الشخصيات المرتجلة

جاء في معجم اللغة: ارتجل الطعام أي: طبخه في المرجل، وارتجل الكلام أي: ألقاه دون روية أو تحضير.

أما الشخصية المرتجلة في معجم الحقيقة المرة، فقد جمعت بين المعنيين لهذه الكلمة: الطبخ وعدم الإعداد والتحضير. وإذا أمعنت النظر ودققت الفهم في الطبخ والارتجال، يتضح لك بجلاء أنهما متقاربان في المعنى، حتى إننا نجد كثيرًا من الكتَّاب يطلقون كلمة الطبخ على معنى الارتجال، فيقولون: طبخ فلان كتابه، أي ألفه بسرعة دون عناء في التدقيق أو مشقة في البحث، وذلك هو الارتجال بأتم معناه.

أما الشخصية المرتجلة، فهي تلك الشخصية التي تطبخ على عجل في مرجل الأنانية وحب الذات، فلم ينضج منها إلا ظاهرها، ثم تغمس في سائل كيمياوي عجيب ركب من الدجل والغرور والشهوات الجائعة، فهو يشبه العسل في مظهره ولكنه يخالفه في مخبره.

وبعد هذا الطبخ السريع، والطلاء الزائف، تنزل هذه الشخصيات المرتجلة، على المجتمع كجنود المظلات دون سابق إنذار، لتفرض نفسها ضريبة ثقيلة على الأمة تحب الرئاسة وتريد القيادة، وتهيم بالزعامة، ولكن ليس لديها من المؤهلات سوى ذلك الطلاء الزائف الذي لا يوجد تحته سوى مطامع دنيئة ودعوى خاوية.

وتغدو هذه الشخصيات المرتجلة تتبختر في مظاهرها الزاهية ومخابرها القاتمة وهي تصرخ بوقاحة في وجه الأمة: سلميني زمام القيادة! رقيني إلى منبر الزعامة! أجلسيني على عرش العظمة!

والأمم وإن اختلفت في درجات الثقافة والجهل، وتفاوتت في مقدار الرقي والانحطاط، لم تختلف أبدًا في فهم الزعيم الحق، ولم تخطئ أبدًا في اختيار القائد الصالح.

فهي كلها تحسن اختيار القائد، وتصيب في تزعيم الزعيم، وتدرك إلى من تنقاد وتطيع، وذلك عائد إلى حواس فطرية وإدراك طبيعي، وهو عنصر المناعة ضد الانحلال والانحدار، خلقه الله في جسم الأمة لا دخل للعلم والاكتساب فيه.

ولم نجد أمة انخدعت في اختيار زعيم، ولم نجدها كذلك خذلت شخصًا لا يستحق الخذلان، ولهذا كان حكمها دائمًا هو أصدق الأحكام. وبينما نجد الأمة تتسلق درجات التقدم بصعوبة وعناء، إذا بهذه الشخصيات المرتجلة تطن في سمائها كالذباب، فلا تلتفت إليها حتى إذا ما أزعجتها وأقلقتها، أعارتها الفاتة بسيطة، لا لتسمع إلى دعوتها أو تنخدع إلى حيلها، وإنما لتلقي بها في مهاوي الحضيض، لتتخلص من وقاحتها وعرقلتها، ثم تمضي قدمًا في طريقها لا تلوي على شيء.

يظلم بعض الناس هذه الشخصيات، فيقولون عنها: «إنها مصابة بداء العظمة»، وكما أنني ذكرت هنا ما على هذه الشخصيات، يجمل بي أن أذكر ما لها، فأعترف أنها مظلومة في هذه الوصمة كل الظلم.

فإن داء العظمة، ذلك الداء الخطير الذي أصيب به المتنبي شاعر العربية وفيلسوفها وأصيب به قرينه «فولتير» شاعر الفرنسية وفيلسوفها، وأصيب به كثيرون غيرهم في مختلف العصور والبيئات، فجميعهم يختلفون كل الاختلاف عن هذه الشخصيات المرتجلة، والبون بينهما بعيد والفارق شاسع كبير.

فهما يجتمعان في حب العظمة، ولكن دافعه عند أولئك طموح سام، وعلم غزير، وبيان قوي، ونفس عزيزة، وشجاعة جبارة، وتضحية غالية.

ويعززها عند هؤلاء غرور سافل، وجهل مركب، ووعي قبيح، ونفس وضيعة، ومطمع دنيء …

أما زعيم الأمة وقائدها فيختلف كل الاختلاف عن هؤلاء جميعًا، فهو يخلقه الله متحليًا بصفات الزعامة، مدججًا بسلاح القيادة: صفات لا يراها هو في نفسه، ولكنها تراها الأمة فيه، وخصال لا يتبينها هو في نفسه، ولكنها تلمسها الأمة فيه.

يقوم بأعمال جليلة سامية، يقوده إليها إلهام من الله لا يقدر هم سموها؛ بل يراها أعمالًا عادية، ولكن الأمة تقدر سموها، وتدرك عظيم فائدتها، ومن دون أن يشعر يجد نفسه مساقًا قهرًا، والأمة من ورائه تدفعه إلى قمة الزعامة حيث تضع له سلمًا من قلوبها وأفئدتها وتقول: ارتقِ! … وتأتيه بزمام القيادة مصنوعًا من أمانيها الغالية وتقول له: أمسك …

أما هذه الإمَّعات من الشخصيات المرتجلة التي لا يعرف لها ماضٍ، ولا حاضر، ولا حتى المراجل التي طُبخت فيها، فتَنْبت بسرعة كالفقاقيع وتأتي تنفخ أوداجها وهي تحاول التسلق بمنابر الزعامة الخطيرة، والتشبث بقمم العظمة، حتى إذا ما حاولت الأمة إبعادها في رفق ولين صرخوا في وجهها وذهبوا، يشتمونها ويصمونها بالجهل والانحطاط لأنها لم تنخدع لهم ولدجلهم …

وهناك تغضب الأمة غضبتها، فتلقي بهم في الدرك السافل، فتنطفئ هذه الشخصيات بسرعة، وهي مرتجلة في كلتا الحالتين، وتطوى هذه الشخصيات وصحائفها إلى الأبد مكللة بالخزي والعار …

إكليل كل امرئ لا يعرف قدر نفسه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠