الكواليس

– يبدو أن الأيام القادمة ستشهد بعض التوتُّر بين القصر ومجموعة من ضباط الجيش.

– ماذا لدينا عن هؤلاء الضباط؟

– مجموعة من الضباط الشباب يتوسطهم بكباشي يُدعَى جمال عبد الناصر.

– وماذا نعرف عنه؟

– شارك في مفاوضات حصار الفالوجة، فهو يعرف بعض الإنجليزية، وله تأثير في رفقته، ويقوم بتدريس الاستراتيجية العسكرية بكلية أركان الحرب، وعلى علاقة بجميع التيارات السياسية.

– هل نحن بصدد مولد فرعون جديد؟

– لا يمكن الجزم بعدُ سيدي، لكن الأمور تُشير إلى رغبته وزملائه لتغيير قادة الجيش.

– أَلَا يمكنهم التطرُّق لما هو أبعد من قيادة الجيش؟

– تقصد القصر سيدي؟

– نعم أقصد القصر، وفاروق بالتحديد؛ فليس هو رجل تلك المرحلة، ومصر في حالة من الاستعداد لولادة نظام جديد تحتاجه الولايات المتحدة في المرحلة القادمة.

– صدقت سيدي، آن الأوان لجنود المملكة المتحدة بالتراجع قليلًا من المنطقة، وترك مساحة كافية لنفوذنا، ولكن كيف نساعدهم ليساعدونا في تبنِّي ولادة إمبراطورية أمريكية بمفهوم جديد في المنطقة؟

– ما هو موقف القصر من هؤلاء الضباط؟

– تم استصدار أمر اعتقال لهم، ويقوم البوليس الحربي بتتبُّعهم الآن.

– وما موقف نجيب الهلالي، هل يشعر بالتهديد بعدُ؟

– لا أعتقد سيدي بأن نجيب باشا يدرك أبعد من أن هناك بعض التوتُّر في صفوف الجيش.

– الملك رضخ لصديقنا مايلز لاميسون منذ عشر سنوات حين حاصر قصره بالدبابات، وأعتقد أنه سيوقِّع وثيقة التنازل هذه المرَّة لو أعيد الحصار بقوات مصرية، ويجب أن يدرك هؤلاء الضباط أن الوقت قد سنح لتلك الخطوة، فقط عليهم التحلِّي بالشجاعة والتطلُّع لهدفٍ أعلى من إمكانياتهم.

– هل تقترح الاتصال بهم؟

– لا ليس بعدُ؛ فهم سيتصلون بنا لو يملكون الذكاء الكافي للتغيير، وسيتصلون أيضًا بأصدقائنا بسفارة المملكة المتحدة، وسيتصل فاروق أيضًا؛ فهو متردد ضعيف لكنه ليس غبيًّا.

– ما تقترحه حين يتصل كلٌّ من الضباط والملك؟

– نتعامل مع الأمر كشأن داخلي، بشرط حماية الأجانب ومصالحهم في مصر، لن نطلب من الضباط ما يخيفهم في تلك المرحلة، ولن نساند فاروق في الحفاظ على هيبته وربما عرشه، فإن لم يكن قادرًا على فرض هيبته، فهو لا يستحق عرش مصر.

– ماذا عن أصدقائنا البريطانيين؟

– ماذا عنهم؟

– هل تعتقد سيدي بأنهم قد يتدخلون في الأمر؟

– لا تكن مضحكًا، الإنجليز يَتُوقُون لاختفاء فاروق وحكومات الأقلية من جهة وحكومة الأغلبية بعد خيانة النحَّاس لهم وإلغائه معاهدة ٣٦ العام الماضي مما كلَّفهم الكثير في حركات المقاومة المسلحة، هم بحاجة لهدنة طويلة الآن، وسيساندون هؤلاء الضباط وربما يدفعونهم لما هو أبعد من كوبري القبة (يقصد قيادة الجيش).

– ولكن إلغاء النحَّاس لمعاهدة ٣٦ أَلَا يضع الإنجليز بمثابة العدو الأول لهؤلاء الضباط سيدي؟

– وظننتك قد تعلمت منا! سيتوقف الأمر كله على هؤلاء الضباط وطموحهم؛ فلو وصل تطلُّعهم للقصر فإنهم سيحتاجون حيادنا وحياد الإنجليز، وفي هذه الحالة سنكون حلفاء بعدم التدخل، ولو اقتصر طموحهم كمعظم المصريين على أهداف لا تبتعد عن أنوفهم، فسيقوم الإنجليز بخطوة التحالف لدفعهم للمزيد.

– هل تعتقد باحتمالات صدامات مسلَّحة بين صفوف الجيش؟

– لا أعتقد ذلك؛ فالجيش ناقم على فاروق منذ حرب ٤٨، ربما يتعاطف رجال البحرية قليلًا معه وخصوصًا لأنه بينهم الآن في الإسكندرية، لكن لا تنسَ موقفه الذي لا يُحسد عليه، ما هي معلوماتنا عن موقف الإنجليز؟

– لا شيء بعدُ سيدي، نحن في الانتظار لنرى.

(يرنُّ الهاتف.)

– نعم، حسنًا، نعم، هل هناك أي صدامات؟ حسنًا، شكرًا (يُغلِق الهاتف ويستطرد) قام الضباط بالاستيلاء على مقر قيادة الجيش بدون صدامات، ويبدو أنهم ألقَوا القبض على قيادات الجيش.

– لقد بدءوا مبكرًا، أتمنى بأن يكونوا بالذكاء الكافي لعدم التوقف.

– هل أتصل بالسفير البريطاني الآن؟

– لا، هم سيتصلون بنا، فقط أرسِل تقريرًا كاملًا الآن للشئون الخارجية بالعاصمة واطلب منهم النصيحة.

أغلق السيد «كمال الراعي» رئيس هيئة الدفاع الوطني (المخابرات العامة) ملفًّا بيده، ووضعه على طاولة بجوار كرسيِّه، وقال مخاطبًا السيد «محسن رضوان»: لا أريد أحدًا في الغرفة عندما يستيقظ. وأجابه: «مفهوم كمال بك.»

سمعت آخر جملتين، ميَّزت صوت «محسن رضوان»؛ فما زالت كلمة «معاليك» تُصْدِي بأذني، لكن لم أكن أعرف الصوت الآخر، لكن تصوَّرته شخصًا ذا أهمية بسبب لهجة «محسن رضوان» المستسلِمة هذه المرَّة، حاولت القيام من سريرٍ لا أعرف كيف وصلت إليه، وما إن فعلت حتَّى توقَّفَت الأصوات تمامًا.

فتحت عيني على إضاءة معتدلة، وسقفٍ يعلوني بستة أمتارٍ على الأقل، إن لم يكن أكثر، بلون كِريمة الحليب بالشاي، ومُذهب بزخارف بارزة من القرن التاسع عشر من طراز الباروك، يتدلَّى منه ثُرَيَّا تبدو من الذهب الخالص، تحمل إضاءة متوسطة ومريحة، لم يضايقني النظر لنورها الذي يرتفع حوالي أربعة أمتار تقريبًا من مكاني، تحركت عيناي من السقف للكرانيش المُذهَبة، فورق الحائط الفرنسي، النقوش باللونين الكريمي والأبيض، وخيوط الذهب داخل إطارات خشبية مذهبة أيضًا، لم أحتَج لكثير من الوقت لأدرك أنَّني في إحدى غرف النوم بقصر عابدين، أعتقد لو عرف الفرنسي «دي كوريل روسو» مُصمِّم القصر أنَّني سأنام في إحدى غرف نومه، لما صمَّمه «للخديوي إسماعيل» في المقام الأول.

اعتدلت بصعوبة، وسندت ظهري على مراية السرير الخلفية، بالفعل لا أُنكر إحساسي بالمكان، إحساس بالفخامة غير عادي، رأيت تلك التصميمات كثيرًا، لكن شعور استعمالها مختلف تمام الاختلاف، اقترب من السرير رجل وسيم لم أستطع معرفة عمره الحقيقي من كمِّ تأنُّقه وعنايته بمظهره، لم يكن غيره بالغرفة، فعرفت أنه من أعطى أوامره «لمحسن رضوان» بالخروج من الغرفة، اقترب من السرير وأومأ برأسه محيِّيًا بابتسامة واثقة، وعين يكاد بريقها يفوق الثريا المتدلية وتعبِّر عن ذكاءٍ حاد، اقترب أكثر من السرير وكنت شبه جالس، وبدأ الحديث دون أن يُحوِّل عينه من عيني.

– حمدًا لله على سلامتك سيادة الرئيس، محمد كمال الراعي، رئيس هيئة الدفاع الوطني.

عقدت حاجبَيَّ فاستطرد مبتسمًا «المخابرات العامة»، حاولت تقييم الموقف بسرعة، أنا في إحدى غرف النوم بقصر عابدين، ورئيس المخابرات العامة يدعوني «بسيادة الرئيس»؛ أول ما خطر لي أنَّها إحدى طرق الاستجواب، ربما يظنونني رئيس أحد التنظيمات السرِّية لذلك يدعونني سيادة الرئيس، استرجعت بسرعة ما تذكَّرته من أحداث عن يوم التصوير، وجنود الحرس الجمهوري ورئيس الديوان وسقوطي، قررت أن أحاول معرفة ما يحدث فسألت بصوت متشكِّك.

– رئيس ماذا؟

أجابني ولم تفارق وجهه تلك الابتسامة الواثقة، وازدادت عينه في البريق كما لو كان يُبلغني أنه استشعر قلقي وخوفي مما يحدث: «رئيس الجمهورية»، وبدأنا في حوار طويل تبادلنا فيه الأدوار عدة مرات؛ فكنت ألعب دور الفأر المذعور حينًا ودور الفأر المذعور جدًّا أحيانًا.

– أيُّ جمهورية؟

– جمهورية مصر العربية (قالها بحزم قاطع) نحن نُتابع حركتكم منذ فترة، لكننا لم نكن واثقين من قدرتكم على تغيير نظام الحكم، لكن يبدو أن سيادتك والسادة أعوانك بالحركة قد استعملتم حيلة غاية في الذكاء للاستيلاء على القصر وعزل الرئيس السابق.

– لا أعرف عمَّ تتحدث!

مقاطعًا: بل تعرف جيدًا سيادة الرئيس، ولا وقت لدينا للمناقشة. السادة وزير الدفاع، والداخلية، ورئيس جهاز مباحث أمن الدولة خارج هذه الغرفة، في انتظار مقابلتك، ولديك حلٌّ من اثنين: أن أخرج وآمرهم بالقبض عليك، وستتمنَّى بعدها الإعدام رميًا بالرصاص، أو أن أخرج مبتسمًا وأدعوهم لمقابلة الرئيس الجديد، ولا أعتقد أن لديك الوقت الكافي للتفكير، سيادة الرئيس.

– هل لي بكوب من الماء؟

– بالطبع سيادة الرئيس.

تحرك «الراعي» نحو أحد الأبواب الأربعة بالغرفة وفتحه نصف فتحة وأخرج رأسه فقط ثم عاد مغلقًا الباب مرَّة أخرى، وخفَّت نبرة الحدة من صوته وعاد مجددًا للحديث.

– لا تقلق سيادة الرئيس، لا تسمح لهم بالأسئلة، واستمع لهم، امنحهم فرصة إظهار الولاء لسيادتك، وبعد رحيل الجميع، سآتي مرَّة أخرى.

– أين تذهب؟ ألا تريد إظهار ولائك بالمكوثِ معي حتَّى ينصرف الجميع؟

ابتسم موافقًا، وتبدَّلت صرامة وجهه وأظهر وجهًا مريحًا جعلني أتساءل: كم وجه لهذا الرجل؟! قمت من السرير، وجلست على كرسي فرنسي مُذهَب بجوار طاولة صغيرة عليها ملف ليس سميكًا يشبه ملفات البريد اليومي، عليه خرطوشة فرعونية بها عين حورس، وتحته نسر قوي ينقضُّ على ثعبان، وكُتِب في المنتصف (تقرير ٢٢ يوليو ١٩٥٢م، سفارة الولايات المتحدة) وأسفلها عبارة «سِرِّي للغاية»، لمحت الراعي ونظره مُتعلق بالملف فشعرت بأهميته، فأسندت يدي على الملف متظاهرًا بالعفوية، فابتسم ابتسامته الشيطانية مرَّة أخرى.

– اسمح لي بإدخال السادة الوزراء، سيادة الرئيس.

أومأت موافقًا بتردُّد خفَّ قليلًا بإيماءةٍ منه مغمضًا عينيه؛ أي «لا تقلق»، وفتح الباب وخرج تاركًا الباب مفتوحًا، ثم عاد مرَّة أخرى ووقف بجوار الباب من الداخل فدخل «محسن رضوان» متمتمًا: «حمدًا لله على سلامتك سيادة الرئيس»، ووقف بالجانب الآخر من الباب، ثم دخل وزير الدفاع بحُلَّته العسكرية المميَّزة، كدت أقف حين اقترب مني لمصافحتي، لكن غمزة من عين «كمال الراعي» أجلستني مرَّة أخرى، وتظاهرت بأنِّي أُغيِّر وضع جلستي طمعًا في راحة أكبر، تحدَّث «محسن رضوان».

– سيادة المشير «محمد سليم بركات» وزير الدفاع، سيادة اللواء «مصطفى نصر» وزير الداخلية، اللواء «منتصر الحفناوي» رئيس مباحث أمن الدولة.

تبادلنا التحية، وعملت بنصيحة «الراعي» وتقمَّصت دور «آل باتشينو» في فيلم «الأب الروحي»، وضعت ساقًا على ساقٍ، ومِلت قليلًا وسندت رأسي على ثلاثة أصابع إبهامي وسبَّابتي ووُسْطَاي، ولم أقُل شيئًا بل اكتفيت بالإيماءات، وعقد الحاجبين، أو بسط الوجه، كان جمهوري الوحيد هو «محمد كمال الراعي» ويبدو من اللحظات الأولى أنه يستمتع بالعرض، نسيت وجوده ونظراته المُشجِّعة حينا والمتشككة أحيانًا وتلبَّستني روح «آل باتشينو» بثقته التي تجتاح ثقة الآخرين، وتوحي بقوة وقدرة تفوق حدود جسده الضئيل، حتَّى تحوَّل الضيوف الكرام من ذئاب تتفقد فريستها لقطط تحاول إرضاء مربِّيها وتتمسح بقدميه طمعًا في بعض الدلال، نسيت مَن هم وماذا يقولون، في الحقيقة لم أسمع أيًّا مما قيل، فقط كنت أتنقل بين أعيُنهم وأشعر بما في نفوسهم دون أن أسمع ما تنبث به أفواههم.

نظرت في ساعتي بحركة مسرحية أصابت الجميع بالتوتُّر، كان وزير الداخلية هو من يتحدث وقتها، أومأت له برأسي أن يُتابع، فتابع في توتُّر، حقيقةً لم أسمعه، كانت الساعة تقترب من العاشرة مساءً، فما كان يسيطر على ذهني هو تناقُض الأحداث العجيب، منذ عدة ساعات كنت أتوق لصداقة «عصام» مندوب الشرطة ليقيني شرَّ لجان المرور بسيارتي المحترقة، والآن يتلعثم وزير الداخلية في كلماته معلَّقَ العينين بنظراتي وانفراجات ثغري استحسانًا أو استياءً، لا أعتقد بأنني وجدت خاتم سليمان، أو مصباح علاء الدين، ولو كنت وجدت أيهما لما طرأ ببالي أن أطلب رئاسة الجمهورية! ما زال الأمر غامضًا، أتوقَّع في أي لحظة أن يدخل الرئيس من أحد تلك الأبواب الأربعة مبتسمًا حانيًا، يُصافحني ويُشكرني على قيامي بدور البديل، وقد يُطري أيضًا على أدائي الذي طالما حاول «عماد» إقناعي به، بالتأكيد سيأتي الرئيس قريبًا جدًّا، وقد يمنحني وسام الجمهورية أو وسام العلوم والفنون، لن أقبل بأقل من الطبقة الأولى، كلَّا سأقبل بأي طبقة بل بأي شيء مقابل فهم ما يحدث، لا، بل مقابل الخروج من هنا سالمًا، وسأعِد الرئيس ألَّا أحاول فهم ما حدث، بل سأَعِدُه أنَّني سأنساه تمامًا.

أين أصدقائي الآن؟ تذكَّرت «أبو ميار» وهو يُبَرَّح ضربًا، بالطبع لم يكن تمثيلًا، برغم صعوبة الموقف لم أتمالك نفسي من ابتسامة فلتت مني عندما تذكَّرت الصوت الجهوري والحركات المسرحية للرائد «عمر» وهو يُشير للنقيب الذي لا أعرف اسمه لينقضَّ هو ورجاله على «أبو ميار»، ويبدو أن ابتسامتي لم تكن في محلِّها أو كانت … لا أدري؛ فقد عقد «الحفناوي» حاجبيه وبدا عليه القلق الذي ساور الجميع، تدخَّل «الراعي» طالبًا من الجميع الانصراف، وحفظ الأمن لحين إعلان الخطاب الرئاسي وتجديد الثقة في الحكومة لحين إشعارٍ آخر، تحرَّك الجميع بلطفٍ شديدٍ للخارج ورافقهم «محسن رضوان»، وقبل أن ألتقط أنفاسي عاد مرَّة أخرى فأومأ إليه «الراعي» بأن يُغلق الباب من خلفه.

مرَّة أخرى جلست مع «محمد كمال الراعي»، جلس على الكرسي المجاور للطاولة الصغيرة التي سندت عليها يدي فوق ملفاته، كان يليق حقًّا بهذا الكرسي الفرنسي المُذهب، تساءلت بيني وبين نفسي: أكان يُشبهني أولَّ يوم له بالقصر؟ لم يتركني كثيرًا لتساؤلاتي وابتسم مُعلِنًا إعجابه الشديد بما بَدَر مني مع الوزراء وأنَّني رئيس بحقٍّ وأنه يشرُف بخدمتي في الرئاسة.

– حسنًا سيد «رفاعي»، متى سنبدأ الحديث بجدِّيَّة؟

– إن كلَّ ما يحدث هو منتهى الجدية، سيادة الرئيس، لقد قمت وزملاؤك بانقلاب فريد من نوعه، واستخدمتم بعض عناصر الشرطة وسيارتين من الأمن المركزي، وتمكَّنتم من محاصرة القصر، وإرغام قوات الحرس الجمهوري على الاستسلام، وتمَّ نقل الرئيس السابق لمنزله تحت الحراسة لحين مناقشة البدائل المقترحة، والآن قدَّم لسيادتك وزراء السيادة ولاءهم، وبقية السادة الوزراء بالانتظار في الصالون الأخضر لمقابلة سيادة الرئيس وتقديم الولاء له.

– لكنك تعرف أن شيئًا من هذا لم يحدث.

ابتسم وسألني: «هل تظنني نسيت تلك الملفات هنا؟» فأبديت امتعاضًا؛ فلا يمكن فعلًا أن يكون نسيها وأنا أسند يدي عليها كمن وجد كنزًا ثمينًا بينما تركهم لي لأقرأهم.

سحبت الملفات جميعها عليها نفس الشعار، ويشترك بينها أيضًا عبارة سري للغاية، استطرد قائلًا: «سنقوم بإكمال الفراغات الناقصة خلال (نظر في ساعته) أقل من نصف ساعة من الآن؛ فالرجال يقومون بذلك منذ غروب الشمس …» لم أُعِرْ جملته أيَّ اهتمام، وفتحت الملف الأول فوجدته يُشبه «سيناريو» أو محضر جلسة في السفارة الأمريكية، وعجبت من التاريخ المُدوَّن عليه «٢٢ يوليو ١٩٥٢»، وتعجَّبت أكثر من ذلك الحوار، تذكَّرت مذكرات «مايلز لامبسون» وكيف كان للإنجليز مكتب للتصنُّت على المكالمات الهاتفية داخل سنترال رمسيس، فلماذا لا يكون هناك مكتبٌ آخر للأمريكيين؟

– هل ساعد الأمريكيون ضباط الثورة فعلًا؟

– سيادة الرئيس في أحيان كثيرة تكون المساعدة في الصمت أو التغافل أو عدم إثارة المشاكل؛ وقت قيام الثورة كانت الولايات المتحدة تبدأ في الانتشار والتوسع الإمبراطوري، وكانت تحتاج لتقليص دور صديقتها المملكة المتحدة من المنطقة، كما لم يكن جلالة الملك بالحنكة الكافية لإدارة مثل هذا الموقع الاستراتيجي. نعم ساعدت الولايات المتحدة ضباط الثورة، وراهنت عليهم أيضًا، وكان النظام المصري الجديد وقتها هو المُرشح ليكون الابن المدلل للسياسة الأمريكية لولا فطن أبناء العمَّة لذلك، وقام «بنحاس لافون» بسلسلة عمليات «سوزانا» التي أدَّت لتوتُّر كبير في العلاقات مع الولايات المتحدة، وفي الوقت الذي احتاجت فيه لضمانات من الحكومة المصرية كانت الأمور تغيرت بالفعل، وصدقنا وقتها بأننا لا نحتاج لتقديم ضمانات لأحد.

كان الرجل يتحدث بمَرار، لا أعتقد أنه قد عاش تلك الفترة بعقل يَعي كلَّ تلك الأمور، لفت نظري ذكره لفظ «جلالة الملك» بينما تحدث عن حكومة الثورة كنظام «جديد»، فازدادت رغبتي في معرفة ما يدور بعقله، لكنِّي كنت مُدركًا تمامًا وقتها أنه يقول فقط ما يجب عليَّ سماعه، على الأقل في تلك المرحلة، أخذت أُقلب في الملف حتَّى وضعته على الطاولة مكانه وانتقلت لملف آخر مكتوب عليه «تنظيم (…)» ومتروك مسافة بين القوسين بعد كلمة تنظيم لا أدري لماذا شعرت بأنَّني أمام إحدى روايات «حسن عبد السلام»؛ فهو يكتب على جميع مسودات رواياته كلمة رواية ويترك بجوارها نفس القوسين بمسافة بينهما، لحين الاستقرار على اسم الرواية فيضيفه بيده بين القوسين. حسنًا، همست لنفسي أنَّني بصدد مسودة سيناريو، ولكن ليس من أعمال «حسن عبد السلام» ولكن من أعمال المخابرات العامة.

عجبًا، إنه سيناريو كامل بتنظيم لا تشوبه شائبة، أحداث وتقارير أمنية عن التنظيم السري الذي دومًا يترك اسمه مكانًا شاغرًا بين القوسين، حتَّى محاضر المكالمات الهاتفية ترك أماكن الاسماء شاغرة، بالفعل إنَّني أمام سيناريو كامل لا ينقصه إلا تسكين الأبطال في القصة، التنظيم يديره «شاب» ويعاونه مجموعة من أصدقائه وزملاء العمل، استطاع بذكائه أن يُجنِّد مجموعة من ضباط الشرطة لما لهم من حرية في الحركة داخل العاصمة، كما تمكَّن التنظيم من تجنيد ضابط رفيع المستوى في الحرس الجمهوري.

– أَلَا ترى سيد «رفاعي» أن هذا التنظيم، أو اسمح لي أن أسميه سيناريو، لا يرتقي لعمل جهاز مثل الدفاع الوطني؟ بل لا يرتقي لعمل كاتب سيناريو هاوٍ.

– سيادة الرئيس (ينظر لساعته مرَّة أخرى) لقد فضَّلت أن ترى بنفسك كيف تُمْلأ الخانات الناقصة في التقارير بمثل تلك الأهمية، اسمح لي بأن أدعو الرجال للدخول؛ فهم يعملون على هذا التقرير منذ ساعات وبمساعدة كافة الأجهزة الأمنية.

عقدت حاجبَيَّ مستنكِرًا بسخرية واضحة قائلًا: «هذا التقرير؟ هل أنت متأكد أن البلاد لن تكون في حالة استخباراتية أفضل لو كتب تقاريرها الأمنية «نجيب محفوظ»؟ (ضحكت) دع رجالك يدخلون، ولو لديكم مشكلة في اختيار الأبطال فلا تقلق، أعرف من يمكنه تسوية الأمر.»

كنت زاهيًا بقدر سخريتي منه، بينما توجَّه للباب بابتسامة أقلقتني كثيرًا، وخطر بذهني للحظة خاطر أرعبني، وأطلقت لرعبي العَنان وأنا أُعيد التصفح في تقرير التنظيم السري الذي بيدي، بينما أدخل «كمال الراعي» أربعة رجال لا يقلُّون وسامة ولا تأنقًا عنه، وإن كانوا بلا شك يقلون هيبة، أشار لهم أن يتوقفوا في أماكنْهم، رفعت عيني سريعًا فوجدتهم يدفعون أمامهم «ترولِّيَيْن» صغيرين عليهما صناديق متفاوتة الأحجام، عدت مرَّة أخرى لتفحُّص التقرير، ولكن صاغ لي رعبي تصورًا جديدًا أكدته ابتسامة «كمال الراعي» الشيطانية، فإن ما رأيته هذه المرَّة هو سيناريو متكامل مترابط لا ينقصه سوى تسكين الشخصيات الرئيسية، وإضافة ملامحها على الأحداث المُدونة بالفعل، ترددت كلمات «الراعي» مرَّة أخرى في عقلي عن قيامنا — أنا وأصدقائي — بانقلاب على القصر الرئاسي، واتضحت لي الرؤيا جليَّةً مرَّةً واحدةً، فرفعت عيني بمزيج من الغضب والدهشة، ورمقته بنظرة تكفي لإشعال براكين الأرض، لكنه قابلها بابتسامة إطراء أربكتني وزداتني غضبًا.

– هل تسمح سيادة الرئيس أن يُنهي الرجال عملهم (مشيرًا للتقرير بيدي).

مددت يدي بالتقرير، ووقفت لألتفَّ حول المقعد ساندًا يدَيَّ على ظهره لأتابع كيف ينهي الرجال عملهم، وبإشارة من يده تحوَّل الرجال الأربعة لخلية من النحل، بعد أن خلعوا سُتْرَاتِهم، وشمَّروا عن سواعدهم، وأفرغوا حمولة صناديقهم، وتحوَّل هذا الجزء من الغرفة معهم إلى غرفة عمليات، أجهزة كمبيوتر، ماكينة تصوير مستندات صغيرة الحجم، كاميرا تشبه المستعمَلة في المرور وفي إصدار البطاقات الشخصية، والعديد من الأجهزة الأخرى التي رغم ولعي التكنولوجي لم أعرفها.

قاموا بفتح الملف واستخراج الأوراق جميعها من الداخل، وبدأ كلُّ واحد منهم بالاحتفاظ بمجموعة من الأوراق وتمرير الباقي لمن يليه، حتَّى قسموا الأوراق عليهم بالكامل، ثم توجَّه كلٌّ منهم إلى صناديق الملفات التي معهم، وبدأت عملية تسكين للأبطال من أروع ما رأيت، لكن الأبطال هذه المرَّة كانوا «نحن»؛ فصورُنا مبعثرة بالغرفة تتعرض لكافة أنواع المونتاج، وتدخل في أجهزة وتخرج بهيئة أخرى.

استمرَّ عمل الرجال حوالي نصف الساعة أو يزيد، لم يتحدث أي منهم، لم أعرف حتَّى كيف تبدو أصواتهم، وبعد ذلك اختفت آثار العدوان في لا وقت، وعاد كل شيء للصناديق المغلقة، وارتدى الرجال ستراتهم مرَّة أخرى، واصطفُّوا بجوار الباب تاركين للسيد «كمال الراعي» ملفًّا يُشبه الأول ولكن أكثر امتلاءً، وأشار لهم بالخروج وعاد ليطلب مني الجلوس مرَّة أخرى، وجلسنا يفصلنا تلك الطاولة الصغيرة ليمد لي يده بالملف مرَّة أخرى.

شعار المخابرات في الأعلى، وفي المنتصف «التنظيم صقر الجمهورية» وأسفلها سِرِّي للغاية، وفتحت الملف؛ فهرس كامل لكافة محتويات الملف بدايةً من نشأة التنظيم وأهدافه وأفكاره وهياكله التنظيمية المتعددة، وأجنحته المختلفة، وبعد الفهرس بدأت في التعرف على التنظيم «صقر الجمهورية» والذي يتضح من تقرير المخابرات أنه تنظيم إصلاحي، لا يميل لاستخدام العنف أو ترويع المدنيين، وله برامج تنموية، وخطة للقضاء على الفساد بأنواعه دون اللجوء للعنف أيضًا، ولكن بمراقبة الفساد وتضييق الخناق حوله ثم الإبلاغ عنه متلبِّسًا، ويعود للتنظيم الفضل في الكشف عن الكثير من قضايا الفساد بين رجال الأعمال وتجاوزات بعض الوزراء! أسماء لامعة سمعت فضائحها بالجرائد وظننتها إشاعات، وأسماء أخرى عاصرت البعض من فضائحها، وأسماء لم أسمع عنها قط.

القائمة طويلة، شعرت بأن التنظيم «صقر الجمهورية» هو أحد أجهزة الدولة المسئولة عن كشف الفساد ومحاصرته، كنت في حالة من التأثر بقدرة هذا الجهاز وبحجم الفساد أنستنى أنَّني في مأزق كبير لا أعرف ملامحه الحقيقية حتَّى الآن، الغريب أنَّني رأيت السيناريو قبل أن يمتلئ، وبعد استيفاء كل بيانته، ولكن تصفُّحه وحجم المعلومات الموجودة به وأسلوب التقارير أنساني تمامًا كيف رأيته في المرَّة الأولى.

كانت الصفحة التالية هي قنبلة أخرى؛ صورتي في طالعة الصفحة بحُلَّة أنيقة ورابطة عنق عالية الذوق لا أظن بأنِّي رأيتهما من قبل، لكن ذوقهما يناسبني تمامًا، وبجوار الصورة كُتِب: «رئيس التنظيم»، وأسفلها بحروف صغيرة «المهندس محمد الكيال» رفعت حاجبي مستنكرًا الاسم ونظرت للسيد «كمال الراعي».

– من «محمد الكيال»؟

– هذا اسم معاليك، سيادة الرئيس.

– كيف؟ اسمي هو محمد أحمد عبد الفتاح محمد.

– الصفحة التالية ستجد فيها شجرة العائلة كاملة، واسم الكيال ستجده من أجدادك، وكل ما حدث هو اختصار للاسم «الرئيس محمد الكيال».

قلبت الصفحة بسرعة لأرى شجرة العائلة التي حلمت دومًا بالحصول عليها، وتعجبت من تتبُّعهم لأصول العائلة، وعرفت أن أصولها تعود لعصر المماليك.

– كيف عرفت أن شجرة العائلة بالصفحة التالية وأنت لم تفتح التقرير بعد التعديلات؟ (سألته بلمحة من الخبث.)

– سيادة الرئيس، هذا ليس التقرير الأول الذي يتم إعداده بتلك السرعة (قالها منتشيًا).

لم أكترث كثيرًا بما قال، لكن أعجبني اسم «الكيال»، عدت مرَّة أخرى للصفحة التي بها صورتي، وجدت تفاصيل لا أعتقد أنه يمكن الحصول عليها حتَّى بالمراقبة المباشرة لأعوام، تفاصيل التفاصيل تبدأ من ذوقي المُفضَّل في النساء، وحتَّى طريقة شربي للقهوة.

برغم كل ما كنت أتظاهر به من ثبات ومحاولة لفتح الحوار، إلَّا أن حالتي العامة كانت تحت الصفر بما لا نهاية من الأعداد، كانت سحابة الذهول مُخيِّمة على عقلي، وأخذت أقلب فوجدت الجميع (عماد، حسن، شنن، شعراني، عم رمضان، أستاذ منير، عصام، الرائد عمر …) تقريبًا كل طاقم العمل مضافًا إليهم بعض الجيران، ورجال النقيب الذي عرفت أنَّ اسمه النقيب «رائد القيسوني» من رجال مكافحة الشغب، والحاج «إبراهيم»، والسائق «أبو ميار»، الجميع، الجميع، ولا تَقِل التفاصيل المذكورة عند كل اسم عن التفاصيل التي وجدتها في صفحتي.

وبعد استعراض أعضاء التنظيم، وجدت تفريغًا لمكالمات تليفونية كثيرة، والغريب أن المكالمات السابقة لواقعة التصوير دُوِّنت وكأنَّها كانت مشفَّرة، وأسفلها النص غير مشفَّر، ويليها صور التصاريح الخاصة بالتصوير والمرور، شعرت بفورانٍ شديدٍ برأسي وكأنه سينفجر من كمِّ المعلومات التي قرأتها، فرفعت عيني بصعوبة شديدة وطلبت من «كمال الراعي» بعض القهوة والسجائر، وطلبت منه أن يتكرَّم ويُحضرها بنفسه، لا ترفُّعًا مني ولكن خفت أن أنهار باكيًا أمامه، كنت أحتاج بعض اللحظات بمفردي.

ماذا يريد هذا الرجل مني؟ ولماذا لم يقُم بالقبض علينا جميعًا؟ أين بقية المجموعة؟ وأمطرت سحابات الخوف بملايين الأسئلة التي تتوالى، فإجابة كل سؤال تكون بمائة سؤال آخر، وكأنَّني دخلت في متوالية لن تنتهي، هل ما يحدث حقيقة؟ أم سأفيق بعد قليل قائلًا بأنَّني قد رأيت حلمًا غريبًا؟ هل سأردد «خير اللهم اجعله خير؟» حاولت لَمَّ أشلاء ذهني واستجماع طاقتي لأفكر … نعم، نعم، يجب أن أفكر، لا بل يجب أن أعرف بالتحديد ما يريده «كمال الراعي» مني وبعدها أقبل أو أرفض، ارتحت قليلًا لتلك الفكرة التي ركنت إليها مؤكدًا لنفسي أنَّني يمكنني القبول أو الرفض، لكنِّي كنت أدعو الله متضرعًا في أعماقي أن يكون هذا الحق من نصيبي.

عاد «كمال الراعي» يدفع بيديه عربة شاي من القرن السادس عشر، قوطية التفاصيل، مرصَّعة بما لا يمكن وصفه من أحجار كريمة، وخيوط مُذهَبة خالصة، على منحوتة خشبية مُذهبة بأوراق الذهب الفرنسي الخالص، «هل أدرك هذا الرجل ولعي بالتفاصيل وبطرز العاديات ويتعمد العبث بأفكاري؟ يبدو ذلك جليًّا.»

ناولني القهوة، وفتح علبة كبيرة من خشب الأبانوس المُطَعَّم بالعاج، والمُرَصَّع بالمجوهرات أيضًا، لتنفرج كصناديق الحلي على أدراج متعددة بها العديد من أصناف وألوان الدخان، من السيجار الكوبي الفاخر، ومرورًا بالسيجار السويسري والألماني المُصَنَّع من أفخر الأنواع، ووصولًا للسجائر الألمانية والفرنسية والإنجليزية والأمريكية التي جرَّبتها، أو سمعت بها من قبلُ ولم يلفِت نظري من كلِّ تلك الأنواع غير مجموعة من السجائر الرفيعة جدًّا، والتي يصل طولها لحوالي خمسة عشر سنتيمترًا، وألوانها مبهجة من الزهري الفاتح والسماوي والفستقي والكناري، سحبت واحدة فوجدتها مُفرغ منها ما يقرب من نصفها يُستعمل كمبسم، سحبتها أسفل فمي لأشم دُخانها، فشممت رائحة شرقية دسمة، فرفعت عيني إليه فابتسم قائلًا بأن هذه السجائر مخلوطة بالعنبر، وكانت تنتجها شركة الإسكندرية للدخان (قبل إفلاسها) تحت اسم تجاري «سبسيال»، وبعد شراء الشركة الشرقية للدخان لشركة الإسكندرية للدخان تم تخصيص إنتاج هذا النوع لصالونات رئاسة الجمهورية فقط، أبديت إعجابي بمعلوماته وبنوعية الدخان، وسحبت نفسًا عميقًا بعد قيامه بإشعالها لي، وهدأت في جلستي.

– ما المطلوب مني بالضبط؟ (هكذا سألته.)

– العفو سيادة الرئيس، ليس مطلوب من معاليك شيء سوى الاستمرار في حملتك الموسَّعة ضد الفساد وقيادة الإصلاح بالبلاد.

– دعك من قصة الحملة المُوسَّعة والمُضيَّقة، أنت من لفَّقت هذا التقرير فلماذا تحتاجني؟ لماذا لا يتضح أنك كنت رئيس التنظيم «صقر الجمهورية» وأننا جميعًا كنا أصحاب الأدوار الثانوية؟ هل تريد توقيعي وجميع أعضاء التنظيم على ذلك؟

يبدو أنَّني أغظته، أو يبدو أنه يجيد تمثيل ما أود أن أراه كي لا أتطلَّع لمناورات أكثر، فأشار مستأذنًا كي يشعل سيجارًا كوبيًّا «لانسيروز»، وهو المقاس المتوسط للماركة الكوبية الشهيرة «كوهيبا» والتي لم يُسمح بتصديرها من كوبا إلا بعد توقُّف «فيدل كاسترو» عن التدخين بأمر طبيبه (هكذا أخبرني)، أومأت إليه أن يتفضل، فسحب مقصًّا من درج أسفل صفوف السيجار، قضم به كعب السيجار وأعاده مكانه، وأخرج أعوادًا خشبية من المستخدمة في تغليف السيجار داخل الصناديق والتي تُشْبِه قشرة الخشب، مقطَّعة كأعواد الثقاب الطويلة، وأشعل بقدَّاحة من نفس الدرج النار، فأشعل عودين من خشب السيجار، وانتظر عدة ثوانٍ كي لا يبقى بالنار سوى رائحة خشب السيجار، ثم أشعل سيجاره وأطفأ الأعواد، ونفث بعض الدخان في الهواء كمن يعشق طقوسه، ظلَّ مُحَدِّقًا في دخانه لحظاتٍ، ثم قام من مقعده بهدوء وسار إلى طاولة صغيرة في ركن الغرفة، رُصَّ عليها ثلاثة أهرامات من المرمر، أحضر واحدًا منهم وعاد أدراجه بخطوات مسرحية بعض الشيء، وجلس مرَّة أخرى واضعًا الهرم بيننا.

– سيادة الرئيس، الهرم الأكبر، ذلك البناء الضخم الذي يُعَد رمزًا لمصر، ربما لأنه أضخم مبانيها، ربما لأنه من عجائب العالم القديم والحديث أيضًا، وربما أنه حقًّا يُعبِّر عن مصر، بداية من قاعدته العريضة وحتَّى قمَّته التي تشقُّ السماء، ملايين الأحجار المتراصَّة في سكون، في صمت، في نظام، منتهى النظام، تنوُّع بسيط لكنه في غاية الدقة في اختيار المواد ما بين الحجر الجيري، الجرانيت، والهُريم النفيس، سواء كان من الذهب أو الفضة، ولا يمكن تجاهل طبقة الملاص الدقيقة التي تُخفي هذا البدن الضخم والتي تتلألأ في الفضاء كنهرٍ من الفضة، مؤسسات الدولة سيادة الرئيس، هي القلب الجرانيتي، ولا يمكن للجرانيت أن يصير ذهبًا، ربما كان جزءًا من مهمَّتنا أن نكتشف المعادن النفيسة من بين الأحجار الجيرية وانتقاء الصالح منها ورفعه لرأس السلطة، سيادة الرئيس، يحتاج هذا الهرم لتغير طبقة الملاص التي تُغطي أحجاره من وقت لآخر، وقد يتبع ذلك تغيير رأس السلطة، لكن الهرم لا يتغير ولا القلب الجرانيتي يتغير، وما قمت به من انقلاب على السلطة كان هو التسلق والارتقاء من القاعدة الحجرية لرأس الهرم، تحتاج البلاد لهذا النوع من التغيير، تحتاج للانتقال لحكمٍ مدنيٍّ يتناسب مع التغيرات العالمية، ويجب أن يتم التغيير من خارج النظام وليس من داخله فيظل قلب النظام متوحدًا لحمايته.

لم أشعر بمنطقية ما يقول بقدر ما شعرت أنا بحزمه، وشعر هو بقلقي الذي لم يكن يشبه الخوف من التغيير بقدر ما يشبه التشبث بالحياة، لم أجادله كثيرًا، بل فضلت الإنصات حتَّى أبلغني بضرورة الانتقال لأحد القصور الرئاسية المخصَّصة لإعداد الرئيس، فخرجنا لساحة القصر وقفزنا في مروحية صغيرة نقلتنا لقاعدة ألماظة الجوية، وركبنا طائرة صغيرة، كانت المرَّة الأولى التي أصعد فيها لطائرة صغيرة، ولم تكن كما ظننت؛ فهي أقل استقرارًا في الهواء من الطائرات العملاقة، ذكَّرتني قَفَزَاتها في الجو بطيران العصافير، واحترمت حينها النسور كثيرًا، لم أكن أعرف وجهتنا بالتحديد حتَّى أبلغني «كمال الراعي» بأن القصر المنشود سيكون بمحافظة الأقصر، لم أزُرِ الأقصر منذ أصبحت محافظة، لكنِّي أحبها حين كانت مدينة، أحب البحيرة المقدَّسة بمعبد الكرنك، وبهو أساطينه، كما أعشق معبد الأقصر بأعمدته الرشيقة، ولا يضاهى شيء عندي كمعبد تحتمس الثالث بمعبد الأقصر بأعمدته البديعة من اللوتس المقفل والمفتوح، كان الوقت متأخرًا، واختفت أضواء العاصمة تدريجيًّا لتحيط نوافذنا ظُلمةٌ مخيفة حاولت معها التمدُّد والاستسلام للنوم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١