الفصل السابع

المُوَفِّقُ المُوَفَّقُ١

الإمام المصْلح الشيخ محمُود شلتوت

في كتابات الإمام الفقيد — الشيخ محمود شلتوت — كلمات لها طابعها الذي تتميز به بين أمثالها من الكلمات في كتابات غيره، ممن ينهضون بأمانة الدراسة الدينية.

ولعل أبرز هذه الكلمات في كتاباته وفي أحاديثه «كلمة الشخصية».

يلحقها بوصف العقيدة، ووصف الفرائض المقدسة، بل يجعل العقيدة — كما يجعل الفريضة — معلمًا من معالم شخصية الأمة، وشخصية الإنسان في حياته الباطنة وحياته الظاهرة.

قال رحمه الله في مفتتح مقاله عن رسالة الأزهر: «إن للإنسان في هذه الحياة — فردًا كان أم جماعة — شخصيتين، حسية ومعنوية، ولا يحظى بالوجود الكامل إلا إذا نال حظه من الشخصيتين. وشخصية الفرد الحسية يكونها اللون والطول والعرض، وشخصيته المعنوية يكونها إيمانه ومبدؤه وهدفه في الحياة، وما له من عقل وتدبير وثبات ومثابرة في سبيل مبدئه وهدفه.»

ثم قال عن شخصية الأمة الحسية: «إنها ترجع إلى إقامتها في الإقليم الذي نشأت فيه وإلى الأصل الذي تنتسب إليه» … «أما شخصيتها المعنوية فهي ترجع إلى روابطها القلبية والعقلية والشعورية، وعلى قدر ما يكون لها من التأثر بتلك الروابط المتفاعلة والحرص عليها وعلى معارفها التي تكونها، وعلى الإيمان بمصدر تلك المعارف، يكون لها بين الأمم من آثار الوجود المعنوي.»

وكتب عن الصلاة في فصل من فصول «الإسلام عقيدة وشريعة»، فقال عنها: «إنها العنصر الثاني من عناصر الشخصية الإيمانية.»

وعلى هذه الوتيرة كانت كلمة «الشخصية» تتردد في أحاديثه للدلالة على قوام كل «وجود» حق يتميز به عقل الإنسان وضميره في حياته الروحية، وهي لمحة من لمحات التعبير الباطني تدل على معناها، وتدل مع هذا المعنى على مقدار شعوره بكرامة الشخصية واقترانها بحق الإنسان وواجبه وبالتبعة التي تناط بها الحقوق والواجبات، وتقرر له موقفه من الشخصيات الإنسانية الأخرى في إبداء الرأي والاضطلاع بأعباء الدعوة والإقناع.

هذه واحدة من خصال العقل المجتهد، بل هي أولى تلك الخصال في كل ترتيب لكفايات المجتهدين. من كان له رأي وعلم ولم يكن له نصيبه الأوفى من هذه الخصلة فلا سبيل له إلى الاجتهاد؛ لأنه يلقى العائق الأول عن أداء وظيفة الاجتهاد من قبل نفسه، ويحجم عن العمل في سبيله قبل أن يصده غيره عن تلك السبيل.

وتلك هي الخصلة التي توافرت للأئمة الأسبقين من أصحاب الرأي والقياس في الشريعة، وبفضل الثقة التي كانت تملأ نفوسهم من هذه الخصلة كانوا يقولون لمن يستكثر عليهم التعقيب على أهل العلم من الصحابة والتابعين: إنهم رجال ونحن رجال.

وإذا اجتمع الاجتهاد في كلمات معدودات صح أن يقال إنه هو القدرة على الرجوع إلى روح القرآن الكريم، أو إنه بعبارة أخرى تفسير المذاهب بمعاني القرآن الكريم، وليس هو تفسير القرآن الكريم بمعاني المذاهب أو بنصوصها أو بأقوال الرواة فيها.

ولقد كان هذا هو إيمان الإمام الفقيد بالكتاب المبين، وكان هذا هو منهجه في الاحتكام بالمذاهب إلى آياته وأحكامه، مستقلة عما يضاف إليها من شروح المختلفين وتأويلات أصحاب الرأي وأصحاب اللغة من المفسرين.

وقد لخص العالم الفاضل الدكتور محمد البهي هذا المنهج في تقديمه لتفسير الإمام الفقيد، فقال: «التفسير الذي نقدمه اليوم للمسلمين هو تفسير للمسلمين أجمعين، لا لمذهب معين من المذاهب الفقهية، ولا للون من ألوان العقيدة الكلامية، ولا لاتجاه خاص من اتجاهات أهل الظاهر أو أهل الباطن.»

ثم تعرض للمنهج الذي اختاره الأستاذ المفسر واقتدى فيه بالمعلم المصلح العظيم محمد عبده، فقال: إنه منهج «جعل السورة وحدة واحدة، يوضح مراميها وأهدافها وما فيها من عبر ومبادئ إنسانية عامة»، وإنه لا يقحم فيه على القرآن من رأي خارج عنه، أو مصطلح انتزع من مصدر آخر، فجعل كلمات القرآن يفسر بعضها بعضًا، كما أطلق الحرية للقرآن في أن يدلي بما يريد دون أن يحمل على ما يراد.

وبهذه المثابة يصبح تفسير القرآن للمسلمين جميعًا، وعليه يقام أساس التوفيق بين المسلمين أجمعين، وهي أمانة لا يضطلع بها غير أهلها من القادرين على الاستقلال بالفهم وعلى مواجهة الخلاف بما ينبغي للمجتهد من الشجاعة الصادقة ووسائل الإقناع بإحسان، وما ينبغي للمجتهد المعلم خاصة من الصمود إلى غاية التعليم، وغاية المعهد العلمي الذي يتولاه.

وصف الإمام الفقيد رسالة الجامع الأزهر معهد العلم الإسلامي الأكبر فقال في بضع كلمات: «إنه معهد الدين وحصن اللغة المكين.»

ومن أراد هذه الرسالة للجامع الأزهر فقد عرف من قبل رسالة القرآن الكريم، بل عرف المعجزة الكبرى لهذا الكتاب في ناحية إعجازه التي لا مراء فيها، وهي معجزة الأثر الخالد التي نستطيع نحن — أبناء هذا العصر — أن ندركها وأن يكون إدراكنا لها أقوى وأوضح ممن سبقونا إلى العلم بمعجزة الكتاب المبين.

معجزة الأثر في ألف وأربعمائة سنة أقوى وأوضح من معجزته التي شهدها أبناء القرن الأول، ثم شهدها أبناء القرون الأولى بعد عصر الدعوة. فإننا اليوم نستطيع أن ندرك تلك المعجزة التي لا نظير لها، والتي تقاصرت عنها الهمم ووقفت دونها دعوات الأفراد والأمم، وتم بها ما يتم بعمل إله وقول إله، وهيهات أن يتم بجهد الإنسان بغير معونة الله:
  • أربعمائة مليون من بني آدم فرقتهم الأجناس واللغات والبقاع والأزمان، وجمعتهم كلمات القرآن.

  • وكلمات حفظت اللغة التي نزلت بها وليست هذه اللغة هي التي حفظتها، ولم يتفق قط للغة من اللغات أن عاشت بكتاب واحد مدى هذه السنين، فلم تعش لغة اليونان خمسمائة سنة بكتاب هوميروس، ولم تعش لغة اللاتين بعض هذه السنين بلغة فرجيل وهوراس، وذهبت لغة فارس ولغة الهند وفيها من الكتب ما لا يقرؤه اليوم غير كهان المحاريب، وماتت لغات أخرى كانت تعيش قبل الإسلام، وبقيت لغة القرآن حية في عالم الديانة وفي عالم الكتابة وفي عالم الثقافة، وستحيا غدًا كما حييت بالأمس إلى ما شاء الله، وصح فيها قول الأستاذ الفقيه: «إنها ليست في هذا المقام عربية الإقليم والجو ولا عربية النسب إلى أصل ينتسب إليه الجنس … وصارت عربية الشخصية المعنوية المكونة من عنصري العروبة والإسلام …»

ولما تكلم عن غايته من التعليم في المعهد الأكبر الذي تولاه قال: «نريد تخريج تبريز لأئمة في اللغة وفروعها وأئمة في الفقه وأصوله، نريده تخريجًا أساسه النظر العميق والاجتهاد العلمي الذي يكوِّن الشخصية الفقهية والشخصية اللغوية العربية، لا نريده تخريجًا نلتزم فيه مخلفات الماضي من آراء ومذاهب، بل يجب أن نجتهد وأن نؤمن بأن حاجة اليوم في الفقه واللغة وعقائد الدين غيرها بالأمس، وأن نؤمن بأن فضل الله في كل ذلك لم يكن وقفًا على الأولين.»

ونستعير من أسلوب الفقيد فنقول: إن الاجتهاد كما أراده هو الاجتهاد بعناصر «شخصيته» على تمامها كما ينبغي أن يضطلع به المجتهد في جميع العصور، وهو أتم من ذلك بالنسبة إلى عصرنا هذا الذي نعيش فيه، وبالنسبة إلى العصر المقبل الذي يواجهه المجتهدون عما قريب.

فما من عنصر من عناصر الاجتهاد إلا قد ظهر له في هذا العصر باعث يستدعيه لم يكن ظاهرًا بهذا الجلاء وهذه الضرورة في عصر من عصوره الماضية.

فها هنا عنصر النظرة الموحدة إلى الكتاب المبين في العصر الذي ارتفعت فيه حواجز الاستعمار الأجنبي، ووجب أن تحل في مكانها روابط القربى بين أمم الإسلام على تباعد الديار وتباعد الشيع والمذاهب التي لا بقاء لها، مع توحيد النظرة إلى كتاب المسلمين أجمعين.

وها هنا عنصر اللغة في عصر النهضة العربية، وقوامها كله نهضة الثقافة العربية التي تتحد بها ثقافة الإسلام في جميع اللغات.

وها هنا عصر «الاستقلال» في عصر الحرية الفكرية أو عصر «الإنسان» الحر في الجماعة الحرة، وقد مضت الجماعات في طريقها إلى الخلاص من طغيان الاستبداد وطغيان الاستقلال.

وها هنا العصر الذي أصبح فيه معهد الإسلام الأكبر كما قال الشيخ — رحمه الله: «يضم السوداني، والمغربي، والحبشي، واليمني، والشامي، والفلسطيني، والإندونيسي، والتركستاني، والسعودي، والأفغاني، والتركي، والروسي، واليوناني، واليوغسلافي، والكردي، والعراقي، والإيراني، والسيامي، والباكستاني، والفلبيني، والملاوي، والبرمي، والأردني، واللبناني، والزنجباري، والأوغندي، والليبي، والتونسي، والجزائري، والمراكشي، والإريتري، والسنغالي، والصومالي، والنيجيري». إلى غير هؤلاء ممن وفدوا إليه أو يتوافدون مع الأيام بلا انقطاع. لا جرم كان من بشائر الأمل — كما أسلفنا في غير هذا الموضع — أن ينهض الشيخ شلتوت بمشيخة الأزهر في الزمن الذي تفتحت فيه الطرق بين البلاد الإسلامية بعد أن تحررت من الطغيان الأجنبي عليها وبين هذا المعهد الذي لا معهد في العالم الإسلامي أولى منه بضم الشمل، وتقريب مسافة الخُلف بين المسلم والمسلم حيثما كان في أقاصي البلدان.

ومن عرف الإمام الفقيد عرف أنه قد تزود لهذه الرسالة بزاد غير علمه الغزير وشجاعته الصادقة، وهو زاد القلب الطيب والسجية الكريمة تجمع الخصوم على الألفة والثقة كما تجمع الأصحاب والأنصار.

ولقد عرفنا الشيخ الأكبر سنوات في مجمع اللغة العربية، فتعودنا أن نعرفه «قرآنيًّا» في دراسته لأسرار اللغة، قبل أن نعرفه «لغويًّا» في دراسته لأسرار القرآن، وكنا نسمعه يقول: إن القرآن معجز بما هو به قرآن، ويعني بذلك نسقه الذي ينتظم ألفاظه ويوحي من معانيها بما ليس في مفردات الكلم ولا في أجزائه التي يقتضيها الإعراب في كل عبارة. فليست الكلمة الواحدة هي محل الإعجاز، وليس محل الإعجاز هو الكلمتين أو الكلمات الثلاث التي تتم بها جملة الفعل والفاعل أو المبتدأ والخبر والجار والمجرور أو المضاف والمضاف إليه، ولكنه نسق دقيق يتخطى لوازم العلاقة بين الألفاظ في النحو والصرف إلى لوازم العلاقة بين المعنى والوجدان، وبين الوحي والبصيرة، مما لا تدركه ولا تبلغ إليه بلاغة الإنسان. وبهذه البصيرة المتفتحة تسنى له أن يفهم القرآن كتابًا للمسلمين جميعًا يرجعون إليه فيرجعون إلى مصدر واحد يبطل فيه الخلاف، أو يختلف فيه المختلفون، ولكن كما يختلف العقل الواحد بينه وبين نفسه في وجهات نظره بين حين وحين، وبين اعتبار واعتبار.

وبهذه النظرة «القرآنية» عمل الشيخ الأكبر في تنظيمه للدروس بمعاهد التعليم، كما عمل على هذه الهداية في علاقته بالأمم الإسلامية وعلاقته ببلاد العرب أجمعين. والجديد في خطته على هذه الجادة القديمة أنه فهم أن اللغة العربية، أو اللغة القرآنية، شيء يتعلمه العربي المسلم كما يتعلمه المسلم غير العربي، فلم يكن على المسلمين غضاضة في هذه المساواة الشاملة، ولم يكن للعربي إيثار على غيره؛ لأن عروبته في هذا المنهج هي عروبة القرآن الذي يتساوى فيه المسلم والمسلم من كل جنس، وبكل لسان.

ولئن مضى الإمام المجتهد ولم يعقب برنامجه المفضل للتطبيق الشامل «العملي» في المستقبل الذي سيواجهنا عما قريب؛ لقد عمل وعلَّم وأعقب المثال الذي يهتدي به من عمل معه ومن تعلم على يديه، ومن يقدر على مجاراته في اجتهاده والزيادة عليه بما يتهيأ لهم من وسائلهم ولم يتهيأ له في حياته، وإنهم لكثيرون بعون الله يجزيهم الله وإياه.

١  الأزهر يناير ١٩٦٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠