إلى حمايتهم، وكان يرعى — بالمعنى الحقيقي للكلمة — أخاه زيتون طول الوقت.

figure

وعلى السطح ذلك المساء قام زيتون وتود وناصر بشواء ما بقي من اللحم، مشيرين إلى أن هذه كانت أول مرة منذ بداية العاصفة يشهد أي منهم حفلًا من أي نوع. كانت محادثاتهم مرتبكة، وفكاهاتهم تكتنفها ظلال سواد، تحدثوا عن الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ، وصالة الألعاب المغطاة، ومركز المؤتمرات. كانوا قد سمعوا أنباء فردية من الراديو ومن الآخرين الذين بقوا في المدينة، في الصالة أو المركز، وكانوا جميعًا سعداء لأنهم لم يلجئُوا لأيهما؛ إذ كانوا يعرفون سوء الاحتماء بأيهما، ولم يكن أحد منهم يود أن يُحبس في مثل ذلك القفص.

وتحدثوا عما تئُول المدينة إليه بعد انحسار المياه. ستكون الأشجار والقمامة منتشرة في كل مكان، وسوف تبدو الأرض مثل قاع بحيرة جُرفت منها المياه، وسوف يتعذَّر المرور في الطرق أمام السيارات والعجلات، بل أي نوع من أنواع المركبات.

وقال زيتون: «الحصان يحل المشكلة. سنأتي ببعض الخيول. أمر يسير.»

وضحك الجميع.

وعندما زاد الظلام في السماء شاهد زيتون ضوءًا برتقالي اللون من خلال الأشجار، على مسافة تقل عن ميل واحد، وسرعان ما انهمك الثلاثة في مشاهدة ازدياد الضوء، وألسنة اللهب تتلوى وتعلو في الفضاء. كان زيتون واثقًا بأنها اكتسحت مبنيين أو ثلاثة مبانٍ على الأقل، ثم ركز بصره فأدرك أن الحريق قريب جدًّا من …

صاح: «مكتبي!»

كانت في المكتب مقادير كبيرة من الطلاء، مئات الجالونات، ومواد تقليل كثافة الطلاء، والأخشاب، وأشياء كثيرة سامة وقابلة للاشتعال.

وقال: «لا بد أن نذهب.»

وهبط زيتون وتود على جانب المنزل، وركبا قارب تود ذا المحرك، وأسرعا نحو الحريق حتى شاهدا النار وهي تتوهج باللونين الأبيض والبرتقالي بين المباني وفوق قمم الأشجار. وعندما اقتربا منها، أدركا أن الحريق قد التهم عمارة كاملة، كانت الحرائق مشتعلة في خمسة منازل، وألسنة اللهيب تحاول الإمساك بالسادس، لم تكن معهما أدوات لصد الحريق، ولم يكونا يعرفان على الإطلاق ما يمكنهما أن يفعلا لإطفاء جحيم كيميائي.

لم يكن مكتب زيتون قد أصيب بأي أضرار، ولكنه لم يكن يبعد عن الحرائق بأكثر من عشرين قدمًا، واختبرا قوة الرياح واتجاهها، كانت ليلة ساكنة، ذات رطوبة عالية. كان من المحال التنبؤ بمسار النار، ولكن المؤكد أنه كان يتعذَّر إيقاف مسارها، كانت على مقربة منهما محطة مطافئ لا تبعد إلا بمقدار أربعة مربعات سكنية، ولكنها كانت خالية وتغمرها المياه. ولم يكونا يستطيعان رؤية رجال المطافئ في أي مكان، ولما كانت خطوط التليفون مقطوعة، ورقم الطوارئ ٩١١ لا يعمل، فلم تكن لديهما وسيلة لتنبيه أحد، لم يكن في طوقهما إلا المشاهدة.

وجلس زيتون وتود في قاربهما، وحرارة النار تلفحهما في موجات منتظمة، وكانت للنار رائحة كالمسك لاذعة وألسنة اللهب تزدرد المنازل بسرعة عجيبة، وكان بين هذه المنازل قصر فكتوري طالما أبدى زيتون إعجابه به، وبعده بقليل منزل كان زيتون ينظر في شرائه عندما عُرض للبيع منذ سنوات معدودة، وقد ابتلعت الحرائق المنزل في بضع دقائق، واختفت الأطلال في المياه الدكناء، فلم يبقَ منها شيء.

واشتدت الريح من جديد، ولكنها كانت تهب في عكس اتجاه مكتب زيتون، ولو كانت قد هبت مرة واحدة في الاتجاه الآخر لاستسلم مبنى المكتب أيضًا. وحمد الله على رحمته به.

وبينما استغرقا في المشاهدة، لمحا عددًا محدودًا من الناس يشاهدون معهم. كانت وجوهًا يكسوها اللون البرتقالي ويَلُفُّها الصمت. وباستثناء قعقعة النار والأصوات العارضة لانهيار جدار أو أرضية منزل، كان الليل ساكنًا. لم تتردد أصوات سرينات سيارات الإسعاف أو الشرطة، ولم يشعر أحد بوجود أي سلطة من أي نوع؛ لا شيء سوى كتلة من البيوت التي تحترق وتغوص في البحر الأسود الذي ازدرد المدينة.

وعندما عاد زيتون وتود إلى المنزل في شارع دارْت، كانا صامتين، وظهرت النجوم في السماء، وكان تود يقود القارب كأنما كان ربانًا ليخت عظيم. أوصل زيتون إلى منزله، وتبادلا تحية المساء، وعندما صعد زيتون إلى السطح كان ناصر قد نام في الخيمة.

وقف زيتون على سطح المنزل وشاهد النار وهي تعلو وتهبط. الطوفان، ثم الحريق؛ كان من الصعب عدم ذكر الآيات القرآنية التي تحكي طوفان نوح، دليلًا على غضب الله. ولكن، على الرغم من الدمار الذي حل بمدينة نيو أورلينز، فإن لونًا من النظام كان لا يزال يسود الليل، كان زيتون سالمًا فوق سطح منزله، والمدينة صامتة ساكنة، والنجوم في مواقعها.

•••

كان ذات يوم على ظهر ناقلة بترول تبحر من خلال جزر الفلبين، ربما منذ عشرين عامًا، كان الوقت قد تأخر؛ إذ تجاوز منتصف الليل، وكان زيتون يصاحب الربان في برج القيادة.

وكان الربان يونانيًّا في منتصف العمر، وكان يحب مناقشة موضوعات مثيرة حتى يظل يقظًا منتبهًا، كان يعرف أن زيتون مسلم، وأنه رجل سديد التفكير، فقرر الربان أن يبدأ مناقشة حول وجود الله مستهلًّا إياها بالتعبير عن اقتناعه التام بعدم وجود الله، أو بعدم وجود إله في السماء يرقب دنيا البشر.

كان زيتون في تلك اللحظة قد قضى مع الربان ساعة في برج القيادة يتابع إرشاده للسفينة خلال الجزر الكثيرة؛ بحيث يتجنب الرفارف الصخرية والحواجز الرملية العالية تحت سطح الماء، وكذلك السفن الأخرى وغير ذلك من الأخطار الخفية، وكانت الفلبين التي تتكون من أكثر من سبع آلاف جزيرة وليس بها سوى خمسمائة منار بحري، مشهورة بكثرة الحوادث البحرية.

وسأل زيتون الربان: «ماذا يحدث لو أنك هبطت معي تاركًا ظهر السفينة، ثم ذهبنا إلى غرف نومنا ونمنا؟»

ونظر إليه الربان نظرة استفهام، وأجاب قائلًا إن السفينة لا بد وبكل تأكيد أن تصطدم بشيء، أو تجنح أو ترتطم بدَبْر مرجاني. وعلى أي حال فالنتيجة كارثة.

فقال زيتون: «إذن من دون ربان لا تستطيع السفينة الإبحار.»

وقال الربان: «نعم. ما مغزى سؤالك؟»

وابتسم زيتون، وقال: «انظر فوقك، انظر إلى النجوم والقمر. كيف تحتفظ النجوم بمواقعها في السماء؟ وكيف يدور القمر حول الأرض، والأرض حول الشمس؟ من الذي يرشدها؟»

وابتسم الربان لزيتون؛ إذ يشعر بأنه أُوقع في فخ.

وأكمل زيتون عبارته قائلًا: «من دون أن يرشدنا أحد، ألا تسقط النجوم والقمر على الأرض؟ ألا تطغى المحيطات على اليابسة؟ كل مركبة وكل ناقلة للبشر تحتاج إلى قائد. صحيح؟»

كان الربان مأخوذًا بجمال الاستعارة، فاكتفى بالصمت تعبيرًا عن استسلامه.

•••

وعلى سقف منزله، زحف زيتون داخلًا خيمته، محاولًا ألا يوقظ ناصرًا، أدار ظهره للحريق ونام نومًا متقطعًا، وهو يفكر في الحريق وفي الطوفان وفي قدرة الله.

الأحد ٤ من سبتمبر

نهض زيتون مبكرًا في الصباح، فهبط إلى قاربه، وعبر به الشارع لإطعام الكلاب، وتسلق الشجرة من النافذة وأطعمها ما بقي من اللحم.

سألها: «هل تحبين الشواء؟»

كانت الكلاب تحبه.

وقال: «أراكم في الغد.» وهو يذكِّر نفسه بإحضار بعض الطعام من تود.

عاد فاصطحب ناصرًا، ونقله إلى المنزل في شارع كليبورن، ثم انطلق وحده. لم يكن واثقًا أين يذهب اليوم، وهكذا اختار طريقًا جديدًا، يقضي بعودته أولًا إلى شارع دارْت، ثم الاتجاه شرقًا إلى إيرهارت، قاصدًا طريق جيفرسون دافيز.

كان هذا النهار يزيد هدوءه عن اليوم المنصرم، لم تكن في السماء طائرات عمودية، ولا زوارق حربية في الماء، وقل من رآهم يخوضون في الماء الذي اكتسى الآن لونًا رماديًّا ضاربًا إلى الخضرة، وعلى صفحته في كل مكان بقع من الزيت، وكانت رائحته تشي بقذارة تزداد يومًا بعد يوم، بمزيج تعس من السمك والطين والمواد الكيميائية.

وعندما اقترب من مفترق طرق إيرهارت، وجيفرسون دافيز، وواشنطن، رأى ارتفاع الأرض قليلًا حتى إنه شاهد الكلأ الجاف، مساحة شاسعة عند التقاطع يمتزج فيها اللون الأخضر باللون البني في الوسط، وفوق الكلأ رأى مشهدًا مدهشًا، خصوصًا في إطار ما كان يتحدث عنه مع ضيوفه في الليلة السابقة، رأى ثلاثة أحصنة تمضغ الطعام في سعادة، كانت تتمتع بالحرية، فلم يكن يركبها أحد، ولم تكن عليها سروج.

كان المشهد ينتمي لدنيا الشعر وعالم الوهم في آنٍ واحد، فاقترب في قاربه منها، ورفع حصان من بينها رأسه حين أبصر زيتون. كان حيوانًا جميلًا، أبيض اللون وذا نظافة كاملة. ولما أدرك أن زيتون لا يمثل خطرًا عاد الحصان إلى وجبته، واستمر الآخران يأكلان، وكان أحدهما أسود والآخر رماديًّا، أما كيف أتت الخيل إلى هنا فكان يتجاوز قدرة مخيلة زيتون، ولكنها كانت هانئة، فيما يبدو، برضا سماوي، تستمتع بحريتها.

وظل زيتون يرقبها بضع دقائق ثم استأنف رحلته.

وسار زيتون بقاربه إلى شارع جيفرسون دافيز، وعندما وصل إلى الجسر على شارع أ–١٠ حمل القارب حتى تخطاه ثم استأنف التجديف، حتى وصل إلى القسم السكني في الطريق. وبالقرب من ناصية شارع بانكس، سمع صوت امرأة.

«أنت يا من هناك؟»

رفع بصره فشاهد امرأة بشرفة الطابق الثاني بأحد المنازل، فأبطأ سيره واتجه نحوها.

وسألته: «هل تسمح بتوصيلي؟»

كانت المرأة ترتدي بلوزة زرقاء براقة، وأخبرها زيتون أنه يسعده مساعدتها، ثم وجه القارب إلى درج منزلها، وعندما نزلت من الشرفة، لاحظ زيتون قصر إزارها وحذاءها ذا الكعب العالي، والألوان الصارخة على وجهها، وحقيبتها الصغيرة المتلألئة، وأخيرًا أدرك ما كان يمكن أن يراه الجميع بوضوح، كانت مومسًا. لم يكن واثقًا من صحة إقدامه على التجول في قارب تركبه مومس، ولكنه لم يجد من الوقت ما يسمح له برفض توصيلها الآن.

كانت توشك أن تركب القارب حين أوقفها زيتون.

سألها: «هل يمكنك خلع حذائك؟»

كان يخشى أن يخرق سن الكعب العالي هيكل القارب المصنوع من الألومنيوم الرقيق، وأطاعت رجاءه قائلة إنها تريد الذهاب إلى شارع قنال، فهل يسمح بتوصيلها إليه؟ وقال زيتون إنه لا مانع لديه.

جلست قبالته واضعة يديها على جانب القارب، وكان زيتون يشعر بأنه مثل سائق الجندول فجعل يجدف بانتظام دون أن يتكلم. وتساءل إن كانت تتوافر، ولمَّا تمضِ على العاصفة سوى أيام قليلة، سوق تقدم فيها «خدماتها»، هل كان يمكنها أن تعمل في المنزل الذي وجدها فيه؟

وسألها: «إلى أين أنت ذاهبة؟» إذ لم يكن يستطيع أن يقمع فضوله.

وقالت: «إلى العمل.»

وعند تقاطع شارع جيفرسون دافيز وشارع قنال أشارت إلى مبنى الكنيسة المعمدانية المتحدة الأولى.

وقالت: «أنزلني هنا.»

فجدف في القارب حتى وصل إلى المبنى الذي يكسوه الآجُرُّ الأحمر، حيث تلتقي المياه بالدرجات المرتفعة في مدخل الكنيسة، وهناك نهضت وغادرت القارب.

قالت: «شكرًا يا حبيبي!»

وأومأ برأسه واستأنف تجديفه مبتعدًا.

ووصل زيتون مرة أخرى إلى المعبر العلوي عند تقاطع شارع كليبورن وطريق أ–١٠، وكان يستطيع حتى على مبعدة منه أن يدرك أن الأشخاص الذين رآهم من قبل ينتظرون الإنقاذ منذ أيام قليلة قد نُقلوا من ذلك المكان. كانت السيارة لا تزال في مكانها، مثل أكوام القمامة والنفايات البشرية، وعندما زاد اقتراب القارب، لفت انتباهه شيء؛ بقعة من الفراء. ولم تمضِ لحظة حتى اقترب إلى الحد الذي أتاح له أن يدرك أنه كان كلبًا راقدًا على جنبه، وتذكر أنه عندما كان هنا آخر مرة، كان في ذلك المكان نحو ستة كلاب صغيرة، معظمها جِراء، تحتمي بظل السيارات. وعندما لمس قاربه المعبر العلوي استطاع أن يرى أن عدد الحيوانات يبلغ عشرة أو أكثر، وكانت هي التي رآها من قبل مع عدد آخر غير كبير، في أوضاع شتى فوق الطريق. فأرسى قاربه على المعبر العلوي وصعد على الرصيف، وعقد المشهد لسانه. كانت الكلاب ميتة، كانت قد قُتلت، برصاصة في رأس كل منها، وكان بعضها قد أُطلقت عليه النار عدة مرات، على الرأس والجسم والأرجل.

وأسرع في تجديفه عائدًا إلى منزل شارع كليبورن، وهو مضطرب، واتصل بكاثي في التليفون. كان يريد أن يسمع صوتها.

قال: «رأيت شيئًا من أفظع ما يمكن.» وقصَّ عليها ما حدث للكلاب. لم يكن يستطيع أن يفهم ذلك.

وقالت: «آسفة أشد الأسف.»

– «لا أعرف من يمكنه أن يفعل ذلك.»

– «ولا أنا يا حبيبي.»

– «ولماذا يقتلهم جميعًا؟»

وحاولا أن يفهما منطق ما حدث، فحتى لو كانوا يساعدون الكلاب على الموت راحة لها من العذاب، لم يكن ذلك مقبولًا. كانت في المدينة قوارب بالغة الكثرة، ولم يكن نقلها وإطلاقها في أي مكان بعيد يستغرق زمنًا طويلًا، ولكن ربما كان شيء ما قد تغير دونما أمل في تصحيحه. أما أن يُعتبر هذا الحادثُ اختيارًا عاقلًا أو حتى اختيارًا رحيمًا؛ فإن ذلك معناه أن كل صورة من صور العقل قد غادرت هذا المكان.

وسألها: «كيف حال الأطفال؟»

قالت: «بخير. يفتقدونك.»

وسألها: «هل تدخلين الأطفال المدرسة غدًا؟»

قالت: «سأحاول.»

حاول أن يفهم، لكنه كان محبطًا، كان لا بد للأطفال من المدرسة، لكنه لم يكن في حالة نفسية تسمح بالمناقشة.

وتحدثا عما كان يعتزم أن يفعله عصر ذلك اليوم، كان دائمًا يرى في كل يوم أكثر مما ينبغي وأقل مما ينبغي في آن واحد. كان عدد الأشخاص الباقين في المدينة أقل، حتى في وسط البلد، ولكن انظر إلى الخيول، والمومس، والكلاب! كانت العلامات المنذرة بالكوارث تزداد، ويزداد معها بروز عالم الوهم، وقال لها إنه ربما استطاع أن يستجم اليوم، ويتأمل ما حدث كله.

وقالت له: «بل عليك الاستجمام.» كان كل وقت يقضيه في المنزل يزيد من اطمئنانها على سلامته، فأضافت: «امكث في المنزل اليوم.»

وقرر فعلًا أن يمكث في المنزل.

وحاول ذلك، على الأقل. فاستلقى على فراش نديمة، محاولًا الاسترخاء، لكنه لم يكن يستطيع التوقف عن التفكير في الكلاب. من ذا الذي يمكنه أن يطلق النار على كلب؟ كل هذه الحيوانات التي تحتاج إلينا وتثق بنا. وحاول كعادته التماس الأعذار لمن فعل ذلك، لكنهم إن كانوا استطاعوا الوصول إلى الكلاب بالمسدسات والطلقات، أفلم يكونوا بالسهولة نفسها قادرين على إطعامها؟!

غادر فراشه وبحث عن القرآن. كان يفكر في سورة «الحاقة». أخذ المصحف من فوق رف نديمة ووجد الصفحة، وكانت آياتها مثلما كان يذكرها:

الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ * وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً * إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (الحاقة: ١–١٢).

وزحف زيتون إلى السطح من خلال النافذة، كانت السماء ملبدة بالغيوم والرياح باردة، جلس وجعل ينظر إلى المدينة على البعد.

وخطر له خاطر مقلق، وهو ألا يكون قاتلو الكلاب من رجال الشرطة أو الجيش على الإطلاق. وقال زيتون في نفسه ربما كانت كاثي محقة، وكانت في المدينة عصابات مسلحة تقتل ما تشاء أن تقتله.

ونظر فيما يملكه شخصيًّا من إمكانات الدفاع عن نفسه؛ إذ ماذا عساه أن يفعل لو جاء الرجال هنا إليه؟ لم يكن قد شهد حوادث سطو في هذا الحي حتى الآن. ولكن فلنفترض أنهم جاءوا إلى هنا؟

وعندما اشتدت ظلمة الليل، تمنى زيتون لو لم يكن وحيدًا. وخطر له أن يعود إلى المنزل الآخر ليحدث تود وناصرًا عما رآه.

ولكنه لم يذهب، بل ظل جالسًا على سطح المنزل، محاولًا إقصاء التفكير في الكلاب على المعبر العلوي، ربما كان به ضعف من هذه الزاوية فلقد كان دائمًا حنونًا على الحيوانات، وكان لديه في طفولته عدد كبير منها، فلقد اقتنص السحالي والسرطانات البحرية، بل آوى حمارًا شريدًا في زقاق خلفي عدة أيام، وكان يعتزم امتلاكه ورعايته. وقد وبَّخه والده على ذلك، وعلى مشروع تربية الحمام الذي كان يشارك أخاه أحمد القيام به، والواقع أن ذلك كان من بنات أفكار أحمد، أحد المشروعات التي أغرى أخاه الأصغر بتنفيذها.

قال له أحمد ذات يوم: «تريد أن ترى شيئًا؟» كان أحمد في السادسة عشرة، وكان عبد الرحمن يتبعه أينما ذهب.

وبعد أن جعل أحمد أخاه عبد الرحمن يقسم على كتمان السر، اصطحبه أحمد إلى السطح وأراه قفصًا صنعه من الأخشاب المهملة والشباك السلكية، وكان في داخله عش من القش وورق الصحف، وفي داخل العش طائر، قال عبد الرحمن في نفسه إنه ما بين الحمامة واليمامة، وكان أحمد يعتزم صنع عشرات مثل هذا القفص ووضعها على السطح، وأن يطعم الحمام ويرعاه، ويدربه على نقل الرسائل. وسأل أحمد أخاه عبد الرحمن إن كان يحب مساعدته. وكان عبد الرحمن يحب ذلك حقًّا فاتفقا على رعاية الطيور معًا، وكان عبد الرحمن، باعتباره الأصغر، مكلفًا بتنظيف الأقفاص إذا دعت الضرورة، وأحمد باعتباره الأكبر والأكثر خبرة بهذه الأمور، مكلفًا بالعثور على طيور جديدة، وإطعام الطيور الموجودة، وتدريبها عندما يحين الوقت.

وهكذا كانا يقضيان هناك ساعات طويلة، يراقبان الطيور تأتي وتذهب، ويقومان بإطعامها من راحة اليد، مستمتعَين بالألفة التي تتيح للطيور أن تحط على أذرعهما وأكتافهما.

وسرعان ما أصبح لديهما ثلاثون طائرًا أو أكثر تعيش فوق سطح منزلهما، وبنى أحمد وعبد الرحمن مساكن أخرى لها، حتى غدا لديهما مجمع لم يكن يختلف عن أبراج الحمام المبنية من الحجر واللَّبِن في الحي الذي يقيمان فيه، بيوت يتكوم بعضها فوق بعض، وتعلو من المحيط، وتتقاطع مثل الفسيفساء البسيطة، وتمتد داخل اليابسة.

وكان كل شيء يسير على ما يرام حتى اكتشف محمود والدهما، تلك الهواية، وكان يرى أن الاحتفاظ بالطيور مضيعة فظيعة وغير صحية للوقت، وكان محمود منذ وفاة ابنه محمد، نافد الصبر، ضيق الصدر، فكان الأطفال ينشدون التسرية خارج المنزل الذى تكتنفه الأحزان، كان الوالد محمود يصر على أن هذه الهواية كانت تشغلهما عن واجباتهما المدرسية، وإذا ضحَّى هذان الاثنان بتعليمهما في سبيل الحمام فلن يبقى له سوى الحمام وولدين أميين.

أمرهما بإطلاق الحمام وهدم الأقفاص، فاكتأب الغلامان، ودافعا عن قضيتهما أمام والدتهما، فأحالتهما إلى زوجها الذي أصر على موقفه، ورفض عبد الرحمن وأحمد تنفيذ ذلك الأمر بأيديهما، وذات يوم عندما كان الغلامان ذاهبين إلى المدرسة، قال محمود إنه سيقوم بذلك أثناء غيابهما.

وعندما عاد الغلامان في عصر ذلك اليوم هرعا إلى السطح مباشرة ليريا ما فعل، فوجدا الطيور في أماكنها والأقفاص لم يمسسها سوء. أدهشهما ذلك، فهبطا مسرعَين واتجها إلى المطبخ حيث وجدا أمهما منفرجة الأسارير، واتضح أن محمودًا اتجه إلى السطح، فأوت الطيور إليه مرحبة ووقفت على كتفيه وذراعيه، وسحره ما حدث إلى الحد الذي منعه من طردها، وهكذا سمح للطيور بالبقاء.

وتوفي محمود بعد بضع سنوات، كان السبب مرض القلب، ولكن جبلة كانت تقول إنه الكرب والأسى العميق؛ لم يستطع الوالد قط أن يقهر حزنه على ابنه الذهبي، فخر الأسرة وسوريا جمعاء، محمد.

وافترض زيتون أن ناصرًا سيقيم في المنزل الآخر، وإذا أراد الحضور إلى هنا استطاع ذلك، فإن تود لديه زورق، وهكذا استقر زيتون في الخيمة ونام وحده.

الإثنين ٥ من سبتمبر

استيقظ زيتون مبكرًا في الصباح، فصلى الصبح، وانطلق يجدف في قاربه حتى عبر الشارع لإطعام الكلاب. كان قد حصل على بعض طعام الكلاب من تود.

قال للكلبين: «نفد اللحم يا أصدقاء. لم تعد عندي لحوم!»

ولم يبدُ أنهما اكترثا، فالتهما ما قدمه لهما، وكان يبدو أنهما الآن بخير ولم يعودا يكابدان الصدمة التي اعترتهما منذ بضعة أيام.

وقال: «رأيتما؟ آتيكما كل يوم. آتي دائمًا.»

ثم هبط من السطح وانطلق بالقارب.

واتجه إلى منزل شارع كليبورن فوجد ناصرًا وتود جالسين في مدخل المنزل يتناولان طعام الإفطار، فدخل المنزل واتصل بكاثي.

قالت كاثي: «أفراد الشرطة ينتحرون!»

كان شرطيان مختلفان قد انهارا أمام العاصفة وما نجم عنها فانتحرا؛ إذ عُثر على الجاويش بول أكاردو، أحد كبار المتحدثين باسم جهاز الشرطة قتيلًا في سيارة الشرطة في بلدة لولينج القريبة، بعد أن انتحر. أما الشرطي لورنس سيليستين فقد انتحر يوم الجمعة أمام شرطي آخر.

وشعر زيتون بألم عميق من جراء ذلك، فقد كانت علاقته طيبة على الدوام مع شرطة المدينة، كان يعرف وجه الجاويش أكاردو خير المعرفة؛ إذ كان كثير الظهور في التليفزيون وكان يوحي بالتعقل والهدوء.

وذكرت كاثي العصابات الجوالة، والمواد الكيميائية السامة، والأمراض التي تُكتشف وتنتشر. كانت تحاول من جديد إقناع زوجها بالرحيل.

قال لها: «سأتصل بكِ فيما بعد.»

•••

واتصل روب، رفيق والت، بكاثي للاطمئنان على أسرة زيتون، ليعرف أين تقيم، وإن كانت تحتاج إلى مساعدة، وعندما قالت له إن زيتون ما زال في نيو أورلينز، لم يصدق روب ما يسمع.

سألها: «ماذا يفعل هناك؟»

فقالت كاثي: «لديه زورقه الصغير، ويتجول به في المدينة.» وحاولت كاثي إبداء عدم الاكتراث.

فقال روب: «لا بد أن يخرج منها.»

وقالت كاثي: «أنا أعرف. ذلك ما أقوله يوميًّا له.»

وفي غضون حديثه ذكر روب أنه ورفيقه والت قد تركا قطتهما عندما فرَّا من العاصفة. كانا قد حاولا العثور عليها قبل المغادرة ولكنها لم تكن قطة منزلية، بل تهوى التجول خارج المنزل، ولم تأتِ إلى المنزل أو تقترب منه آنذاك. وقال إنه يأمل أن يبحث زيتون عن أي أثر لها إذا وجد نفسه في الحي الذي يقيمان فيه، وإن لديه في الجراج مولدًا كهربائيًّا، ويرحب باستخدام زيتون له إذا احتاج إليه واستطاع أن يصل إلى ذلك المنزل.

واتصلت كاثي بمنزل شارع كليبورن، وكان زيتون لا يزال موجودًا، يوشك أن ينصرف، فأخبرته بما يرجوه روب من اطمئنان على منزله. كان المنزل يقع على مسافة ثلاثة أميال على الأقل، ولا بد للوصول إليه من نقل القارب إلى اليابسة في الطريق الرئيس، ولكن زيتون أسعده أن يُكَلَّفَ بمهمة محددة. وعندما ذكرت كاثي إمكان استخدام مولد الكهرباء نبذ زيتون الفكرة؛ إذ كان يفضل ألا يحمل أي منقولات على الإطلاق في تجواله، فإلى جانب تشككه في إمكان نقل المولد إلى القارب، كان يحرص على ألا يحمل فيه أي شيء له قيمة؛ إذ كان يعرف أن الشرطة تبحث عمن يقومون بالسلب والنهب.

وانطلق مع ناصر إلى منزل والت وروب. كان النهار دافئًا، والسحاب أبيض، فقررا المرور على منزل ناصر في طريقهما للاطمئنان عليه، فسلكا شارع فونتابلو إلى شارع نابليون، وكان منزل ناصر على ناصية شارعي نابليون وجالفيز، وكان يريد أن يرى إن كان يمكنه إنقاذ أي شيء.

وعندما وصلا إلى هناك، وجدا أن الماء قد وصل إلى حواف السقف، ولم يجدا سبيلًا لدخول المنزل، ومن المستبعد أن يكون فيه ما يستحق الإنقاذ. وكان ناصر قد استعد لهذا المشهد، وكان مثلما توقع تمامًا.

قال: «هيا بنا.»

وسارا في طريق جيفرسون دافيز إلى منزل والت وروب. كان ارتفاع المياه أقل كثيرًا، ثماني عشرة بوصة وحسب. فخرج زيتون من القارب وسار إلى الباب الأمامي، واتضح له أن المنزل بخير، لكنه لم يجد أثرًا للقطة، وخطر له إمكان القفز فوق السور للوصول إلى الفناء الخلفي، ولكن هذا النوع من السلوك المريب هو الذي يبحث رجال الشرطة والجيران عنه.

وأدارا وجهة القارب إلى اليسار، وفي طريق عودتهما إلى المنزل مرَّا بمكتب البريد عند تقاطع شارعي جيفرسون دافيز ولافيت، وكانت تلك البقعة مكان إنقاذ الأفراد بالطائرات العمودية. لم يشاهدا أي طائرات عمودية ولكن عمال الإنقاذ يتجمهرون في ساحة انتظار السيارات.

وسأل زيتون ناصرًا: «هل تريد الرحيل؟»

فقال ناصر: «ليس اليوم.»

•••

وفي ذلك المساء أدي زيتون وناصر الصلاة جماعة على سطح المنزل في شارع دارْت، وتناولا الهمبرجر المشوي، كانت الرطوبة عالية، والهدوء سائدًا في تلك الليلة، لا يقطعه إلا صوت عارض لزجاج ينكسر، أو زمجرة طائرة عمودية تطير قريبًا من سطح الأرض، ولكن المدينة كانت فيما يبدو وصلت إلى نوع من التوازن الجديد بشكل عام. وأوى زيتون إلى الرقاد وهو يشعر كم يفتقد كاثي والأطفال، ويتساءل في نفسه إن كان الوقت قد حان للرحيل.

الثلاثاء ٦ من سبتمبر

وفي الصباح، وبعد الصلاة، ذهب زيتون لإطعام الكلاب عبر الشارع، من طعام الكلاب الذي أعطاه تود إياه، وكان يطعم منه الحيوان المدلل الذي أنقذه، وعندما عاد إلى المنزل لتوصيل ناصر، لاحظ أن ناصرًا كان يحمل حقيبة المعدات الرياضية السوداء الخاصة به.

وقال زيتون مومئًا إليها: «تأهبت للرحيل؟»

وقال ناصر إنه استعد، كان يتأهب للجلاء عن المدينة، وشعر زيتون بالحزن لفراقه، وإن أسعده أن يعرف أن صديقه ستكتب له السلامة، بل ما هو أفضل، أي ألا يُضطر زيتون بعد الآن إلى مشاركة أحد له في الخيمة، وركب ناصر القارب وانطلقا.

واتجها صوب ساحة انتظار السيارات عند مكتب البريد. كانا قد مرَّا بها مرات عديدة وكان زيتون يسأل ناصرًا في كل مرة إن كان مستعدًّا للرحيل، ولكنه لم يكن مستعدًّا حتى الآن.

وقال زيتون: «سوف تركب هذه.» مشيرًا إلى طائرة عمودية برتقالية اللون جاثمة فوق الأرض بعيدة عنهما.

وازداد اقترابهما فأدركا ما بدا لهما غريبًا في تلك الطائرة؛ كانت جاثمة على جنبها.

وقال ناصر: «غير معقول!»

كانت مروحتها مكسورة، والكلأ أسود اللون حولها.

وقال زيتون في رهبة: «لقد تحطمت!»

وكرر ناصر الكلمات همسًا: «لقد تحطمت!»

وزادا اقترابهما منها. لم يكن بقربها أحد، ولا أثر لأي إصابة بشرية، أو دخان أو فريق إنقاذ. لا بد أنها سقطت فتحطمت في اليوم السابق، ولم يبقَ منها سوى كومة من الفولاذ البرتقالي اللون. لن يرحل ناصر بالطائرة هذا اليوم.

وعادا إلى منزل شارع كليبورن في ذهول، واتصل زيتون بكاثي. لم يكن يستطيع أن يقرر إن كان ينبغي أن يخبرها بأمر الطائرة العمودية، كان واثقًا بأن الخبر سوف يزعجها فقرر تحاشيه.

«هل نجحت في إدخال الأطفال إحدى المدارس؟»

وقالت كاثي إنها تحاول وإن لم يكن ذلك يسيرًا.

وزفر زيتون بصوت مرتفع.

فقالت كاثي: «إنك مثل من فقد جَمَله فخرج يبحث عن الحبل!» وكان ذلك من تعبيراته المفضلة، وكانت تتلذذ باستخدامه ضده. كان دائمًا يقوله حين يشعر بأن كاثي تركز على التفاصيل غير المهمة وتتجاهل لب المشكلة.

لمْ يَبْدُ أن التعبير أضحكه.

فقالت: «لا تحزن يا حبيبي!»

لم تكن المدرسة الهم الأول الذي يشغل بال كاثي، كانت قد صممت طيلة البارحة وصباح هذا اليوم، على إقناع زوجها بمغادرة المدينة. كان العمدة ناجين قد أمر بإجلاء جميع من بقي في المدينة بالقوة.

وكررت ذلك قائلة: «الإخلاء قسرًا.»

كان المسئولون قلقين خشية انتشار بعض الأمراض التي تنقلها الأميبا كولاي، وحُمَّى التيفود، والكوليرا، والدوسنطاريا. فالأحوال غير الصحية خطر على صحة كل من في المنطقة.

وقال: «أنا لا أشرب المياه.»

فقالت: «والنفايات السامة؟ تعرف الأوساخ المدفونة تحت الأرض هناك.» وذكَّرته بأن بعض مناطق المدينة مبنية فوق أنواع القمامة التي تحتوي على الزرنيخ، والرصاص، والزئبق، والباريوم وغيرها من العناصر المسرطنة. «ما تكون عليه الحال لو أن التربة نضحت بهذه العناصر؟»

ولم يعرف زيتون ما يقول ردًّا على ذلك.

لكنه قال: «سأكون حريصًا.»

وأما الذي لم يقله فهو أنه كان يفكر في الرحيل. كان كل شيء يزداد صعوبة، وكانت المهام التي يستطيع القيام بها تقل عما سبق؛ إذ تناقص عدد الباقين في المدينة، وتناقص إلى درجة أكبر من عدد الذين يحتاجون إلى المساعدة، لم تكن أمامه إلا عقاراته ورعايتها، إلى جانب الكلاب بطبيعة الحال. من تُراه سيطعم الكلاب إن لم يطعمها بنفسه؟ وأما الآن، فقد أخبرها أنه بخير وأنه سيكون حريصًا، وأنه يحبها وسوف يتصل بها في غضون ساعات معدودة.

وانطلق وحده بعض الوقت. وبعد قليل، عند تقاطع شارعي قنال وسكوط، صادف زورقًا صغيرًا. كانت سفينة عسكرية على متنها ثلاثة رجال: جندي، ورجل يحمل آلة التصوير بالفيديو، وآخر يحمل ميكروفونًا ومذكرة، وأشاروا لزيتون بالتوقف، وقال أحدهم لزيتون إنه صحفي.

وسأله الصحفي: «ماذا تفعل؟»

قال زيتون: «أطمئن على منازل الأصدقاء وحسب، محاولًا المساعدة.»

فسأله الصحفي: «ومن تعمل معه؟»

فقال زيتون: «أي أحد. أعمل مع أي أحد.»

وعندما جدف بالقارب عائدًا إلى كليبورن، برق خاطر في ذهن زيتون: أفلا يحتمل أن يشاهده أشقاؤه في التليفزيون؟ لربما شاهدوا ما يفعله، وأدركوا أنه يفعل الخير بالبقاء في المدينة التي اتخذها وطنًا. كان أفراد أسرة زيتون يعتزون بأنفسهم، وكان التنافس الكبير بين الأشقاء دافعًا لهم على تحقيق شتى المنجزات؛ إذ كان كل منهم يقيس نفسه بمعيار ما حققه محمد. لم يحقق أحد منهم قط مثل ما حققه، ولا وصلت منجزات أحد منهم إلى مستوى إنجازه، ولكن زيتون كان يقول في نفسه من جديد إنه ربما كانت هذه رسالته، وربما انتظر الله فوضعه هنا وقضت مشيئته أن يبلوه الآن على هذا النحو. وهكذا كان يأمل، على حمق هذا الأمل فيما يبدو، أن يشاهده أشقاؤه على هذه الحال، على صفحة الماء، بحارًا مرة أخرى، يفعل ما ينفع الناس، في سبيل الله تعالى.

وعندما عاد زيتون إلى المنزل رقم ٥٠١٠ شارع کلیبورن، شاهد زورقًا بمحرك، يجمع بين اللونين الأزرق والأبيض، مربوطًا في المدخل.

وعندما دخل المنزل وجد فيه رجلًا، رجلًا لم يسبق أن شاهده في حياته.

وسأله زيتون: «من أنت؟»

فسأله الرجل: «بل من تكون أنت؟»

فقال زيتون: «هذا منزلي.»

واعتذر الرجل، وعرَّف زيتون بنفسه، قال إن اسمه «روني»، وإنه مر بالمنزل ذات يوم باحثًا عن منزل قد يكون فيه تليفون يعمل، وشاهد صندوق التليفون فوق مستوى سطح الماء فدخل المنزل، ومنذ ذلك اليوم وهو يأتي بانتظام إلى المنزل للاتصال تليفونيًّا بأخيه الذي يعمل قائدًا لطائرة عمودية. وكان روني أبيض البشرة، في نحو الخامسة والثلاثين، وطوله ۱۸۰سم ووزنه ٩٠كجم. وقال لزيتون إنه يعمل في شركة خاصة لتشذيب الأشجار.

ولم يجد زيتون سببًا وجيهًا يدفعه إلى طلب الرحيل من روني، والواقع أن زيتون كان سعيدًا برؤية أي فرد في قيد الحياة وفي خير حال في المدينة، فترك روني في المنزل، وصعد إلى الطابق الثاني ليرى إن كانت بالمنزل مياه جارية، فوجد ناصرًا في الطابق الثاني.

وسأله زيتون: «هل رأيت روني هذا؟»

وقال ناصر إنه قابله ووجده لطيفًا، وأحس الاثنان أن للجماعة قوة، وأن الرجل إذا كان يريد استخدام التليفون من وقت لآخر، فمن كانا حتى يمنعاه من الاتصال بالعالم الخارجي؟

وعلى نحو ما بدا من المحال، كانت في الحمَّام مياه جارية. كان ذلك بمثابة معجزة، ولم يكن زيتون قد خطر له من قبل أن يتحقق من هذا قبل الآن، فقال لناصر إنه سوف يستحم، فقال ناصر: «لا تغب، فسوف أتبعك.»

لم يستمتع زيتون بالحمَّام في حياته استمتاعه به هذه المرة، فأزال بالماء والصابون آثار العرق والتراب وما بدا له زيتًا ومياه صرف، وبعدها هبط إلى الطابق الأول.

وقال لناصر: «تفضل!»

ورفع السماعة وطلب أخاه في إسبانيا، كان يريد طمأنته على حاله بسرعة قبل أن يتصل بكاثي.

وحاول أحمد من جديد إقناعه بالرحيل.

وسأله: «هل تعرف الصور التي نشاهدها في التليفزيون؟»

وأكد له زيتون أنه كان بعيدًا تمامًا عن أي لون من ألوان الفوضى. فباستثناء المسلحين الذين شاهدهم في محطة شل للبنزين، لم يصادف زيتون أي أخطار تقريبًا في الوقت الذي قضاه في التنقل بالقارب في المدينة.

وصاح زيتون في ابتهاج: «اسمع! ربما أظهر في التليفزيون! لقد أجرى أحدهم معي مقابلة لتوِّه. انتظر ظهوري، وقل لكاثي.»

وتنهد أحمد قائلًا: «لن ترحل إذن؟!»

«لم يحن الوقت بعد.»

وكان أحمد يعرف أنه لا فائدة من المناقشة، لكنه كان يريد فعلًا تذكير أخيه بأنه حتى لو كان يشعر بالأمان الآن، فإن الخطر قد يأتي في أي لحظة. قال له إن في المدينة عصابات متجولة من المسلحين، وكان ذلك ما تتحدث عنه جميع أجهزة الإعلام، قائلة: إن المنطقة أصبحت كالغرب الأمريكي في أيامه الوحشية الأولى. كان أحمد يشعر بعجزه ويكره هذا الشعور، ويعرف أن أخاه الأصغر يعتبره أشد حذرًا مما ينبغي، فأضاف قائلًا: «أفلن تفكر إذن في الرحيل، من أجل أسرتك الجميلة، قبل أن يحدث شيء؟!»

كان زيتون ممسكًا بالورقة التي كتب عليها رقم تليفون كاثي في مدينة فينيكس؛ كان يريد أن يتصل بها قبل أن تبدأ في القلق. وكان قد تأخر عن موعده معها عشر دقائق. وكان يوشك أن ينهي مكالمته مع أحمد حين سمع صوت ناصر من مدخل المنزل وهو يتحدث مع شخص خارج المنزل.

ونادی ناصر: «زيتون!»

وقال زيتون: «ماذا؟»

وقال ناصر: «تعالَ هنا. يريد هؤلاء أن يعرفوا إن كنا نريد ماءً.»

وتصور زيتون أنهم كانوا رجالًا مثله ومثل ناصر، أي إنهم يطوفون في زوارق، ويحاولون تقديم العون.

وعند وضع سماعة التليفون نظر في اتجاه مدخل المنزل فشاهد مجموعة من الرجال، كانوا جميعًا يحملون السلاح، ويقتحمون المنزل، فأعاد زيتون التليفون إلى مكانه وسار إلى الباب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤