مصر والبلاد العربية١

بين مصر والبلاد العربية كل ما يؤلف بين الأقوام من وشائج القربى والتاريخ، وكل ما يحكم القرابة من عقائد وعواطف، وآلام وآمال، وكل ما يؤكد الأخوة من حقائق ومنافع. والكلام في هذا تبيين ما لا يعوزه البيان.

يذهب المصري إلى أحد الأقطار العربية فكأنما برح بقعة في مصر إلى أخرى، يرى وجوهًا يعرفها ولا تنكره، ويسمع من أحاديث الماضي والحاضر ما يسمعه في بلاده، ويُحدَّث عن الهموم والمطامح التي تنطوي عليها نفسه ويخفق بها قلبه. حيثما توجه وجد أهلًا بأهل، وإخوانًا بإخوان، وأبصر من ذكر التاريخ، ومشاهد الحاضر، وخطط المستقبل ما يوحي إليه أنه في وطنه وبين قومه، وكأنه لا يذهب إلى هذه البلاد إلا ليرى بعينيه ما حدَّثه به التاريخ، وأحكمته في نفسه النشأة والتعليم.

ذهبت مرات إلى فلسطين والشام والعراق، فكان يخيل إليَّ أينما سرت أني لا أخطو إلا على صفحات من التاريخ المجيد، ولا أرفع بصري إلا على عنوان من عناوينه، في صورة مسجد أو مدرسة، أو قبة حنت على عظيم من أسلافنا أبطال الإسلام والعربية، وطوفت في العراق مدنه وقراه، وحضره وباديته، فكانت بغداد عندي القاهرة، بل أجلُّ ذكرًا، وكانت الكوفة والبصرة والموصل أعظم أثرًا في نفسي من طنطا والمنصورة وأسيوط، وكانت مضارب شمر وبني تميم أذهب بي في التاريخ من مضارب القبائل المصرية، وأما دمشق الجميلة الجليلة، فما دخلتها إلا ازدحمت عليَّ أحداث التاريخ، ودفعتني مواكبه، فسارعت إلى الجامع الأموي أنشد قول شوقي:

هذا الأديم كتاب لا كفاء له
رث الصحائف باقٍ منه عنوان

ولست بدعًا في هذا، فما أحسب مصريًّا ذهب إلى هذه البلاد إلا شعر بما أشعر به.

•••

وليس الأمر بيننا تشابك أرحام واتصال أوطان فحسب، ولكنه الحب المؤكد والود الصريح ينطق على ألسنة القوم، ويتجلى في أساريرهم، ويبين في أعمالهم، ويشهد به اهتمام القوم بكل صغيرة وكبيرة في مصر، وتحدثهم عن علمائها وأدبائها وأحزابها وقادتها حديث المحب العارف الخبير، وحرصهم على قراءة ما تخرجه مصر من كتب ومجلات وجرائد. وكثيرًا ما ترى في الشام والعراق من يعلم عن مصر أكثر من أبنائها، وإذا تحدث هؤلاء الإخوة الكرام عن مصر أشادوا بذكرها، وأكبروا حضارتها، وأعظموا مآثرها على العربية والإسلام، معترفين مغتبطين، لا جاحدين ولا كارهين، وعدُّوا مجدها مجدهم، وعزها عزهم، وفخروا بها كما يفخرون ببلادهم.

•••

وتطلع البلاد العربية إلى مصر، وإنزالها هذه المنزلة أجدى الوسائل إلى التقريب بينها، وتوحيد سننها في التربية والتعليم، والتأليف بين أبنائها، ولم يألُ إخواننا جهدًا في التودد والتقرب، فماذا يجب على مصر؟

ليست مصر أقل شعورًا بإسلامها وعربيتها، ولا أضعف تقديرًا للوشائج التي تحكم بهذه البلاد أواصرها، والمصالح التي توثق بها علائقها، ولكن التاريخ السياسي في العصر الأخير فرَّق بين هموم مصر وهموم أخواتها، وشغلها بغير الذي شغلوا به، فلما أفاقت قليلًا إلى نفسها وموقفها بين الأقطار والأمم، لم يلحقها شك فيما بينها وبين أخواتها من أواصر وعرى لا تقوى الحادثات على فصمها، وكلما خف عنها عبء المصائب ازدادت شعورًا وبصرًا بمكانتها بين أخواتها، وما يجب عليها لهم.

إن على مصر أن ترعى القرابة، وتجزي الود بالود، وعليها أن تضطلع بالتبعات التي تحملها إياها ثقة البلاد العربية بها، وإقامتها مصر مقام الأخ الأكبر.

أسمع أحيانًا بعض المتحدثين بهذا يقولون: إن على مصر أن تستغل هذه الثقة. وحاشا لله أن يكون الأمر استغلالًا أو اتجارًا، إنما هو أخوة ومودة، وتبعات وواجبات، وتعاون على الوقوف في معترك الحياة، وتآزر على بلوغ الغاية التي تلتقي عندها مقاصدها جميعًا. يجب على مصر أن تصلح نفسها، وتكمل حضارتها، وتعمل على ما يوافق مكانتها، وتسن السنن الصالحة لنفسها وغيرها. يجب عليها أن تشارك في السراء والضراء، ولا تقف بمعزل في مصائب البلاد العربية ومسراتها، بل تشارك جهد اليد واللسان والقلب، وعليها ألا تألو جهدًا في إمداد من يستمدها، وبذل ما تسأل من معونة في العلم والأدب وغيرهما، موحية إلى كل مصري يذهب إلى البلاد العربية، أنه يذهب ليؤدي واجبًا، ويعاون أخًا، وأن واجبه حيثما كان من هذه البلاد كواجبه في مصر، وأن مقصده الأول أن يبذل من قواه على قدر طاقته، لا يبغي جزاءً ولا شكورًا، وإن لم يقصر إخواننا في الجزاء والشكر.

ثم على مصر ألا تتردد في الاستفادة بما في هذه البلاد من مزايا، فلا ريب أن فيها من الآداب والأخلاق والصناعات ما يجدي علينا أن نتلقاه عنها، ونحتذيها فيه.

بالمودة والتآخي والتعاون، وشعور كل جماعة بمكانها من الجماعات الأخرى، وإدراكها ما لها وما عليها في الجماعة الكبيرة الشاملة، يتهيأ للبلاد العربية، ما بين بحر الظلمات ونهر دجلة، ما تطمح إليه من مجد وسعادة، وما يكافئ تاريخها من حضارة، حتى تؤدي نصيبها من الخير للجماعة البشرية كلها. وما أعظم ما ينتظر المجد من العرب! وما أعظم ما تؤمل الإنسانية فيهم!

١  ٤ ذو الحجة سنة ١٣٥٥ﻫ/١٥ فبراير سنة ١٩٣٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١