رابعًا: ابن رشد

وتمثل مؤلفات ابن رشد الثلاثة في الكلام والفلسفة «فصل المقال»، «مناهج الأدلة»، «تهافت التهافت»، هذا النوع الأدبي، تنظير الموروث قبل تمثل الوافد سواء من حيث الشكل في تحليل المضمون وأولوية الموروث على الوافد أو من حيث المضمون والموضوع. في «فصل المقال» رد الاعتبار لوحدة الحكمة والشريعة وضرورة الاعتبار وهو النظر في علوم الحكمة والقياس الشرعي في علوم الشريعة، وفي نهايته «ضميمة في العلم الإلهي» مثل قانون التأويل في مناهج الأدلة. وفي «مناهج الأدلة» رد الاعتبار لاستعمال العقل في النقل استعمالًا برهانيًّا ضد الاستعمال الخطابي والجدلي عند الأشاعرة وتجاوز علم الكلام كله إلى الحكمة والقول البرهاني. وفي «تهافت التهافت» رد الاعتبار للوافد دفاعًا عن الحكمة ضد استبعاده أو تكفير الحكماء.١ تأليف ابن رشد إذن تأليف ملتزم يقوم على إثبات قضية أو نفيها وليس تأليفًا عارضًا على الأقل من حيث الشكل كما هو الحال عند ابن سينا. يثبت «فصل المقال» الصلة بين الحكمة والشريعة. ويخلص «مناهج الأدلة» علم الكلام من براثن الأشعرية. ويدافع «تهافت التهافت» عن الفلسفة ضد هجوم الغزالي عليها، وهي في مجموعها قليلة كمًّا ولكنها ملتزمة كيفًا. وتنتظم هذه المؤلفات الثلاثة في إطار واحد، وضع النظرية في فصل المقال وتطبيقها في «مناهج الأدلة» تطهيرًا من الكلام وإيجابًا في «التهافت» دفاعًا عن الفلسفة. ويهم معرفة تواريخ هذه المؤلفات لا لمعرفة تطور ابن رشد الفكري بل لمعرفة اهتمامات الحضارة وبواعثها من خلاله. وفي الغالب أن المؤلفات بعد الشروح. فتمثل الوافد قبل تنظير الموروث، والنقل قبل الإبداع.

(١) فصل المقال

في «فصل المقال» يذكر أفلاطون ثم أرسطو والقدماء. وذكر أفلاطون من خلال المتكلمين في القول بتناهي الزمان، وهي قضية أسماء. فأفلاطون يُسمي العالم محدثًا أزليًّا لأنه متناهٍ في الماضي وإن لم يكن متناهيًا في المستقبل. وما يهم المسلمين هو التناهي في الماضي من أجل الخلق، أما التناهي في المستقبل فلا يهم نظرًا للخلق وفي الثواب والعقاب والجنة والنار. وهو استمرار عرض تاريخ الفكر من خلال الخاص والمحلي، وهي قضية خلق العالم. الخاص معيار التاريخ العام، والموروث أساس قراءة الوافد.٢
ويبدو الموروث الأصيل في القرآن ثم الحديث مع ذكر البخاري محدِّثًا، وإبراهيم نبيًّا.٣ وقد وردت الآيات لإثبات أن الفلسفة هي الاعتبار المذكور في القرآن واعتبار الموجودات والنظر في ملكوت السموات والأرض وخلق الإبل ورفع السماء وخلق السموات والأرض بالعقل. وقد خص الله إبراهيم بذلك، النظر في الموجودات، والنظر أو الاعتبار هو أيضًا النص على وجوب استعمال القياس العقلي أو العقلي الشرعي أي النظر في جميع الموجودات واستنباط الفقيه من الآية وجوب معرفة القياس الفقهي. والأولى استنباط المعارف بالله وجوب معرفة القياس العقلي.٤ الراسخون في العلم يعلمون التأويل الجامع بين الظواهر المتعارضة، والقراءة تستلزم الوقوف بعد الله، والجواب على الأسئلة عن الموضوعات الغامضة التي لا يفهمها الجمهور مثل الروح تحال إلى الله. والأمانة هو التأويل الصحيح، الأمانة التي حملها الإنسان واشتقت منها الموجودات.٥ ظاهر الآيات يدل على قدم الوجود والزمان وبقائه، الاستمرار من الطرفين، من الأول والآخر.٦ وعلم الله بالكليات علم محيط شامل.٧ صاحب البرهان لا يشرك لأن البرهان يؤدي إلى التوحيد.٨ وتتضمن الشريعة طرق الدعاء إلى الله.٩ وطلب التقوى بالأفعال الشرعية صراحة في الكتاب مثل الصلاة والصيام والأضاحي.١٠
كما استعمل ابن رشد عدة أحاديث لإثبات أن التشبيه بمنفعة علوم الحكمة أصلًا دون عرض، فشرب العسل ضد الإسهال بالرغم من تزايد الإسهال بالتجربة لسبب عارض، فالنص مع التجربة أصل.١١ والمختلفون على المسائل النظرية إما مصيبون مأجورون أو مخطئون معذورون. والصدق بالخطأ من أجل شبهة عرضت لأهل العلم تجعلهم مقدورين.١٢ والإيمان من أي طرق الإيمان الثلاث، الخطابة أو الجدل أو البرهان.١٣ والتأويل محجوب عن العامة مثل تأويل آية الاستواء وحديث النزول ومِن ثَم ضرورة حبس الباطن عن الجمهور وترك الظاهر لهم، والباطن للخاصة أهل التأويل.١٤ ويستشهد ابن رشد بعلي بن أبي طالب وبجماعة من أهل السلف على استحالة الإجماع على الأمور النظرية.١٥

والتأليف خطاب مشترك بين المؤلف والقارئ، وقضية مشتركة يدعو فيها المؤلف للقارئ بالتوفيق. فالحضارة عنصر موحد جامع بين الكل. المؤلف ناصح للقارئ ومنبه له. ويدعو له المؤلف بالقرة والبركة والحفظ من المخاطر وحجب النوائب ثم إلقاء السلام قبل نهاية الكتاب. كما يطلب الناسخ رضاء الله على المؤلف ورحمته وكرمه.

(۲) «مناهج الأدلة»

وفي «مناهج الأدلة» لم يذكر من اليونان إلا أفلاطون وأرسطو وجالينوس. واليونانيون والحكماء والحكيم في مقابل الموروث الغالب الأصلي، آيات القرآن ثم الأحاديث النبوية ثم العرب.١٦ فالموضوع داخلي وليس خارجيًّا في صلب التأليف، الصلة بين الفلسفة والدين أو بين العقل والنقل بلغة المتكلمين أو بين الحكمة والشريعة بلغة ابن رشد. وهو نفس موضوع «فصل المقال» ولكن سلبًا، نقد الأشاعرة. «فصل المقال» الإيجاب، الصلة بين العقل والوحي في النظر وهو القياس الشرعي و«مناهج الأدلة» هو السلب، سوء استخدام العقل في الوحي كما تفعل الأشاعرة.
وقد تحدث ابن رشد عن أفلاطون وأرسطو في سياق واحد، في حديثين عن فلاسفة المسلمين، ابن سينا والجويني، حصارًا للوافد بالموروث. فقد ذكر أفلاطون وأرسطو قضية خلافية، الجائز محدث، اختلف فيها. فهي مقدمة غير بينة بنفسها، أجازه أفلاطون أزليًّا، ومقدمه أرسطو. ولا حل له إلا في الموروث عند أهل البرهان الذين خصهم الله بعلمه وقرن شهادته بشهادتهم وشهادة الملائكة. يبدو أفلاطون ميتافيزيقيًّا شاعرًا يجمع بين نقيضين في الظاهر. في حين يبدو أرسطو عقليًّا عالمًا لا يذهب إلى ما وراء الاتساق الفعلي والتصور المنطقي. وهنا يبدو ابن رشد أشعريًّا صوفيًّا لاعتبار أهل البرهان هم العلماء الذين خصهم الله بعلمه، أنصار العلم اللدني.١٧

وقد ذكر جالينوس مع سائر الحكماء لتأييد موقفه في عناية الله بالعالم ووضع جالينوس القوى في الأجسام لتدبير الحيوان. هي قوى من وضع الله في الأجسام للتغذي والإحساس وإلا لبطلت الأجسام ولما تبقت ساعة واحدة بعد إيجادها. لا فرق إذن بين الوافد والموروث بين جالينوس وابن رشد في القول بالعناية الإلهية.

والوحي عند العرب مثل الحكمة عند اليونان. أعطى الوحي الشريعة لبيان طريق السعادة والمعرفة، لا بصناعة ولا حكمة بل بوحي من الله على لسان النبي. جاء الوحي لنبي أمي في أمة أمية لم تزاول العلم ولا الحكمة ولم تفحص في الموجودات كما فعل اليونان وغيرهم من الأمم. فلم تكن الحكمة قاصرة على اليونان وحدهم بل كانت عادة عند الكثير من الشعوب، ووصلت إلى ما وصلت إليه من كمال. وظيفة الوحي وغايته مثل وظيفة الحكمة وغايتها. ويستشهد ابن رشد في ذلك بآيات ثلاث.١٨

وقد ذكر الحكيم تحولًا من الشخص إلى الرمز، ومن الاسم إلى اللقب استشهادًا بقوله عن ارتباط الرؤية بالعين في كل عمر في سياق ضرب المثل بفساد الآلة أي النفس في حالة النوم.

و«مناهج الأدلة» أكثر مؤلفات ابن رشد إن لم تكن المؤلفات الفلسفية على الإطلاق اعتمادًا على الموروث الأصلي للقرآن الكريم والحديث النبوي حتى يمكن دحض الأشعرية بالنص، نصًّا بنص، ونقلًا بنقل، وسلطة بسلطة. ولأنه فقيه يعود إلى الأصل سواء كان في الوافد أو في الموروث. ويمكن تجميعها في عدة موضوعات رئيسية بالرغم من تناثرها.

اعتراف العرب كلها بوجود الله لأنها معرفة فطرية بديهية في النفس لا تحتاج إلى دليل لإقناع النفس بها. ومع ذلك يدعو القرآن الناس إلى النظر بأدلة عقلية منصوص عليها والتصديق بوجود الباري. وهو طريق إبراهيم، طريق الخواص لمعرفة الله يقينًا، من الحركة إلى السكون، ومن التغير إلى الثبات نفيًا للألوهية عن الأجرام والكواكب. ومع ذلك لم يتحقق الشرع مع الجمهور في قدم الإرادة أو حدوثها بل صرح بألا تظهر أنها حادثة لأن الجمهور لا يفهم صدور الحادث من القديم. وفي نفس الوقت يحتج الصوفية لإثبات طريق الذوق بظواهر الشرع فيهدمون النظر من أساسه. فالمعارف الضرورية من علم الأقل كما هو وارد في النص.١٩
ودليل العناية ودليل الاختراع نموذجان للأدلة القرآنية على وجود الله. وهي أدلة في الفطرة منصوص عليها في الشرع. فالشرع منبه على الفطرة، والفطرة تأكيد على الشرع. والفطرة عند ابن رشد هو عهد الذر الأول الذي أخذ الله فيه على بني آدم عهد التوحيد، وأشهدهم على أنفسهم بوحدانية كما يقول الصوفية. هو دليل عملي يتطلب الطاعة والامتثال، تشارك في كل مظاهر الكون بالتسبيح كل بلغته. ومن سلك هذه الطريق يكون من العلماء الذين يشهدون لله بربوبيته مع شهادة الله لنفسه مع الملائكة ومثل تسبيح الموجودات له. والتعليم الشرعي نافع للأكثر ضار للأقل الذين في قلوبهم مرض وزيغ ويتبعون المتشابه ابتغاء التأويل والفتنة.٢٠ ومع ذلك يقوم كل من دليل العناية ودليل الاختراع على مقدمات ونتائج كما هو الحال في الدليل المنطقي. فمثلًا يقوم دليل الاختراع على مقدمتين. الأولى أن الموجودات مخترعة. وهي مقدمة معروفة بنفسها من ملاحظة النبات والحيوان. والثانية أن كل مخترع له مخترع لأن من لم يعرف حقيقة الشيء، لم يعرف حقيقة الاختراع. وهناك بعض الآيات تتضمن دليل العناية وحده، وآيات أخرى تتضمن دليل الاختراع وحده، وآيات ثالثة تجمع بين الدليلين وهي الأكثر. والدليلان في النصوص بمعنى الحكمة والتدبير تحولًا إلى دليل دافع به المسلمون عن العناية ضد اليونان. وفي كلتا الحالتين حكمة الطبيعة عند المسلمين من الله وعند اليونان من الطبيعة. فقد خلقت الطبيعة لمنفعة الإنسان، الجبال لسكون الأرض، وموافقة الليل والنهار لدورة النوم واليقظة عند الحيوان والنبات، وموافقة كل شيء على الأرض في حياة الإنسان، السماء والشمس والقمر والكواكب والنجوم والماء والنبات والزرع والهواء. ويثبت القرآن العناية ضد الجواز، جواز أن يكون الشيء على غير ما هو عليه أو الاتفاق وهو الأقل ضرورة. والجواز لا يسمح بالإتقان. فالجائز ليس أولى بالشيء من ضده.٢١ ويستعمل ابن رشد لفظ دلالة وليس «دليل»، أي إنها مجرد إشارة أو علامة وإن لم تكن دليلًا في صياغة منطقية، مقدمات ونتائج. ويلاحظ كثرة النصوص كما هو الحال عند الأشعري في «الإبانة» أو الرازي في «أساس التقديس». والعذر في ذلك أنه يريد أن يكون أشعريًّا مع الأشاعرة كما أراد الغزالي أن يكون متكلمًا مع المتكلمين، فليسوفًا مع الفلاسفة، أصوليًّا مع الأصوليين، صوفيًّا مع الصوفية.٢٢
ويثبت ابن رشد وحدانية الله بعديد من الآيات ونفيها عمن سواه بنص الشرع بنفس الآيات التي صاغ بها الأشعري دليل الممانعة، استحالة وجود إلهين في وقت واحد. ويعلم العلماء هذا الدليل من إيجاد العالم وكون أجزاء بعضها من أجل بعض بمنزلة الجسد الواحد أكثر مما يعلم الجمهور. ويبرهن ابن رشد على كل مقدمة من مقدمات الدليل بالنص فأصبح تأويل النص هو تحليل للعقل وتحقيق الطبيعة. وينتهي من مجموع الآيات إلى استحالة وجود إلهين متفقين أو مختلفين في الأفعال. وأحيانًا يعرض صفة القيام بالنفس مع الإنسانية. فالله لا يقوم بالعرش بل العرش الذي يقوم به.٢٣ ثم تثبت صفة العلم بالأشياء الحادثة دون أن يكون العلم قديمًا. العلم بالمحدثات حين حدوثها. لا يعلم حادث بعلم قديم. فهذه بدعة. وهو حكم شرعي من ابن رشد الفقيه. وتثبت صفة الإرادة بأن الله يريد كل شيء وقت كونه، وغير مريد لكونه في غير وقت كونه. وتثبت صفة الكلام بالطرق الثلاث التي تحدث عنها القرآن. الأولى الوحي بغير واسطة لفظ بل بانكشاف المعنى، والثاني من وراء حجاب بواسطة ألفاظ مثل موسى. والثالث يرسل رسولًا بواسطة ملك مثل محمد. وبهذه الجهة صح أن القرآن كلام الله. وقد يكون من كلام العلماء ما يلقيه الله لهم. فهم ورثة الأنبياء بواسطة البراهين. وهنا يبدو ابن رشد صوفيًّا مغرقًا، لا فرق بين كلام العلماء وكلام الأولياء. وتثبت صفتا السمع والبصر. فمن العبث عبادة الإنسان من لا يدرك. هذا هو الحد الشرعي لمعرفة التوحيد وكأن ابن رشد ينظر إلى علم الكلام من منظور شرعي. ابن رشد الفقيه يحكم على ابن رشد المتكلم.٢٤
وبعد إقرار ما يجب لله، يقرر ابن رشد ما يستحيل عليه. فبعد آيات الوجود تأتي آيات الأسلوب. ويبدأ ابن رشد بتكفير قول النصارى في الأقانيم الثلاثة، الوجود والحياة والعلم، بناءً على القول بتعدد الصفات الزائدة على الذات عند الأشاعرة. ثم يثبت التنزيه في النص وفي الفطرة. وينفي صفات المخلوق وهي صفات النقص مثل الموت والنوم والغفلة والسهر والنسيان والخطأ، وهي الصفات المشتركة عند الأشاعرة. أما صفة الجسمية فلا يصرح الشرع بنفي أو إثبات. الله ليس كمثله شيء. يؤدي نفي الجسم إلى شكوك كثيرة في الشرع الذي يتحدث عن نزول الوحي من السماء والملائكة وصعودها. كما يؤدي نفي الحركة إلى نفي كثير من مظاهر المعاد. الشريعة متشابهة. ولم يصرح الشرع بنفي الجسمية ولا إثباتها. لا يذهب ابن رشد مثل المعتزلة إلى نفي الجسم والجهة وجميع صفات التجسيم والتشبيه بل يتوقف فيها فيصبح بين الأشاعرة والمعتزلة أقرب إلى موقف الفقهاء. كذلك لم يصرح الشرع بماهية النفس لأنه يصعب عند الجمهور إثبات صفة القيام بالنفس أو القيام بالذات ولم يصرح الخليل بنفيها بل وصف فعلها عندما وصف الله بأنه يحيي ويميت.٢٥
وتقتضى ظواهر الشرع إثبات الجهة كما هو الحال عند الأشعرية والظاهرية والحشوية. فقد يكون غرض ابن رشد جدليًّا خالصًا، إعطاء الخصم ظاهريًّا بعض الحق حتى يمكن نقده بعد ذلك والاعتراف له ببعض الصدق حتى يمكن تفنيده بعد ذلك، الاقتراب من أجل سهولة التصويب إذ يمكن فهم الجهة على ضرورة نسبة الوجود المحسوس إلى الجزء الأشرف أي السموات. فالجهة تحدد غير الله وليس الله، تحدد الأقل شرفًا بالأشرف وكأن ابن رشد هنا يسقط حكم الواقع على حكم القيمة، ويحدد الجهة بالمطلب. ويحال موضوع الرؤية إلى الجهة لما يوجبه النص. وحين تعارض أخبار الآحاد التي تثبت الرؤية ظاهر النص القرآني يرجح القرآن كما تقول الظاهرية.٢٦
وبالإضافة إلى طريق الإيجاب، إثبات صفات الكمال لله، وطريق السلب، نفي صفات النقص عنه، هناك طريقة تشبيه. فالصورة الفنية أفضل من التصور العقلي، والتعبير البلاغي أكثر إيحاءً للمعنى من الدليل البرهاني. وهو طريق الشرع أيضًا عندما وصف الله بأنه نور السموات والأرض.٢٧
والعالم مخلوق في الزمان، وأنه خلقه من شيء قياسًا على الشاهد. وبالتالي لا يجوز التأويل على خلاف ذلك. ويُؤَوِّل ابن رشد آيات القرآن لإثبات أن الخلق من شيء والتي اعتبرت خطأً أدلة نقلية قليد على قدم العالم. ويظل سؤال العامة قائمًا عن الخلق من عدم أكثر قدرة من الخلق من شيء.٢٨
وهناك آية تدل على القضاء والقدر وآيات أخرى تدل على الاكتساب. وقد يقع التعارض في الآية الواحدة. ويريد الشرع التوسط بين الأمرين كما يقول الأشاعرة الكسب توسط بين الجبر والاختيار. وعلم الله بالأسباب هو العلة في وجودها. لذلك فإنه وحده هو الذي يحيط بها. وهو العالم وحده بالغيب على الحقيقة. معرفة الأسباب هو العلم بالغيب لأن الغيب هو معرفة وجود الموجود في المستقبل. مفاتيح الغيب هي أسباب الموجودات في المستقبل. هذه الأسباب هي القوى الطبيعية في الأجسام الحيوانية والنباتية والسارية في هذا العالم. والطبيعة هي الحافظة للموجود وقوانين الطبيعة لخدمة الإنسان وتسخيرها له، وهي أحد مظاهر الحكمة والنعمة التي على الإنسان أن يشكرها. والله خالق الجواهر والأعيان. وهو مخترعها وما يقترن بها من أسباب تؤثر في الأعراض لا في الجواهر. فلا خالق إلا الله إذا كانت المخلوقات في الحقيقة هي الجواهر. وهذا ما يشهد به السمع والعقل. الخالق يعني الفاعل المخترع للجواهر، لا يشاركه في فعله مخلوق وهنا يبدو ابن رشد أشعريًّا تجاوزه أصحاب الطبائع من المعتزلة القائلين بالطفرة والكمون. خلق الله الجواهر عند الطبائعيين ثم خلقت الجواهر الأعراض نظرًا لعدم تعري الجواهر عن الأعراض.٢٩
وما ظهر على يد الرسول من الكرامات والخوارق إنما ظهرت أثناء أحواله وكأنه ولي أو صوفي دون أن يتحدى بها أحدًا. إنما تحدى بالكتاب وحده. وهو تجاوز للموقف الأشعري التقليدي الذي يرى المعجزات خرقًا للعادات ولقوانين الطبيعة وكأدلة على صدق النبي، وتثبت النبوة بمقدمتين. الأولى وضع الأنبياء الشرائع العامة للناس جميعًا، وهم أميون. والثانية كل من فعل ذلك فهو نبي. والآيات التي يذكرها ابن رشد لإثبات المقدمتين غير مطابقتين تمامًا. هناك آيات أخرى أكثر مطابقة تتحدث عن النبي الأمي وماذا عن الاعتراض بأن حياة الأسفار قد علمته في ثقافة شفاهية وليست مدونة بالإضافة إلى التعلم الذاتي أو قدرته على الإبداع الذاتي كما يفعل الأبطال والقادة؟ أين تصديق الكلام في الواقع وإثبات صحته وفعاليته وقدرته على التغير الاجتماعي والسياسي أي التحدي الفكري والسياسي؟ وإذا كانت كل هذه العلوم والمعارف وكل هذه الشرائع والفضائل من الوحي فأين حكمة الشعوب التي تناقلتها الحضارات والأجيال؟ يبدو ابن رشد هنا فقيهًا حنبليًّا أكثر منه فقيها مالكيًّا. يختار النص ويجعل دليلًا بنفسه دون تعقيله أو تحقيقه في الواقع للمصالح العامة، كما أنه يتحدث عن أصلين أكثر من حديثه عن مقدمتين وكأنه لا يصوغ برهانًا كفيلسوف منطقي بل يتحدث عن أصول كفقيه. لقد غلب الفقيه على الفيلسوف في نقده الكلام الأشعري مثل باقي الفقهاء المتأخرين وعلى رأسهم ابن تيمية.٣٠
وفي مسألة الجور والعدل يرفض ابن رشد موقف الأشاعرة بإنكار الحسن والقبح والعدل والجور العقليين لأنه خلاف المسموع والمعقول. فقد وصف الله نفسه في كتابه بالقسط، ونفى عن نفسه الظلم، أما الآيات التي تشير إلى الإضلال والهداية والختم والطبع والتوفيق والسداد والخذلان فإنه لا يمكن أن تحمل على ظواهرها لأنها معارضة بظواهر آيات أخرى منها تلك التي نفى الله فيها عن نفسه الظلم والتي تجعل الإيمان والكفر والإضلال والهداية من فعل الإنسان. ويعرف ذلك الإنسان بفطرته منذ عهد الذر الأول. لذلك وجب الجمع بين هذه الظواهر المتعارضة للنصوص على نحو ما يوجبه العقل. فإذا كانت الهداية والضلال من الله كان ذلك بالمشيئة السابقة. وإن كان من الإنسان فإما من طباعهم المخلوقة (الداخل) أو من الأسباب (الخارج) أو من كليهما معًا. ولما كانت الطباع مختلفة فقد تكون الآيات مضلة للبعض هادية للبعض الآخر دون تصدٍّ مباشر من الله في كلتا الحالتين. الهداية والضلال من الله ليست مباشرة بل من خلال توسط الطبائع الخيرة أم الشريرة. فيكون الشر أحيانًا ما خفي على الإنسان بل على الملائكة من الحكمة الإلهية. وفي نفس الوقت يرفض ابن رشد الواجبات العقلية عند المعتزلة. فالله لا يفعل فعلًا لأنه واجب عليه. ولما ظن الجمهور أن جميع الموجودات بريئة من الشر إلا أن الخواص يفهمون ذلك فإنه لا يجب على الله أن يخلق خلقًا مقترنًا بالشر. بل لو شاء لخلق خلقًا لا يقترن بالشر. بل خلق الخلق المقترن بالخير وبالتالي يكون لكل نفس هداها. وواضح من هذا النقد للأشعرية أن ابن رشد لم يستطع الحسم لتوسطه بين الأشعرية والاعتزال. فما زال القول بالطبائع والأسباب واقعًا تحت تهمة الشرك سواء كانت في الداخل أم في الخارج. كما أن تحول الوجوب العقلي عند المعتزلة إلى أماكن يجعل إرادة الله احتمالية نظرية ويجعل علمه غير متحقق. والحقيقة أن حل هذه القضية ليس في النص بل في قراءة النص. وقراءة النص تخضع للمواقف الفكرية والأوضاع الاجتماعية والنفسية والثقافية والحضارية للعصر. المشكلة خارج النص وليست داخل النص. والداخل يتأقلم مع الخارج. وهذه هي الحضارة إلى أن تأتي فترة يتم فيها تطهير النص من شوائبه والعودة إلى الأصول. ويكون الخارج قد ضعف وانهار. فتنشأ ظروف أخرى وحضارة جديدة وتكيف جديد. وكل «مناهج الأدلة» تفسير وتفسير مضاد. وكل مفكر يرى أن الظاهر موقف الخصم ولا بد من تأويله وأن المُؤَوِّل هو الخصم ولا بد من إبقائه على ظاهره. فالنص مجرد سلاح يتم توجيهه بيد المحارب وليس محاربًا بذاته. والمجتمع هو الذي يوجه المحارب طبقًا لوضعه الاجتماعي والطبقي. هذا هو الملاحظ على جدل ابن رشد ضد الأشاعرة في «مناهج الأدلة».٣١
وقد نبه القرآن على موضوع المعاد، وأثنى على العلماء الذين انتهوا إلى غاية الإنسان من الوجود، وخلق الإنسان لفعل مطلوب منه، ثمرة وجوده، رسالته في الحياة.٣٢ نبه القرآن على معنًى يدركه العلماء بالفعل والتجربة، موجود في الطبيعة كواقع وفي الفعل كمعنًى. ووجود الغاية في الإنسان أظهر فيه من جميع الموجودات. وتشتد حسرة النفس على ما فاتها من التزكية بعد مفارقتها البدن لأن الاكتساب مع البدن والسعي في هذه الحياة. وهناك دليلان على إثبات المعاد. الأول قياس المساوي على مساويه، البعث على الخلق. والثاني قياس الأكثر على الأقل، العودة على البدء وهو قياس الأولى بتعبير الفقهاء. والعجيب عدم الإشارة إلى الكندي أول من قال بهذا القياس والتراكم الفلسفي في القرن السادس الهجري عند ابن رشد قد وصل الذروة في «تهافت التهافت» وعند ابن طفيل معاصره في «حي بن يقظان»! وصحة إخراج الضد من الضد غير دقيقة لأن النار لا تخرج من الشجر الأخضر بل من الشجر اليابس وهو أسهل وليس أصعب. أما الدليل على بقاء النفس فهو قياس الموت على النوم، قياس الأكبر على الأصغر، والأصعب على الأسهل، والأكثر على الأقل، كما هو الحال من جديد في قياس الأولى. فالموت والنوم تعطيل لفعل النفس فلو تعطل فعلها في الموت لفسادها لا بتغيير آلتها لكان تعطل فعلها في النوم لفسادها. ولما كانت تعود بعد النوم ثبت أن تعطل فعلها ليس لفساد جوهرها وإنما هو تعطل آلتها فحسب، ولا يلزم من تعطل الآلة تعطل النفس. فالموت تعطل الآلة كالنوم. وربما كانت الآيات ببلاغتها أكثر إقناعًا من هذا الاستدلال المنطقي الذي صاغه الفقهاء حول أقيسة القرآن وأقيسة الرسول.٣٣
والغاية من تمثل الوافد في وعاء الموروث:
  • (١)

    القضاء على الاغتراب ووجود ثقافة مستقلة خارج الإطار الثقافي العام منعًا لجذبه وشق الثقافة إلى قسمين أقلية وأغلبية.

  • (٢)

    إكمال الوافد، فالعقل لا يكتمل إلا بالشرع.

  • (٣)

    تنشيط الموروث وتنظيره واتساعه حتى يشمل الوافد والخروج من دائرة الفقه والكلام إلى دائرة الفلسفة.

  • (٤)

    تأكيد وحدة العقل الإنساني عبر الحضارات وقدرته على الوصول إلى الحكمة الخالدة، ما يتفق عليه الحضارات جميعًا.

  • (٥)

    تجاوز الألفاظ والتعبير عن الوافد بلغة الموروث وعن الموروث بلغة الوافد بحثًا عن وحدة المعنى وتعدد الألفاظ طبقًا لمنطق التشكل الكاذب وجدل اللفظ والمعنى والشيء.

ويستعمل ابن رشد تسع أحاديث في نفس الموضوعات الكلامية. منها قدسية ومنها نبوية دون الشك في صحتها، تجعله أقرب إلى الصوفية منه إلى الحكماء وهي:
  • (١)
    خلق الله الإنسان طبقًا لصورته ومثاله، وبالتالي يمكن الاستدلال على صفات الخالق من صفات أشرف المخلوقات وهو الإنسان مثل العلم والحياة والقدرة والإرادة وهو أساس التشبيه، تشبيه الإنسان بالله في الصفات أو إسقاط الإنسان صفاته على الله، ومن ثم يكون الله من خلق الإنسان معرفيًّا كما أن الإنسان من خلق الله وجوديًّا.٣٤ وكل عقائد التأليه والتجسيم والتشبيه في علم العقائد الإسلامية تخرج من هذا الحديث، وهو شبيه بما يروى في التوراة «أن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله» ودون أن يتعرض ابن رشد لصحته. هو حديث غيبي تشبيهي صوفي وليس عمليًّا تشريعًا واقعيًّا وهي الغاية من الأحاديث، بيان المجمل وإحكام المتشابه، وتقييد المطلق. ولا يوجد في القرآن الكريم ما يؤيد هذا التصور. وقد وصف الله نفسه إيجابًا وسلبًا وتشبيهًا بالنور، وهو ما يعتمد عليه الصوفية مما يدل على تجاوز تصورات العقل وبراهينه بصور الخيال، والتحول من الخاصة إلى العامة، وإدخال الغيبيات ضمن الشرعيات، خاصة وأن الحديث ضمن المرويات من الإسراء والمعراج وبها قدر كبير من الخيال الشعبي. ولا يذكر ابن رشد درجة صحة الحديث خاصة وأنه يذكر عدة روايات له. ويحيل إلى «كتاب» مسلم الذي حولناه نحن إلى صحيح مسلم زيادة في الثقة به والتقديس له.٣٥
  • (٢)
    استعمال الفرقة الناجية وهي الظاهرية التي سلكت ظاهر الشرع ولم تُؤَوِّله تأويلًا صريحًا للناس. ولا يتشكك ابن رشد في صحة الحديث أو يلاحظ سوء استخدامه سياسيًّا لتكفير فرق المعارضة وإضفاء الشرعية على فرقة السلطان بل يعينها بالظاهرية بالرغم مما فيها من حشوية وتشبيه يصل أحيانًا إلى حد التجسيم، في حيث يشكك ابن حزم الأندلسي، ومن موطن ابن رشد، فيه. كما يعتمد عليه ابن رشد في «تهافت التهافت» ويستشهد به على تمزيق الشرع وتشتت الفرق. لذلك ينصح ابن رشد مستشهدًا بحديث رابع على ضرورة الالتزام بحد الشرع في التعليم وعدم التصريح بالتأويل لغيره وخلط تعليم الخاصة مع تعليم العامة. وهنا يتغلب ابن رشد الفقيه على ابن رشد الفيلسوف في تحريم الفلسفة على الجمهور وإباحتها للعلماء.٣٦
  • (٣)
    الإسلام خاتمة الرسالات، والشريعة عامة للناس، والأنبياء والرسل السابقون كلهم مسلمون، ولو كانوا أحياءً لاتبعوا شريعة الإسلام لأنها أكثر الشرائع عمومية وشمولية للبشر جميعًا بصرف النظر عن أجناسهم وأقوامهم. وهذا فضل النبي في الوحي واستحقاقه اسم النبوة. وهذا هو ابن رشد الفقيه الذي تغلب على ابن رشد المتكلم.٣٧
  • (٤)
    وتتعارض بعض الأحاديث الخاصة بالقضاء والقدر مثل خلق كل مولود على الفطرة ثم التهويد والتنصير من الأبوين، وفي نفس الوقت خلق الله الناس وأعمالها، هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. ومع ذلك يختار ابن رشد الحديث الأول، حديث الفطرة إثباتًا للكسب ورفضًا للجبر دون أن يحل التعارض عقليًّا أو نصيًّا عن طريق التأويل. كما أن حديث الفطرة يجعل الكسب للآباء وليس للأبناء. فهو أقرب إلى الحتمية التربوية الاجتماعية منه إلى الكسب أو حرية الاختيار.٣٨
  • (٥)
    ضرب أمثلة في قانون التأويل بأربعة أحاديث مع أن القرآن هو الموضوع الأول للتأويل، وذكر الأحاديث الأربعة في الصنف الثالث وهو العلم بأن قريب أنه مثال الشيء، ولماذا هو كذلك بعلم بعيد من القسم الثاني المنقسم وهو ألا يكون المعنى المصرح به في الشرع هو المعنى الموجود وإنما أخذ بدله على جهة التمثيل. والسؤال الآن: لماذا وضع ابن رشد قانون التأويل بعد عبارة الختام والكتاب كله مبني عليه؟ وآخر عبارة في «مناهج الأدلة» ملة الإسلام وبالتالي تكون للكتاب خاتمتان، قانون التأويل والغرض من الكتاب.٣٩
وبتحليل مضمون الألفاظ الموروثة في «مناهج الأدلة» يتصدر لفظ التأويل ثم الشرع ثم القياس ثم البرهان ثم الله ثم النظر ثم الإجماع ثم الحكمة ثم الإسلام ثم الرسول، مما يدل على أن الموضوع الرئيسي هو التأويل بمعيار الشرع وفي إطار القياس البرهاني دفاعًا عن مناهج النظر والإجماع والفقه، وجمعًا بين مناهج النظر وطرق الشرع. وهذه هي الحكمة والإسلام وما أتى به الكتاب والرسول. ثم تأتي بعد ذلك ألفاظ أقل أهمية مثل العقل والتحليل والفلسفة والوجوب والشريعة والندب. ويتم تخصيص النظر بالشرعي، كما يتم تخصيص الألفاظ الشرعية مثل: إجماع، مأمور، متواتر، أحكام شرعية، أصول فقه، نظر شرعي.٤٠ ويتم أيضًا تخصيص القياس إلى عقلي وشرعي وبرهاني وجدلي وخطابي ومغالطي وظني ويقيني.٤١
وبتحليل الألفاظ الشرعية يتصدر لفظ «الله» غير الباري تبارك وتعالى، والخالق وسبحانه وغيرها من الألقاب، ثم الشرع، ثم الشرائع، ثم الشريعة، ثم الشارع ثم الكتاب العزيز والكتاب وكتابه ثم الرسول والرسل والرسالة ثم النبي والنبوة والأنبياء ثم الإسلام والمسلمون ثم العقل ثم السمع والوحي والملائكة، مما يدل على الغوص في الموروث.٤٢ ثم تظهر ألفاظ الفرق الإسلامية، ويتصدر المتعلمون وصناعة الكلام والكلام ثم الأشعرية ثم المعتزلة ثم الصوفية والحشوية ثم الجبرية ثم الباطنية والخوارج والدهرية.٤٣ ثم تظهر ألفاظ أخرى أقل ترددًا مثل الملة والتواتر.٤٤ وتظهر ألفاظ قصص الأنبياء مما يضع الإسلام في إطار الديانات السابقة، موسى ثم محمد وإبراهيم وعيسى.٤٥ ويظهر الأسلوب الإسلامي في التأليف الفلسفي، الأسلوب الفقهي الذي يرد على الاعتراض سلفًا من أجل إحكام الموضوع نظريًّا وتناوله من كل جوانبه مثل «وليس لقائل أن يقول»، فإن قال قائل، «فإن قيل»، ويرد عليه «بل نقول»، «فنقول»، «فإنه يقال لهم» مما يدل على طابع الفكر السجالي الكلامي.٤٦

(٣) «تهافت التهافت»

وفي «تهافت التهافت» يظهر الوافد والموروث واضحًا بالرغم من أولوية تنظير الموروث على تمثل الوافد.

(أ) الوافد

ومن الوافد يتصدر أرسطو مع الحكيم ومن كتبه النفس والسماع والبرهان ثم الكون والفساد، ثم السفسطة والسماء والعالم والمقولات والحيوان والحروف والتدبيرات الفلكية والجزئية والحيوان والمبادئ. كل ذلك فيما يتعلق بأرسطو. ثم يذكر أفلاطون ثم جالينوس ثم الإسكندر ثم فيثاغورس، وانكساجوراس وبارميندس، ومالسيس، وأبقراط، وفرفوريوس الصوري، وسقراط، وثامسطيوس. ومن الفرق يُذكَر السوفسطائيون ثم القدماء ثم الحكماء ثم الفلاسفة القدماء ثم القدماء من الفلاسفة. ثم يذكر الحكماء ثم الدهرية مع الدهريين، ثم المشاءون ثم المتأخرون والمترجمون ثم المتقدمون واليونانيون والأوائل.٤٧
وقد سمى أرسطو الرئيس الأول للفلاسفة. فابن رشد هو الذي يهب اليونان ألقابهم وليس الذي يأخذ من اللاتين ألقابه مثل «الشارح الأعظم». فاللقب يدل على رؤية الأنا للآخر. ويعتمد عليه ابن رشد للبرهان. فبرهانه معقول مثل إثبات أنه لو أن للحركة حركة لما وجدت الحركة. وأحيانًا يبدأ ابن رشد ذكر أرسطو بأفعال مثل «يرى»، «يصرح»، أو بأسماء إشارة «كذلك» وليس بأفعال القول. فالمضمون هو الهدف وليس الصورة، المعنى وليس اللفظ، الشيء وليس القول. ويزيد ابن رشد برهان أرسطو، برهانًا على برهان، ويدلل على صحة رؤيته مثل جهات السماء الأربع أو تعريف الزمان بأنه عدد الحركة. قول أرسطو صحيح ولكنه بالنسبة للأفلاك وليس على الإطلاق أو استعماله لقياس شيء آخر عليه لأن الشيء الآخر تصور في الشرع والآيات القرآنية. ابن رشد نفسه هو الذي يدرس ويحلل ويستنتج وينتهي. ثم يذكر أرسطو لبيان اتفاقه معه. فأرسطو هو الشارح وابن رشد هو المشروح. أرسطو هو القارئ وابن رشد هو المقروء. لقد صرح أرسطو في غير مكان من كتبه بأن كل ممكن الوجود فهو محدث. وهو بذلك يشرح إحدى مقدمات المتكلمين. هنا يصبح الآخر شارحًا للأنا وليس الأنا شارحًا للآخر. يبدأ ابن رشد بفكرة أرسطو وهو استنتاج الحدوث من التدوير ثم يوضحها ابن رشد قارئًا إياها إسلاميًّا من أجل إثبات خلق العالم. فالنقل مقدمة للإبداع. ويستعمل ابن رشد قضية كل تركيب فاسد عند أرسطو تأييدًا لتحليله العلمي الجزئي لإثبات اتفاق العلماء على الحقائق العلمية وللارتباط بتاريخ الفكر والعلم، ولتأكيد أقوال السابقين أو لتأكيد أقوال السابقين له منعًا لازدواجية الثقافة بين الوافد والموروث، ولتقوية الحجة بإجماع العلماء ونزع سلاح الوافد من أيدي الخصوم لضربه. بعد أن يصل ابن رشد إلى الحق يستشهد بأرسطو، ويوضح مكان استشهاده بذكر اسم مؤلفه مثل كتاب البرهان. بل إن ابن رشد يدخل في مسار الفكر الأرسطي، مقدماته ونتائجه، استدلالاته وبراهينه، خطوة خطوة حتى يبين معقولية فكره واتفاقه مع التجربة والمشاهدة وإن اختلفت العبارة أو التصور أو طرق التشبيه نظرًا لاختلاف الحضارات وتمايز الثقافات. فإذا أراد إثبات أن الأرض مستديرة جعلها محدثة معلولة حتى ينقلها إلى الأزلية بعد ذلك.٤٨

ويدرك ابن رشد حقيقة مذهب أرسطو وينقد تأويلات المشائين له. وقد أخطأ الفلاسفة المسلمون مثل ابن سينا باتباعهم هذه التأويلات دون العودة إلى الأصل. وابن رشد الأصولي يعود إلى الأصل ليس فقط في دراسة الموروث بل أيضًا في دراسة الوافد. المنهج واحد. كما ينسب المشاءون لأرسطو أقوالًا لم يقلها مثل جعلهم السبب في أن الواحد علة هو التوسط وأنه لم ينقل هذا إلا عن فرفوريوس صاحب مدخل علم المنطق «ايزاغوجي» ولم يكن من حذاقهم. كما أن العقل عند أرسطو مسئولية الكل وليس كما تقوَّل عليه أبو حامد. لذلك يراجع ابن رشد مذهب أرسطو، ويميز بينه وبين تأويلات المشائين. ويتفق مع أرسطو في عدة أقسام العلم الطبيعي الثمانية وليس باقي فروع العلم الطبيعي مثل الطب وأحكام النجوم والفراسة والطلسمات والحيل والكيمياء. كما يعتمد عليه كشاهد خارجي بعد البرهان الداخلي على مفارقة العقل عن قوى النفس، وعلى أن كمال القوة في الآلة.

ويضع ابن رشد أرسطو في إطار أنصاره من المشائين المسلمين مثل ابن سينا إحساسًا بالتمايز بينه وبينهم. ابن رشد ليس هو الشارح الأعظم لأرسطو كما سمَّاه اللاتين بل المراجع الأعظم لمذهب المشائين وامتداداته داخل الحضارة الإسلامية، ونقد ممثليه مثل ابن سينا في النفس. وهو مذهب في غاية الركاكة من أرسطو. وكان على ابن سينا أن يراجعه ويصححه. كذلك لم يفهم المشاءون كيف يكون الواحد علة. ولا يلزمه تأويلاتهم. فالفاعل الواحد يصدر عنه فعل واحد طبقًا للشاهد.٤٩
ولا يقال ذلك على الفاعل الأول إلا باشتراك الاسم. وذلك لأن الفاعل الأول في الغائب يقال بإطلاق، والفاعل الأول في الشاهد يقال بتقييد. لذلك جعل أرسطو الفاعل للمعقولات الإنسانية متبرئًا من المادة. والمطلق والمقيد أحد مباحث الألفاظ في علم الأصول. لذلك جمع أرسطو بين الوجود المحسوس والوجود المعقول. وقال إن العالم واحد صدر عن الواحد، وأن الواحد سبب الوحدة من جهة والكثرة من جهة أخرى. كما أن الخلق يكون بالعلة الغائية أيضًا وليس فقط بالعلة الأولى، بالمبدأ الأول وليس فقط بالعلة المباشرة. فأسباب الكثرة عند أرسطو من الفاعل الأول ثلاثة: العلة الفاعلة، والعلة الغائية، والعلة الصورية.٥٠
ويضم ابن رشد أرسطو في إطار تاريخ الفلسفة بمقارنته بأفلاطون أو بالمشائين آل أرسطوطاليس بطريقة المسلمين في عمل التسمية بإضافة «آل» وهو ما يعادل OI باليونانية علامة الجمع ﻟ OS فيما يتعلق بقدم العالم وحدوثه كما فعل الفارابي من قبل ودون أن يشير ابن رشد إليه. فالخلاف في الأصل عند اليونان قبل أن يكون عند المسلمين. فقد قال أفلاطون بحدوث العالم ولم يكن لديه شك في أن للعالم صانعًا طبقًا لقراءة المسلمين. فلما قال أرسطو بقدم العالم شك أصحاب أفلاطون عليه، واتهموه بإنكار وجود الصانع. فرد أنصار أرسطو بأن أرسطو يرى أن للعالم صانعًا وفاعلًا. فهذه قراءة إسلامية للخلاف بين أرسطو وأفلاطون، وإعادة بناء الموقف اليوناني طبقًا للرؤية الإسلامية، وانتهاء الخلاف بتبرئة أرسطو كما فعل الفارابي، وجعله يرى أن للعالم صانعًا، أرسطو الإسلامي وإن لم يكن أرسطو اليوناني، أرسطو الكامل وإن كان في ثقافته ناقصًا. وإن اتفاق أرسطو وأفلاطون على شيء هو اتفاق العقول الإنسانية جميعًا. كل منهما يمثل أحد جوانب العقل.٥١
ويضم ابن رشد صوت أرسطو مع صوت برمنيدس ومالسيس من القدماء واضعًا أرسطو في تاريخ ثقافته ليبين أنه ليس موقفًا خاصًّا بل موقفًا عامًّا للقدماء مثل الحديث في مسألة الوحدة والكثرة. وقد ظن الإسكندر أنه عدل عن طريقة أرسطو إلى طريقة أخرى لم تخرج في الحقيقة عن المبادئ التي عرضها أرسطو. وكلا الطريقتين صحيحة. والأشهر طريقة أرسطو ولكنها عامة في حاجة إلى تفصيل. وهي طريقة واجب الوجود ويقول بها ابن رشد. فهو لا يفضل فقط طريقة أرسطو على طريقة الإسكندر ولكنه يفضل طريقة أرسطو ويطورها. فأرسطو والإسكندر يتفقان مع ابن رشد ولكن الفرق في العموم والخصوص، في نقاء تصور التوحيد. يقول الإسكندر بالقوة الواحدة (خاص)، ويقول أرسطو بالجسم البسيط (عام). ويقول ابن رشد بالوحدانية (الأعم). كما يضع ابن رشد أرسطو مع فيثاغورس في وضعه المحرك الأول عقلًا أي صورة بريئة من الهيولى. لذلك لا ينفعل بشيء من الموجودات. فأرسطو موحد يمدح فيثاغورس موحدًا. فقد بلغ اليونان قمة التوحيد العقلي قبل الإسلام. وقد أتى الإسلام بعد اليونان مصححًا المسيحية وعقائدها ومؤكدًا التوحيد اليوناني العقلي. ومِن ثَم يفهم ابن رشد اليونان والإسلام في إطار تاريخي، أرسطو تاريخ ثقافته والإسلام في تاريخ الثقافات القديمة.٥٢ فأرسطو الذي يحيل إليه ابن رشد ليس أرسطو اليوناني التاريخي بل أرسطو الإسلامي الفلسفي. ليس أرسطو المكتوب بل أرسطو المقروء على مستوى التصورات، وحدانية الله وخلق العالم أو على مستوى الألفاظ والعبارات. كل شيء في الطبيعة متقن الصنع بتدارك الله النقص فيه، لا فرق في ذلك بين قول أرسطو وتصور الإسلام. بل إن ابن رشد يعيد قراءة أرسطو مستعملًا الخالق تعالى. وبالرغم من نقد ابن رشد لابن سينا إلا أنه يشعر بالتمايز بين حكمة أهل المشرق وحكمة اليونان، أهل الغرب بتعبير المحدثين. عند أهل الشرق الأجرام السماوية إلهية. ومع ذلك يضعفون طريق أرسطو في إثبات المبدأ الأول عن طريق الحركة. فأرسطو أكثر توحيدًا على نحو عقلي خالص من أهل الشرق الذين يقعون في التجسيم والتشبيه والتشخيص إن لم يكن الشرك باعتبار الأجرام السماوية آلهة.
ويمكن فهم مذهب أرسطو على وجهه الصحيح بمعرفة نوع الأقاويل التي يستعملها. فكثيرًا ما يستعمل ابن رشد الصور والتشبيهات التي تدل على معاني لا أن تؤخذ حرفيًّا لمعرفة المذهب. فتحديد نوع الأقاويل قراءة رشدية لأرسطو رؤية الآخر من خلال الأنا. وما زالت تظهر بعض المصطلحات المعربة عند ابن رشد مثل «أسطقس» بعد أن تحول إلى لفظ عربي.٥٣
ويشير ابن رشد إلى كتب أرسطو ومواضعها مما يدل على معرفته بالمذهب في أصوله الأولى وليس فقط عن طريق السماع والأفكار الشائعة. ويحيل إلى كتب المنطق والطبيعيات والنفس وكتاب الحروف أي الميتافيزيقيا.٥٤ المنطق مثل الفطرة عاملان مصححان إذا وقع الخلاف بين البشر، الفطرة الفائقة السليمة أو العلامات والشروط في المنطق التي بها يتم التمييز بين الظن واليقين. وبالتالي يتجاوز ابن رشد ابن سينا الذي جعل المنطق مرادفًا للوحي. فكلاهما يعصم الذهن من الخطأ. عند ابن سينا يتأسس المنطق من أعلى في الوحي وعند ابن رشد من أسفل في الفطرة. بل إن الحديث عن المنطق يعني العلم نفسه لا منطقًا بعينه. كما يحيل ابن رشد إلى كتب السفسطة والمقولات والبرهان. فلو كان الغزالي قد قرأ كتاب السفسطة ما كان وقع في مغالطاته. فالغزالي جاهل بقواعد المنطق. في البرهان يتم التمييز بين المقدمات المشهورة مثل الأقوال والمقدمات اليقينية مثل أوائل العقول. بل إن المقدمات اليقينية تتفاضل فيما بينها. كما يحال معنى ما قيل إلى كتاب المقولات، من أن كليات الأشياء المعقولة إنما صارت موجودة بأشخاصها، وأشخاصها معقولة بكلياتها. كما تم التمييز في كتاب النفس بين القوة التي بها يدرك الشيء والقوة التي بها تدرك ماهية الشيء، وكذلك التمييز بين العلوم الذي في مادة والعلم الذي ليس في مادة. كما يحال إلى «السماع» و«الكون والفساد»، بل وتعيين المقالة الثانية من «السماع» والثانية من «السماء والعالم».٥٥
ثم ينتهي أرسطو الفرد ويبدأ الحكيم وأحيانًا الحكيم الأول. فقد تحول أرسطو إلى نمط مثالي، إلى حكم العقل ذاته. فبعد دراسة الموضوع يحيل ابن رشد إلى الحكيم الذي درس نفس الشيء، وانتهى إلى نفس النتيجة كنوع من احترام القدماء وإعطاء الحق لأهله، وتأييد الحق للحق، وتكوين جماعة الحق بصرف النظر عن الزمان والمكان والدين والحضارة والقوم مع تحديد الموضوع في كتبه أو كلامه أو نصه مثل «السماع» أو «التدبيرات الفلكية الجزئية» وهو أحد المنتحلات لما كان الانتحال إبداعًا فلسفيًّا جماعيًّا يمكن الإحالة إليه من الفيلسوف باعتباره فيلسوفًا ناشدًا الكمال وليس باعتباره مؤرخًا.٥٦
وقد ذكر ابن رشد أفلاطون من خلال ذكر أبي حامد له. فالصراع بين أفلاطون وأرسطو هو نفسه الصراع بين الأشعرية والفلاسفة، بين الفلسفة الإشراقية والفلسفة البرهانية. والأشعرية هم المتكلمون وليس المعتزلة، حكم الأغلبية على الأقلية، والقوي على الضعيف، وتراث السلطة على تراث المعارضة. وقد ظن الأشاعرة وأفلاطون أن دورات الفلك لا نهاية لها في المستقبل وإن كان متناهيًا في الماضي بناءً على أن ما يقع في الماضي متناهي، وما يقع في المستقبل لا يتناهى. وهذا حكم خيالي وليس حكمًا برهانيًّا. والأقرب إلى العقل أنه إذا كان العالم له بداية تكون له نهاية كما هو الحال عند المتكلمين. وقد رد أبو حامد على رأي أفلاطون في وحدة النفوس وتعدد الأبدان بقدم النفوس وحدوث الأبدان، وانقسام النفوس في العالم. فإذا فارقت عادت إلى وحدتها الأولى. وقد فند ابن رشد حجج الغزالي دفاعًا عن موقف أفلاطون بأن زيد وعمر اثنان بالعدد وواحد بالصورة. ثم ينتهي بأن هذا الموضوع، تعدد الأبدان ووحدة النفوس سر مع أنه هو التصور الذي يمكن به الدفاع عن خلود النفس الكلية والوحدة النوعية للصور، وأنه لا يمكن إنشاء هذا السر وكأن ابن رشد قد جمع بين الظاهرية والتأويل. ويراجع ابن رشد أدلة القدماء على بقاء النفس مثل وجود جوهر في الأشخاص، من الميلاد إلى الموت، والوحدة الثانية في إطار التغير. لذلك اضطر أفلاطون إلى إدخال الصور وجعلها هي المخلقة للبدن والمصورة له. ويضيف ابن رشد أقوال أفلاطون لمعرفة إلى أي حد هو برهاني أم أقل من ذلك. وهو نقد منهجي أكثر منه نقدًا موضوعيًّا. يستعمل أفلاطون قولًا سوفسطائيًّا أراد به مداهنة أهل زمانه بعيدًا عن قصده خاصة بعد محنته في كتبه مثل محنة ابن رشد وكأنه يقرأ فيها نفسه. وهو قول لا يفيد اليقين. ويذكر أفلاطون في موضوع الوحدة والكثرة، وكيف تخرج الكثرة من الوحدة ورأي أفلاطون في المتوسطات، وما هو المبدأ الأول، الفلك أو النفس أو العقل أو جميعها أو الله، وإلى أي حد يميز أفلاطون بين العقل والمبدأ الأول. وهي كلها مسائل تدخل كعناصر جزئية في التصور الكلي للتوحيد.٥٧

وأكثر فلاسفة اليونان ذكرًا بعد أرسطو وأفلاطون جالينوس ثم الإسكندر. وجالينوس هو الفيلسوف والطبيب مثل ابن رشد في شخصية الحكيم. يحدد ابن رشد أولًا نوع أقواله الإقناعية لا البرهانية، وهي الرؤية المنطقية اللغوية مثل رجل واحد يقول الحق خير من ألف. ثم يتعرض ثانيًا لتحليل القوى الطبيعية في الحيوان مثل التغذي وتدبير البدن. وبهذا التدبير يسمى حيًّا، وبدونه يكون ميتًا وبه القوة المصورة. تصورها البعض مبدأً مفارقًا، عقلًا أو نفسًا أو جرمًا سماويًّا أو الأول. ويسميها جالينوس الخالق سواء كان الله أو غيره، يرتبط ابن رشد بالتراث العلمي الإنساني منعًا لازدواجية مصادر المعرفة بين الوافد والموروث، واعتمادًا على سلطة العلماء والإجماع العلمي. كما يستشهد بأبقراط بأن فساد الإنسان وآلامه وحدوثه أنه من شيئين، روح وبدن وليس من شيء واحد. فلو كان روحًا فقط، شيئًا بسيطًا، لما طرأ عليه الحدوث، ولو كان مادة فقط لما تألم.

ويأتي الإسكندر بعد جالينوس. فالإسكندر بالنسبة لأرسطو هو انتقال أكثر تقدمًا من الكثرة إلى الوحدانية وتصور المشائين لجسم بسيط غير مركب من مادة وصورة تلته وحدانية الإسكندر. لذلك سهل تمثله. هناك إذن ثلاثة طرق: الأول الإسكندر وهي متفقة مع أرسطو (الأصغر). والثاني أرسطو وهو الأكثر شهرة (الأوسط)، والثالث ابن رشد وهو مجمل (الأعم). الطريق إذن من البسيط إلى الواحد إلى الوحدانية. وعند الإسكندر من الواحد صار العالم واحدًا. هناك ثورة روحانية سارية في أجزاء العالم كالقوة في أجزاء الحيوان تربط أجزاءه بعضها ببعض. وهي نفس طريقة أرسطو دون الخروج عليها. إنما الأشهر طريقة أرسطو. والأصح طريقة واجب الوجود، طريقة ابن رشد. ويتفق ابن رشد مع الإسكندر ضد ابن سينا في أن الأجرام السماوية ليس بها خيال بل الخيال للحيوان والإنسان.٥٨
ويذكر ابن رشد فلاسفة يونان آخرين مثل انكساجوراس في معرض ذكر الأجوبة الثلاثة لتفسير خروج الكثرة عن الوحدة، الكثرة من قبل الهيولى وهو رأي انكساجوراس ومن قبل كثرة الآلات أو من قبل المتوسطات. وهو نفس الموضوع الذي تكلم فيه برميندس ومالسيس وأرسطو. رأى ثامسطيوس أن الأجرام السماوية صور. وجعل فيثاغورس المحرك الأول عقلًا أي صورة بريئة من الهيولى لا ينفعل بشيء من الموجودات، اقترابًا من التوحيد.٥٩
ويظهر الوعي التاريخي عند ابن رشد قدر ظهوره عند ابن طفيل وذلك بمدى ذكره للقدماء.٦٠ ويعني اللفظ التراث الماضي الوافد وما سماه الفقهاء الأوائل. وأحيانًا يحدث التمايز بينهم. فقد اتفقوا في أشياء واختلفوا في أشياء أخرى، وحدة المذهب في الأصول والاختلافات في الفروع. وأحيانًا يتم التخصيص بأنهم الفلاسفة القدماء أو القدماء من الفلاسفة. ولا يعني بالضرورة قول القدماء أي معنًى قدحي. فقد استطاعوا البرهنة على مقالاتهم. وفهم القدماء يخضع لشروط الفحص. ويختلف الفحص من حضارة إلى أخرى. ولا بد للإنسان أن يكون من أهل الحق دون تحيز أو هوًى حتى يكون حوار الحضارات ممكنًا. أما ابن سينا وغيره ممن ينتسبون إلى الإسلام فلم يتبع براهين القدماء خاصة براهين الحكيم الأول مسيئًا تأويلها لسوء استخدامها في الدين، فلا هو فهم العقل الوافد وزايد في الوحي الموروث. وهؤلاء هم المتأخرون من أهل الإسلام لقلة تحصيلهم مذهب القدماء، فالقدماء لا يخطئون، ولا الفلاسفة المتقدمون بل المتأخرون لسيادة الأشعرية والتصوف. وتلك أهمية ابن رشد في جرأته على الغزالي والأشعرية وتوجيه الضربة المضادة التي أثرت في الغرب ولم تؤثر في العالم الإسلامي لأن الفكر بلا سياسة لا يؤثر. غاب التنظيم الشعبي المساند وغابت الحركة الحضارية ومسار التاريخ. وربما يكون ابن رشد الآن أكثر دلالة وقدرة على النهضة العربية الثانية.
وإن دور ابن رشد مع التراث الفلسفي اليوناني الإسلامي قبله مثل دور أرسطو في التراث الفلسفي اليوناني قبله. أرسطو مؤرخ وابن رشد مؤرخ. وكان الوعي التاريخي عند كليهما نذيرًا بنهاية الحضارة. لقد بحث القدماء في المسائل تفصيليًّا مثل المحرك والمتحرك، وعرضوا المسائل العويصة، وعبروا عنها بعدة أقوال منها السوفسطائية. ومهمة التراكم الحضاري هو التحول من الأقوال قبل البرهانية إلى الأقوال البرهانية. فالتطور ليس فقط في الموضوع بل في القول. ويلجأ ابن رشد إليهم لأنه لا جديد بلا قديم. والحضارات في سلسلة متتالية، يأخذ اللاحق عن السابق من أجل تجاوزه حتى تكتمل الحقائق ويتحول التطور إلى بناء. ولا يعني ذلك تقليد اللاحق للسابق بل اقتطاف الثمار من الجذور. القدماء في مقابل الفلاسفة وقدماء اليونان قبل فلاسفة الإسلام. الأول للوافد والثاني للموروث.٦١
ويتفق ابن رشد ويختلف مع القدماء في موضوع الحكمة وأقسامها الثلاثة: المنطق والطبيعيات والإلهيات. وأحيانًا تبدو القسمة وكأنها القسمة الكلامية إلى إلهيات ونبوات أو عقليات وسمعيات. فكلاهما علم واحد، مرة مقلوبًا إلى أسفل ومرة إلى أعلى. ونظرًا لأن المنطق ليس موضوع خلاف بين العقلاء بقيت الطبيعيات والإلهيات هي محور الخلاف. ولقد وضع القدماء الألفاظ مثل الجوهر والعرض. وحاول المترجمون إيجاد المقابل لها في لسان العرب. فابن رشد يؤصل الحكمة في عصر الترجمة. ويبحث عن أصولها في مبحث الألفاظ كما يفعل الأصوليون. وكانت القضية الرئيسية إلى أي حد توجد الأشياء من تلقاء نفسها دون فاعل أو وجود أسباب لا نهاية لها لا ترتقي إلى سبب أول. وهي قضية في الوافد تأتي في تصور لموروث يقوم على الخلق، وجود الأشياء المتناهية من سبب أول، علة أولى لا متناهية. أما الأوائل من القدماء، وأغلب الظن أنهم الطبيعيون الأوائل، فقد أنكروا الفاعل. وينقدهم ابن رشد لأنه ليس فقط ناقلًا لأقوال القدماء بل ناقدًا، وممحصًا لها. كما يرفض أن تكون الموجودات في سيلان دائم؛ لأنه يلزم ألا تتناهى، وهو محال. وأغلب الظن أنه يقصد هرقليطس. كذلك القول بدورات لا نهاية لها قول فاسد لأنه يستحيل وجود قديمين.٦٢
ويستمر التفاعل بين الوافد والموروث، بين نظرية القدم ونظرية الخلق في إشارات ابن رشد إلى القدماء في عدة تصورات فلسفية مثل الواحد والكثير وربط الوافد بينهما في حين فصلهما في الموروث. وتظهر بعض مصطلحات علم الكلام باعتباره المخزون النفسي الرئيسي في الموروث. مثل الذات وهل الصفات زائدة عليها أو مساوية لها. فإذا لم تكن الصفة في الذات مثل القوة في الجوهر كان الجرم السماوي بالضرورة جسمًا ذا كمية. ولا يجوز وجود قسم قديم من ذاته بل من غيره وبالتالي لزم وجود قديم بذاته هو الذي صار به الجسم القديم قديمًا. لذلك أثبت القدماء موجودًا ليس بجسم بل هو مبدأ الكل من أمور متأخرة هي الحركة والزمان والنظر في الموجود بما هو موجود. وقد اتفق القدماء على أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، وأن العالم كله يؤم إلى غاية واحدة، وينتظمه نظام واحد كما هو الحال في نظام العسكر والمدن، وكذلك الأجرام السماوية الأربعين ترد إلى سبع ثم إلى واحد هو الأمر الأول من الله سبحانه.٦٣
ويظهر القدماء في موضوع النفس. إذ يطلقون اسم المخيلة على هذه القوة في الحيوان. وفي الإنسان تسمى المفكرة. ثم يظهر موضوع الأدلة على بقاء النفس، ما توصل إليه القدماء وما أبدعه المسلمون. فقد توصل القدماء إلى بقاء الجوهر في الشخص ثابتًا بالرغم من تغيره من الميلاد وحتى الوفاة، وأن الأشياء ليست في سيلان دائم، مما جعل أفلاطون يفترض الصور الثابتة. ومِن ثَم أثبت القدماء المفارقات. ثم يظهر موضوع النبوة والإلهام والمعجزات من الموروث ليصب فيه الوافد مع أنه أصل في الموروث فرع في الوافد. لذلك لم يتكلم أحد من القدماء في المعجزات بالرغم من انتشارها وظهورها في العالم، وهي مبادئ تثبيت الشرائع، والشرائع مبادئ الفضائل.٦٤
ثم تظهر ألفاظ مقاربة للقدماء مثل الأوائل والمتقدمون الأوائل مثل القدماء ولكن أقل تاريخية وأكثر مثالية. قد يكون القدماء على حق أو على باطل. ومِن ثَم يمكن نقدهم في حين أن الأوائل حكم قيمة، على حق دائمًا، لهم الفضل على الأواخر. أما المتقدمون فهم القدماء أو الأوائل ولكن في الموروث وليس في الوافد، الأسبقية في الزمان واقعًا دون الفضل في الحكمة مثالًا. لا يقول المتقدمون إن لكل فعل فاعل. والفارابي وابن سينا من المتقدمين ولا يقولون ذلك إلا تبعية للمتكلمين من أهل الملة. يريد ابن رشد استقلال الحكمة عن الكلام، والحكماء عن المتكلمين.٦٥
ثم يخص ابن رشد بالذكر أربعة من الطوائف طبقًا للأهمية: الدهرية أو الدهريون والمشاءون والحكماء والسوفسطائيون. ليس الدهريون فقط فرقة بل تيارًا، الدهرية، واتجاهًا فلسفيًّا. الدهريون في طرف والحكماء في طرف آخر. إذ لا يجوز الحكماء وجود أسباب لا نهاية لها كما يجوزه الدهريون فيستلزم وجود حسيب بلا نسيب، ومتحرك بغير محرك. فيؤدي إلى نفي الصانع، نفي سبب هو سبب الأسباب، وافتراض موجودات لا علة لها أو افتراض علل إلى ما لا نهاية أو افتراض وجود عالم لا علة له أو له علة هو العالم نفسه، الفلك الكلي وليس شيئًا خارج الفلك في حين أن الفلك معلول كما يقول الحكماء. كل ما يظهر ليس له سبب ظاهر إلا الحار والبارد والرطب واليابس. وبامتزاج هذه الأسطقسات تحدث الأشياء تبعًا لتلك الأمزجة. الزمان عند الدهريين قديم، متقوم بأزمنة محدثة، وحركة قديمة، ودوراته غير متناهية. والمجموع أزلي من غير علة واجب وممكن في نفس الوقت. وهذه صورة الحكماء عند الغزالي في «تهافت الفلاسفة» مع أن موقف الدهريين وليس موقف الحكماء، تشويه مقصود ومتعمد. والحقيقة أن الأمر يتعلق بإنكار أو إثبات بل بالاختيار بين تصورين للعلاقة بين العلة والمعلول، التصور الطولي حيث لا تتسلسل العلاقة ما لا نهاية وضرورة الوصول إلى علة أولى وهو التصور الذي اختاره المتكلمون، والتصور الدائري، لكل معلول علة هي نفسها معلول للعلة، وهي نفسها المعلول كالعلة بين السحاب والماء، السحاب علة الماء والماء علة السحاب، وهو تصور الدهريين الذي يعتمد على الحس. وقد حاول الحكماء الجمع بين التصويرين وعلى رأسهم ابن رشد بالقول بتقدم الزمان وبالتالي قدم الحركة دفاعًا عن الحكمة ضد المتكلمين والأشاعرة.٦٦
وأما المشاءون فهم أتباع أرسطو اليونان أولًا والمسلمون ثانيًا. يتفقون ويختلفون فيما بينهم. يحسنون فهم أرسطو ويسيئون تأويله أحيانًا أخرى كما فعلوا في معنى العقل ومعنى الجسم البسيط. وقد زاد ابن سينا الطين بلة في أنه أخطأ في فهم المشائين وبالتالي في فهم أرسطو. فارتكب في حق أرسطو خطأً مزدوجًا. ثم جاء الغزالي فطم الوادي على القرى وأخطأ في فهم المشائين وابن سينا فارتكب خطأً مضاعفًا ثلاثًا. مهمة ابن رشد تخليص أرسطو من هذه الدوائر الثلاث، سوء فهم المشائين وابن سينا والغزالي له لمعرفة أرسطو الحقيقي. المشاءون هم أتباع أرسطو على وجه العموم يونان ومسلمون. والفلاسفة هم المسلمون فحسب الذين أصابوا وأخطئوا في فهم أرسطو. أما الحكماء فهم المشاءون الفلاسفة، يونان ومسلمين، الذين أصابوا في فهم أرسطو ومنهم الإسكندر وابن رشد. الحكماء هم المشاءون الفلاسفة في الذروة عندما يكون الصواب أكثر من الخطأ ومنهم أرسطو وابن رشد. وهذا لا يمنع من وجود ضعاف الحكماء الذين لا يحسنون التعبير أو البرهان فيضطرون الناس إلى سؤالهم هل المبدأ الأول يعقل ذاته أو يعقل شيئًا خارجًا عن ذاته؟ هم الذين يتركون الفرصة للمعارض للسؤال دون أن يقدروا على إيصال الحقائق بوضوح اعتمادًا على بداءات العقول. لذلك حمل الغزالي عليهم بالرغم من موافقته لهم في أكثر آرائهم، والحكماء هم أهل التأويل كما تنبه عليه كل شريعة، الخاصة من الجمهور. لذلك أسلم الحكماء الذين كانوا يعلمون الناس بالإسكندرية لما وصلتهم شريعة الإسلام بما عرفوا من الحق. كما تنصروا ببلاد الروم لما عرفوا شريعة عيسى. الحكماء في كل ملة أهل الحق والتأويل وأنصار الفضيلة والخير.٦٧
والسوفسطائيون لا هم اليونانيون أو المسلمون بل هم نمط مثالي من المجادلين، يقلبون الحق باطلًا والباطل حقًّا. فهم أشرار الناس. ويتمثل هذا النمط في الخروج من مسألة إلى مسألة، الشك والحيرة دون الوصول إلى حلول، تبديل مواضع الكلام وتطبيق ما يصدق على المركب على البسيط، وما يصدق على البسيط على المركب، ونقل الكثرة من الوجود إلى العلم، ومن العلم إلى الوجود. ويذكر ابن رشد لسان اليونانيين في تقابل اللسان العربي تمايزًا بين الآخر والأنا. فكل لغة لها خصوصيتها.٦٨ وما زال لفظ «الأسطقسات» مستعملًا حتى هذا العصر المتأخر.

(ب) الموروث

أما الموروث فيتصدره بطبيعة الحال أبو حامد ثم ابن سينا ثم بعد مسافة طويلة الفارابي ثم ابن حزم ثم أبو الهذيل العلاف ثم البلخي.٦٩ ومن أسماء الفرق يتصدر بطبيعة الحال الفلاسفة ثم المتكلمون ثم الأشعرية ثم الحكماء ثم المعتزلة ثم أهل الإسلام والإسلام ثم فلاسفة الإسلام ثم الظاهرية ثم الكرامية والصوفية وأهل فلاسفة الإسلام ثم المترجمون ثم المسلمون علماء الإسلام.٧٠ ومن الأنبياء يتصدر إبراهيم وعيسى ثم سليمان وموسى، ومن الأقوام والشعوب يتصدر العرب ثم بنو إسرائيل ثم النصارى ثم الصابئة والكلدانيون والأمم السالفة.٧١ وعلى هذا النحو يكون حضور الموروث أكثر من الوافد خاصة في أسماء الفرق، وعدد مرات الحضور عند الفلاسفة.٧٢ والهجوم على ابن سينا وليس الفارابي. والمسافة بين الأشعرية والمعتزلة والكرامية كبيرة لصالح الأشعرية. ولم يذكر إلا أبو الهذيل العلاف من المتكلمين. كما يظهر النصارى دون اليهود وابن رشد يعيش وسطهم في قرطبة. والمسافة بين القرآن والحديث كبيرة.٧٣ كما يتحدث عن شريعة الإسلام وصناعة الكلام.٧٤
ينقد ابن رشد الغزالي وابن سينا والفارابي في قضية أن الواحد لا يصنع إلا الواحد بأنها قضية كاذبة كما فهمها أبو حامد في «المشكاة». ومع ذلك يعتمد ابن رشد على الغزالي في هجومه على الفلاسفة، ويحيل إلى «المشكاة»، ويتصدر أبو حامد في الأقوال المقتبسة من «تهافت الفلاسفة». ويحيل ابن رشد إلى بعض مؤلفات الفارابي مثل «كتاب البرهان» و«كتاب الحروف». والعجيب عدم ذكر الكندي فيلسوف العرب مع أنه البداية في وضع العقل في مواجهة الطبيعة، الذات في مقابل الموضوع باسم الدين كما فعل ابن رشد في النهاية وكأن ابن رشد آثر التوجه إلى الانحراف بين البداية والنهاية، الإشراق كما مثله الفارابي وابن سينا والدين النفسي في مواجهة الله الذي يشرق عليها، والتحول من العلم إلى التصوف، ومن الأفقي إلى الرأسي. ويضع ابن رشد الوافد في تصورات الموروث، جواز الكون والفساد على المادة الأولى على جواز كون الإرادة الحادثة على القديم عند الكرامية. ولم يكتفِ ابن رشد فقط بالدفاع عن الفلاسفة بل تحول من الدفاع إلى الهجوم، ويجعل الدفاع عن الفلاسفة مناسبة للهجوم على الأشعرية. ولا يقول الأشاعرة بعد أن تحول الأشاعرة من مجموعة من الأشخاص أنصار الأشعري إلى نمط فكري مثل تصور فاعل أول أو فاعل أول قديم، فاعل قديم وفعل حادث، ما يتطلب تصور حالة متجددة مستمرة في الفاعل أو في الفعل. وفي رأي الأشعرية أيضًا كما تأخر وقوع الطلاق في اللفظ إلى وقت حدوث الشرط كذلك تأخر وقوع العالم على إيجاد الباري إلى وقت حدوث الشرط وهو الوقت. ويهاجم ابن رشد الأشاعرة في شخص الغزالي والمقصود الأشاعرة.٧٥
ويذكر ابن رشد الأنبياء ويأخذ معجزة إبراهيم نموذجًا للسببية والعلية. ويخص بالذكر النصارى في جعلهم الصفات ذاتية وليست زائدة على الذات كما تفعل الأشاعرة لتبرير الأقانيم المتكثرة بالقوة وإن كانت واحدة بالفعل. ولا ينسى باقي الشعوب الشرقية مثل الكلدانيين الذين برعوا في علوم التنجيم نموذجًا للأمور الكلية. فكل ما ظهر في السماء موضوع حكمة غائية. وإذا كانت الغائية في الحيوان فالأولى أن تكون في الأجرام السماوية. وإذا كان قد ظهر في الإنسان والحيوان نحو عشرة آلاف حكمة في ألف عام فلا يستبعد أن تظهر آلاف الحكم الأخرى في الأجرام السماوية في آلاف السنين القادمة، غائية في الماضي وغائية في المستقبل. وقد تكون العلة الغائية هي العلة الفاعلة الحقة.٧٦
ويضع ابن رشد الشريعة الإسلامية في إطار الشرائع المقارنة اليهودية والمسيحية وشرائع الصابئة والكلدانيين. فموقف الشريعة الإسلامية السكوت عن المسائل النظرية الخالصة، والتنبيه على ضرورة اتباع الجمهور ظاهر الشرع. في حين أن الحكماء لهم حق المعرفة، والتأويل ليس فقط في الشريعة الإسلامية بل في كل شريعة. وهناك جوامع بين الشرائع كلها مثل القول بحشر الأجساد منذ آلاف الأعوام وكما أقر بذلك ابن حزم عالم الأمة بتاريخ الأديان. وهناك أيضًا خصوصيات لكل شريعة عبر عنها أبناء بني إسرائيل بعد موسى كما هو واضح في الزبور وبعض الكتب المنسوبة إليهم. وقد كان في بني إسرائيل حكماء كثيرون كما تشهد بذلك كتبهم المنسوبة إلى سليمان، وكما ورد في الإنجيل، وتواتر عن عيسى، وهو أيضًا قول الصابئة أقدم الشرائع. وهم أكثر الناس تعظيمًا وإيمانًا بها. وهو الدين الطبيعي الذي يقوم على التوحيد الطبيعي. وواضح ظهور الوعي التاريخي في نهاية «تهافت التهافت»، وكما هو الحال في الأعمال الفنية من خلال ابن حزم مؤرخ الأديان، واستعمال الإجماع التاريخي لإظهار الحقائق التي تتفق على كل الشعوب دون استعمال الحجج الشرعية العقلية أو النقلية ودون الرد على حجج الخصوم كما يفعل المتكلمون، والإيمان لدرجة القطع، ونفي أي احتمال للرأي المعارض.٧٧
ومع ذلك يوجد عند ابن رشد إحساس قوي بالتمايز بين الأنا والآخر، بين ملة الإسلام وعلماء الإسلام وفلاسفة الإسلام والمسلمين والإسلام من ناحية وبين باقي الملل الأخرى مثل اليهود والنصارى والصابئة والكلدانيين أو الشعوب مثل اليونانيين من ناحية أخرى. وأهل الإسلام منهم المتقدمون ومنهم المتأخرون. والمتأخرون هم الفلاسفة الذين هم أقل تحصيلًا لمذاهب القدماء من المتقدمين. فقد انفردوا ببعض الأقوال، وخرجوا على مذهب المتقدمين. أما الفلاسفة من أهل الإسلام فهم أبو نصر وابن سينا والذين سلموا لخصومهم بأن الفاعل في الغائب كالفاعل في الشاهد. ولما كان الفعل الواحد لا يكون منه إلا مفعول واحد اضطرهم الأمر ألا يجعلوا الأول هو محرك الحركة اليومية. وهذا من خطأ أصولهم. يسميهم من ينتسبون إلى الإسلام خاصة ابن سينا. وينزع عنهم صفة الفلاسفة ويخرجهم من الإسلام كدين وليس من ملة الإسلام أو أهل الإسلام كأمة لأنهم خرجوا على الأقاويل البرهانية لأرسطو. وقد استفاد الغزالي أيضًا من كتب الفلاسفة حتى فاق أهل زمانه وعظم حديثه في ملة الإسلام. وفي نفس الوقت يذم الفلسفة وأهلها وكأنه شيخ قديم أو فقيه من فقهاء السلطان.٧٨
ويشير ابن رشد إلى دائرة أوسع هم المتكلمون في الإسلام أو بعض علماء الإسلام أو أهل الإسلام المشتغلون بالعلم. للمتكلمين طرقهم الخاصة غير طرق الحكماء، وهي الأقاويل الخطابية والجدلية في حين أن أقاويل الحكماء برهانية. أما بعض علماء الإسلام فإنهم أصحاب الآراء في الفروع. وأهل الإسلام هم علماء الأمة على العموم، الإجماع الشعبي العام الذي لا يسلم بقدم العالم وإن لم يكن ذلك رأي الخاصة. ويذكر لفظ الإسلام أو المسلمين على الإطلاق دون تحديد. ويعني العقائد الشائعة، والإجماع العام في مقابل الكفر والزندقة، وإنكار المعاد الروحاني والنبوات. والحقيقة أن كل رفض للفلاسفة باسم الدين إنما هي مزايدة عليهم في الدين وكأن كل زيادة في الإيمان هو نقص في العقل بالضرورة. وإن مدح السلطان وتأييد الفكر الذي يعتمد عليه هو عدم قدرة على معارضة السلطان. وإن كل مزايدة على الفلاسفة باسم العقل أقرب إلى البحث عن العقل الخالص؛ إذ إن كثيرًا من أخطاء الفلاسفة ناشئة عن التسليم بمقدمات خصومهم المتكلمين.٧٩
ويشير ابن رشد إلى الصوفية أرباب التأويل العلم الراسخ. وهو ليس العلم الشرعي. إتيانه في غير موضعه ظلم، وكتمانه عن أهله ظلم. ويربط بين تراث الحكماء وتراث الصوفية في عنصر مشترك هو التأويل وعلوم الخاصة. لذلك قال الصوفية لا هو إلا هو. بل يمتاز الصوفية على الأشعرية بأن الله ماهية يدل عليها اسمه الأعظم في حين أن الله على مذهب الأشعرية لا ماهية له أصلًا ولا ذات لأن وجود ذات لا ماهية لها لا يفهم، في حين ذهب البعض الآخر أن له ماهية خاصة تتميز الذات بها عن سائر الموجودات. كما أن الصوفية تشارك الفلاسفة في القول بالمعاد الروحاني لا المادي ولم يكفرهم أحد. لا يهاجم ابن رشد الصوفية بل يهاجم الأشاعرة. هل لوجوده في الأندلس أم أن الهجوم على الأشعرية هو نقد مبطن للصوفية، أم أن ذلك توزيع أدوار، فقد قام الفقهاء من قبل بنقدهم والهجوم عليهم، أم لعدم خطورتهم بالأندلس، وربما لصداقته لابن عربي فيلسوفًا وليس درويشًا طبقًا للقاء الشهير بينهما واتفاق المنهجين، النظر والذوق «أني أعلم ما يشاهد» «هي نفسها» «إنه يشاهد ما أعلم»، وربما لأن ابن رشد صوفي باطني مُؤَوِّل في قراءة له؟ والأقرب إلى الصواب أن نقد الأشعرية هو نقد الأساس النظري للتصوف كما وضح عند الغزالي، يغذي كل منهما الآخر. فنقد ابن رشد للأشعرية صراحة وللتصوف ضمنًا هو القضاء على رأس الثعبان دون ذنبه. والعجيب أن الفقيه ابن رشد لا يشير إلى الفقهاء كثيرًا إلا مرة واحدة عن اختلافاتهم، وابن رشد الأصولي يبحث عن الأصول التي تجمع وليس عن الفروع التي تفرق.٨٠
وبالرغم من أن «تهافت التهافت» نقد للنقد في علوم الحكمة إلا أن حضور الموروث فيه يجعله أساس النقد خاصة ألفاظ الشريعة والشرع ومصطلحاته وعباراته وكأن ابن رشد يتعامل مع الحكمة بمنطق الفقيه. ويحيل ألفاظ الحكمة إلى ألفاظ الشرع، وألفاظ الوافد إلى ألفاظ الموروث ما دامت المعاني واحدة. فما سماه الوافد القوة الفاعلة سماه الشرع الإرادة. لقد أتى الشرع بألفاظ لمعاني وحقائق موجودة سلفًا مثل القوة الطبيعية والعلل الفاعلة. ومِن ثَم يتفق الشرع والفلسفة في المعاني وإن اختلفا في الأسماء والمصطلحات، بداية التشكل الكاذب. كما أطلق الوافد اسم الموروث على ما عناه الشرع باسم الخلق والاختراع والتكليف. ألفاظ الشرع خاصة وألفاظ الحكمة عامة. ومِن ثَم يمكن فهم الحكمة فهمًا صحيحًا عن طريق معرفة مصطلحاتها. فالألفاظ الموروثة استعمالها شرعي كما هو الحال عند ابن حزم، واستعمال المتكلمين عامة والأشاعرة خاصة وأبي حامد بوجه أخص استعمال غير شرعي.٨١ ويستعمل ابن رشد ألفاظ الشرع والشرائع والشريعة والصفات الشرعية وشرعي بمعانٍ متقاربة وإن اختلفت الصياغات بين المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع، والاسم والصفة.٨٢
ويستعمل ابن رشد الأمثلة الشرعية لشرح المسائل الفلسفية مثل استعمال موضوع الطلاق والشروط لشرح علاقة الله بالعالم. فقد رفض ابن رشد مثال أبي حامد والأشعرية من ورائه في الطلاق لقياس العالم قدمًا وحدوثًا، وتأجيل الخلق حتى حدوث الشرط مثل تأجيل وقوع الطلاق بعد إطلاق اليمين لحين دخول الدار. فعند أهل الظاهر يقع الطلاق في الحال لأن الأمر في الوضعيات غير الأمر في العقليات. وهنا يبدو ابن رشد ظاهريًّا في الأندلس أكثر منه عقليًّا في المشرق. كما يضرب الأمثلة بالشفع والوتر في صياغة حجج لبيان استحالة الموقف الفلسفي، فهم حركات الأفلاك في معرض الدليل الأول على قدم العالم. وأحيانًا تكون الأمثلة الفقهية غاية في ذاتها، مجرد بناء عقلي يفيد على نحو غير مباشر في علوم الحكمة مثل أفعال الصلاة ومقارنتها في عديد من الشرائع.٨٣
وهناك حكم شرعي في تناول هذا الموضوع عرضه ابن رشد في «فصل المقال» ونبه عليه في «تهافت التهافت»، ومارسه بالفعل في «مناهج الأدلة». ومن أفتى فيما لا يعلم أو من أتى بفعل بغير شرط يكون فسادًا في الأرض. ويظل الموضوع الغالب على استعمال لفظ الشرع معنى النقل في الموضوع الكلامي من العقل والنقل الذي يسميه ابن رشد الحكمة والشريعة أو ما سماه الفلاسفة قبله الفلسفة والدين، وهي المسألة المنهجية في الكلام والفلسفة والتصوف والأصول. وهنا يبدو ابن رشد فقيهًا ينظر إلى الموضوع نظرة الفقيه لمعرفة حكم الشرع في المسألة وكأنها مسألة فقهية صرفة وكما بين ذلك في «فصل المقال». وهنا لا تبدو المسافة بينه وبين أبي حامد كبيرة. فهو يوافق على قوله إن كل ما قصرت على إدراكه العقول الإنسانية يُرجَع فيه إلى الشرع، وأن الوحي جاء متممًا للعقل، وكل ما عجز عنه العقل أكمله الوحي سواء كان هذا العجز بسبب نقص الفطرة أو بسبب نقص التعلم. وكيف يكون ابن رشد عقلانيًّا وهو يقول بقصر العقول في مدارك الشرع مما أوجب إكماله به؟٨٤
ويؤكد ابن رشد موقف الحكماء في قسمة الناس إلى عامة وخاصة، حكماء وجمهور. حق الخاصة وحدهم التأويل، وللجمهور ظاهر الشرع. الخاصة تقدر على المسائل النظرية البرهانية في حين أن العامة في حاجة إلى الأقوال الخطابية والتوجهات العملية. عند الخاصة الإيمان برهان وعند العامة يقين. وترجع هذه الثنائية إلى طبيعة التلقي ومستوى التعليم وليس إلى النص في ذاته. ترجع إلى القارئ وليس إلى المقروء. ظاهر الشرع يغني عن كل الوافد الذي لا يقوى عليه الجمهور. وفرق بين وضوح الشرع وغموض الوافد. وإن الفلاسفة الذين حاولوا اتباع الوافد أضاعوا اليقين الفلسفي، وفقدوا ظاهر الشرع. لقد تحدث الشرع عن الحدوث بالمعنى الشائع، تغير الكائنات وحدوثها من عدم. أما كيفية خروج الممكن من الضروري فقد سكت الشرع عنه لبعده عن أفهام الناس، وبالتالي فإن معرفتها ليست ضرورية لسعادة الجمهور. وأما محاولات الأشعرية فإنها خارجة عن شريعة المسلمين ولا تقوم على برهان. وحكم الشرع في ذلك هو النهي عن الدخول فيما سكت عنه الشرع، وبالرغم من أن القياس هو إيجاد حكم على ما سكت عنه الشرع، قياس للفرع على الأصل.٨٥

والحقيقة أنه لا فرق بين «مناهج الأدلة» و«تهافت التهافت». فالنظرة الشرعية الفقهية متضمنة داخل الدفاع عن علوم الحكمة. عقول البشر قاصرة. لذلك سكت الشرع عن بعض الأمور وأكملها من عنده. لا يتعرض لها الجمهور بل الحكماء وحدهم. الشرع كالطب له غاية نفعية، وهو مقدار ما يحتاجه الجمهور لنيل سعادتهم في الأمور العملية مثل مقدار ما يحتاجه الطبيب للعلاج وليس للبحث النظري. لذلك نفت الظاهرية القياس في العمليات وهو أفضل من نفيه في الأمور النظرية وكما نبه عليها الشرع. ومن لم يكن من أهل البرهان عليه الإيمان بالشرع والكلام فيه حرام. وإن كان من أهل البرهان دون إيمان يمكن لأهل البرهان حجاجه. هذا هو موقف الشرع بل كل شريعة، سكوت الشرع عما لا يجب على الجمهور الخوض فيه، ويحق ذلك لأهل البرهان وحدهم. فهل هذا هو الموقف الظاهري الذي كان سائدًا بالأندلس أم أنه تعبير عن سطوة الفقهاء وسيطرتهم على الحياة العقلية؟

ويذكر ابن رشد ابن حزم في معرض الدلائل على النبوة. ويرفض نسبة بعض الصنائع إلى الجن أو الأنبياء كما زعم ابن حزم. فابن رشد أكثر عقلانية من ابن حزم. أحكام العقل عند ابن حزم جائزة ويمكن أن يخلق الله صفات مختلفة. كما يستشهد به في القول بأن الصابئة التي تقول بحشر الأجساد من أقدم الشرائع. ومع ذلك فابن حزم بشخصه ليس حاضرًا بالقدر الكافي وإن كان حاضرًا بظاهريته. وفي نفس الوقت يتحدث ابن رشد عن الظاهرية وأهل الظاهر في سياق شرعي خالص ويستعمل رأيهم في موضوع الطلاق لحظة إطلاق اللفظ دون انتظار الشرط كقياس لإثبات قدم العالم عند الفلاسفة بدليل عدم حدوث العالم مع الله بعد استشهاد الغزالي برأي الأشعرية في تأخير وقوع الطلاق لحين حدوث الشرط بعد إطلاق اللفظ.٨٦ فعلاقة الطلاق بشرطه احتمال عند أهل الظاهر وضرورة عند الأشاعرة مثل علاقة قدم العالم بدليل عدم حدوثه مع الله. فالبنية واحدة، أفعال الشرع أو أفعال الله. العلاقة بين الإنسان وفعله أو العلاقة بين الله وخلقه. والظاهرية كنفي للقياس قد تكون أسعد حظًّا في الأمور العملية عنها في الأمور العلمية.
وبالرغم من إدراك ابن رشد أهمية التأويل، والانتقال من الصور الفنية إلى دلالتها، ومن المعاني الحرفية إلى المعاني المجازية، اللوح المحفوظ هو العقل الفعال والعقول المفارقة أو النفوس التي تحرك الأفلاك هي الملائكة إلا أن هذا تأويل الحكماء وليس موقف الشرع الذي يتطلب الطاعة أكثر مما يتطلب البرهان. والحكماء أنفسهم لا يجوزون التكلم أو الجدل في مبادئ الشرائع إلا بأدب شديد. فكل صناعة لها مبادئ يتم التسليم بها دون التعرض لها بنفي أو إبطال. والصناعة العملية الشرعية كذلك تتطلب تمثل الإنسان الفضائل الشرعية من حيث هو إنسان عالم وتقليدها دون المناظرة فيها أو جحدها لأن المناظرة والجدال يبطلان وجود الإنسان لدرجة قتل الزنادقة. مبادئها إلهية تفوق العقول الإنسانية. يتم الاعتراف بها وإن جهلت أسبابها. لذلك لم يتكلم أحد من القدماء في المعجزات بالرغم من انتشارها وظهورها في العالم لأنها مبادئ تثبت الشرائع، والشرائع مبادئ الفضائل. ولا يتم الحديث فيها بعد الموت. فإذا نشأ الإنسان على الفضائل الشرعية كان فاضلًا على الإطلاق. فإن استطاع التأويل لمبادئها فإنه لا يجب التصريح به للجمهور. والغريب هذا الموقف الفقهي الصرف لابن رشد وكأنه ابن حزم قبله وابن تيمية بعده. فكيف لا يجوز الكلام في مبادئ الشرع على الإطلاق؟ وإن كان الجدل معيبًا منطقيًّا إلا أنه مفيد في الحوار وإثارة العقول. كيف يجوز التسليم بمبادئ الشرع ولا يتم التساؤل حولها والحكمة فيها بما في ذلك الأمور العملية؟ وكيف يجوز اتهام من يفعل ذلك بالزندقة وإجازة قتله؟ كيف يمكن تقليد الشرائع دون معرفة عللها وأسبابها، والعلة أساس علم الأصول؟ كيف تكون أمور إلهية وهي شرائع وضعية تقوم على رعاية مصالح الناس؟ كيف تفوق الأمور الشرعية العقول والعقل أساس النقل؟ وهل المعجزات أمور شرعية وقد تعرض هو نفسه لها؟ وهل الشرائع تقوم على المعجزات أم على أدلة باطنية، تطابقها مع حياة الناس وتلبيتها حاجاتهم؟ كيف يتفق ذلك كله مع عقلانية ابن رشد؟ صحيح أن الشرائع مبادئ الفضائل ولكنها وسائل والفضائل غايات. وعند الحكماء يمكن معرفة الغايات مباشرة أو بوسائل أخرى.٨٧
وقد وصف الشرع الله بالسميع والبصير تقريبًا للجمهور، والمقصود العلم عند الحكماء، وبالتالي تصور المتكلمون الله باعتباره إنسانًا أزليًّا. ومِن ثَم يكون الفلاسفة أكثر تنزيهًا منهم، بالإضافة إلى أن الفلسفة قول برهاني والكلام قول إقناعي. ويبحث الحكماء في أمور الشرع، والشرع متفق مع العقل من حيث المبدأ، ومِن ثَم يكون طريق المعرفة واحدًا. فإن ظهرا مختلفين يُؤَوِّل الحكماء الشرع ليتفق مع العقل ويصبح أيضًا طريق المعرفة واحدًا. لا خلاف إذن بين موقف المعتزلة وموقف الحكماء في منهج التأويل. وإن اعتراض الغزالي على الحكماء لا موضع له لأن الصوفية يقومون بالتأويل حتى يتفق الشرع مع الخبرة الصوفية الذاتية.٨٨

وقد أضاف الحكماء ما لم يتكلم فيه القدماء، باب النبوات والمعجزات. فقد تركها القدماء دون فحص. هي مبادئ الشرائع والباحث فيها معرض للعقوبة كمن يفحص المبادئ العامة التي تقوم عليها الشرائع مثل وجود الله والعمل بالفضائل والسعي نحو السعادة. ومع ذلك فقد جعلوا الوحي والرؤية من الله بتوسط موجود روحاني ليس بجسم، واهب العقل الإنساني. يسميه الحذاق منهم العقل الفعال، وفي الشريعة يسمى ملكًا طبقًا لعملية التشكل الكاذب. أما تصديق الخواص بالأنبياء فطريق آخر نبه عليه أبو حامد، وهي الصفة الصادرة عن النبي، الإعلام بالغيب ووضع الشرائع الحقة الموافقة للحق والمفيدة من الأعمال التي بها سعادة جميع الناس. فالمعجزات أدلة خارجية على النبوة وليست داخلية. وهي موضوع للعلم الطبيعي وليست موضوعًا للشرائع مثل الصلاة والصيام. كانت موجودة في الماضي ولم تعد كذلك بعد استقلال الفكر وحرية الإرادة. ولا عقوبة على الفاحص فيها.

والقول بحشر الأجساد منتشر في كل الشرائع منذ أكثر من ألف عام، منذ عصر ابن رشد بداية من بني إسرائيل بعد موسى، وواضح في الزبور وفي كثير من صحفهم المنسوبة إليهم. وقد تواتر في أقوال عيسى في الإنجيل بالرغم من نفي الصديقيين ومجادلة المسيح لهم. وهو أيضًا رأي الصابئة. وهي أقدم الشرائع، الدين الطبيعي القائم على التأمل في الكواكب. والحجة في ذلك سعادة الإنسان في الدنيا بالعمل وفي الآخرة بالنظر، وذلك لا يتأتى إلا بمعرفة الله سواء كانت حجة مقنعة أو غير مقنعة أم مقنعة في الدنيا دون الآخرة. كما أن الشرائع بمعنى الصنائع الضرورية للمدينة وإن اختلفت في صورها تتحدد في قصدها، وهو وجود حياة بعد الموت. وتقصد الشرائع تعليم الجمهور وتنبيه العلماء دون تأويل العامة. ومع ذلك يمثل الدين مرحلة أعلى من الفلسفة في تطور البشرية. فقد تنصر حكماء الروم ثم أسلم حكماء الإسكندرية. وشرائع الوحي والعقل أعلى من شرائع العقل وحده مثل شرائع اليونان والرومان أو شرائع الوحي وحده مثل الشرائع اليهودية والمسيحية. والعجيب أن ابن رشد يرى أن من ينكر الأجساد ويكون زنديقًا يجب قتله! يستعمل ابن رشد تواتر الحقائق في تاريخ الأديان وما أصبح حكمه لكل الشعوب، إجماعًا للبشرية كلها عبر التاريخ.٨٩

والعجيب أن ينتهي ابن رشد إلى أن المبادئ التي تقوم عليها الشرائع أمر إلهي معجز، تعجز العقول عن إدراكها مثل هل الله موجود، وهل السعادة موجودة، وهل الفضائل موجودة لأن الشرائع وضعية تقوم على وضعية المصالح العامة. والعجيب أيضًا أن يجعل تصديق النبوة بالمعجزات مثل الكتاب ولكن إعجازه ليس عن طريق الرواية بل عن طريق الحس والتجربة إلى يوم القيامة. ومِن ثَم فاق إعجاز القرآن باقي المعجزات بمعنى خرق قوانين الطبيعة والعقل والإنسان. أما الخواص فلهم طريق خاص في تصديق الأنبياء. لذلك لم يقتصر الشرع فقط على تعليم الجمهور وتفهيمه هذه الأشياء. ولا يعصم أحدًا من الخطأ إلا ما كان مؤيدًا من الله مثل الأنبياء. وهنا يبدو ابن رشد تقليديًّا بل وشيعيًّا يقول بالعصمة، عصمة الأنبياء، وبالحقيقتين، الأولى للعامة والثانية للخاصة.

وتبلغ قمة استعمال الموروث في الموروث الأصيل، الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالإضافة إلى أقوال الصحابة ولو أنها أقل من «فصل المقال» و«مناهج الأدلة» سواء كمصادر للبرهان على صحة العقائد أو على تصورات العقائد للعالم والله والإنسان ذاتها.٩٠ تشير كل الآيات القرآنية إما على طرق البرهان أو نسق العقائد الكلامية، الذات والصفات والأفعال لب علم الكلام أو أقسام الحكمة، المنطق والطبيعيات والإلهيات لب الفلسفة. يستعمل القرآن البرهان للإقناع. لذلك استطاع المتكلمون تحويل الآيات إلى براهين عقلية على وجود الله ووحدانيته وحشر الأجساد. فالآية برهان عقلي وطبيعي. وهذا هو ثباتها في الذهن والواقع. وهي لغة تستعمل في الماضي للدلالة على الحاضر وربط الخبر بالمخبر. وتتضمن الاستعارة من أجل التأثير والإقناع. وتشخص الأشياء في نظرة حيوية إرادية للعالم. الجدار يريد أن ينقض. وقد استعمل الشرع الصورة الفنية لتعليم الجمهور في تفهيم الذات الله وصفاته وأفعاله نظرًا لوجودها في الإنسان، قياسًا للغائب على الشاهد. أما الخاصة الراسخون في العلم فهم الأقدر على علوم التأويل على طريق البرهان نظرًا لفطرهم الفائقة بالرغم من قلتها في الناس. وقد نهى الشرع عن الدخول في الأمور الغامضة وسكت عنها. وما لم يصرح به الشرع يؤمن به كالراسخين في العلم. وقد استعمل ابن رشد حديثين لنفس المعنى، الحث على التفكير في خلق الله وليس في ذاته. وإن بلوغ الجمهور إلى مثل هذا الطلب هو من باب الوسوسة، ومِن ثَم يؤخذ ذلك بمحض الإيمان.٩١
ويُستعمل عديد من الآيات أكثر من مرة لنفس المعنى ونفس السياق لوضع تصور ذهني ورؤية للعالم، فالنص والعقل والطبيعة نظام واحد، وتذكر الآية بعد عرض رأي أرسطو العلمي المتفق مع العلم والعقل والطبيعة. يبدو القرآن أكثر إقناعًا ووضوحًا وأسهل فهمًا وأعمق تأثيرًا وأقرب تعيينًا من التجريد والاستدلال والبحث العويص الفهم الأقل وضوحًا وتأثيرًا والذي لا يفهمه إلا الخاصة من المناطقة والعلماء. القرآن هو البرهان الشامل. والحقيقة أن القرآن يبدو صورة تفرض مضمونها دون تحقيقه ثم يأتي المتكلم أو الفيلسوف أو الصوفي أو الأصولي أو المفسر فيحقق مناطها. وقد تختلف المناطات وتتعدد وتظل البنية التي يتحد فيها الوحي مع العقل والطبيعة واحدة مثل الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا الفكرة واحدة والمواضع متعددة.٩٢
وتصعب التفرقة بين الطبيعيات والإلهيات، بين نظام العالم والقدرة الإلهية والدعوة إلى التأمل والنظر في الخلق لإثبات الخالق. فأقسام الحكمة واحدة، العلم والمعلوم والعالم. ولقد اطلع إبراهيم على الأجرام السماوية فأيقن بوجود الخالق، وخضوع الكون لنظام، كل شيء في وضعه، السماوات والأرض محدثة بل أول المحدثات كما هو ظاهر في الكتاب في غير ما آية، وأن السماء والأرض كانتا رتقًا قبل فتقهما. ولما ارتبطت الأسباب بعضها ببعض انتهى الأمر إلى موجود غير محسوس، علة العلل ومبدأ الوجود المحسوس. تتحدث الآيات عن خلق الإنسان من الطين وانتقال الصفات النفسية من موجود إلى موجود مخالف له بالجوهر والحد والاسم والفعل، جمع بين التطور والانكسار، بين التواصل والانقطاع.٩٣ تتركب الأسطقسات حتى تكون منها النبات ثم الحيوان ثم الإنسان. الحيوان يتغذى بالنبات فيتكون منه دم ومني. ومن المني والدم يتكون حيوان آخر. فالحدوث في القرآن ولكن بألفاظ ومصطلحات وتعبيرات أخرى موروثة وليست وافدة. والخطورة في ذلك ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن حيث يرتبط الثابت بالمتحول، واليقيني بالظني، والدين بالعلم. ثم تأتي الآيات الخاصة بالتوحيد ذات الله وصفاته، علمه وقدرته ووحدانيته. ويذكر ابن رشد الآية التي يثبت بها الأشاعرة الوحدانية عن طريق دليل التمانع. الوحدانية صفة لله وللطبيعة والمجتمع في توحيد شامل، وعلمه محيط وشامل. وهو علم بالشخص وعلم بالكلي أو علم على الإطلاق دون تحديد بالشخص أو بالكلي. وقد نبهت الآيات على عناية الله بالعالم وبالإنسان لتسخير جميع السموات له. الله حافظ لكل شيء، وكل شيء مطيع له بالأمر، والله هو الآمر.٩٤
والإنسان هو الوحيد من بين سائر الموجودات المكلف على الأرض والمؤتمن عليها، والأمر الإلهي ليس موجهًا للإنسان بالطبيعة بل بالإرادة، ليس بالضرورة بل بالحرية. ويعترض ابن رشد على تصور ابن سينا لحركة الأفلاك وأنها طاعة لله وليس لاستكمال آنيات متناهية، مقابلًا النظرة الكونية بالنظرة الشرعية ومعتمدًا على الآية. وينهي ابن رشد استدلالاته النصية بإثبات معاد النفس، وتشبيه الموت بالنوم، وتمثيل المعاد بالأمور الجسمانية أفضل من تمثيله بالأمور الروحانية. ويستعمل حديثًا وقولًا مأثورًا عن ابن عباس. وفي النهاية الروح سر من أسرار الله، ولم يُؤتَ الإنسان من العلم إلا القليل وما زال المثل الفقهي هو أفضل تصور للفلسفة مثل أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.٩٥
ولفظ «الله» هو اللفظ المفتاح، والمفهوم الرئيسي في «تهافت التهافت» بل وفي الموروث كله لأنه محور التصور الجديد الذي على أساسه يتم فهم الوافد. وقد ذكر اللفظ أكثر من مائة مرة وكأن الكتاب في علم أصول الدين وليس في علوم الحكمة. فلا ثمة فرق بين الكلام والفلسفة من حيث إثبات وجود الله ثم ذاته وصفاته وأفعاله ثم ما يتعلق بالنبوة والمعجزات والشرائع. ويظهر اللفظ كصفة في عدة معانٍ مثل الذات ووحدانيتها والعلم والعقل والمبدأ الأول والجود والنظام والخلق والصنع والإرادة والطبع والنبوة والشريعة. لقد تجاوزت علوم الحكمة البراهين على وجود الله عند المتكلمين. فالله أصبح واجب الوجود، وتحول علم الذات إلى علم الوجود. ومع ذلك فالصنعة تدل على الصانع. ويظل إثبات التوحيد ونفي الاثنينية متواصلًا من علم الكلام إلى علوم الحكمة اعتمادًا على دليل الممانعة عند الأشعري بالرغم من ضعف الدليل عند الفلاسفة. وهذا هو السبب الذي جعل الفلاسفة يقولون بقدم العالم نفيًا للأثنينية والتعددية والشرك وافتراض وجود كائنين، الله والعالم منذ القدم. فالقديم واحد. ومع ذلك هي طريقة صعبة لإثبات الوحدانية إذ كان الواحد بسيطًا غير مركب من مادة وصورة. أما إذا كان مركبًا من أجزاء بالفعل فوحدته تأتي من ذاته بالقوة في الحيوان. إنما الفرق أن القوة في العالم قديمة وفي الحيوان حادثة. ويقال على كليهما إله باشتراك الاسم إن تباينا في النوع. كما يقال عليهما حياة أيضًا باشتراك الاسم في حين أن الحياة الأولى أزلية والثانية فاسدة وإلا كان الإله إنسانًا أزليًّا والإنسان إلهًا كائنًا فاسدًا.٩٦
ويمثل العلم الإلهي المكانة الأولى في استعمال الصنعة. لقد جعل ابن سينا مع غيره من الفلاسفة صفة العلم ظنية مغيرين بذلك مذهب القدماء. يمكن إثبات العلم الإلهي بالبرهان كما هو الحال في الأمور الهندسية خاصة وفي العلوم التعليمية عامة. بل إن إثبات العلم الإلهي بالبرهان أولى. كل قول في العلم الإلهي له مقدمات تؤدي إلى نتائج وإلا فلا اعتقاد. بل ويمكن تجريب هذه المقدمات الجدلية في البرهان. الجدل نافع في بعض العلوم وليس في العلم الإلهي. يلجأ بعض المتكلمين إلى الجدل للتكيف مع الجوهر الذي لا يكيفه العقل لأنه لو فعل لكان عقلًا أزليًّا، ولكن العقل الأزلي والكائن الفاسد شيء واحد. الحديث عن الله إذن حديث برهاني وليس جدليًّا وإلا تحول الحديث إلى ظني كما لاحظ أبو حامد. ومع ذلك فاجتهادات الفلاسفة والمتكلمين يمكن مراجعتها وإزالة ما بها من شكوك، والانتقال من الجدل إلى البرهان، ومن الظن إلى اليقين. فلا عجب أن يخطئ الفلاسفة في العلوم الإلهية وألا يقولوا فيها قولًا مفيدًا. والعلم الإلهي غير العلم الإنساني. فالله لا يعلم بالجهة ولكن الإنسان يعلم بها وإلا لوقع الاشتراك بين العلمين. علم الله يتعلق بالأشرف وليس بالجهة. وهو علم مرتبط بالسمع والبصر للتأكيد على صفة العلم التجريبي بالأشياء. علم الله واقع، وكل شيء يقع بعلمه. ويعرف الفلاسفة الموجودات بعقولهم واعتمادًا على البراهين المتفقة مع المحسوسات. ومع ذلك عقل الإنسان غير العقل الإلهي. ولا يقال عليهما عقل إلا باشتراك الاسم.٩٧

لذلك اختلف الفلاسفة في الصلة بين الله والعالم، بين الإرادة والطبع، بين المباشرة والتوسط. فالأشاعرة والغزالي يقولون بالمباشرة وبالتدخل في العالم بالإرادة. والفلاسفة والمعتزلة خاصة أصحاب الطبائع يقولون بالتوسط عن طريق الأسباب أو الطبع. وهي القوة التي تعطي الحيوان وحدته. وعلى هذا يمكن القول بأن الله خالق كل شيء، ممسكه وحافظه. والخلاف فقط بالإرادة أم بالأسباب. وبهذا المعنى يكون القديم علة للحوادث. ويكون كل ما في العالم بحكمته، وإن قصر العقل في فهمها، وأن الحكمة الطبيعية أساس فهم الحكمة الصناعية. فإن كان العالم مصنوعًا في غاية الحكمة فإنه لحكيم صنعه، يفتقر إليه كل شيء في السماوات والأرض. المصنوع ليس علة لنفسه. ويمكن بدعوى تنزيه الخالق إبطال حكمته وسلب صفاته. والخلق والحكمة والعناية موضوعات موجهة لدفاع ابن رشد عن الفلسفة والفلاسفة ضد هجوم أبي حامد. بل إن البعض ذهب إلى حد القول بقدرة الله على اجتماع المتقابلين. فجعلوا الإرادة ضد قوانين العقل كما هي ضد قوانين الطبيعة. لم يأمر الله بالعادات، ولم تنشأ في الموجودات ولكن اكتسبها البشر فأصبحت لديهم طبيعة ثانية.

والكون يخضع لنظام لا يؤثر فيه اضمحلال الأجرام السماوية كما ظن الفلاسفة وأن هذا النظام صدر عن المبدأ الأول، وهو الله، وأنه كما يفعل الملك في المدينة. هذا الأمر الإلهي هو الأصل في التكليف والطاعة اللذين وجبا على الإنسان باعتباره حيوانًا ناطقًا. وقد فاض الجود الإلهي عليه الحياة والإدراك. ويتم هذا الأمر من خلال المبادئ والقوانين التي تنتظم الكون في سلسلة متتابعة من الأسباب والمسببات. ومِن ثَم لا فرق بين إرادة الله والكون والعلل والأسباب إلا التوسط. ولقد أخطأ أبو حامد في تزييف العلم الطبيعي بعلم إلهي مزيف أيضًا. العلم الطبيعي الصحيح يؤدي إلى العلم الإلهي الصحيح. ويبدو هنا التشكل الكاذب واضحًا. فالله هو المبدأ الأول، العلة الأولى، السبب الأول، العقل الأول … إلخ.٩٨
ويتوجه ابن رشد بالنقد للتصور الأشعري الذي يجعل علاقة الله بالعالم علاقة إرادة، الأمر بالمأمور، والتي تؤدي إلى إنكار وجود الأسباب والقوى الطبيعية التي بها تتحرك الأشياء والمعقولات والتي بها يستطيع الإنسان فهم العالم، وكأن الله حارس مدينة يلف حولها بآيات متناهية دون الدخول فيها. وهو قول يفترض في الله السكون لا الحركة. والله ليس بمتحرك ولا ساكن، وإن كان لا بد من التفضيل فإنه إلى الحركة أقرب. والحقيقة أنه بالرغم من رغبة ابن رشد في تجاوز التصورين، الإرادة والطبع، إلا أنه إلى الطبع أقرب، وتجاوز المتكلمين والفلاسفة ولكنه إلى الفلاسفة أقرب، وتجاوز الأشاعرة والمعتزلة ولكنه إلى المعتزلة خاصة أصحاب الطبائع أقرب. والعجيب أن يستعمل ابن رشد وهو البرهاني الأمثلة الخطابية الشعبية للشرح والبيان. والصراع بين الإرادة والطبع هو في الحقيقة صراع بين المتكلمين والفلاسفة، بين التشبيه والتنزيه. يثبت المتكلمون الأشاعرة تدخل الله في العالم بالإرادة كما يفعل الملك أو القائد، في حين يرى الفلاسفة هذا التدخل من خلال قوانين الطبيعة وسنن الكون. والحقيقة أن الفلاسفة لا ينفون الإرادة عن الله بل الإرادة المحدثة. هاجم المتكلمون الفلاسفة ظانين أنهم ينفون إرادة الله مع أنهم يتصورون الله إنسانًا ويشخصونه كما يتصورون البشر فيجعلون الله إنسانًا يسقطون تصورهم لأنفسهم على الله مع أن المعرفتين معرفة الإنسان بنفسه ومعرفته بغيره تقال باشتراك الاسم. والباري منزه عن نقائص البشر أو يصدق عليه الأمران معًا مثل معرفته بالجزئيات، يعلمها ولا يعلمها، يعلمها كليًّا ولا يعلمها تجريبيًّا بالعدد الإحصاء. علمه بها سابق على وجودها. والحقيقة أن الله لا يفعل طباعًا لأن الطباع قسر، ولا إرادة لأنها حركة، وهو منزه عنها. ولهذا وحد البعض بين الباري والموجودات، وتجاوز افتراض الاثنينية.٩٩ لا تصدر الأشياء عن الله بالإرادة كما يريد المتكلمون ولا بالطبع كما يريد الفلاسفة إنما على نحو أشرف لا يعلمها إلا الله وكأن السكوت الشرعي علم كما هو الحال في الموقف الظاهري.١٠٠
ولا يتعلق الأمر بالموروث الديني وحده بل أيضًا بالموروث اللغوي، تمايزًا بين لسان العرب ولسان اليونانيين. فإن كانت المعاني في الفلسفة واحدة بين الشعوب والثقافات فإن اللسان بينها مختلف. وقد أدى ذلك إلى وضع المصطلح الفلسفي سلبًا أم إيجابًا، تعريبًا أم نقلًا. لفظ «الأسطقسات» معرب ولفظ عنصر منقول. وقد يتغلب أحيانًا المعرب على المنقول، وتدخل الألفاظ الأجنبية في اللسان العربي وتتعرب بكثرة التكرار والألفة مثل جغرافيا وموسيقى وفلسفة وسفسطة. فاللغات ليست عوالم مغلقة بل متداخلة نظرًا للتداخل الحضاري بين الشعوب عبر الاتصال والترجمة والتبادل المشترك، ولكل لغة طريقتها في التعبير، تدل على تصورها للعالم وفكرها الذاتي. وقد لاحظ الفارابي ذلك من قبل فيما يتعلق بالرابطة بين الموضوع والمحمول، واستعمال الضمير المنفصل في اللغة العربية كمقابل لفعل الوجود في اليونانية. وكرر ابن سينا ذلك أيضًا. وإنما غلطه عندما رأى اسم الجوهر يدل على الصادق في كلام العرب. كذلك وضع المتكلمون ألفاظًا تعادل الجوهر والعرض. كما يبدو الأسلوب العربي في «ليت شعري»، «اللهم» من المخزون اللغوي العربي.١٠١
وتنتهي ثلاثية ابن رشد «فصل المقال» و«مناهج الأدلة» و«تهافت التهافت» كما بدأت بالإعلان عن البيئة الدينية التي كتبت فيها والتي تكشف عن بؤرة الحضارة ومصدرها ومقصدها وإطارها وجوها، بدءًا بالبسملة والحمدلة والصلاة والسلام على الرسول وآله. وقد تكفي البسملة وحدها. وقد تقرن بالدعاء وطلب العون. وقد يكون ذلك مختصرًا مطولًا مثل الخطب الدينية أو المقالات الوعظية والتركيز على اصطفاء الرسول واصطفاء الله من يشاء لحكمته وشريعته واتباع سنته والاطلاع على مكنون العلم وفهم الوحي ومقصد الرسالة ضد زيغ الزائغين وتحريف المبطلين وتأويل المتأولين لما سكت عنه الشرع على طريقة الفقهاء في دق نواقيس الخطر والتنبيه على الاغتراب الحضاري الذي يؤذن بانطفاء البؤرة وضياع المركز. كما تدعو هذه المقدمات والنهايات، وأحيانًا في منتصف الرسالة إلى التوفيق إلى الصواب والإرشاد إلى الحق، والله أعلم بالصواب، وقبول العذر وإقالة العثرة بمنه وكرمه وجوده وفضله. ولما كان التأليف وثيقة فإنه يذكر تاريخها، زمانها ومكانها ومكتبتها ومؤلفها، وطنه ومذهبه ولقبه، والأصل الذي تم النسخ منه، والتعرف على خط الناسخ في الأصل وفي النسخة. فإذا كان التأليف في مصر توصف بأنها المحمية أو المحروسة في العصر الحديث مثل حيدر أباد-الدكن مما يكشف عن طمع الطامعين فيها من الغرب الحديث، ويعبر عن هموم الفكر والوطن. ويكشف تعدد المكان بين المؤلف والناسخ عن وحدة الأمة. ولا يعيب المؤلف أن يكون ناسخًا مثل طاش كبرى زادة.١٠٢ كما أن تغير الأسماء من القسطنطينية إلى استامبول يكشف عن العصور والأزمان وقيام الدول وسقوطها وتداول الأيام بين الناس ودورات التاريخ.

(٤) آليات الإبداع

وتتجلى آليات الإبداع في ثلاثية ابن رشد. يتم وصف مسار الفكر في الماضي والحاضر والمستقبل وبيان مراحله وخطواته الاستدلالية على نحو منطقي، مما يدل على أن ابن رشد يتعامل مع أفعال الفكر وليس صياغات الكلام. وتتم إحالة اللاحق إلى السابق، والسابق إلى اللاحق دليلًا على وحدة الموضوع وتصوره. ويحيل الفكر إلى نفسه، من موضع إلى موضع منعًا للتطويل والخروج على الموضوع والاستطراد للمقارنة بين الكلام الخطابي والإقناعي مثل «الله إنسان أزلي» وبين الفلسفة البرهانية أو في الشرع وحكمه على الموضوع بالسكوت عنه. ويعني الاستطراد أو «فتح القوسين» أن الحاضر هو الحامل والموجه للماضي، وأنه هو هم الفيلسوف، والماضي مجرد وسيلة وأنه لا بد من الربط بين الوسيلة والغاية. قراءة للتراث، واستمرارًا للماضي، وحماية للنفس من قهر السلطة في الحاضر، وتعميقًا لفهم الحاضر الذي يقبع الماضي فيه، ومنعًا للازدواجية بين الاثنين، وقسمة الثقافة بين السلفية والعلمانية بلغة العصر. وتتم الإحالة إلى باقي المؤلفات والعلوم لبيان وحدة الفكر. ويتم إشراك القارئ في المراجعة والتحقق حتى يكون بيِّنًا لكل من اختبر الأمر بنفسه. فالوضوح تجربة ذاتية فردية لا تنتقل عبر وسائل الإيصال بشرط أن يكون شاهدًا عدلًا وقاضيًا منصفًا مثل ابن رشد. ويستعمل الأسلوب الإسلامي في الرد على الاعتراض مسبقًا بتخيله وافتراضه حرصًا على الاتساق في صيغة «فإن قيل … قلنا»، فالفكر له مراحله الموضوعية، جزء ينتهي إلى جزء، وموضوع يصب في موضوع في خطوات منطقية متتالية. ويظهر الجو الديني أيضًا بالرغم من القول البرهاني والخطاب العقلاني.١٠٣

وتتجلى آليات الإبداع في «تهافت التهافت» في مراجعة ابن رشد لأحكام الغزالي على الفلاسفة والتحقق من صدقها ودفاعه عن الفلسفة ضد الهجوم عليها باسم الدين على يد الغزالي ممثل الأشاعرة. كما تم في «مناهج الأدلة» الدفاع عن الكلام ضد تشويهه باسم الفلسفة على يد جمهور الأشاعرة بعد أن تم تقنين العلاقة بين الفلسفة والدين أو بين الحكمة والشريعة، وكلاهما لفظان موروثان في «فصل المقال» هناك علاقة جدلية إذن بين المؤلفات الثلاثة. المعيار في «فصل المقال» وهو التوحيد بين الدين والفلسفة والتطبيق الأول في «مناهج الأدلة»، الهجوم على الكلام الأشعري باسم الفلسفة أي على سوء استخدام العقل في الدين. والتطبيق الثاني في «تهافت التهافت»، الدفاع عن الفلسفة باسم الدين أي على سوء استخدام الدين في الفلسفة. الموضوع في «فصل المقال»، ومركب الموضوع، السلب والإيجاب، في «مناهج الأدلة» سلبًا وفي «تهافت التهافت» إيجابًا. «فصل المقال» دفاع عن الفلسفة ضد الفقهاء، وجعل النظر واجبًا بالشرع. و«مناهج الأدلة» دفاع عن الكلام باسم النظر، و«تهافت التهافت» دفاع عن الفلسفة ضد المهاجمين لها باسم الدين. وكما هاجم الغزالي الفلسفة دفاعًا عن الكلام الأشعري في تهافت الفلاسفة هاجم ابن رشد علم الكلام الأشعري في «تهافت التهافت» دفاعًا عن الفلسفة. ثلاثية ابن رشد إذن موضوعها واحد، الصلة بين الفلسفة والدين. «فصل المقال» إثبات أن الدين والفلسفة شيء واحد. و«مناهج الأدلة» نقد الإساءة إلى الدين باسم الفلسفة. و«تهافت التهافت» نقد الإساءة إلى الفلسفة باسم الدين. «فصل المقال» إثبات النظرية إيجابًا. و«مناهج الأدلة» و«تهافت التهافت» الدفاع عنها سلبًا، ونقد غيابها في تناول الكلام أو في تناول الفلسفة.

الأعمال الثلاثة إذن حوار بين المتكلمين والحكماء، بين الأشاعرة والفلاسفة، أيهما أصدق في التعبير عن وحدة الفلسفة والدين. لقد أساء الأشاعرة فهم الدين في العقائد الأشعرية لأنهم أساءوا فهم الفلسفة ووظيفة العقل. وجعلوا التبرير تبرير العقائد وليس فهمها. وأساءوا فهم الحكمة لأنهم ظنوا أنها ضد الدين وهي دفاع عنه باسم العقل، ووظيفته الفهم لا التبرير، أراد الأشاعرة مخاطبة العامة فبرروا لهم العقائد باسم الإيمان الساذج. وأراد الحكماء مخاطبة الخاصة فأولوا لهم العقائد باسم العقل الصريح. لذلك تتكرر نفس المسائل في «الثلاثية» ولكن على أنحاء مختلفة بطريقة متصلة في «فصل المقال»، ومتصلة منفصلة في «مناهج الأدلة»، ومنقطعة في «تهافت التهافت». ويتوه القارئ، ويمل التكرار. فتختفي البنية الموجودة في الكتابين الآخرين. «تهافت الفلاسفة» نفسه قراءة ﻟ «مقاصد الفلاسفة»، وتهافت التهافت قراءة ﻟ «تهافت الفلاسفة»، مما يجعل القراءة كلها نصًّا على نص، ويقع الفكر في لعبة النصوص، الانتقاء والتأويل والإخراج عن السياق.

وقد اعتمد ابن رشد في رده على الغزالي على اقتباس فقرة منه، بداية فكرة ثم الرد عليها مسألة مسألة. النقد معتمد على النصوص حتى يسهل تحليلها وكشف زيفها سواء في خطأ الرواية عن الفلاسفة أو في سوء تأويل أقاويلهم أو في التجني عليهم والطعن في إيمانهم. ومِن ثَم يتعامل ابن رشد مع نص الغزالي على ثلاثة مستويات:
  • (١)

    إلى أي حد رواية الغزالي عن الفلاسفة رواية صحيحة (التاريخ)؟ وينتهي إلى أنها روايات غير صحيحة، كاذبة أو مُؤَوَّلة. وما دام النقل عن الفلاسفة غير صحيح فهو غير ملزم لهم بالرغم من كتاب «مقاصد الفلاسفة». ليس الغزالي من الثقات في الرواية عن الفلاسفة. هو موكل سيئ يقر على موكله بما لم يأذن له فيه. أخطأ الرواية عن الفلاسفة، وأساء تأويل أقاويلهم عمدًا أو عن غير عمد. ليس التلبيس في قول الفلاسفة بل في نسبة أقوال لهم ليست بأقوالهم. وذلك مثل ما حكاه عنهم في قولهم بالكثرة دون الوحدة، وبالتعدد دون المبدأ الأول وهو غير صحيح، فلا كثرة في العقول.

  • (٢)

    إلى أي حد فهم الغزالي نص الفلاسفة إذا كانت الرواية صحيحة (الفهم)؟ فإذا كانت الرواية صحيحة يسيء الغزالي فهمها عن عمد لتشويه آراء الفلاسفة عن قصد.

  • (٣)

    إلى أي حد توجد أخطار على الدين إذا فهم الغزالي نص الفلاسفة (الفعل)؟ وإذا كانت الرواية صحيحة والتأويل صحيحًا يدعي الغزالي أن هناك خطرًا على الدين من الفلسفة مما يتطلب مراجعة فهمه للدين إذا كان فهمه للفلسفة صحيحًا.

كما يقوم ابن رشد بإعادة كتابة نص الغزالي على عدة مستويات:
  • (١)

    إعادة عرض دليل الفلاسفة كما يعرضه أبو حامد ولكن بطريقة صحيحة.

  • (٢)

    إعادة عرض اعتراضات أبي حامد بطريقة واضحة.

  • (٣)

    الرد على اعتراضات أبي حامد ردًّا فلسفيًّا وشرعيًّا.

ومِن ثَم أتى نص ابن رشد على عدة مستويات:
  • (١)

    نص الفلاسفة الأول (حالة افتراضية)؛ لأن الغزالي لم يأتِ به نصًّا.

  • (٢)

    إعادة تركيب أبي حامد له من أجل تفنيده بعد روايته تشويهًا للنقل والفهم.

  • (٣)

    اعتراضات أبي حامد رواية عن ابن رشد بعد فهمها فهمًا صحيحًا.

  • (٤)

    رد ابن رشد على أبي حامد فلسفيًّا وشرعيًّا.

رد ابن رشد إذن رد توثيقي ابتداء من نص أبي حامد، قراءة على قراءة، قراءة ابن رشد على قراءة أبي حامد للفلاسفة. وهو على نفس مستوى رد أبي حامد على الفلاسفة. لذلك يصعب اقتباس نصوص من «تهافت التهافت» مهما كانت القراءة خاضعة مدققة؛ لأنه نص مركب أو «تناص» بلغة النقد المعاصر. انتقل ابن رشد في «تهافت التهافت» إلى أرضية الغزالي كما انتقل الغزالي في «تهافت الفلاسفة» إلى أرضية الفلاسفة بعد «مقاصد الفلاسفة». وكما انتقل ابن رشد من «مناهج الأدلة» إلى أرضية المتكلمين، وفي «فصل المقال» إلى أرضية الأصوليين الفلاسفة، وفي الشروح والملخصات والجوامع إلى الوافد اليوناني، وفي «بداية المجتهد» إلى أرضية الفقهاء، وفي «الكليات» إلى علم الأطباء. يتعامل ابن رشد مع كل علم لتصحيحه وإعادة بنائه وتأسيسه على نحو علمي اعتمادًا على العقل والتجربة بعيدًا عن سوء استخدام العقل والبرهان باسم الدين أو سوء تأويل الدين باسم العقل.

وقد يقبل ابن رشد عرض الغزالي لحجج الفلاسفة وهو عرض في غاية البيان. ولكنه يرفض أمثلته التي تشوش عليه. يعطيه حقه في الفكر والاعتراض ويعترض على أمثلته الشارحة. يقول أبو حامد شيئًا في غاية البيان ثم يضرب المثل فيشوش على القول. لذلك يرفض ابن رشد قياس العالم على الشرع وأخذ المثال الوضعي من الطلاق. كذلك لا يصح في الموجودات قياس الله على العالم. ويضرب الغزالي المثل بعلاقة الله بالعالم عند الفلاسفة بعلاقة الرئيس بالمدينة الفاضلة.١٠٤
وبالإضافة إلى المنهج الجدلي الذي يستعمله ابن رشد ضد الغزالي، البحث عن الحقيقة سلبًا عن طريق إيقاع الخصم في التناقض هناك أيضًا المنهج البرهاني، البحث عن الحقيقة إيجابًا اعتمادًا على العقل وطلب اليقين ولجوءًا إلى الفطرة السليمة. يعتمد ابن رشد على الذوق السليم وهو مرادف للعقل. فلا يعني العقل والمنطق الاستدلال فقط بل أيضًا الحس السليم والفهم المشترك والبداهة. والفطرة هي السبيل إلى معرفة المعروف، مثل حاجة المريض إلى الدواء. ويتصف بها الفلاسفة وهم العلماء والراسخون في العلم الذين اطلعوا على الحقائق بالطريق البرهاني. والقول البرهاني أشبه بالمقدمات الهندسية التي يتسق بعضها مع بعض إن لم تكن لها شهرة الأقاويل الجدلية والإقناعية التي يتضارب بعضها مع بعض. وهما أضعف أنواع الكلام. ويستعمل ابن رشد ضرورة العقل والحس مثل ابن حزم. يزيح الشكوك، ويطلب اليقين، ويبتعد عن المشهور وأقوال الجمهور لأنها بعيدة عن البرهان. ومقدمات الجمهور قد تكون محمودة. ولكن سرعان ما يكتشف العقل أنها من قبل المستحيل مثل الأقاويل عن الخرافات والجن والمعجزات. والفرق بين الظن واليقين أدق من الشعر عند البصر.١٠٥
وينقل ابن رشد العلم على مستوى النفس. ويميز بين ما هو داخل النفس وما هو خارج النفس. فالعدد موجود خارج النفس أو داخلها للأشياء الواقعة. أما الممكنة فلا عد فيها. والحقيقة أن العد داخل النفس وليس خارجها. الأشياء خارج النفس لا يعلمها أحد لأنها مدركة ولا توجد إلا كإدراك. وقد يقع الخطأ إذا ما توهم الإنسان أن ما بالنفس يوجد خارجها بالفعل مثل توهم النفس أن كل ما وقع في الماضي متناهٍ وأن كل ما يحدث في المستقبل لا متناهٍ. الزمان نفسه وهم أي في النفس وليس خارج النفس. القبل والبعد في المكان، والماضي والمستقبل في الزمان. يحلل ابن رشد الشعور لمعرفة ما هو داخل النفس وما هو خارج النفس، ما هو في عالم الأذهان وما هو في عالم الأعيان. الفوق والأسفل وهميان، والقبل والبعد حقيقيان. وقد أخطأ أبو حامد عندما انتقل من لفظ الفوق والأسفل إلى الوراء والخارج، وكذلك النهاية في الزمان غير النهاية في العظم. الأولى في النفس، والثانية خارج النفس. وهو أيضًا من فعل الوهم، توهم أن العالم أكبر أو أصغر عما هو عليه.١٠٦

وينقد ابن رشد الغزالي على ثلاثة مستويات: النقد الشخصي فيما يتعلق بنواياه ومستوى علمه، والنقد المنهجي لطرقه في التفكير وأنواع أقواله، والنقد الموضوعي في التصورات الفلسفية ذاتها. الأول أشبه بالمقدمات والثاني بطرق الاستدلال، والثالث بالنتائج.

وبالرغم من تسمية الغزالي بكنيته أبي حامد، والدعاء له «رضي الله عنه» سواء من المؤلف أو الناسخ إلا أن فكره كله يرجع إلى شخصيته ودوافعه ومقاصده وغاياته غير البريئة، وأحيانًا يتحول النقد الموضوعي إلى سب في بيان الدوافع والأسباب وتحليل الشخصية ومزاجها وطريقة تفاعلها مع الظروف السياسية والاجتماعية. ونقد الفكر بنقد الشخص ناتج من أن العالم هو العلم، والعلم هو الدافع عليه. فالغزالي لا أخلاقي. علمه من الفلاسفة. فاقت شهرته، وعظم صيته ولكنه لم يراعِ مكانته كعالم في المجتمع. نابه موهوب ولكن ليس لخدمة الحق. قصده ليس معرفة الحق بل إبطال أقاويل الفلاسفة متعصب متحيز، مجادل متغرب، شتَّام هجَّاء سليط اللسان.

وهو إما شرير أو جاهل أو كلاهما معًا. أحيانًا يكون أقرب إلى الشر منه إلى الجهل. والعالم مبرأ من الصفتين. ومع ذلك قد يصدر عن غير الجاهل جهل، ومن غير الشرير شر. هو جاهل يسيء التأويل، وهو ما لا يليق بمثله. قد يكون فهم الأشياء على حقائقها وعبر عنها على غير حقائقها كما يفعل الأشرار. وربما لم يفهمها على حقائقها فيتحدث عما لا يعلم كما يفعل الجهال. فأبو حامد لا يخلو من احتمالين، شرير أو جاهل. ولما كانت قيمته أعلى من ذلك فإن لكل جواد كبوة. وكبوة الغزالي «تهافت الفلاسفة». ولعل السبب في ذلك عرض الدنيا ونزوات الزمان والمكان أي السلطة والمنصب. يرد ابن رشد الكتاب إلى ظروفه النفسية والاجتماعية والسياسية للكاتب. فالموضوع هو الدافع، والحقيقة في النفس. ليس الغزالي عالمًا مدققًا. مهمته التشنيع على الجميع والتشهير بهم وكأننا في قضية إعلامية بلغة العصر. لم تكن غايته البرهان بل استثارة غضب الجماهير على الخصوم واستدعاء السلطان عليهم استثارة لحفيظة العامة والفقهاء. تتحكم في الغزالي أهواء البشر. أراد أن ينفي عن نفسه تهمة الانتساب إلى الحكماء فهاجمهم. ولم يستطيع مخاطبة الخاصة فتملق العامة. لم يستطع المعارضة فتقرب إلى السلطان، خضوعًا لأهل الزمان ومصالح العصر. هو ملبس مدلس. يقصد الغلط لا الحق في حين أن الفلاسفة يطلبون الحق. أراد التشويش على الفلسفة فشوش على نفسه، والتشويش ليس من شجاعة العلماء. يكيل بمكيالين. إذا كان الفلاسفة موحدين يُتَّهَمون بالكثرة وإذا قالوا بالكثرة اتُّهِموا بأنهم من أنصار الوحدانية. وفي كلتا الحالتين الفلاسفة متهمون، والاتهام قائم. نقد الغزالي للفلاسفة ليس بريئًا لوجه الله. بل الباعث عليه هو الدفاع عن السلطة الدينية، سلطة الأشاعرة تدعيمًا للسلطة السياسية بالرغم من ادعائه أنه لا ينصر مذهبًا مخصوصًا على طريقة «يكاد المريب يقول خذوني».١٠٧ هجوم الغزالي على الفلاسفة لم يكن نقدًا للفلسفة بل دفاعًا عن السلطة كما فعل من قبل في الهجوم على كل فرق المعارضة العلنية مثل المعتزلة في «الاقتصاد في الاعتقاد» والسرية مثل الشيعة في «فضائح الباطنية». سلطة العقائد الفرقة الناجية في الظاهر، وسلطة الدولة في الحقيقة. ومِن ثَم كان دفاع ابن رشد عن الفلسفة دفاعًا عنها في الظاهر، وعن المعارضة في الحقيقة، ونقد السلطة القائمة. المعركة في ظاهرها فكرية وفي حقيقتها سياسية. يتجلى مشروع ابن رشد الثلاثي إذن في التوحيد بين الدين والفلسفة أي بين السلطة والمعارضة في «فصل المقال»، ثم الدفاع عن الدين باسم الفلسفة أي عن السلطة باسم المعارضة في «مناهج الأدلة»، ثم الدفاع عن الفلسفة باسم الدين أي عن المعارضة باسم السلطة في «تهافت التهافت». يبرز مشروع ابن رشد في نقد السلطة، سلطة الدين الممثلة في الأشعرية والتصوف والشافعية، والتي جسدها الغزالي دفاعًا عن العقل الذي مثلته المعتزلة والحنفية وعن المصلحة التي مثلتها المالكية اعتمادًا على ظاهر الشرع وتأويله الصحيح كما هو الحال عند الحنابلة.١٠٨
ونقد ابن رشد للغزالي نقد منهجي صرف، يتعلق بنوع الأقاويل التي يذكرها الغزالي. فإذا سقط الشكل سقط المضمون. وإذا انهار المنطق فسد الموضوع كما هو الحال عند القاضي في رفض الدعوى لفساد في الشكل قبل النظر في المضمون. لذلك كان الأولى بالغزالي تسمية كتابه «التهافت» بإطلاق وليس «تهافت الفلاسفة». وتعني مراتب الأقاويل درجات البرهان أي مراتبها في التصديق والإقناع كحجج خطابية أو جدلية وسوفسطائية أو حتى شعرية. أقوال الغزالي ركيكة أشنع من الجدل والسوفسطائي والخطابي، إنكار الضروري وجعل الممكن ضروريًّا والضروري ممتنعًا في إطار الجدل مع الخصوم بالرغم من التمييز بين الاثنين. وهو ما يسمى في المنطق بالمعاندة الخطبية الضعيفة أو السوفسطائية. والتعاند ذاتي وليس موضوعيًّا، في المجادل وليس في الشرط طبقًا لتمييز ابن رشد بين القول والشيء، الخطاب وموضوعه.١٠٩
لقد نقل أبو حامد مذاهب الفلاسفة في تهافته وفي سائر كتبه دون أن يراعي شروط أقاويلهم كي يصرف الناس عنها. فشره أكثر من خيره. نقل الظن دون اليقين، والجدل دون البرهان. أبرز الحكمة لغير أهلها، ونهى عن المنكر بمنكر أعظم منه مع أن الحكمة النظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان. وخلط بين الضروري والممكن والممتنع. هناك أشياء ضرورية يراها الخصم ممتنعة وأشياء ممتنعة يراها ضرورية. والحقيقة أن كليهما ممكن وليس أحدهما بأولى الممكنين. السلطة والمعارضة كلاهما ممكن طبقًا لمنهج الحد الأدنى وادعاء الضرورة عند الخصمين واحد، ليس أحدهما أولى من الآخر. وعندما يتساوى موقفان احتمالًا، لا يكون أحدهما أولى من الآخر، وهو نوع من قياس الأولى سلبًا.١١٠
وقد وقع الغزالي في التصور الأشعري الساذج للعقائد، وأنكر على الفلاسفة تأويلاتهم المجازية وهو أول المتأولين، وكثيرٌ من ملاحظاته على أقوال الفلاسفة — خاصة ابن سينا — جعلَت بعض أفكاره الجزئية وكأنها مذهبٌ كلي. وأحيانًا يجيب عنهم بجواب لا يطابق السؤال. ولا يدافع ابن رشد عن الفلاسفة ولكن يبين أن نقد الغزالي لهم ضعيف، وأن ابن رشد قادر على نقدهم نقدًا صحيحًا أكثر من نقد الغزالي لهم. ومِن ثَم كانت دلالة الحوار، أي الطرفين صاحب الحجج الأقوى أهم من مضمونه وحججه. لا يدافع ابن رشد عن الفلاسفة المسلمين على طول الخط بل ينقدهم خاصة إذا كان ممثلهم ابن سينا. وقد أتت عيوبهم من معركتهم مع المتكلمين. فقد تسلموا بعض مقدماتهم منهم. وبالتالي يكون نقدهم هو نقد للمتكلمين. العيب في الكلام أساسًا قبل أن يكون من الفلسفة. الكلام أصل الداء. والهجوم على الفلسفة هو في الحقيقة هجوم على الكلام. وابن سينا ليس نموذجًا للفلاسفة ولا أقواله نموذجًا لأقوالهم، فكثير من أجوبة ابن سينا عن الفلاسفة أقوال سوفسطائية. وكثير من الغلط على الحكماء في اعتبار ابن سينا ممثلًا لهم. مع أنه غير مذاهب القدماء في العلم الإلهي حتى صار ظنيًّا. ولا يوجه إليه ابن رشد أي نقد سياسي كما يفعل مع الغزالي، ولا يرجعه إلى ظروف زمانه وعصره، ولا يفترض إبداعه من خلال القراءة، ويفهمه من خلال ضرورة المطابقة بين الشارح والمشروح.١١١
لذلك تصور أن أقاويل الفلاسفة من جنس أقاويله، أقاويل جدلية من جنس أقاويل المتكلمين؛ لأنه لا يعرف ماذا يعني البرهان، وأن الخلاف بين أقوال الفلاسفة وأقوال المتكلمين هو في جنس القول، الخلاف بين القول البرهاني والقول الجدلي. لم يكن الغزالي قاضيًا بل كان منحازًا. انحاز إلى المتكلمين ضد الفلاسفة أي إلى الجدل ضد البرهان. فجاءت أقاويله أقرب إلى التهافت والتناقض. الجدل أقل من البرهان وقصور عن المعاني التي يدركها العقل. وهو أقصى ما وصل إليه الغزالي من برهان. فنفي الكثرة عن العلم الإلهي لا ينفيه عن المعلومات إلا عن طريق الجدل. وأقل من الجدل الأقاويل المشهورة أو المنكرة أو الغريبة، وكلها أقاويل غير برهانية بل إن معظم أقاويل الغزالي سوفسطائية ناتجة عن اشتراك الاسم، وهي أبعد الأقاويل عن البرهان، ولم تصل بعد إلى مرتبة الجدل.١١٢

وكثيرًا ما يستعمل ابن رشد ألفاظًا عامة لوصف أقاويل الغزالي بالشناعة والركاكة والسخف والتهافت. ولا يقرأ التشهير إلا الجمهور. وهو محرم عليه الاشتغال بالفلسفة. ولا يكترث به العلماء الذين لا يدركون إلا البرهان. ومن يصرح بالحكمة للجمهور كمن يدس السموم في الأغذية. أقاويل الغزالي كلها شناعة وتشويش للمعلوم وإخراج له إلى غير أهله، تمويه وتهافت، زلل من العلماء يطلب ابن رشد مسامحتهم عليه، إبقاء لحسن الذكر، وعدم حجب الدنيا للآخرة، وعدم شراء الأعلى بالأدنى.

وكثير من تشبيهاته باطلة، وعلله كاذبة، وكلامه مخيل. كلها خرافات وأقاويل ضعيفة من أقاويل المتكلمين، هذيان وكلام مختل قد يكون مقنعًا للجمهور ولكنه غير صحيح لأهل البرهان. يشبه علم الخالق بعلم الإنسان ويقيس عليه. عيب أبي حامد طلب الدنيا باسم الآخرة. والسعي إلى السلطة باسم العلم، وكأنه لا بد أن يتوب عن مواقفه اللادينية واللاشرعية واللاأخلاقية.١١٣
أما من ناحية الموضوع فإن خطأ الفلاسفة لا يستوجب كل هذا الهجوم عليهم والتشنيع بهم بل النصح لهم وحوارهم دون تشهير. يكفيهم فخرًا وضع المنطق وإخراجه من كتاب الله كما فعل ابن حزم. كما أن الغزالي يستعمله في الرد على إلهيات الفلاسفة. ولا أحد معصوم في الإلهيات. العصمة للأنبياء وحدهم لعصمة الله لهم. وقد تعني أزلية العالم أو أبديته التاريخ المستمر والخلود في التاريخ والزمان ضد ثنائية الله والعالم عند الأشعرية واستردادًا للروح في التاريخ. فالعالم باقٍ كتاريخ قبل الإنسان وبعده، وأن ما يبقى هو فعل الإنسان فيه. وقد يعني إنكار علم الله بالجزئيات أنه لا يعلمها عدًّا وإحصاءً بل يعلم بالقوانين الكلية التي تنتظمها. معرفة القانون هي معرفة بتحققاتها معرفة قبلية مما يقوي فينا المعرفة الشاملة. وقد يعني إنكار حشر الأجساد تأويلًا للخلود المعنوي الفكري، خلود الآثار الباقية والأفعال العظمى في الروح وفي التاريخ، توسيعًا للمفهوم البدني الفردي إلى المعنى الروحي العام. وقد يعني إثبات قوانين الطبيعة وإنكار المعجزات تأكيدًا على دور الإنسان في فهمها وتسخيرها له وثقته بالفعل وبالعلم، ولا تتناسب المسائل العشرون من الناحية الكمية. فأطولها الأولى ثم الثالثة عن قدم العالم ثم الرابعة عشر.١١٤
ويظهر ابن رشد القاضي في الفصل بين الخصمين والتحقق من صدق القولين إما بين المتكلمين أو بين المتكلمين والفلاسفة. فبالرغم من عدم دفاعه عن المعاد الروحاني إلا أنه لا يستبعده، ولا يكفر القائلين به. وبالرغم من أنه لم ينكر حشر الأجساد إلا أنه لم يدافع عنه، واعتمد على حجة التاريخ والأديان والشرائع إقرارًا بواقع وما اتفق عليه العقلاء. يطلب الحق مع أهله، ويستغفر لأبي حامد، ورجل واحد خير من ألف، مستشهدًا بجالينوس، بشرط أن يكون من أهل الصناعة. يعطي الغزالي بعض الحق ويتهم الفلاسفة أحيانًا للتقريب بين الاثنين. فلا أحد يمتلك الصواب المطلق، ولا أحد يمتلك الحقيقة كلها، ولا أحد على حق والآخر على باطل طول الوقت. يعطي ابن رشد بعض الحق لكل من الفريقين وعدم تخطئة واحد منهما على طول الخط. لا يخطئ ابن رشد أبا حامد في كل شيء وإلا كان قاضيًا متحاملًا ضده ومنحازًا إلى الفلاسفة. ويتفق مع بعض معانداته ضد الفلسفة لأن معانداته صحيحة. يريد ابن رشد معرفة الحق ومرتبة الفلاسفة، وأبو حامد منهم. فالحق هو المقصود الأول في «تهافت التهافت» وليس الانحياز إلى أحد الخصمين. على عكس الغزالي الذي يعترف بأن قصده ليس معرفة الحق بل إبطال أقاويل الفلاسفة. فهو متعصب متحيز غير علمي، فقيه السلطان، بالرغم من أنه عالم كبير، مشهور نبيه، يحظى باحترام الناس. استفاد علمه من كتب الفلاسفة ثم انقلب عليهم. لا يتفق مع العلماء بل مع الأشرار. في حين اجتهد الفلاسفة وبذلوا الوسع وارتياض العقل حتى ولو أخطئوا. تكفيهم صناعة المنطق ويشكرون عليه. وشناعات المتكلمين أكثر من شناعات الفلاسفة. ومن عمل الحكيم ذكر شناعات كل فريق وطلب الحجج من الخصمين وإلا انحاز كما فعل أبو حامد. ويبين ابن رشد الدوافع التي حركت المتكلمين إلى اعتقاداتهم في المبدأ الأول وفي سائر الموجودات، والشكوك التي طرأت لهم، ومبلغ حكمتهم من أجل معرفة الحق والفصل بين المتخاصمين. وينتهى ابن رشد إلى حكم القاضي النهائي، وهو تساوي أقوال المتكلمين مع الفلاسفة من حيث الحق ومن حيث الظن وليس أحدهما أولى من الآخر بالظن أو اليقين.١١٥
ومعظم موضوعات «تهافت التهافت» صورية يسميها ابن رشد جدلية سوفسطائية وليست برهانية، ولم تعد بذي دلالة الآن، على عكس «فصل المقال» و«مناهج الأدلة»، نوع أدبي مستقل، يحفر ويوصل ويدقق ويمحص على درجة عالية من التراكم الفلسفي، بالرغم من تقطيع الحجج مما يؤدي إلى ضياع الموضوع. كان ابن رشد في تفسير ما بعد الطبيعة أوضح، بفصل النص عن الشرح توجهًا من الخارج إلى الداخل، ومن التبعية إلى الاستقلال، من سلطة أرسطو إلى سلطة الأشعرية ثم من السلطة إلى العقل. ويظهر أبو حامد في أول الفقرة وفي وسطها مما يصعب بعدها معرفة من قال ماذا.١١٦
وبالرغم من صورية الطابع إلا أن ابن رشد لا ينسى القارئ واشتراكه معه في الحكم بين أبي حامد والفلاسفة والدعوة إليه. بل ويحتكم إليه ابن رشد ويلجأ إلى فطرته السليمة إن كان من أهل الفطرة المعدة لقبول العلوم، ومن أهل الثبات أي اليقين والفراغ أي حب المعرفة لذاتها، من أهل النقل والعقل، من أجل الوقوف على ما في كتب الفلاسفة من حق أو باطل أو أن يلجأ إلى ظاهر الشرع إن لم يكن من أهل الحكمة. أما الذي لا ينتسب إلى أهل الشرع أو إلى أهل الحكمة فهؤلاء هم الذين يخاطبهم الغزالي للتشنيع على الفلاسفة، أهل الشرع والحكمة. وبالتالي يجمع ابن رشد بين الظاهرية للعامة والباطنية الخاصة. ويشرك ابن رشد القارئ في الحكم على ادعاء كل فريق أن ما يقوله هو الحق بنفسه بالرغم من نقصان الأدلة. ويطالبه باستفتاء قلبه، واللجوء إلى ضميره، ويدعو له بأن يكون من أهل الحقيقة واليقين. يشركه معه في ضرورة تحويل الحجج الإقناعية إلى حجج برهانية. والبرهان أشبه بالصناعة العملية التي يمكن تعلمها لأن البرهان عمل الفكر، وصناعة الذهن. ولما كانت الأقاويل غير البرهانية تأتي بغير صناعة ظن الناس أن الأقاويل البرهانية كذلك. وقد استعمل «التهافت» أقاويل غير برهانية أي غير صناعية من أجل بيان «تهافت التهافت».١١٧
وقد استمرت المعركة بعد ابن رشد في عصر محمد الفاتح في القرن التاسع الهجري للتحكيم بين التهافتين كطرف ثالث بتوجيه منه مما يدل على أهمية العقيدة للدولة، والسلطة الدينية للسلطة السياسية، ربما للانتصار لأحد الفريقين أو لتجاوزهما معًا.١١٨ ومع ذلك لم تستطع ضربة ابن رشد المضادة أن تؤدي الغاية منها، رد الاعتبار إلى الفلسفة وإثبات وحدتها مع الدين ضد سوء فهم الفلسفة وسوء تأويل الدين. ربما لأنه كان قريب العهد بالغزالي بعد قرن من الزمان. وكان الغزالي ما زال مسيطرًا على الثقافة والحضارة السياسية، عقائد السلطة للحكام وعقائد الطاعة للمحكومين. وبالرغم من إحساس ابن رشد بالنهاية، وأن التاريخ ينقسم إلى مرحلتين، ما قبله وما بعده، القدماء والمحدثين إلا أن الغلبة كانت للقدماء منذ ابن رشد وربما حتى الآن. فهو كثير الإحالة إلى القدماء، يونان أو مسلمين. لذلك ارتبط بأرسطو آخر قدماء اليونان وأول محدثيهم كما أن ابن رشد آخر قدماء المسلمين وأول محدثيهم.
١  تمثل أعمال ابن رشد الثلاث الرئيسية الجبهات الثلاث في مشروع التراث والتجديد «تهافت التهافت» يعادل الجبهة الثانية، الموقف من الغرب، «منهج الأدلة» يعادل الجبهة الأولى، الموقف من التراث القديم، «فصل المقال» يعادل الجبهة الثالثة، الموقف من الواقع أو نظرية التفسير.
٢  فصل المقال ص٢١. أفلاطون (٢)، أرسطو (١)، القدماء (١).
٣  القرآن (١٩)، الحديث (٤).
٤  آيات (٦): فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (۲)، أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ، وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، أَفَلَا يَنْظُرُونَ إلى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.
٥  آيات (٥): هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ … وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ ….
٦  آيات (٣): وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ،ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ.
٧  أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
٨  إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.
٩  ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
١٠  الآيات (٣): كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ، إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
١١  «صدق الله وكذب بطن أخيك».
١٢  «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر».
١٣  «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي».
١٤  «اعتقها فإنها مؤمنة».
١٥  مثل ما روى البخاري عن علي أنه قال: «حدثوا الناس بما يعرفون. أتريدون أن يكذب الله ورسوله.» (السابق، ص۱۷-۱۸).
١٦  أفلاطون، أرسطو، جالينوس، اليونانيين، الحكماء، الحكيم (١).
١٧  مناهج الأدلة ١٤٦، ٢٣٠.
١٨  وهي: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ، هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ، مناهج الأدلة ص٢١٩، ٢٤٧.
١٩  مناهج ص١٣٤-١٣٥.
٢٠  السابق، ص٢٥٣.
٢١  السابق، ص١٥١–١٥٣.
٢٢  السابق، ص١٩٥–١٩٨، ٢٠١.
٢٣  السابق، ص١٥٥–١٥٩.
٢٤  السابق، ص١٦٠–١٦٥.
٢٥  السابق، ص١٦٦–١٧٣.
٢٦  السابق، ص١٧٨، ١٨٥.
٢٧  السابق، ص١٧٤.
٢٨  السابق، ص٢٠٥.
٢٩  السابق، ص٢٢٣-٢٢٤، ٢٢٦–٢٢٨، ٢٣٠–٢٣٤.
٣٠  السابق، ص٢١٣-٢١٤، ٢١٦، ٢١٨–٢٢٠.
٣١  السابق، ص٢٣٤–٢٣٩.
٣٢  لذلك كتبنا «فشته، فيلسوف المقاومة»، دار قباء، القاهرة، ٢٠٠٠ (تحت الطبع).
٣٣  مناهج ص٢٤٢–٢٤٧.
٣٤  وهو ما أثبته فولتير في الحضارة الغربية متهكمًا بأن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله ولكن الإنسان أعادها إليه. وهو ما حاوله أيضًا فيورباخ في «جوهر المسيحية». انظر دراستنا «الاغتراب الديني عند فيورباخ»، دراسات فلسفية، الأنجلو المصرية، القاهرة، ۱۹۸۷م، ص٤٠٠–٤٤٥.
٣٥  مناهج ص١٦٩، ١٧٤-١٧٥.
٣٦  السابق، ص١٨٢، ١٩١، ١٧٤-١٧٥. وهو حديث عندما سئل الرسول هل رأيت ربك؟ قال «نور أنى أراه.» وفي رواية أخرى: «سبعين حجابًا من نور.»
٣٧  «لو أدركني موسى ما وسعه إلا اتباعي.» «بعثت إلى الأحمر والأسود.» (السابق، ص٢٢٠).
٣٨  «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما على مثله آمن جميع البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيًا وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا يوم القيامة.» «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه.» «خلقت هؤلاء للجنة وبأعمال أهل الجنة يعلمون، وخلقت هؤلاء للنار وبأعمال أهل النار يعملون.» «كل مولود يولد على الفطرة.» (السابق، ص١٢١، ٢٢٤، ٢٣٥).
٣٩  «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، «ما من شيء لم أره إلا وقد رأيته في منامي هذا في الجنة والنار.» «بين حوضي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي.» «كل بني آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب.» (السابق، ص٢٤٨–٢٥٠).
٤٠  التأويل (٩٠)، الشرع (٨١)، القياس (٦٦)، البرهان (٥٦)، الله (٣٩)، النظر (١٨)، الإجماع (١٥)، الفقه (١٠)، الحكمة (٩)، الكتاب (٨)، الإسلام، الرسول (٦)، الحكماء (٥)، العقل (٤)، التحيل، الوجوب (٣)، الفلسفة، الشرعية، الندب (٢)، النظر الشرعي، صباح، مأمور، تواتر، الأحكام الشرعية، أصول الفقه (١).
٤١  القياس (١٢)، الجدلي، الخطابي، العقلي (١١)، البرهاني (٦)، الفقهي (٥)، الشرعي (٢)، المغالطي، الظني، اليقيني (١).
٤٢  الله (١٠٥)، الشرع (٩٨)، الشريعة (٤٨)، الشرائع (٢٩)، الشارع (٦)، الكتاب العزيز، الكتاب، كتابه (٦٢)، الرسول، الرسل، الرسالة (٤١)، النبي، النبوة، الأنبياء (٣٠)، الإسلام، المسلمون (١٧)، العقل (٢٠)، السمع، الوحي (١١)، الملائكة (٩).
٤٣  متكلمون، صناعة الكلام، الكلام (٢٥)، الأشعرية (٢٤)، المعتزلة (٢٠)، الصوفية، الحشوية (٣)، الجبرية (٢)، الباطنية، الخوارج، الدهرية، اليهود، النصارى (١).
٤٤  الملة (٣)، التواتر، الحكمة الشرعية، الصحابة، السنة (١).
٤٥  موسى (٢)، محمد، إبراهيم، عيسى، النبي، التوراة، الإنجيل (١).
٤٦  مناهج ص١١، ١٣٤، ١٧-١٨، ١٥٠، ١٦-١٧، ٢٦، ٣٧.
٤٧  أرسطو (٣٥)، الحكيم (٧)، أفلاطون (١٣)، جالينوس (٦)، الإسكندر (٣)، فيثاغورس، انكساجوراس، باميندس، مالسيس، أبقراط، فرفوريوس الصوري، سقراط، ثامسطيوس (١) ومن كتب أرسطو: النفس، السماع، البرهان (١٤)، الكون والفساد (٢)، السفسطة، السماء والعالم، المقولات، الحيوان، الحروف، التدبيرات الفلكية والجزئية، الحيوان، المبادئ (١). ومن الفرق: القدماء (٣٧)، الحكماء (١٤)، الدهرية (٩)، المشاءون (٦)، السوفسطائية (٥)، الفلاسفة القدماء، المتأخرون، المترجمون (٢)، القدماء الفلاسفة، المتقدمون اليونانيون، الأوائل (١).
٤٨  تهافت التهافت ص٨، ١٦، ٢٥، ٢٧–١١١، ٦٢، ٧٩، ٩٧، ١٠٣.
٤٩  السابق، ص٢، ٦٨، ١٢١، ١٢٩.
٥٠  السابق، ص٢، ٩، ٦٦، ٤٨، ٧٠.
٥١  السابق، ص٢، ٤٦، ٥٠.
٥٢  السابق، ص٢، ٩٣، ١٠٤، ١٣٣.
٥٣  السابق، ص٢، ٤٧، ٩.
٥٤  المنطق (٦)، الطبيعيات (٥)، النفس (٣)، الحروف (١).
٥٥  تهافت ج٢، ٦، ٢٤، ٣٧، ٩٧، ٧٨، ٤٩، ١٨، ٩٣، ١٠٧، ٣٠، ٩٨، ١٠٣، ١٠٧.
٥٦  السابق، ص٢، ١٨، ٣٠، ٤٨، ٥٩، ٨٢، ١١٨.
٥٧  السابق، ص٢، ٩–١١، ١٣١، ١٠١، ١٣٢، ٧٨.
٥٨  السابق، ص٢، ١٠٤، ١٨.
٥٩  السابق، ص٢، ٤٧، ٩٣، ١٣٣.
٦٠  القدماء (٣٥). وكما فعل ديكارت مع فلاسفة العصر الوسيط كله مطلقًا عليه أيضًا لفظ القدماء للدلالة على الانتقال النوعي من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى.
٦١  تهافت ج١، ١٣١، ١١٠، ٦٣، ج٢، ٣، ٢١، ٤٩، ٦٠، ٦٦، ٦٨.
٦٢  السابق، ج١، ٣، ٩٢، ج٢، ٤، ٧-٨، ٣٩.
٦٣  السابق، ج٢، ٩٣-٩٤، ٩٩، ٧٣، ١٠٣، ١١٣، ١١٥، ٥١.
٦٤  السابق، ج٢، ١٢٧-١٢٨، ١٣١، ١٣٣، ١١٩، ١٢١.
٦٥  السابق، ج١، ١١٨، ج٢، ١٧.
٦٦  تهافت ج٢، ٢٨، ٦٩، ٧٠، ١٢٤، ٧٤، ١٠٣.
٦٧  السابق، ص٢، ٤٧، ٥٣، ٦٦، ٦٨، ٧٨، ١٠٤، ٨٥، ١٣٣، ١٣٤.
٦٨  السابق، ص٢، ٢٩، ٣٤، ٨٦، ٩٢-٩٣، ٣٧.
٦٩  أبو حامد (١٨٦)، ابن سينا (٨٥)، الفارابي (٦)، ابن حزم (٣)، أبو الهذيل العلاف (٢)، البلخي (١)، أبو المعالي.
٧٠  الفلاسفة (٢٩٣)، المتكلمون (٥٣)، الأشعرية (٤١)، متأخرو الأشعرية (١)، الحكماء (١٤)، المعتزلة (٩)، أهل الإسلام، الإسلام (٦)، فلاسفة الإسلام (٥)، الظاهرية (٤)، الكرامية، الصوفية (٣)، المترجمون (٢)، أهل فلاسفة الإسلام، المسلمون، علماء الإسلام (١).
٧١  العرب (٤)، بنو إسرائيل (٣)، النصارى (٢)، الكلدانيون، الصابئة، الأمم السالفة (١).
٧٢  صعوبة رصد أسماء الأعلام هو ذكرها داخل نص الغزالي الذي يستعيده ابن رشد. ففي هذه الحالة يُحسب للغزالي أم لابن رشد؟ ما دام ابن رشد قد اختاره فإنه يحسب له.
٧٣  القرآن (٣١)، الحديث (١).
٧٤  شريعة الكلام، صناعة الكلام (١).
٧٥  تهافت ج١، ٣٤-٣٥، ج٢، ٢–٥، ٥٢.
٧٦  السابق، ج٢، ١٢٤، ٨١، ٧٧، ١١٨.
٧٧  السابق، ج٢، ١٠٦، ١٣٣-١٣٤.
٧٨  السابق، ج٢، ٢١، ٤٦، ٩٧، ١٣٣، ٨١، ٨٨.
٧٩  السابق، ج١، ٥٤، ٣٦، ١٢٧، ج٢، ٣٦، ٩٠، ١٠٥، ١٣٤، ٩٨، ١٢٤.
٨٠  السابق، ج١، ١١٣، ج٢، ٩١، ١٣٥، ١٠٦.
٨١  السابق، ج٢، ٤، ٣٦، ٤٩-٥٠.
٨٢  الشرع (٢٥)، الشرائع (٢٠)، الشريعة (١٥)، الصفات الشرعية (٤)، شرعي (٣).
٨٣  تهافت ج١، ٥، ١٣٤.
٨٤  السابق، ج٢، ٨٩، ٦٧.
٨٥  السابق، ج١، ٨٨–٩٠، ١٠٦، ١٣٣.
٨٦  الظاهرية (٣)، أهل الظاهر (١).
٨٧  السابق، ج٤، ١١٨، ١٢٤-١٢٥.
٨٨  السابق، ج٢، ٢٢–١٢٠.
٨٩  السابق، ج٢، ١٣٣-١٣٤، ١٢١-١٢٢، ٨٨.
٩٠  الآيات (٤٤)، الأحاديث (۲)، أقوال الصحابة (١).
٩١  وهما «لا يزال الناس يتفكرون حتى يقولون هذا خلق الله فمن خلق الله؟ إذا وجد أحدكم ذلك فذاك محض الإيمان»، «إذا وجد ذلك أحدكم فليقرأ قل هو الله أحد» (السابق، ج٢، ٩٩).
٩٢  السابق، ج٢، ٩٩، ١٢٣، ١٢٧.
٩٣  وقد سمي ذلك بالتطور الخالق عند برجسون في الفلسفة الغربية المعاصرة، ودفع إلى نقاش حاد بين أنصار التطور وخصومه في الفكر العربي المعاصر.
٩٤  تهافت ج٢، ١٧، ٤٩، ١٢٦، ١٠٣، ٨٦-٨٧، ٦١، ٥١، ١٠٤، ٨٤.
٩٥  السابق، ج٢، ٦١-٦٢، ١١٦، ١٢٩، ١٣٤.
٩٦  السابق، ج٢، ١٣٤، ١٠٤، ٩٤، ١١١، ١١٤.
٩٧  السابق، ج٢، ٤٩، ٥٤-٥٥، ٦٠، ١٢٥، ٥٥، ٨٨، ١١٢-١١٣.
٩٨  السابق، ج٢، ٥٥، ٦١، ١٠٢، ٢٧، ١٢٧، ٤٩-٥٠.
٩٩  مثل موقف اسبينوزا بعد ذلك بخمسة قرون في الحضارة الغربية الحديثة.
١٠٠  السابق، ج٢، ١١٥-١١٦، ١١٨، ١٠٨–١١٠.
١٠١  السابق، ج٢، ١٢٩–١٣٢، ١٢٤، ٩٢-٩٣، ٣٩، ٥٨، ١١٩.
١٠٢  فصل ص٩، ٢٨، ٣٩، مناهج ص١٣٢، ٢٥١، تهافت ج٢، ٢٣٥، ٨٨، ١٣٥.
١٠٣  مناهج الأدلة ص٦٧، ١٥١، ١٦٧، ١٩١، ٢٠٧، ٢٢٢، ٢٤٧، ٢٥١، ٢٣٣، ٢٣٩، ١٧٣، تهافت التهافت ص٥٩، ٨٣، ١٠٤، ١٠٨، ١٣٠، ١٣٤-١٣٥، ٦٠، ٨٦، ٧٦، ١٢١، ٦٢، ٧٨، ١٠٦، ١٢٢، ١٢٨، ١٠٠، ١٠٤، ٣٦، ١٣٢، ١٨٥، ١٥٥، ١٦٢، ١٧٠، ١٥٨، ١٧٠، ١٨٥، ١٩١، ١٢١.
١٠٤  تهافت ج٢، ٤، ٢٢، ٦١، ٦٨، ٣٣، ٤٦، ٥٣، ٧٦.
١٠٥  السابق، ج٢، ١٢١، ٥، ٢٢، ٧، ٣٧، ٨٥، ١٠١، ٩-١٠، ٨٩.
١٠٦  السابق، ج٢، ٩، ٢٣، ٢٦، ٢٨.
١٠٧  السابق، ج٢، ٩٩، ٣٧، ٩٦، ١٠٠، ١٠٢-١٠٣، ٤٣، ٥٢، ٤١، ٦٧، ٣٤.
١٠٨  انظر دارستنا: الاشتباه في فكر ابن رشد، عالم الفكر، العدد الخامس عن ابن رشد، ١٩٩٩م.
١٠٩  تهافت ج١، ١٨، ج٢، ١٣١.
١١٠  السابق، ج٢، ٩٩، ١٠١، ١١٦، ١١، ١٣.
١١١  السابق، ج٢، ١٢، ١٩، ٤٩.
١١٢  السابق، ج٢، ١٢٩، ٥٣، ٨٦–٨٨، ١١٣، ١٢٢، ٦٢، ٧٥، ٨٣–٨٤، ٩٩، ١١١-١١٢، ١١٧، ١١٩، ١٢٢.
١١٣  السابق، ج٢، ٩٠-٩١، ١٣١، ١٠٦، ١٠٨-١٠٩، ١١٢، ٤٣، ٥٣، ٦٦، ٦٩-٧٠، ٧٤، ١١٢، ١١٦.
١١٤  السابق، ج٢، ٨٨ الأولى (۳۳ص)، الثانية (۲۸ص)، في تلبيسهم أن الله فاعل العالم وصنائعه والحقيقة أن ذلك مجاز عندهم.
١١٥  السابق، ج٢، ٤، ١٣٥، ٤٠، ٥٢–٥٥، ٥٩-٦٠.
١١٦  السابق، ج٢، ٢، ٢٠-٢١، ١٣-١٤، ١٨، ٢٠–٢٤، ٢٨، ٣١، ٣٣، ٣٥-٣٦، ٣٩، ٤٣، ١٣٠.
١١٧  السابق، ج٢، ٣٧، ٩٠، ١٢٧، ١٠٥-١٠٦.
١١٨  نشر «تهافت الفلاسفة» مع «تهافت التهافت» خوجه زادة (٨٩٣ﻫ) أوحد علماء الروم في عصره للتحكيم بين الإمامين فيما اختلفا فيه بإشارة من المقدس السلطان محمد الفاتح العثماني، وشهد له بالتبريز العلامة الدواني وسائر معاصريه حتى استحق بذلك التقديم من السلطان الموما إليه كما هو مبسوط في «كشف الظنون» وفي «الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية»، تهافت ج، ١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢