الحياة١

أيهذي الحياة فيك اعتقادي
أنك الغم صيغ من أضداد
أنفس لا تحد فيها مناها
طامحات إلى الخلود صوادي
نازعات لدرك كل مُعَمًّى
قادحات بفكرها الوقاد
طائرات مع الخيالات في اللمـ
ـحة تجتاز أبعد الآماد
ركبت من شقائها في كساء
واهن النسج هذه الأجساد
وأحيطت بكل جسم شباك
من صروف جلت عن التعداد
فإذا آفة ألمت بجسم
هدمت عالمًا فسيح المراد
إن هذه الحياة نهر عجيب
زاخر اللج دائم الإرعاد
مده في مجاهل الغيب نبع
جائش الماء فائض الإمداد
فجر الله نبعه في حماه
من وراء الإسماع والإشهاد
غمر الأرض ماؤه وصداه
وهو معي مذاهب الرواد
فهو آتٍ من منبع الأزل المجـ
ـهول جارٍ لمظلم الآباد
نحن فيه فواقع تتراءى
في عراك الأمواج والإزباد
صاح أين المصب في ذلك النهـ
ـر، وما المنتهى لذا الاطراد؟
حفر في طريقه غائرات
في مهاوٍ من الفناء بِعاد
تشرب النهر ذا الغوارب لا تر
وى صواد أوامها في ازدياد
هي بحر الفناء: لج صموت
يتراءى لنا بموج جماد
ولتلك الأحجار في كل قبر
موجه والرشاش في كل واد
ولذاك السكوت صوت رهيب
ولذاك السكون جري النفاد
هكذا هكذا: نضوب وفيض
بين هذي القبور والميلاد
نحن في دنيانا كركب سفين
في ظلام إلى المدى قصاد
يفتح الموج كلَّ هول عليهم
والمنايا روائح وغوادي
وتظل الرياح تعصف فيهم
عصفات الهلاك دون اتئاد
وسوى ذين كل صخر مخوف
متوارٍ عن أعين الرُّصاد
كلما أنجز الهلاك وعيدًا
وطوى الماء صفحة من جلاد
جزع الركب للغريق وصاحوا
وأشاروا بعاجزات الأيادي
وتنادوا للرزء: وا حسرتاه!
ليس من حيلة سوى ذا التنادي
ثم عادوا إلى المسير وحالت
صرخات الجهاد دون افتقاد
هكذا هكذا: مسير وهلك
أبد الدهر فوق هذا المهاد
قهرتنا الأهوال واليأس لولا
حكمة الله في بلوغ المراد
فقلوب جوامح في مناها
تشعل العزم في الخطوب الشداد
إبر المغنطيس٢ إما ضللنا
هاديات إلى طريق السداد
ثم صوت يهيب:«للواجب الحتـ
ـم هلموا، ولا تنوا في اجتهاد»
فهو ريح تجري بكل سفين
ماخرات بالعبء دون ارتداد
ساخرات بهولها سائرات
حيث يبغي المسير رب العباد
خيرنا العامل المجد على العلا
ت لا يأتلي لفعل الرشاد
ذاك من ينشر الشراع على الريـ
ـح ويلقى الردى جريء الفؤاد
ويظل المجداف بين يديه
يقهر اللج في رهيب الجهاد
خيرنا ذو الأناة والنظر الثا
قب يمضي لقومه خير هاد
خيرنا خيرنا لإخوانه السفـ
ـر ببحر الحياة، ذو الإنجاد
١  مقدمة قصيدة طويلة في رثاء المرحوم محمد عاطف بركات باشا، كتبت بلندرة سنة ١٩٢٤.
٢  أعني أن القلوب تشبه إبر المغنطيس في اتجاهها إلى الخير والحق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١