التتويج

كنت أسير، لا بل كان موكبي يسير وأنا بمقصورة محمولة على رقاب أشد العبيد قساوة، وأمام الموكب يسير الكاهن الأعظم بعصاه المعقوف يليه كبار الكهنة، لم ترافقني ابنة القمر بل كانت بانتظار الركب بالمعبد.

كنت أسيرًا، هذه المرَّة كنت فعلًا أسيرًا للموكب والجميع يسجدون، يسجدون لي أو للموكب، الفلَّاحون والعمال والأمراء الذين لم يكن لهم شرف مؤخرة الموكب، الجميع يسجدون.

كان وجهي صلبًا منحوتًا، يعكس صلابة الصَّوَّان، والمقصورة الذهبية لا يُقارن بريقُها ببريق التاج، وكأن قرص الشمس قد تمكَّن من التاج فسكنه، وجناحا إيزيس يحيطان برقبتي فيُضفيان الحماية الأبدية، أو الذعر الأبدي «يا لها من مراسم هزلية …» هكذا كنت أحدِّث نفسي، الكل يلعب دورًا يراه عامة الناس، طقسًا معقَّدًا وأراه عبثًا، حضرت مواكب متعددة للفرعون السابق، نفس الطقوس، نفس الوجوه المنزوعة الحياة، نفس الرهبة والخوف، نفس السجود.

كيف قال طبيب القصر بأنِّي قد صرت إلهًا؟ سألت نفسي. لم تتحرك تقاسيم وجهي المنحوت لأبتسم، فابتسمت بداخلي، تعلَّمت الكثير من «ابنة القمر»، نعتني الكاهن الأعظم ﺑ «المختار» والجميع يسجدون لي، لم تكن تلك رغبتي في الأساس، فكل ما حلمت به هو البناء للحب، وبالحب، فكنت أُخبِّئ عشقي بالجدران وبين الأساطين، كنت أريد مزيدًا من الحب ومزيدًا من البناء.

لم أفكر يومًا بمنصبٍ بالمعبد أو بالقصر، فقط أردت البناء، ورغبتُ في «ابنة القمر»، أبتغيتها، كنت أحلم بها كلما اكتمل القمر، لا أذكر كم مرَّة سحقت ضلوعها أو كم مرَّة اعتصرتني، ولم تبدأ الشهوة إلا بعد توقف العِلم، أخذت منها الكثير، ولا أعرف كم أعطيتها، تقول هي دومًا بأنَّها في كلِّ لقاء تأخذ أكثر مما تُعطي، وأظن دومًا أن الحقيقة أنَّني آخذ الكثير وربما لا أعطي.

اليوم سيتم تتويجى ملكًا ﻟ «كامي» تلك الأرض السمراء بنهرها الفضي، إلهًا لشعبها وقائدًا لجيشها، ومالكًا لأرضها وثيرانها وذهبها وقمحها وعسلها ونبيذها، هل يمكن أن يعارضني المعبد لو أردت العودة للبناء؟ (سألت نفسي) ربما يعارضونني، هل يحق لهم معارضتي؟ كيف وأَنا الإله، ابن آمون؟ (ابتسمت.)

بدأ الموكب بالاقتراب من المعبد، الأتباع تزيد، الأطفال تدُقُّ الطبول الصغيرة بالحصى.

لمحت طفلًا يختلس النظر إلى الموكب، لم يلحظه أحد، وتعلقت عينانا، رأيت ما بداخله، أعجبني ذلك الصبي الذي لا يبدو أنه تجاوز العاشرة من عمره؛ ففيه إصرار الملوك، عرفت أنه سيكون الملك الإله في الغد القريب، كان ينظر مباشرة لعيني، وكأنه يخبرني أنه سيرثني يومًا ما، أو ربما يخبرني بأنه يعلم كيف أتيت.

هاتفني الشك بأنه قد يكون أحد أبناء «ابنة القمر»؛ فله بريق عينيها، كم أشتاق إليها، سأراها بعد قليل بقاعة التتويج.

دلف الموكب للممر الأوسط بالمعبد، متوجِّهًا لقاعة التتويج، مارًّا بالبهو الأعظم، حيث تنتهي رحلة العوام، مخترقًا البهو الأوسط حيث يتوقف الصفوة، ليصل لبهو قدس الأقداس في صدارة المعبد، وحيث توقَّف الموكب، نزلت وسرت نحو الكاهن الأعظم، فقادني لكرسي العرش فجلست، وبدأت المراسم.

ارتفعت البيارق، وبدأت الأعلام في الاهتزاز والعصي بالدقِّ على أرض البهو الحجري، لتظهر مع كل دقة إحدى الراقصات، لتتحرك وكأن الدقات تنبعث من جسدها، فتنساب إحداهن كالماء، وتتقافز الأخرى كحبَّات المطر، حتَّى بدأ قرع الطبول بتتابع سريع يُبشِّر بقدوم إعصار، لتنساب كعادتها «ابنة القمر» وكأنَّها المرَّة الأولى التي أراها، تنساب، تنساب فترقص تحت قناعي الذهبي، وتحت عظام وجهي، وبين الضلوع، تنساب كدماء حارة تعلوها النسمات، فتقترب برائحة الغابات وتنسحب كموج البحر، لتتركني لقناعي الذهبي، وكما كانت رقصة «ابنة القمر» كان حفل التتويج، وكانت كلمات الكاهن الأعظم بحلول بركة «آمون» بي وبأنَّني من نسل الآلهة، وبأنَّني أصبحت الملك الإله بأمر «آمون»، وأصبح لي مُلك مصر بما عليها، لكن الحقيقة تختلف كثيرًا، فكيف تحلُّ بي البركة وأَنا لا أومن بآمون؟! وكيف تكون البركة أن أحيا خلف هذا القناع؟ وإن كانت البركة قد حلَّت بي وأنَّني أنطق بلسان «آمون» فهل ستدعمني تلك البركة إن أمرت الآن بذبح كبير الكهنة؟ بالطبع ستحل بي لعنات ثالوث طيبة وتاسوع هليوبوليس، ابتسمت مرَّة أخرى خلف القناع الذهبي، فقد رأيت الحقيقة واضحة، كما رأيت كل الأسرار في رحم «ابنة القمر»، فقد حلَّت بي لعنة «آمون» بأن أحيا أسيرًا خلف قناع ذهبي، لم أُصدِّق أبدًا وجود «آمون» لكنني الآن صدَّقت لعنته.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١