الرهبان الفرنسيسكان

(نصراء فلسفة ابن رشد ضد مذهب القديس توما)

فمما تقدم يتضح أنه كان يومئذ في أوروبا علماء أشداء ينصرون فلسفة العرب ومبادئ ابن رشد؛ لأنه من الثابت أن المناظرات والمجادلات لا تكون عنيفة شديدة إلا إذا كانت قوة الجدال في الجانبين. وكيف يقوم عالِمٌ كالقديس توما وتكون له تلك الأهمية الكبرى، أو يقوم رجل متطرف مثل ريمون لول ويطلب حرم مبادئ العرب والمشتغلين بها، لو لم يكن هناك قوم أقوياء منصبون على نصرة هذه المبادئ بقوة تعادل قوة الذين كانوا يحاربونها.

وقد أثبت رنان أن هؤلاء النصراء لمبادئ العرب كانوا من رهبان الفرنسيسكان ومن كلية باريز الكبرى.

ذلك أن رهبنة الفرنسيسكان إنما هي في الأصل عبارة عن مسيحية جديدة في المسيحية؛ فإن أهلها يعتبرون «فرنسواي داسيز» مؤسسها العظيم بمثابة مسيحٍ ثانٍ جاء إلى الأرض لتجديد الديانة المسيحية وإصلاحها. ولذلك لم يكونوا يعبئون كثيرًا بسلطة البابا المسيحية وإصلاحها. ولذلك لم يكونوا يعبئون كثيرًا بسلطة البابا ولا يعتبرون شيئًا غير المبادئ المسيحية التي نشأوا عليها. فنشأ عن ذلك بينهم وبين رهبنة الدومنيكيِّين نزاعٌ شديد في المسائل الدينية، وذهب فيها منهم كثيرون ضحية النار والتعصب. وقد نبغ منهم كثيرون من الرجال الواسعي الصدر المتساهلين، الجريئين في القول والفعل مثل الأخ «إلياس» و«حنا دوليف» و«دون سكوت» و«أوكام» و«مارسل دي بادو»، وكلهم كانوا مقاومين لسلطة روما: وكانوا يعتبرون مقاومتهم لها ولتعاليم القديس توما اللاهوتية والفلسفية التي كادت تكون يومئذ تعاليم الكنيسة الغربية كلها بمثابة بدء تحرير الفكر والانطلاق من الأسر. فكانوا بحكم الضرورة أعوانًا للمبادئ العربية.

وأول علماء السكولاستيك (الفلسفة اللاهوتية) الذين قبلوا هذه المبادئ، ونشروا روحها بين الناس، كان اسكندر دي زعيم المذهب الفرنسيسكاني. ثم خلفه جان دي لاروشل، فحذا حذوه في قبول الفلسفة العربية وتعليمها، وقد اعتمد على ابن سينا في كل ما كتبه في علم النفس والأخلاق. ومما هو مشهور أن جميع المبادئ التي تقرر نبذها في باريز في عام ١٢٧٧ إنما كانت للآباء الفرنسيسكان وتلامذتهم، وهي مأخوذة عن ابن سينا وابن رشد. وفي هذه السنة نفسها كان رئيس أساقفة كنثر بري روبر دي كيلواردبي الدومينيكي يطعن في مجمع عقد في مدينة أكسفور التي كانت مصدر التعاليم الفرنسيسكانية بمبادئ شبيهة بالمبادئ التي طعن فيها في باريز. فغير بعيد أن يكون الفلاسفة الذين حاربهم غيليوم دوفرن وألبير الكبير والقديس توما من الفرنسيسكانيين.

وبناءً على ذلك تكون الكنيسة يومئذ قد انقسمت قسمين. فقسم قبل المبادئ والفلسفة العربية، وصار يدعو الناس إليها من بعض الوجوه، وقسم أنكرها وصار يحذر الناس منها.

ومما يثبت أن الفرنسيسكان كانوا في مقدمة أولئك المحامين ما كان في كتابات بعض علمائهم من الاحترام لابن رشد وإن كان بعض منهم — أيضًا — قد ردوا عليه ردًا شديدًا. فمن ذلك ما كتب أحدهم وهو روجه باكون إذ قال: «إن ابن سينا هو أول من أوضح فلسفة أرسطو، ولكن الذين جاءوا بعده أوسعوه ردًا وتخطئة، منهم ابن رشد الذي كان أعظمهم بعده؛ فإنه خالفه في عدة أمور. وقد أنكر مشاهير العلماء الذين تقدمونا فلسفة ابن رشد وأهملوها، ولكن الحكماء اليوم صاروا يُجلُّونها بالإجماع، وإن كانوا يعترضون على بعض مبادئها». وقال في موضع آخر: «بعد ابن سينا قام ابن — رشد وهو رجل قوي الحجة أصيل الرأي — فهذب تعاليم الذين تقدموه، وإن كانت تعاليمه نفسها محتاجة إلى التهذيب والتكميل في بعض المواضع». وكان روجه باكون هذا يعجب من عدم ترك الخصوم الفلسفة الأوربية القديمة للإقبال على هذه الفلسفة العربية الجديدة. ذلك؛ لأنه كان على ما يظهر يجهل السُّم الكامن للدين فيها.

وقد ظهر هذا السم في باريز بعد ذلك ظهورًا واضحًا؛ فإن مدرسة السروبون فيها كانت مدرسة لاهوتية تعلم تعليم القديس تومًا، ولكن كلية باريز كانت على خلاف ذلك؛ فإن كثيرين من أساتذة الفنون فيها كانوا من أنصار مذهب ابن رشد. وقد وُجد في هذا العصر من آثار هذه الكلية تسعة دفاتر محتوية على تعاليم هذا الفيلسوف، كانت تدرس في القرن الثالث عشر والرابع عشر. وبعضها دلت حالته على أنه كان يُستعمل في الدرس كل يوم. فاصطلت يومئذ — بين علماء الفلسفة العربية في باريز وعلماء اللاهوت فيها — نار خلاف حامية كانت أشد من النار التي اصطلت منذ ثلاثة أعوام في باريز، بشأن مسألة دريفوس والسلطة العسكرية. أما الدومينيكيون؛ فإنهم كانوا مع علماء اللاهوت، وقد استصدروا من البابا اسكندر الرابع في مدة ست أو سبع سنوات ٤٠ أمرًا بحرمان فلسفة العرب والمشتغلين بها، ولكن لم يكن غرضهم من ذلك دينيًا فقط، بل كان في ذلك للسياسة والحسد اليد الطولى. وإنما كان غرضهم أن يكونوا أصحاب النهي والأمر وحدهم في جميع أجزاء الكنيسة الغربية. وقد جاء في شعر بعضهم أن هذه الحرب كانت بين أهل دومينيك. والذين يقرءون «اللوجيك» أي المنطق. فهي إذن حرب سياسية.

وإليك بعض المبادئ التي قرر مجمع باريز اللاهوتي في سنة ١٢٦٩ حرم المعتقد بها يومئذ، وهي كلها مأخوذة من فلسفة ابن رشد كما ترى:

«إن المجمع يحرم كل من يعتقد أن العقل الإنساني واحد»

«في كل الناس — وإن العالم أزلي — وإنه لم يوجد قط»

«إنسان أول ولد البشر منه — وإن النفس التي هي»

«صورة للإنسان تفنى بفناء الجسد — وإن الله لا يعلم»

«الجزئيات التي تحدث في العالم — وإن العناية الإلهية»

«لا تؤثر في أفعال الإنسان ولا تديرها — وإن الله»

«لا يقدر أن يجعل الشيء القابل للموت والفناء (أي)»

«الإنسان وما سواه خالدًا بقايًا»

ولكن مع كون هذه الحرب سياسية؛ فإن الدين تأثر منها تأثرًا بليغًا. وتزعزعت دعامة الإيمان في صدور الناس. فحدث يومئذ ما كان حدث في الأندلس لو سمع الأندلسيون لفلسفة ابن رشد وقبلوها، ولكنا نرجع أن ابن رشد كان قادرًا في حياته على صرف هذه الزوبعة عن نفوس أبناء وطنه لو قبلوها بواسطة التأويل الذي لجأ إليه، والتأويل على ما هو معلوم باب واسع يسع كل الآراء والتعاليم، ولكن ماذا يفيد التأويل إذا كان عرض هذه الفلسفة المساواة بين الناس وتعليمهم أن جميع الأديان حق وهي متشابهة.

ما الفائدة من الدين إذا كان كل مؤمن يجب عليه أن يعتقد بموجب هذه الفلسفة أن دينه ودين غيره على حد سواء. أليست التعزية الكبرى واللذة العظمى في الدين أن يعتقد المؤمن أن الحقيقة في يده وحده وأن الله إله قومه لا إله أحد غيرهم. فوداعًا إذن أيتها الآمال الحلوة التي كنت أحسبك مختصة بي دون سواي. وداعًا يا فردوسًا سماويًا ما كنت أظن دخولك ممكنًا لمن يعتقد اعتقادًا يهين اعتقادي ويجرحه. وقبحًا لهذه المساواة التي تحرمني أعظم اللذات.

واأسفاه. هكذا يقول المؤمن الضعيف الذي يقرأ الفلسفة. وهو يقول ذلك، ولا يعلم أن قوله هذا أعظم إهانة للإخاء البشري والإنسانية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠