الفصل الخامس عشر

إسبَانيا المغربيَّة١

لأنريك سوردو

كتاب «إسبانيا المغربية» موضوع في وصف حضارة الأندلس على عهد الدول الإسلامية، وأكثر العناية فيه منصرفة إلى وصف حضارة العمران وحضارة المعيشة وما تتسع له من مظاهر العرف والعادة ومظاهر العلاقات بين أبناء المدينة وأبناء الأسرة، وأكثر ما يكون ذلك في مدنها الثلاث الكبرى، وهي قرطبة وأشبيلية وغرناطة، وإن كان المؤلف يلم أحيانًا بما يتصل من قريب بهذه الحضارة في المدن الأخرى من قبيل طليطلة وقادش وبلنسية، وما عداها من أطراف الريف.

ويعجب القارئ وهو يتصفح هذا الكتاب ويقلب ما احتواه من الرسوم والنقوش والصور والتماثيل التي بولغ في الاعتناء بها على مثال لا يقع النظر على ما يشبهه في غير الآثار المقدسة عند أبناء الغرب من المسيحيين.

ماذا يزيد عليه الكاتب العربي الأصيل لو كتب في هذا الموضوع وأراد أن يودع فصوله وثنايا سطوره ما يجيش في صدره من خوالج الحنين والفخر والإعجاب بآثار ذلك الماضي العزيزة على بنيه؛ إذ يكاد القلم العربي أن يقصر عن الزيادة عما أودعه المؤلف كتابه من تلك الخوالج الناطقة خلال السطور في غير تكلف ولا انتباه، ولولا خطرات هنا وهناك يلوح فيها أن المؤلف مخالف للعرب في دينه ولغته وجنسه لسبق إلى ذهن القارئ أنه يستمع إلى أغنية من أغاني الحنين الذي قيل في زمانه:

جادك الغيث إذا الغيث همَى
يا زمان الوصل بالأندلسِ
لم يكن وصلك إلا حلما
في الكرى، أو خلسة المختلسِ

ويبدو مما يورده المؤلف من بعض الأمثال الجارية على الألسن إلى اليوم أنه ليس بالغريب المنفرد بين أبناء قومه بتلك الأحلام التاريخية، فإنه يذكر أن أبناء غرناطة في هذا العصر لا ينسون الأسوة بمصاب غرناطة العربية كلما حزبتهم فاجعة قومية يتطلبون فيها حسن الأسوة، فإنهم يرددون بينهم كلمة تسير في لفظها ونغمتها مسير الأمثال، ويقولون: «لقد كانت البَلِيَّة بغرناطة أفدح وأنكى» كأنهم ورثوا هذه الكلمة عن ألسنة العرب، ثم تنقلوها بغير تبديل فيها، أو كأنهم ذكروا البلد، ونسوا من هم أولئك المصابون فيه، ولا حاجة بهم إلى جهد من الذاكرة يلفتهم إلى هذا النسيان، لأن معالم المعيشة البيتية في أكثر العواصم الإسبانية على عهد العرب لا تزال على ذلك العهد إلى اليوم، سواء في تنظيم طرقاتها أو تقسيم بيوتها والانتقاع بمساكنها، وكأنما بقيت محارم الحجاب على حالها كما كانت تُبنى في أيام العرب، فلا تزال المنافذ بين الغرف والحجرات وبين الشارع والسوق كأنها تلك المنافذ التي تستر وراءها مقاصير الحريم.

ويحاول المؤلف، لو استطاع أن ينسى من سبق العرب إلى إقامة الحضارة بتلك البلاد، ومنهم أسلاف من الرومان والقوط، ولكنه ينازع القلم إلى ذكراهم ليقول: إن العرب قد صنعوا ما لم يصنعوه، وقد سبقوهم في شوط الارتقاء، وإن لحقوا بهم في أزمنة التاريخ، فيقول عن صناع الأندلس اليوم: إنهم لا يزالون ينتفعون بما تعلموه من العرب والبربر من صناعات النسيج والفخار والآنية والجلود وصياغة المعادن وتزيين الأخشاب، ويثبت للرومان فضلهم في تنظيم موارد الماء للري والشرب والسقاية، ولكنه يعود فيقول: إن غلبة «الماء» في النوافير وفي الجداول المصنوعة وفي الحدائق العليا والسفلى إنما كان ظاهرة «الصحراء» التي يبلغ الماء فيها ما ليس يبلغه في مكان، من إرواء غلة الأعين والصدور.

ويشيد المؤلف بما اتسمت به الحضارة العربية من قوة الشعور بالحياة الحسية والحياة الفكرية في آن.

ويطيل الوقوف عند ظاهرة «الطرب» للسماع ونغمات الأصوات والآلات، فيروي ما يرجحه بعضهم من أنها أصل كلمة «الطربادور» التي تطلق على الشعراء المنشدين بين جنوب فرنسا وشمال البلاد الإسبانية، ويشير إلى ما تخيله بعضهم من أنها تتصل بمادة «طاب» العربية بمعنى «طيب العيش وطيب الشعور»، ثم يعدو فيقول: إن هذا الشعور الذي يدل على قابلية النفس للامتلاء بالحيوية والإحساس بجمال الحياة لم يخلقه اليوم غير ثورة الحس في حلبات مصارعة الثيران، وغير أناشيد الرقص في الحانات، تتخللها صيحات «ووللي. ووللي» عند النشوة والاستحسان، وما هي إلا تحريف لكلمة الجلالة التي كان من عادة العربي أن يهتف لإبداء إعجابه بكل جميل: الله. الله.

ويسرف المؤلف في تعظيم هذه «الحاسة» الجميلة عند العربي فيروي من أقاصيصها ما يصدق وما لا يصدق من أخبار الخلفاء والأمراء، ويغفل من ذلك ما قيل عن شق الثياب والصياح بنداء الباعة والخروج عن الحشمة والعربدة على الندماء، ويضيف إلى ذلك ما يرويه عن أمراء بغداد ودمشق وأمراء المغرب وأفريقيا، وأعجبه ما رواه عن رجل من حاشية الملوك التي تُحسن ضبط الشعور في مواقف الطرب والغضب، فنقل عن أحدهم أنه نسي نفسه؛ فهجم على المغني في حضرة الملك، وأخذ في تقبيله، وعرض نفسه بذلك للقتل العاجل؛ لأن ذلك المغني كان سجينًا متهمًا بالخروج على الأمير، واحتال على إسماع الملك بعض غنائه لعله يعفو عنه ويستبقيه.

أما الحياة الفكرية فقد أطنب المؤلف في سرد أخبارها، كما أطنب في سرد أخباره عن الحياة الفكرية الحسية. ومن ذاك أن قرطبة كان فيها مائة وسبعون امرأة يكسبن رزقهن بنسخ الكتب غير الرجال، وأن المدينة كانت تُخرج في كل سنة ما لا يقل عن ستين ألف كتاب من المصنفات المنسوخة أو المنقولة أو المؤلفة، وأن عدد الكتب في بعض المكتبات التي جمعها خليفة من الخلفاء لم يكن يقل عن أربعمائة ألف كتاب، وكانت منها كتب كثيرة في غير المباحث الدينية، أثارت جماعة من الفقهاء المتزمتين فأرضاهم المنصور بإحراق المئات منها.

ويرى المؤلف أن الثقافة العربية غلبت على كل ثقافة تقدمتها في بلاد الأندلس المغربية، ولكنها كانت في بعض المدن تنتزع المدينة من صبغتها الرومانية التاريخية لتقيم فيها نمطًا من الحضارة يغلب فيها التوازن بين الغرب والشرق كما غلب من قبل في القسطنطينية وعواصم الدولة البيزنطية.

وانتقل المؤلف من الثقافة عامة إلى ثقافة الفنون الجميلة، فنفى كل ما يشاع في الغرب عن تحريم الإسلام للاشتغال بالفن الجميل. وقال: «إن الغرب تشيع فيه فكرة عامة فحواها أن الديانة الإسلامية تحرم كل التحريم صور الأحياء، وكل ما ثبت ثبوت اليقين في هذا المعنى أن التماثيل الدينية محرمة في هذه الديانة، وفيما عدا ذلك لم ترد في القرآن آية واحدة تؤيد ما يشيع بين الغربيين، وإنما ورد في الأحاديث النبوية التي يرجع استقصاء الكثير منها إلى القرن الحادي عشر للميلاد ما يفيد استنكار التصوير.»

ثم يتوسع المؤلف في بيان الموانع التي تقبل فيها الرسوم والنقوش مع انتفاء شبهة العبادة والتقديس.

ويشتمل الكتاب على أكثر من مائة صفحة كبيرة مُحلَّاة بالصور الملونة أو بالنقوش الهندسية المحكمة، تلحق بها الشروح التاريخية والتحليلات الفنية، ويوشك أن تحيط بكل ما بقي في بلاد الأندلس من الآثار الإسلامية ولا سيما المساجد والقصور، وتظهر في بعضها نقوش الكلمات العربية واضحة للقراءة مع تتبع الخطوط بينها وبين ما حولها من رسوم الزينة وعقود البناء، وهي — فيما نرى — أفصح من كل ما اقترن بها من الشروح والتحليلات في الارتفاع بإعجاب المعجبين إلى ذروة الشعور بجمال تلك الحضارة، وغاية الاستحسان لذلك الذوق الفني الذي انبعثت منه، وفرط الحنين إلى تصور العهد الذي كانت فيه هذه الآثار عمارًا حيًّا يزدحم بمن فيه، وتحيط به الدنيا المقبلة وهي مترعة بالنعمة والرخاء.

•••

وكتاب «إسبانيا المغربية» الذي أخرجه طابعوه في هذا الوضع من الزخرف الجميل والأناقة الفنية إنما هو حلقة من سلسلة متناسقة معدة لإبراز الآثار الفنية في مثل هذا الموضوع، ونعني به موضوع المخلفات المأثورة في مدن الحضارات التي يطول الحنين إليها بين أبناء العصر الحديث حنين القلوب والضمائر تارة وحنين العقول والأذواق تارة أخرى، ومنها أثينا اليونانية، والبندقية وبومبي اللاتينيتان، وبكين الصينية، ومن العواصم الإسلامية مكة المكرمة Mecca the Blessed والمدينة المنورة Maidina the Rodiant ملحوظًا في ترجمة اسميهما أن يكون كل منها متبوعًا بصفته التي اشتهر بها في اللغة العربية.

ولم نطلع بعد على هذين الكتابين الأخيرين، ولا ندري كيف يهتدي مؤلفاهما إلى التمييز بين ما في المدينتين من معالم القداسة ومعالم الحضارة، ولكننا نعتقد مما اطلعنا عليه من نماذج هذه السلسلة أن عرض الحضارة العربية على هذه الصورة في الغرب أصلح لتعريف الغربيين بمفاخرها من نشر التواريخ المفصلة، لأن الالتفات إلى مظاهر الفخامة المحسوسة وآيات الفن الرائعة أعم وأقوى بينهم من الالتفات إلى مآثر الروح والضمير.

١  الأزهر يناير ١٩٦٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠