الفصل الثاني

المسلمون والمؤتمر الإسلامي١

أمام الإسلام اليوم مطلبان ضروريان لا يحتملان التسويف والتهاون، وهما «حماية الذات» أمام المطامع الأجنبية، والتعاون على تحصيل وسائل التقدم والارتقاء.

وربما كان المطلب الثاني فرعًا من المطلب الأول؛ لأن الأمة التي تهمل وسائل التقدم والارتقاء في العصر الحاضر تحتاج إلى حماية ذاتها ولا تجد وسيلة الحماية.

أما المطامع الأجنبية التي تواجه الشعوب الإسلامية، فهي درجات في القوة وفي الخطر.

فمنها ما هو مقصور على السيادة السياسية، وما يتصل بها من السيطرة على موارد البلاد ومرافقها الزراعية والصناعية والتجارية، وسائر هذه المرافق الاقتصادية على الإجمال.

ومنها ما يتجاوز السيادة السياسية وتوابعها إلى السيطرة على العقائد والأخلاق والعادات والنظم الاجتماعية، وهو شَرُّ ضروب الاستعمار كافة.

ومنها ما يصيب جالية أو جاليات متنقلة إلى بلاد أخرى، ولا تتعرض له الأمة برمتها في داخل بلادها.

وكل هذه الأخطار تحتاج إلى التعاون بين الأمم الإسلامية، وقد يكون التعاون فيها لازمًا مع شعوب غير إسلامية، ولكنها معرضة لمطامع الدول الواقعة في طريق المستعمرين السياسيين وغير السياسيين.

والأمم الإسلامية فيها «شبه حصانة» أمام السيطرة الأجنبية بأنواعها، سواء منها ما كان مقصورًا على السيادة السياسية أو ما كان عامًّا شاملًا للعقائد والأخلاق والعادات والنظم الاجتماعية.

كتب جون جنتر John Gunther كتابًا عن «داخل أفريقيا» على مثال كتبه عن داخل أوروبا، وداخل آسيا وداخل أمريكا اللاتينية وداخل الولايات المتحدة، وتكلم عن أفريقيا الاستوائية التابعة لفرنسا، فقال: إن شعوبها لا تطلب الآن على الأقل أن تنفصل من فرنسا، بل لعلها تتطلب زيادة الاتصال بها؛ لأنها معدودة من الفرنسيين، ولها حقوق انتخابية تخولها أن ترسل المندوبين عنها إلى برلمان باريس، ثم قال: إن هذه الشعوب تخالف الشعوب الأفريقية في الشمال؛ لأن هذه تطلب الانفصال، ولا ترضى بالاندماج في بنية الشعب الفرنسي، ولا بالسياسة التي سماها تدريب الأفريقيين على أن «يصبحوا فرنسيين!»

ما الفارق بين الشعوب الاستوائية والشعوب الإفريقية التي تقيم على شواطئ البحر الأبيض المتوسط أو على مقربة منها؟

الفارق هو الحضارة الإسلامية العريقة، فهذه الحضارة قد حفظت لكل أمة تحضرت بها «كيانًا» قويًّا لا يسهل هضمه وإدماجه في كيان آخر أجنبي عنه، وهذا الكيان القوي هو الذي وقف في وجه الاستعمار حيث كان، واستفاد منه المسلمون وغير المسلمين؛ لأن الاستعمار خطر على الأمم الشرقية جميعًا من كل نحلة وبغير فارق بين الأديان والأجناس.

وهذه المقاومة القوية هي التي يسميها المستعمرون جمودًا من المسلمين في وجه التقدم والارتقاء، وليست هي في الواقع جمودًا من هذا القبيل، ولكنها محافظة على «الكيان القومي» يحميه أن يقع فريسة سهلة بين براثن المستعمرين، ويستفيد منه ضحايا الاستعمار في مختلف الأقوام والأديان.

ولكن الاستعمار السياسي — على خطره — لا يصيب الأمم في مقاتلها كما يصيبها الاستعمار الذي يشمل العقائد والأخلاق والعادات والنظم الاجتماعية، فإن هذا الاستعمار يصيب الأمة في كيانها الصميم، ولا يبقى لها بعد ذلك «شخصية» تذود بها خطرًا يهددها في حاضرها أو مستقبلها.

•••

والأمم الإسلامية أشد الأمم تعرضًا لعداوة هذا الاستعمار الذي يعادي جميع الأديان في الواقع، ولكنه يعادي الدين الإسلامي بصفة خاصة؛ لأنه نظام اجتماعي وآداب معيشية في وقت واحد، وله مبادئ فكرية كالمبادئ التي يسمونها في العصر الحاضر بالأيديولوجي Ideology تقوم عليها الآداب والعلاقات كما تقوم عليها عقائد الدين ووجهات النظر إلى أصول الحياة.

لهذا كانت كراهة الاستعمار الشيوعي للأمم الإسلامية كراهة مضاعفة؛ لأنه يجد فيها عقبات في وجه السيادة الأجنبية وعقبات أخرى في وجه العقائد والآداب التي يفرضها عليها مخالفة للدين، ويحاول أن يلغي مبادئها الفكرية والخلقية بمبادئ أخرى تناقضها، وتهدمها، ولا تبقى بقية منها صالحة لمقاومة أو متشبثة بكيان.

وهناك ضروب من الاضطهاد يلقاها المسلمون جاليات متفرقة في البلاد الأخرى، كالجالية الآسيوية الإسلامية التي يزيد عددها على سبعين ألفًا في أفريقيا الجنوبية، وتحرم حقوق الانتخاب باسم الفوارق العنصرية التي لا تلاحظ في معاملة اليهود، وهم أصل الفوارق العنصرية التي ابتدعت من أجلها كلمة Anti-semitism «عداوة الساميين».

وصف روبرت جون هذه الجالية في كتابه «خلال أفريقية مالان» يعني «مالان» رئيس الوزراء السابق، فقال: إنهم على فقرهم غاية في الأمانة وإنه زار مسجدًا من مساجدهم، فسقطت منه ورقة وهو يلبس حذاءه، ومضى في طريقه مسافة غير قصيرة، وإذا ببنت صغيرة تعدو وراءه لتعيد إليه الورقة التي لم يلتفت إليها.

وعلى هذا الفارق في الأخلاق تحسب على القوم فوارق اللون أو العقيدة، ولا يسمح لهم بحق واحد من الحقوق السياسية التي يشاركون بها بعض المشاركة في حكومة البلاد، وربما كان آباؤهم فيها قبل أن يعرفها أحد من البوير أجداد «مالان».

فالعالم الإسلامي في العصر الحاضر أمام أخطار مشتركة تتطلب منه أن يشترك في مقاومتها واتخاذ الحيطة منها، وهذه الأخطار هي:
  • أولًا: خطر الاستعمار الذي يهدد كيان الأمة في سيادتها وعقيدتها وأخلاقها وآدابها.
  • وثانيًا: خطر الاستعمار الذي يهدد سيادة الأمة السياسية ويسيطر من ثَمَّ على مواردها ومرافقها.
  • وثالثًا: خطر الاستعمار الذي ليس له سيادة فعلية على البلاد ولكنه يرمي إلى توجيه سياستها بالوسائل الاقتصادية أو وسائل النفوذ الدولي على اختلافها.
  • ورابعًا: خطر التفرقة العنصرية بين الجاليات الإسلامية وغيرها من الجاليات في البلاد الأخرى.

واشتراك الأمم الإسلامية في هذه الأخطار يوجب عليها الاشتراك والتعاون في دراستها والاتفاق على الوسائل المستطاعة لاجتنابها والتغلب عليها.

•••

ولهذا يجيء المؤتمر الإسلامي في أوانه، وربما صح أن يقال: إن المؤتمر الإسلامي يتجدد الآن في الوقت الملائم؛ لأن الإسلام قد فرض على المسلمين في موسم الحج مؤتمرًا عامًّا تشترك فيه جميع الأمم، وقد أفاد هذا المؤتمر فوائده التي لا تنكر، ولكنه لم يأت بجميع فوائده في بعض العصور؛ لأن السيطرة «المستبدة» كانت تصيب الأمم الإسلامية أحيانًا من سادتها المسلمين، وكان الإمام الإسلامي «عبد الرحمن الكواكبي» يتخيل هذا المؤتمر تخيلًا في موسم الحج؛ لأن تحقيقه في الواقع لم يكن من المستطاع، وليس كتابه «أم القرى» إلا مؤتمرًا من هذا القبيل.

ثم سعى المسلم الروسي الكبير «إسماعيل غصر نسكي» في عقد المؤتمر الإسلامي العام عند أوائل هذا القرن، وساعده السادة العثمانيون؛ لأنه يحارب الدولة الروسية، ولم يتنكر له المستعمرون الإنجليز؛ لأن محاربة النفوذ الروسي في آسيا توافق سياستهم، ولبثت الفكرة منسية أو مهملة حتى جددتها قضية فلسطين فاجتمع المؤتمر الإسلامي للدفاع عن فلسطين عدة مرات.

أما المؤتمر الإسلامي القادم فشأنه غير شئون المؤتمرات السابقة؛ إذ هو المؤتمر العام الأول الذي تشترك فيه الأمم الإسلامية بمحض اختيارها بعد استقلال الكثير منها وثبوت المكانة السياسية لها في محيط السياسة العالمية على اتساعها، ومهمته في مكافحة الاستعمار بأنواعه لا تقل عن مهمته في مكافحة الضعف والجمود والأخذ بوسائل التقدم والارتقاء، فليس في العصر الحاضر من يحمي نفسه وهو متخلف في ميدان المعرفة والقوة.

١  الهلال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠