الفصل الثالث

السياسة والهوية

بالفعل، كان في وسعي أن أصبح قاضيًا، لكني لم أتعلم اللغة اللاتينية قَطُّ، لم أتعلمها قَط بالقدر اللازم لممارسة القضاء، ببساطة لم أتعلمها بالقدر الكافي لاجتياز اختبار القضاة القاسي؛ إذ تُعرف تلك الاختبارات بقسوتها. كان الناس يخرجون مترنحين من لجنة الاختبار قائلين: «يا إلهي، يا له من اختبار قاسٍ!» وهكذا أصبحت عامل منجم.

بيتر كوك، مسرحية «ما وراء الحافة» (١٩٦١)

تهتم أهم نقاشات ما بعد الحداثة الأخلاقية بالعلاقة بين الخطاب والسلطة. يعني مصطلح «خطاب» هنا مجموعة من العبارات المتداخلة الداعم بعضها بعضًا، التي تطورت على مر التاريخ، وتستخدم لتعريف موضوعٍ ما ووصفه؛ أي ببساطة شديدة، الخطاب هو اللغة المستخدمة في المجالات الفكرية الرئيسية، والتي تتجسد — على سبيل المثال — في «الممارسات الخطابية» في القانون والطب والتقييم الجمالي وغيرها. إن تلك الخطابات — حسبما يستخدمها المحامون والأطباء وغيرهم — لا تقبل ضمنيًّا بوجود نظرية مهيمنة كي ترشدها فحسب (وهي التي قد تَتخذ — على سبيل المثال — شكلَ نموذج تحليلي كالذي يستخدمه أولئك المشتغلون بالعلوم التقليدية)، بل تتضمن كذلك أنشطةً تثير جدلًا سياسيًّا، لا لكونها تُعرِّف الناس وتصفهم وصفًا قاطعًا — كأن تحدد مَن «المهاجِر» أو من «طالِب اللجوء السياسي» أو «المجرم» أو «المجنون» أو «الإرهابي» — لكن لأن تلك الخطابات تعبِّر في الوقت ذاته عن «سلطة» مستخدميها السياسية.

السجين : لست مذنبًا يا سيدي، والرب يحكم علي.
القاضي : إنه لا يحكم عليك، أنا من يحكم عليك. إنك مذنب. السجن ستة أشهر.

قوة الكلمات

حسب رؤيةِ ما بعد الحداثة، تفرض جميع الاستخدامات المنهجية والمنطقية لِلُّغة شكلًا معينًا من أشكال السلطة؛ فعلى سبيل المثال، قد تصدِّق ما يقوله لك جرَّاحٌ شابٌّ، وبناءً على ذلك تسمح له بتخديرك وشق جسدك ومساعدتك على الشفاء. تعبر لعبة الخطاب اللغوية عن سلطة أولئك المخوَّلين باستخدامه داخل جماعة اجتماعية ما وتقرُّها، كالحال داخل المستشفيات والمحاكم ولجان الممتحَنين وأساتذة الجامعة مثلي الذين يكتبون كتابًا كهذا. وقد تُستخدم كذلك لإخضاع أو استبعاد أو تهميش مَنْ هم خارج تلك الجماعات، مثل الساحرات والمنوِّمين المغناطيسيين والمعالجين الروحيين ومثليِّي الجنس والمتعاطفين مع الشيوعيين والمعارضين الفوضويين. وفيما يلي نستعرض أحد الارتباطات المتعددة بالأفكار الفلسفية الرئيسية المعروضة فيما سبق.

قدَّم ميشيل فوكو أعظم التحليلات تأثيرًا لهذه العلاقة بين الخطاب والسلطة عبر دراساته لتاريخ الممارسات في القانون وعلم العقوبات والطب؛ فمن الواضح إلى حدٍّ كبير أن تلك الخطابات السلطوية مصمَّمة لاستبعاد الناس والتحكم بهم، مثل أولئك المشخَّصين بالمرض أو الجنون الإجرامي. وينظر فوكو إلى قرارات الاستبعاد تلك من منظور ماركسي تقليدي فيقول:

إنَّ الشكل القضائي العام الذي يمنح لنظامٍ ما حقوقًا متساوية من حيث المبدأ لم يلقَ دعمًا من تلك الآليات الطبيعية اليومية المقبولة، ومن تلك الأنظمة السلطوية المصغَّرة غير المتناسقة وغير العادلة بطبيعتها، التي نطلق عليها «أنظمة الانضباط»؛ مثل الاختبارات، والمستشفيات، والسجون، والقوانين التنظيمية في ورش العمل، والمدارس، والجيش.

ميشيل فوكو، «الانضباط والعقاب: ميلاد السجن» (١٩٧٧)

يضع فوكو نفسه في موقع الضحية، محللًا السلطة من أسفل لأعلى، ولا يقتصر تحليله على اعتبارها فرضًا لمصالح الطبقة الأعلى؛ إذ يحاول إثبات أن إرادة ممارسة السلطة تهزم المساواتية الإنسانية في جميع الحالات. ويشير ضمنيًّا إلى أنه حتى الاعتماد التنويري على المبادئ العامة والمنطق هو اعتماد استبدادي دومًا منذ البداية؛ لأن الاحتكام إلى «منطق» سليم دومًا هو في حد ذاته نظامًا سلطويًّا، وسيتسبب دومًا في استبعاد ما يراه هامشيًّا، وذلك ببساطة من خلال اعتباره أمرًا لا عقلانيًّا. يرى فوكو أن تلك الأمور اللاعقلانية المزعومة تتضمن ما يتعلق بالرغبات، والمشاعر، والغريزة الجنسية، والفن.

يعادي فوكو التقدمية بشدة، فهو مؤرِّخ معادٍ للرؤية التقدمية للتاريخ إذ يؤرخ نشأة القمع. وفي هذا الإطار، يبحث فوكو عمَّا يطلق عليه «الهيكل المعرفي»؛ أي الافتراضات اللاشعورية غالبًا المرتبطة بالنظام الفكري الذي يشكِّل أساس الأوضاع التاريخية لدى مجتمعاتٍ بعينها. يُعرف ذلك باسم الأوضاع «التاريخية البديهية» في حقبة ما، التي «تحدد نطاق التجربة الكلي في أي مجال معرفي»، وتُعَرِّف نمط كينونة الموضوعات في هذا المجال، و«تمنح تصورات الفرد وملاحظاته اليومية سلطاتٍ نظرية». كما أنها تحدد الأوضاع التي قد يصبح الخطاب في ظلها «حقيقيًّا»؛ ومن ثم تظهر الحاجة إلى التنقيب في التاريخ بحثًا عن هذه الأوضاع، ومن هنا ينبع ما يطلِق عليه فوكو «أركيولوجيا» المعرفة (أو التنقيب في الهيكل المعرفي). تكمن تلك الأوضاع دون مستوى الإدراك، ولا تبدو جلية دومًا؛ ومن ثمَّ يصبح الهيكل المعرفي نوعًا من اللاوعي المعرفي الذي يميِّز عصرًا ما.

يطرح فوكو نقدًا يساريًّا لهذه الأوضاع كافةً كي يوضح الأشياء والأفراد التي تستبعدها وطريقة استبعادها. تتفاعل السلطة والمعرفة على مستوًى جذري، كالحال — على سبيل المثال — عندما يتبنى الأفراد «العقلانيون» المدرَّبون طبيًّا تعريفًا لأنفسهم يتناقض مع تعريف الأفراد «غير العقلانيين» لأنفسهم، فإنهم يشرعون — بعدما أصدروا هذا الحكم التعريفي — في احتجازهم في مستشفيات الأمراض العقلية. يَستخدم كلٌّ من المتحيزين جنسيًّا والعنصريين والإمبرياليين أساليبَ متشابهة؛ إذ يجعلون خطابهم «السوي» خطابًا مهيمنًا، وفي خضمِّ تلك العملية، يمكنهم بالفعل ابتداع أو استحداث مفهوم «المنحرف»، أو ما يطلِق عليه الكثير من أتباع ما بعد الحداثة «الآخر». يساعد خطابهم في الواقع على «تشكيل» الهويات التابعة لدى مَنْ يُستبعَدون من المشاركة فيه.

يقدِّم فوكو مثليِّي الجنس والنساء والمختلين عقليًّا ذوي الميول الإجرامية وغير المنتمين للعِرق الأبيض والسجناء باعتبارهم أمثلة نموذجية على «الآخر». وبالفعل يبدو هذا العداء والكراهية واضحين تمامًا في المدارس والجيوش وفي أسلوب الحكم الإمبريالي؛ ومن ثمَّ كان الفِكر ما بعد الحداثي مصدر الإلهام في كثير من الكتابات التي صِيغت حول طبيعة «المواطن في العصر ما بعد الاستعماري». تتميز ما بعد الحداثة هنا بأن التحليل الذي تقدمه يعتمد على أساس لُغوي، كما لاحظنا من قبل عند استعراض أفكار دريدا وبارت. وهكذا يتحوَّل الناس إلى رموز، ويصبحون جزءًا من لعبة اللغة، ومن هنا ينبع — على سبيل المثال — مقال لورا مولفاي «المتعة البصرية والسينما الروائية» الذي كثيرًا ما يُستشهَد به ويعاد طبعه، والذي يطرح تعميمًا مهيبًا مفرط الثقة كما يتضح أدناه:

هكذا، تلعب المرأة في الثقافة الأبوية دور الدال على الآخر الذكر، وتخضع لنظام رمزي يستطيع فيه الرجل تحقيق خيالاته وإطلاق العِنان لوساوسه من خلال السلطة اللغوية، وذلك عن طريق فرض هذه الخيالات والوساوس على الصورة الصامتة للمرأة التي ما زالت مكبَّلة في موضعها باعتبارها حاملةً للمعنى لا صانعةً له.

مجلة «سكرين»، مجلد ١٦، العدد ٣، صادرة عن دار «أُوتم» عام ١٩٧٥

وهكذا يتضح أننا نخلق كيانات الأفراد (مثلما ننشئ الجامعات والعملة الأوروبية الموحَّدة «اليورو») عبر اللغة ليس إلا. لكنَّ أتباع ما بعد الحداثة يتخذون ذلك أساسًا لطرح نقطة أشمل وأهم؛ وهي أن «الخطاب» — من هذا المنظور — يشبه لغة تتبع قواعد دريدا، فهو ليس ملكًا للأفراد المسيطرين، بل يتجاوزهم، ولا يقتصر فحسب على السياقات الرسمية الجلية، كالحال داخل المحاكم، بل ينتشر في جميع أرجاء المجتمع من أعلاه إلى أسفله، من الأحكام القضائية إلى المجلات العلمية والإعلانات التليفزيونية وأغاني البوب، والصحف اليومية الجادة. وكلما زادت هيمنة خطابٍ ما داخل إحدى الجماعات أو أحد المجتمعات، فإنه يبدو «طبيعيًّا» أكثر ويزيد ميله إلى الاحتكام إلى نُظم الطبيعة لتبرير ذاته. قد تبدو «الطبيعة» ككلٍّ مرآةً للقدرات التنظيمية للإله أو للنظام الخفي الذي اكتشفه العلماء، أو قد تتضمن «سلالات منبوذة» أو نساءً أو مجانين مِمَّنْ نعتبرهم حسب فطرتهم — أي بحُكم طبيعتهم — أكثر حيوانيةً وأقل عقلانية مقارنةً بنا، إلى آخر ذلك. نحن نستوعب تلك النماذج الدونية التي غالبًا — كما أشار دريدا وفوكو — ما تشكل جزءًا لا يتجزأ من لغتنا، دون أن ندرك دومًا أن تلك هي حقيقتها؛ ومن ثمَّ نتقبلها دون وعي، وكأنها حقائق تصف الطبيعة لا سمات ذات دوافع نفسية وسياسية تميِّز حديثنا عنها.

على سبيل المثال، ينبع مفهوم المصحة العقلية — حسب وصف فوكو — من أنواع الخطاب التي يستخدمها الأطباء، ويعكس الهياكل السلطوية داخل المجتمع البرجوازي المحيط به. وهو عبارة عن عالَم مصغَّر يعكس العلاقات بين العائلة، والانتهاك، والجنون. على الجانب الآخر (أو بالأحرى على جانب اليسار)، يفضِّل فوكو «الحماقة» ويعادي المنطق البرجوازي. وعلى الرغم من أن تاريخ المصحات العقلية الذي قدَّمه لا يعتمد البتة على أسس تجريبية راسخة حسب المُفترَض، فإن وجهة النظر السياسية التي رغب في طرحها حول السلطة والقوة كانت واضحة. وكما هو الحال مع الكثير من كُتَّاب الستينيات (مثل المحلل النفسي آر دي لانج في كتابه «النفس المنقسِمة»، أو كين كيسي في روايته «أحدهم طار فوق عُش الوقواق») يصوِّر فوكو المجانين في دور ضحايا المجتمع، ويؤكِّد على فشل هذا المجتمع في إدراك أنهم بدورهم أفراد تعساء إلى أقصى حدٍّ. ويطرح تحليلًا مماثلًا (وتعميمًا مفرطًا كذلك) حول السجون، التي تعكس حسب المفترض الطبيعةَ «التقييدية» للمجتمع المحيط بها. يعاني المجتمع — في نسخة فوكو الكافكاوية المنقَّحة من رواية أورويل «١٩٨٤» — من «المراقبة الكلية الشاملة»؛ فنحن جميعًا خاضعون سرًّا للمراقبة والتحكم. لكن هذه النظرية تدَّعي أن الأشكال المعتادة من السيطرة الاجتماعية — مثل الالتزام بِرُوتينٍ ما والخضوع للإشراف — لا تختلف عن تلك المستخدمة في السجون، رغم ما بين «المجتمع» و«السجن» من اختلاف.

لقد عرضتُ فيما سبق بعضَ الأمثلة الواضحة على إساءة استخدام السلطة. تسيء تلك الأمثلة إلى بديهياتنا التنويرية حول العدالة الشاملة وحق الفرد في الاستقلال الذاتي، لكن من بين عيوب فوكو الكثيرة إخفاقُه في تقديم أي تحليل للسلطة من منظور «أخلاقي» عمومًا؛ فهو يرغب في «المقاومة» عوضًا عن الاستسلام، لكنه لا يذكر بوضوح دافعه لذلك. فمن وجهة نظره، تبدو «السلطة» نوعًا من القوة الكهربائية، تلازم جميع الأنشطة البشرية على نحو حتمي، مثل الجاذبية. وعلى الرغم من أن فِكر فوكو يفترض مقدَّمًا تحليلًا يساريًّا — وماركسيًّا دون شك — فإنه يتجنب التعليقات السياسية الصريحة والنظريات الأخلاقية؛ ومن ثمَّ يكتفي في النهاية — رغم كونه «مقاومًا» من الطراز الأول — بالتوصية ببعض الإصلاحات المحلية الضيقة النطاق، مثلما فعل ليوتار إلى حدٍّ ما. يعلق تيري إيجلتون على ذلك قائلًا:

يعترض فوكو على أنظمة معينة من السلطة لا لأسباب أخلاقية … بل لأنها ببساطةٍ أنظمةٌ — وفقًا لوجهة نظرٍ تحررية غامضة — قمعيةٌ في حدِّ ذاتها.

تيري إيجلتون، «أوهام ما بعد الحداثة» (١٩٩٦)

على القدر نفسه من الأهمية، لم يتطرق فوكو — عند دراسته لوظائف الخطاب — إلى كيفية عمله فعليًّا بين الأفراد؛ ومن ثم قلَّل من أهمية الاستقلال الفردي والمسئولية الفردية. فبينما نعلم جميعًا أن علينا التشكك في كلمات أنجلو بطل مسرحية شكسبير «الصاع بالصاع» عندما يقول لإيزابيلا: «لستُ أنا مَنْ يُدين أخاك بل القانون»، يرى أتباع فوكو أن الفرد ليس المسئول الأكبر عن ارتكاب الفظائع، بل تقع المسئولية على عاتق خطاب السلطة المتدفق على لسانه. ومن ثمَّ، يطرح فوكو نسخة معقدة قائمة على اللغة من العداء الماركسي للطبقات؛ إذ يعتمد على معتقدات تؤمن بالشر الفطري الكامن في وضع الفرد الطبقي أو المهني — الذي يُنظَر إليه على أنه «خطاب» — بصرف النظر عن الجانب الأخلاقي لسلوكه الفردي.

لاحَظ قُراء هذا الكتاب بالتأكيد إحجام السياسيين عن تقبُّل المسئولية الفردية لأفعالهم — أو حتى لأفعال مرءوسيهم — كما كانوا يفعلون في السابق، بالإضافة إلى ميلهم للتعبير عن آراء شديدة التحيز بزعم أنها آراء تعتنقها «أعداد كبيرة من الناس» — قد يكونون مهاجرين جُددًا أو طالبين للجوء السياسي، أو جيرانًا لمجموعة عرقية مختلفة — ويزعمون أثناء ذلك أنهم فقط يصيغون تلك الآراء في إطار يمنحها أهمية سياسية. وفي جميع تلك الحالات يقتصر دورهم على السماح للخطاب بالتدفق عبر ألسنتهم. وعندما تثار الشكوك حول سلوكهم، فلا يردون ببساطة بعبارات مثل «لم أفعل ذلك» أو «فعلته»، بل يدَّعون البراءة أو يلتمسون العذر لأنفسهم عن طريق خطاب التقرير الصادر بشأن أفعالهم. في ذلك الإطار، يعبر أولئك السياسيون بالفعل عن نظام فوكو المعرفي السائد في عصرهم؛ ومن ثم عن عيوب تبني رؤية مسيَّسة بطبيعتها للمسئولية الفردية بدلًا من رؤية أخلاقية.

الذات والهوية

أسفر تحليل العلاقة بين الخطاب والسلطة عن نتيجة أخرى لأتباع ما بعد الحداثة؛ إذ أدى إلى تكوُّن رؤية مميَّزة عن «طبيعة الذات» تحدَّت مفاهيم العقلانية الفردية والتأكيد على الاستقلال الفردي الذاتي التي يعتنقها معظم الليبراليين. إن المصطلح الذي يُفضل أتباع ما بعد الحداثة تطبيقه على الأفراد ليس مصطلح «الذات» تحديدًا، بل في الواقع مصطلح «التابع»؛ لأنه يلفت الانتباه ضمنيًّا إلى حالة «التبعية» لدى الأفراد الخاضعين — سواء أدركوا ذلك أم لا — ﻟﻠ «تحكم» (حسب الرؤية اليسارية)، أو «التشكيل» (حسب الرؤية المحايدة)، عن طريق خطابات سلطوية ذات دوافع أيديولوجية، تسيطر على المجتمع الذي يستقرون فيه.

إنَّ الإنجاز الاستثنائي لفوكو وأصحاب الفِكر المشابه — بالنظر إلى تحليلهم لآليات السلطة — كان تقديم أحد أقوى مزاعم ما بعد الحداثة تأثيرًا؛ ألا وهو الزعم بأن تلك الخطابات تستلزم وتفرض وتقتضي (تشكِّل الاحتمالات المتعددة هنا أهمية هذا الزعم) نوعًا محددًا من «الهوية» لدى جميع الأفراد الخاضعين لتأثيره. حسب المصطلح ما بعد الحداثي، فإن أولئك «يشكِّلون التابعين». من المعروف بالطبع أن المؤسسات والخطابات التي تستخدمها تتطلب من المرء أن يكتسب شخصية من نوع محدد كي «يتلاءم» مع الوسط المحيط؛ فأيٌّ مِمَّن درس في مدرسة، أو انضم إلى فريق رياضي أو مؤسسة عسكرية، أو أنجب طفلًا في مستشفًى — أو قرأ علاوة على ذلك بعضًا من كتب علم الاجتماع الصادرة في خمسينيات القرن العشرين على غرار «إنسان التنظيم» — يعي إلى حدٍّ ما هذه النقطة. لكن رؤية ما بعد الحداثة اتسمت بتعقيد استثنائي؛ فنحن لا نكتفي في تلك الحالات ﺑ «لعب أدوار»، بل إن هويتنا في حد ذاتها — أي مفهومنا عن ذواتنا — تصبح محلَّ خلاف حال خضوعنا لتأثير خطابات السلطة. بالطبع، تمتد هذه الخطابات من تلك المهتمة مباشرةً بقضايا الهوية (في مجالات الدين والعلاج النفسي بدءًا من الفرويدية وانتهاءً بعلم النفس الزائف) وصولًا إلى تلك التي تلعب الدور نفسه على نحو أقل وضوحًا، كما في حالة امرأة تتجاوب مع بطلة فيلم من إنتاج هوليوود الخاضعة للسيطرة الذكورية أو مع لوحات عارية في المتحف الخاضع للسيطرة الذكورية أو مراهق جالس أمام شاشة التليفزيون. جميع الخطابات تضع المرء في حجمه الصحيح. (إنني أستشهد هنا كالعادة بأمثلة عادية جذابة وبديهية على عكس الأمثلة المستترة المثقلة بالتنظير داخل حشد أدبيات ما بعد الحداثة الأكاديمية.)

يمضي نقَّاد ما بعد الحداثة قُدمًا طارحين مزاعم سياسية حول طبيعة «التابع». من بينها أن خطابات السلطة المتنازعة، التي تنتشر عبر الأفراد وفيما بينهم، هي في الواقع ما يشكِّل الذات. ومن ثمَّ من المستحيل على التابع أن «ينأى بنفسه» عن الظروف الاجتماعية الراهنة وأن يحكم عليها من وجهة نظر مستقلة وعقلانية، كما يزعم الفلاسفة الأخلاقيون المنتمون للاتجاه الكانطي الأنجلو أمريكي أمثال جون راولز وتوماس ناجل. على سبيل المثال، يُنظَر إلى أفكار الفرد الذكر وتعبيراته على أنها جزء من نمط خطابات أبوية فاسدة — تتنازع فيما بينها على أي حال — وهو مجرد ظاهرة ثانوية لها. وهذا يستبعد نظرة الذات الكانطية الموحَّدة لصالح التحديث ما بعد الحداثي للنموذج الفرويدي الذي يرى أن الأفراد ضحايا لصراع داخلي بين الأنظمة. تصف شيلا بن حبيب — الأستاذة بقسم الإدارة الحكومية في جامعة هارفارد — هذه الرؤية (مستخدمةً كعادتها أسلوبًا يمزج بين أسلوبَي دريدا وفوكو عند التحدث عن اللغة):

حلَّت محل الفرد منظومة من البِنى، والتناقضات، والاختلافات التي — كي تصبح مفهومة — لا يلزم اعتبارها نتاج ذاتية حية على الإطلاق. أنا وأنت لسنا سوى «مواقع» لخطابات السلطة المتنازعة تلك، و«الذات» ليست سوى موضع آخر في اللغة.

شيلا بن حبيب، «تحديد موضع الذات» (١٩٩٢)
تتجلى آثار هذه الرؤية لطبيعة الفرد في كثير من نصوص ما بعد الحداثة الأدبية، التي تتناقض في هذا الإطار مع الاتجاه الليبرالي لكتابة الرواية الذي استمر في هذه الفترة على يد كُتَّاب مثل أنجوس ويلسون وأيريس موردوخ وجون أبدايك وفيليب روث وسول بيلو. ترى الناقدة ومؤرخةُ ما بعد الحداثة ليندا هتشن أن روايات مثل رواية سلمان رشدي «أطفال منتصف الليل» تتحدى «زعم المذهب الإنساني بوجود ذات موحَّدة ووعي متكامل». إنَّ الأدب ما بعد الحداثي:

يثير شكوكًا حول تلك المجموعة الكاملة من المفاهيم المترابطة التي أصبحت متصلة بما أطلقنا عليه بأريحيةٍ الإنسانيةَ الليبراليةَ مثل: الاستقلال الذاتي، والسمو، واليقين، والسيطرة، والوحدة، والشمولية، والنظام، والعولمة، والمركز، والاستمرارية، والغائية، والخاتمة، والهرمية، والتجانس، والتفرد، والمنشأ.

ليندا هتشن، «شعرية ما بعد الحداثة»، (١٩٨٨)
ومن ثمَّ، في كثير من الأدب الأمريكي الحديث:

تحوَّل مركز الاهتمام من الحالة النفسية للشخصية (وهي محتوًى يتعذر اختزاله؛ أي ظاهرة «إنسانية») إلى قصور مفهوم الشخصية، واعتبار الذاتية أثرًا ناتجًا عن خطابات متقاطعة ومتعددة تنتمي لأيديولوجيات متناقضة غير موحَّدة، ووليدة نظام ارتباطي يتضح في النهاية كونه نظام الخطاب في حد ذاته.

بيتر كاري، «الذوات العجيبة»، من كتاب مالكوم برادبوري ودي جيه بالمر «الأدب الأمريكي المعاصر» (١٩٨٧)

أحد الأمثلة الكلاسيكية المهمة هي قصة العنوان في مجموعة جون بارث «تائه في بيت المرح» (١٩٦٨)؛ حيث يصف الراوي — الذي يُدعى أمبروز — صعوبة كتابة قصة تحمل عنوان «تائه في بيت المرح» تدور أحداثها حول شخصية تُدعى أمبروز تضل طريقها في مدينة الملاهي. من المفترض أن الراوي سيزور مدينة أوشن سيتي مع أسرته في وقتٍ ما أثناء الحرب الأخيرة، ويتضمن جزء من الرحلة زيارةَ الملاهي، لكنه شخصية يصوِّرها كاتب يعي على الدوام حقيقة أنه «يروي قصة»، وأنه يستخدم الأعراف الأدبية في تلك العلمية، فيقول: «حتى الآن، لا يوجد حوار فعلي، ولا نجد سوى قدر ضئيل من التفاصيل الحسية، ولا شيء تقريبًا يصلح كموضوع رئيسي.» أما أمبروز، فهو يؤدي وظيفة في قصة كاتِبه ليس إلا، وهكذا «تصبح إحدى النهايات المحتمَلة أن يصادف أمبروز شخصًا آخر تائهًا في الظلام.» ومن ثمَّ، يجرِّد الكاتِب القُراء على الدوام من أي وَهْمٍ حول استقلالية أمبروز كي ينظروا إليه (نظرة واقعية فعلية) على أنه نتاج قريحة مَنْ يكتبه، الذي يتصرف كذلك مثل كاتِب نمطي يحاول على ما يبدو (كما تشير تعليقاته على وظيفة حروف الطباعة المائلة أو افتقار قصته إلى لحظة الذروة) تطبيقَ قواعد السرد الصحيحة التي تَعلَّمَها في مدرسة الكتابة.

إنَّ ما ينطبق على شخصية في رواية ينطبق على الكُتَّاب، فهم أيضًا تشكِّلهم اللغة التي يعبرون عنها بالحديث (على سبيل المثال، لغة مدرسة الكتابة). وينطبق الأمر ذاته على القارئ — الذي ليس بحال أفضل من الكاتِب — فهو أيضًا «مشتَّتٌ بين فجوات اللغة، واقعٌ في شَرَك تنقل المعنى اللانهائي، ضائعٌ وسطه في النهاية.» وفقًا لهذه الرؤية لا يصبح «الإنسان»:

وحدة منسجمة أو كيانًا مستقلًّا، بل عملية، وهو دومًا قيد التكوين، ودومًا متناقض، ودومًا عرضة للتغيير.

كاثرين بيلزي، «الممارسة النقدية»، (١٩٨٠)
fig2
لقطة ثابتة من فيلم بلا عنوان (١٩٧٧)، لسيندي شيرمان.
fig2
لقطة ثابتة من فيلم بلا عنوان (١٩٧٨)، لسيندي شيرمان.
شكل ٣-١: سيندي شيرمان كما كان هيتشكوك سيراها أو أنتونيوني.

نجد كذلك المفهوم ما بعد الحداثي عن كون الهوية الإنسانية في الأصل كيانًا خاضعًا للتركيب في الفنون المرئية، كما في مجموعة صور سيندي شيرمان، التي حملت عنوان «لقطات ثابتة من فيلم بلا عنوان» (١٩٧٧–١٩٨٠)، والأعمال الشبيهة اللاحقة. في كل صورة تتقمَّص شيرمان شخصية ممثلة سينمائية، وتواري ذاتها تقريبًا خلف ملابس مختلفة ومواقف مختلفة مفهومة ضمنيًّا، تُعَدُّ مواقف نموذجية أو نمطية في الأفلام. في أثناء ذلك، نراها تتأقلم مع خطابات الفيلم السينمائي كي تقدِّم نفسها في صور فوتوغرافية ثابتة متقمِّصة شخصيات مختلفة ومتنوعة، لكنها جميعًا تصورات (في الأغلب تهكمية أو ساخرة) للأنوثة، نراها في خطابات وسيلة من وسائل الإعلام الجماهيرية. بالطبع، تعرض الصور شكلًا آخر من أشكال التمثيل ليس إلا، لكنها لا تعتمد على فيلم محدد، بل تطرح على نحو ممنهَج أسئلة حول الأساليب التي تمكِّن شيرمان من الحفاظ على هوية ضمنية في تلك الأدوار المختلفة كلها أو العكس. وفي أثناء ذلك، تطرح الصور أيضًا تساؤلات حول فكرة سيندي شيرمان «الحقيقية»؛ فأيٌّ من الصور قد تقنعنا بأننا نرى سيندي الحقيقية؟ صورة صريحة أم صادقة أم عاطفية أم حتى عارية؟ لكن كل صورة من تلك الصور ليست سوى نتيجة عُرْف آخر، وخطاب آخر.

يرى رولان بارت أن العمل الفني ما بعد الحداثي النموذجي يدرك تلك الاستراتيجيات والقيود المراوغة على الهوية والخطاب الإنساني؛ وذلك على وجه التحديد لأن هذا التلاعب والانقسام يسفر عن نتائج أخلاقية مرغوبة؛ فهو يتخلص خصوصًا من ذلك المفهوم الكانطي حول وحدة الفرد الذي يمهِّد السبيل لتشكيل النظام الاجتماعي والتَّزمُّت الأخلاقي:

إنَّ متعة النص لا تفضِّل أيديولوجية بعينها على أخرى. «مع ذلك» لا ينبع انعدام الارتباط هذا من ليبرالية بل من تحريف: فالنص منفصل عن قراءته. أما المهزوم والمنقسم فهي الوحدة الأخلاقية التي يتطلبها المجتمع من كل نتاج بشري.

رولان بارت، «متعة النص»، (١٩٧٥)

يضرب بارت مثالًا على مذهبه الغامض في أعمال «السيرة الذاتية» التي كتبها، لا سيَّما في تصوره المبتكر لِذَاته في كتابه «خطاب العاشق» (١٩٧٧)؛ حيث يبرع النص في استخدام القواعد النحوية الفرنسية للحفاظ على غموض ميول البطل الجنسية (على غرار لغة شعر أودين العاطفي). كذلك تبدأ السيرة الذاتية «رولان بارت بقلم رولان بارت» (١٩٧٥) بالعبارة القصيرة التالية: «لا بد من اعتبار هذا الكتاب كله كلامًا على لسان شخصية في رواية.» وهكذا يضم الكتاب راويَيْن، نستنتج أن الأول هو بارت (أو المؤلف)، أما الثاني فهو بارت بصفته شخصية روائية. كما قدَّم بارت مراجعة نقدية لكتابه، متقمصًا في هذه الحالة شخصية الناقد.

إنَّ تلك المناهج التفكيكية للوحدة الأخلاقية لدى الفرد التابع، والرغبة (التحررية الكلاسيكية) في مساعدة الذات على الهرب من بعض الحدود الأيديولوجية القمعية، التي تواجهها أو إعادة رسمها؛ هما مفهومان مختلفان تمامًا؛ فرغبتنا في الهرب من تلك الحدود (مثل تلك التي تمنح الأفراد هوَّيتهم الجنسية)، أو إعادة رسمها، ترجع «بالفعل» إلى مفهوم الاستقلال أو الوحدة أو التكامل الأخلاقي الجديد الذي نستطيع تحقيقه بمجرد أن نتخلص من هذه الحدود التقييدية. يتضح هذا، على سبيل المثال، عند تشجيعنا على إدراك الهويات المختلفة والكاملة في الوقت ذاته للمثليين ومحبي الجنس الآخر (أو هويات الذكر والأنثى) من خلال رفض السقوط في الشرَك الأيديولوجي الذي حلَّله دريدا، والذي كان يدفعنا إلى اعتبار إحدى تلك الهويات نسخة أدنى منزلة من الأخرى. إنَّ ما تساعدنا نظريةُ ما بعد الحداثة على رؤيته هو أننا جميعًا نخضع للتشكيل في ظل نطاق عريض من أوضاع التبعية، التي نتحرك عبرها بسهولة نسبية، وهكذا نصبح جميعًا مزيجًا من المواقف المتعلقة بالجنسانية والجنس والجيل والإقليم والعِرق والطبقة.

يطرح الكثير من أتباع ما بعد الحداثة هذا التحليل المتشائم نسبيًّا على أمل تحررينا منه. وحالما أصبحنا واعين بالآثار الرهيبة التي تفرضها الخطابات المتناقضة علينا، فمن المتوقع أن نتمكن من إيجاد وسيلة ما للهرب منها.

سياسة الاختلاف

ربما لم يقدِّم أتباع ما بعد الحداثة وصفًا مقنعًا حقًّا لطبيعة الذات يماثل ما قد نجده في فلسفة أخلاقية مهتمة بالمسئولية، لكنهم يتبنَّون بنجاح ساحق نقاشات تحمل طابع فوكو كي يبرزوا كيف تستخدم خطابات السلطة في جميع المجتمعات بهدف «تهميش المجموعات التابعة»؛ إذ لا تكتفي تلك الخطابات السلطوية بالمساهمة في تفكيك الذات وإبعادها عن المركز، بل تعين كذلك على تهميش أولئك الأفراد غير المشاركين فيها. من جديد، نجد العديد من تلك الشخصيات المهمَّشة الغريبة الأطوار في الأدب ما بعد الحداثي، مثل كولهاوس واكر في رواية دوكتورو «راجتايم»، وفيفرز في رواية أنجيلا كارتر «ليالي في السيرك»، وسليم سيناي في رواية رشدي «أطفال بعد منتصف الليل». لا يتمتع سليم بأي أهمية اجتماعية كبيرة، رغم ذلك تَعْرِض الرواية أزمة الهوية التي يعاني منها، «بالإضافة إلى علاقته التخاطرية السحرية مع أولئك الذين وُلدوا أيضًا مع لحظة استقلال الهند»، عرضًا مجازيًّا بحيث يسير بالتوازي مع أزمة الأمة بأسرها. يخبرنا سليم فعليًّا بذلك قائلًا: «لقد ارتبطتُ بالتاريخ ارتباطًا حرفيًّا ومجازيًّا فعالًا وسلبيًّا على حدٍّ سواء.» لكن الرواية تفكك تاريخ الهند السياسي كي توضح أن في مقدورنا النظر إلى ما هو هامشي على أنه مركزي، وبالطبع تتشتت شخصية سيناي (مثل القارئ الذي يتابع نصه) بين مجموعة متنوعة من الادعاءات المتجزأة المحيطة. لا تحاول الرواية عقلنة المنطق العاطفي الذي يحكم حياة الفرد (كما هي عادة الأدب الواقعي)، لكنها تستخدم أساليبها الواقعية السحرية لعرض الذات باعتبارها نتاج صراعات الحدث التاريخي وتناقضاته، حتى تصل إلى نقطة المبالغة العبثية، كالحال عندما يعلِّق سليم قائلًا: «موت نهرو … كذلك كان خطئي!» أما وجه سليم، فهو «خريطة الهند بأكملها»، لكنه يتحول مع نهاية الرواية إلى مجرد «قزم ضخم الرأس غير متوازن». (تدين الرواية بالكثير إلى رواية جونتر جراس «الطبلة الصفيح».)

ساعد الفكر ما بعد الحداثي — من خلال مهاجمة فكرة المركز النظري أو الأيديولوجية المهيمنة — في تدعيم سياسة الاختلاف؛ ففي ظل حالة ما بعد الحداثة، تراجعت السياسات الطبقية المنظمة المفضَّلة لدى الاشتراكيين أمام «سياسات هوية» أكثر تعددية وأكثر انتشارًا بمراحل، وغالبًا ما تتضمن التأكيد — النابع من وعيٍ ذاتيٍّ — على الهوية المهمَّشة في مواجهة الخطاب السائد.

أحد الأمثلة — التي احتلت بلا شك موضعًا مركزيًّا في سياسات الفترة منذ أواخر الستينيات من القرن العشرين — على ذلك هو العلاقة بين ما بعد الحداثة والحركة النسوية. يتمحور النقاش هنا حول كون النساء مستبعَدات من النظام الأبوي الرمزي أو من الخطاب الذكوري السائد، وأنهن بالتأكيد يُعتبرن أدنى منزلة أو «يستبعدن كآخرين». فهن خاضعات ﻟ «هرمية زائفة» حسب مفهوم دريدا من خلال نَسْبِ قِيَمٍ ضعيفة إليهن في مقابل القيم القوية الممنوحة للذكور. وقد شهدنا جزءًا من هذا النقاش في الجدل الدائر حول الحيوان المنوي والبويضة.

من ثمَّ، يشترك جزء كبير من الفكر النسوي مع ما بعد الحداثة في الهجوم على الخطاب الأكبر المشرَّع الذي يستخدمه الذكور — والمعد كي يبقيهم في السلطة — بينما يسعى إلى تحقيق نوع من التمكين الفردي لمواجهة هذا الخطاب. لكني أتفق مع نقَّاد هذا الموقف — من أمثال شيلا بن حبيب — في ضرورة عدم النظر إلى المرأة التي تسعى خلف هذا التمكين الفردي باعتبارها تحتل «موضعًا آخر في اللغة ليس إلا»؛ إذ إن رؤية ما بعد الحداثة حول هذه الذات «التي يؤسسها المجتمع» تتجاهل طريقة تكوُّن الذات من خلال احتفاظ الفرد بادعاء أصلي ومتفرِّد غالبًا حول ذاته أو ذاتها، وهو مصدر الإبداع لديه. إن هذا الدليل على نمو الفرد عبر التفاعل الاجتماعي يتجاهله منظِّرو الذات من أتباع منهج «التأسيس الاجتماعي». بالطبع، يمكننا تمييز القواعد المتعارف عليها وصور الامتثال إلى أنواع الخطاب التي أسسها المجتمع في السيرة الذاتية لأي فرد كان، لكن فيما يتعلق بسيرتنا الذاتية، نصبح نحن (مثل رولان بارت) المؤلف والشخصية في آنٍ واحد. وبهذه الطريقة — رغم كوننا نتاج أنظمة خاضعة لعوامل خارجية — ما زال في وسعنا السعي خلف استقلال تحرري تقليدي. تحتاج النساء إلى هذا الإحساس بالاستقلالية تحديدًا، على حد قول شيلا بن حبيب، التي تستنتج أن المواقف البنائية القوية المستقاة من فِكر دريدا وفوكو ستؤدي في الواقع إلى «تقويض … التعبير النظري عن مطامح النساء التحررية.» فعبر تقويض إحساس النساء بقوتهن الذاتية وبفرديتهن، ينكر أولئك المنظِّرون أي محاولة تبذلها النساء لإعادة تملُّك تاريخهن بالإضافة إلى إمكانية طرح نقد اجتماعي جذري. وعلاوةً على ذلك، يطرح نفور اتجاهات ما بعد الحداثة من الالتزام بأي موقف فلسفي مثبت (وهو الذي سيخضع بعد ذلك للتفكيك على يد أحد أتباع دريدا البارعين) مشكلةً جِديةً لدى النساء؛ ومن ثمَّ، ربما يكون من الأفضل بالفعل لهنَّ اتباع خطة عقلانية (تنويرية) تقوم على المساواة وتهدف إلى التحرُّر التدريجي، خلافًا للمسار ما بعد الحداثي الذي غالبًا ما ينتهي إلى نزعة انفصالية متطرفة. فعلى الرغم من أن نقاشات ما بعد الحداثة قد ساعدت الكثير على «تحديد» جذور اختلافهم عن الأغلبية — أو عن «من في السلطة» — فإن التحرك السياسي الفعَّال يتطلب ما هو أكثر من هذا التصور شبه الأوَّلي عن هوية منشقَّة.

يتفق الليبراليون مع أتباع ما بعد الحداثة في إدراك الحاجة إلى القدرة على طرح تساؤلات حول «حدود» أدوارنا الاجتماعية وحول شرعية وهيمنة الأطر التصورية التي تقتضيها ضِمنًا، وقد حقَّق الاتجاه التفكيكي ما بعد الحداثي نجاحًا استثنائيًّا في مقاومة الأيديولوجيات التقييدية باتباع هذا النهج. غالبًا ما يحاول أتباع ما بعد الحداثة زعزعة الحدود التصورية لأفكارنا حول النوع الاجتماعي، والعِرق، والميول الجنسية، والانتماء العِرقي عبر إطار تفكيكي ومتجاوز، ويطرحون مطلبًا تحرريًّا في جوهره يدعو إلى الاعتراف بالاختلاف وقبول «الآخر» داخل المجتمع. وفي ذلك العالم التعددي (متعدد الخطابات) لا يتوقع أن يحظى إطارٌ ما بالقبول؛ فأينما يسود الاعتقاد باستحالة تحقيق الهيمنة المعرفية، تصبح المنافسة بين تلك الأطر التصورية قضية سياسية، وجزءًا من التنافس على السلطة.

إذن فإن صورة «ذات ما بعد الحداثة» تختلف للغاية عن صورة الذات التي تقع في قلب الفِكر الإنساني الليبرالي، والتي من المفترض كونها قادرة على التمتع بالاستقلالية والعقلانية والتمركز، وعلى التحرُّر بطريقة أو بأخرى من أي خصائص تتعلق بالنوع الاجتماعي أو العِرق أو الثقافة. لقد ابتعد التحليل ما بعد الحداثي عن تلك الافتراضات الكانطية المتفائلة والقابلة للتطبيق الشامل كي ينظر إلى الذات بوصفها نتاجًا لأنظمة اللغة، التي نتخبط جميعًا — بدرجة أو بأخرى — في قبضتها، رغم أنها قد تهيمن بوضوح أشد على البروليتاريا والإناث والسود والخاضعين للاستعمار. إنَّ التحول العام من التركيز الليبرالي على حرية إرادة الذات إلى التركيز — المستوحى من الفِكر الماركسي — على حرية إرادة الآخر؛ ينطوي على أهمية فائقة؛ فهو تحدٍّ صارخ لآراء الفلسفة الأنجلو أمريكية ما بعد التنويرية الراسخة، يلفت النظر إلى اختلافات الهوية المتعذَّر تجاوزها بين الأفراد. وقد أدى ذلك — حسب الوصف المثير للجدل باعتراف الجميع في كتاب «ثقافة التذمُّر» لروبرت هيوز — إلى إنتاج ثقافة تشجع الكثير من الناس على اعتبار أنفسهم «ضحايا». وسنتناول هذه الثقافة تناولًا أكثر تفصيلًا في الجزء التالي.

ونتيجة لذلك، فعلى الرغم من أننا قد نَعتبر الكثير من فِكر وكتابات وفنون ما بعد الحداثة المرئية يطرح هجومًا على التصنيفات النمطية ويدافع عن الاختلاف إلى آخره، فإنه ترك كل تلك المجموعات المنفصلة تطالب بالاعتراف بها ﮐ «مجموعات حقيقية» لكن منعزلة، إثر تحررها — النظري أو عبر النظرية — من التصنيفات المهيمنة لدى الأغلبية. وقد جمع المستفيدون من هذا التحليل بين النزعة الانفصالية (إذ انعزلوا عن المعتقد التقليدي وأبدوا استياءهم منه) والنزعة المجتمعية (إذ توحَّدوا مع الآخرين الذين تعرَّفوا كذلك على هويتهم المنشقة). مع ذلك، كيف تستطيع تلك المجموعات المختلفة التعريفِ — الناتجة عن التحرر من التصنيفات — التواصلَ مع أي مركز سياسي قائم بالفعل؟ مِن الصعب تحقيق ذلك بالنظر إلى العدائية الدائمة شبه الفوضوية التي يبديها الكثير من أتباع ما بعد الحداثة حيال أي نظرية شاملة أو تصور متكامل للمجتمع.

تنطوي النتيجة على مفارقة، فالنظرة التشككية اليسارية حيال السلطة (التي تحمل طابع ليوتار) أتاحت الاعتراف بالاختلاف، في حين أن أكثر الناس دعمًا لترك المجموعات ذات التعريفات المختلفة في حالة انعزال — لتتنافس وتتصارع فيما بينها — هم أصحاب الفِكر اليميني، المؤمنون بالحرية الفردية في ظل الحد الأدنى من سيطرة الدولة. وهكذا، فإن إحدى المشكلات التي تورط فيها الفِكر الانتقادي ما بعد الحداثي حالما فرغ من عرض رؤيته النقدية تتعلق بتحديد نوع المجتمع المرغوب فيه، وذلك بمعزل عن الادعاءات الكبرى وعن الارتداد إلى أفكار تنويرية كانطية أو «تبسيطية». إن معتنقي الفِكر الماركسي المثالي لن يهمهم كثيرًا حقيقة غياب ذلك النموذج المقترح للمجتمع حاليًّا، لكن الأمر مهم قطعًا بالنسبة إلى المفكرين ذوي الأهداف الدنيوية قصيرة المدى؛ ومن ثمَّ، نجد أن الفِكر ما بعد الحداثي قد حافظ على طابعه المعارِض، لكنَّ ذلك كلَّفه كثيرًا جدًّا في أغلب الأحيان. فحالما ترسخت كل تلك الاختلافات والهويات المتباينة أصبحت من ثم منعزلة عن أي أيديولوجية مركزية متسقة. وهكذا يبدو أن أتباع ما بعد الحداثة يدعون إلى «تعددية» لا يمكن اختزالها، منعزلة عن أي أطر اعتقادية موحَّدة قد تؤدي إلى نشاط سياسي مشترك، وهم دائمو التشكُّك في محاولة الآخرين فرضَ هيمنتهم. بذلك، تمكَّن أتباع ما بعد الحداثة من الانقلاب على المُثل التنويرية التي تشكِّل أساس الأنظمة القانونية لدى معظم المجتمعات الديمقراطية الغربية، والتي هدفت إلى تقديم نماذج للمساوة والعدالة «قابلة للتطبيق عالميًّا». بالتأكيد، يميل أتباع ما بعد الحداثة إلى الزعم بأن العقل التنويري — الذي ادَّعى قدرته على بسط مُثله الأخلاقية مثل الحرية والمساواة والأخوة لتشمل الجميع — هو «في الحقيقة» نظام يفرض سيطرة قمعية من النوع الذي وصفه فوكو، وأن العقل في حد ذاته — لا سيَّما حال تحالفه مع العلم والتكنولوجيا — يتَّسم بطابع استبدادي أوَّلي.

يمكننا إلى حدٍّ ما فهم هذا الهجوم الذي يشنُّه أتباع ما بعد الحداثة على العقلانية، بقدرِ ما عبَّر عن الشك الذي طرحه عالِم الاجتماع ماكس فايبر حيال العقلانية النفعية في المجتمعات الاستهلاكية التكنوقراطية وفي منهج «التحديث الرأسمالي». لكن شكوكية ما بعد الحداثة كانت موجَّهة كذلك إلى وسائل التواصل العقلاني في حد ذاتها؛ إذ أشار يورجين هابرماس — أحد أبلغ النقَّاد اليساريين — وغيره من النقَّاد إلى أن تبنِّي الاتجاه ما بعد الحداثي والتخلي عن نموذج العقلانية الصريحة أو التوافقية — الذي يعتبره هابرماس العلاج الأمثل للاستغلال السياسي للسلطة — أمر غاية في الخطورة بالفعل؛ إذ يعتقد أن علينا السعي نحو «وضع الحوار المثالي»، وهو منهج تواصل لا تشوبه بقدر الإمكان تأثيرات السلطة — التي وضَّحها فوكو — ويتسم بالتوافق وبطابع من التضامن الاجتماعي الذي يبدي أتباع ما بعد الحداثة ارتيابًا كبيرًا نحوه.

يرى الكثيرون الموقف ما بعد الحداثي موقفًا تعجيزيًّا، فمعتنقوه ليسوا سوى مجموعة من المؤمنين بالتعددية المعرفية لا يجمعهم موقف عام راسخ، وهكذا على الرغم من مدى ثوريتهم كنقَّاد، فإنهم لا يطرحون وجهة نظر خارجية ثابتة؛ ومن ثمَّ ينحصر دورهم فعليًّا في إطار محافظ سلبي فيما يتعلق بالسياسات الجارية في الحياة الواقعية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠