الفصل السابع

حدث مأساوي (تابع)

ثم جاء اليوم المنتظر، وإنني لأجد صعوبة في وصف حالتي حينها وصفًا دقيقًا. فمن ناحية، كانت هناك حماستي «للإصلاح» وحداثة فكرة القيام بتحول خطير في طريق حياتي، ومن ناحية أخرى، كان هناك شعوري بالخجل نتيجة الاختباء كاللصوص للقيام بذلك العمل. لا أدري أي الأمرين كان ذا أثر أكبر عليَّ. أخذنا نبحث عن منطقة منعزلة على ضفاف النهر، وهناك رأيت للمرة الأولى في حياتي «اللحم»، وأُحضر الخبز أيضًا. ولكنني لم أستمتع بأي منهما، فقد كان لحم الماعز صلبًا كالصخر، فلم أستطع أن أتناوله، وكنت مريضًا فاضطررت للكف عن الأكل.

لقد عانيت في تلك الليلة كثيرًا. فظل يراودني كابوس كلما غفوت، كان يتراءى لي كأن عنزة حية تثغو بداخلي، فكنت أستيقظ فَزِعًا وأشعر بالندم يغمرني، ولكنني كنت أحدث نفسي بأن أكل اللحم إنما هو واجب، مما كان يدخل عليَّ بعض السرور.

لم يكن صديقي من النوع الذي يستسلم بسهولة. فقد بدأ يطهو أنواعًا متعددةً من الأطعمة الشهية من اللحم، ويقدمها بصورة جميلة. وتغير مكان العشاء من المنطقة المنعزلة على ضفاف النهر إلى مبنى المجلس التشريعي بما يحويه من صالة الطعام والطاولات والكراسي، ولقد استطاع صديقي أن يصل إليه بترتيب الأمر مع رئيس الطهاة هناك.

وقد كان لذلك الإغراء جليل الأثر عليَّ. فقد تجاوزت بغضي للخبز ورأفتي بالماعز وأصبحت من محبي أطعمة اللحوم، بل أصبحت محبًّا للحم ذاته. وقد استمر هذا الوضع لقرابة العام، ولكننا لم نحظَ إلا بحوالي ست ولائم على مدار العام. ويرجع ذلك إلى أن مبنى المجلس التشريعي لم يكن متاحًا في جميع الأيام، ويرجع أيضًا إلى صعوبة إعداد أطعمة اللحم باهظة الثمن بصورة متكررة، ولم أكن أمتلك المال اللازم لدفع مقابل هذا «الإصلاح»، ولذلك كان على صديقي دائمًا أن يجد المال الكافي. لا أعلم من أين كان يأتي بالمال، لكن ما يهم في الأمر هو أنه كان يأتي به لعزمه على تحويلي إلى آكل للحوم، ولكن موارده المالية كانت محدودة، لذلك كانت تلك الولائم قليلة وتقام على فترات متباعدة.

وكلما واتتني فرصة الانغماس في مثل هذه الولائم السريَّة، كان يستحيل أن أتناول العشاء في البيت، وكانت والدتي تطلب مني تناول عشائي، وعندما كنت أمتنع عن تناول الطعام، كانت تسألني عن السبب، فكنت أجيبها قائلًا: «لا أشعر برغبة في تناول الطعام اليوم، وأشعر بتوعك في معدتي.» كنت أشعر بتأنيب الضمير وأنا أحيك هذه الأكاذيب، كنت أعلم أنني أكذب، وأنني أكذب على والدتي ذاتها! وكنت أعلم أنه عندما يعرف والداي أنني أصبحت من آكلي اللحوم، سيصابان بصدمة شديدة، وكان علمي بذلك كله ينهش قلبي.

حدثتني نفسي قائلة: «إن أكل اللحم أمر مهم، وكذلك تَبَنِّي فكرة «الإصلاح»، ولكن خداع المرء لوالديه والكذب عليهما أسوأ من الامتناع عن أكل اللحم؛ ولذلك، عليَّ أن أمتنع عن أكل اللحم ما داما على قيد الحياة، وسآكل اللحم كما أشاء فقط إذا واراهما التراب، وبعد أن أصبح حرًّا. وحتى ذلك الحين، سوف أمتنع عن أكل اللحم.»

أخبرت صديقي بالقرار الذي توصلت إليه، ومن وقتها لم أعد أتناول اللحم، ولم يعلم والداي قط أن اثنين من أبنائهما أصبحا من آكلي اللحوم.

إن ما دفعني للامتناع عن أكل اللحم هو صدق رغبتي في عدم الكذب على والديَّ، لكنني لم أتخل عن صديقي. وقد عادت حماستي لفكرة إصلاح صديقي عليَّ بالمتاعب، لكنني لم أكن على دراية بتلك الحقيقة.

وكانت تلك الصداقة ذاتها ستؤدي بي إلى خيانة زوجتي، لكنني نجوت بالكاد، فقد اصطحبني صديقي في يوم من الأيام إلى أحد بيوت الدعارة، وأدخلني بعد أن أخبرني ببعض النصائح والتوجيهات الضرورية، وكان كل شيء معدًّا سلفًا، فقد تكفَّل صديقي بدفع الأجر المطلوب بالفعل، وألقيت بنفسي بين براثن الرذيلة، لكن الإله حماني من نفسي برحمته الواسعة. لقد جلست بجانب المرأة على فراشها في وكر الرذيلة هذا دون حراك، كأن عيناي قد عصبت ولساني قد عقد، وبالطبع، نفد صبر المرأة، وطردتني وهي تنهال عليَّ بالسباب المقذع، وحينها شعرت أن رجولتي قد جُرحت، وتمنيت لو أن الأرض انشقت وابتلعتني من شدة خجلي، لكنني بعد ذلك توجهت إلى الإله بالشكر لإنقاذي من براثن الرذيلة. وأذكر على مدار حياتي أنني تعرضت لأربع وقائع من هذا النوع، وفي معظم تلك الوقائع كانت نجاتي تأتي نتيجة حظي الحسن وليس قوة إرادتي. إذا ما نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر أخلاقية بحتة، نجد أن جميع تلك الأحداث تعتبر زلات أخلاقية، فقد كانت لديَّ الرغبة الجنسية التي لا تقل إثمًا عن ممارسة الجنس. ومن وجهة النظر الدنيوية العادية، يعتبر المرء الذي ينجو من ارتكاب خطيئة، ناجيًا. وقد نجوت بهذا المعنى فقط. هناك بعض الأفعال التي تكون النجاة منها بمنزلة حادثة سعيدة لكل من الشخص الذي نجا والأشخاص من حوله، وفور أن يعود المرء إلى رشده، يشكر الإله على تخليصه منها برحمته. ومن المعروف أن المرء كثيرًا ما يركن إلى الإغواء مهما قاومه، ولكننا نعلم أن العناية الإلهية كثيرًا ما تتدخل لتخلصه بغض النظر عن أهوائه. كيف يحدث كل ذلك؟ إلى أي مدى يكون الإنسان حرًّا وإلى أي مدى يتأثر بالظروف؟ ما مدى تدخل الإرادة الحرة وأين دور القدر في الأحداث؟ إن جميع هذه الأسئلة تمثل لغزًا محيرًا وستظل كذلك إلى الأبد.

نعود إلى سرد القصة، فأذكر أن كل هذه الأحداث لم تفتح عينَيَّ على الشر الذي يعود عليَّ من تلك الصداقة، ونتيجة لذلك كان في انتظاري المزيد من الأحداث المؤلمة، حتى اكتشفت بعض زلاته التي لم تخطر لي ببال على الإطلاق، لكنني سوف أذكر تلك الزلات فيما بعد؛ للحفاظ على السرد الزمني للأحداث.

على كل حال، هناك أمر واحد يجب عليَّ أن أذكره الآن لأنه يتعلق بهذه المرحلة، كانت علاقتي بصديقي هذا، بلا شك، أحد أسباب خلافاتي مع زوجتي، وكنت زوجًا وفيًّا وغيورًا في الوقت ذاته، وكان صديقي يشعل نيران الغيرة والشكوك تجاه زوجتي، ولم أكن أشك مطلقًا في صدقه. لم ولن أسامح نفسي أبدًا على الألم الذي كنت أسببه لزوجتي نتيجة لإصغائي لكلام صديقي. ربما لا توجد امرأة يمكن أن تتحمل كل هذه الصعاب غير الزوجة الهندية، ولذلك أعتبر المرأة تجسيدًا لمعنى التسامح. إذا ما اتُّهم خادم بغير حق، فسيترك وظيفته، وكذلك إذا اتُّهم ابنٌ فسيفرُّ من منزل والده، وأيضًا إذا اتُّهم الصديق فسيُنهي تلك الصداقة. أما الزوجة إذا ما شكَّت في زوجها، فستلزم الصمت، ولكن إذا شك فيها زوجها، فستكون نهايتها. فأين يمكن أن تذهب؟ لا تستطيع الزوجة الهندية أن تطلب الطلاق في المحاكم، فالقانون لا يحميها. ولا أستطيع أن أنسى أو أن أغفر لنفسي ما سببته لزوجتي من تعاسة.

لقد تخلصت من آفة الشك هذه عندما أدركت فحوى كلمة «أهيمسا»١ بكل ما تحمله من معانٍ. ورأيت وقتها عظمة «البراهماشاريا»،٢ وأدركت أن الزوجة ليست جارية لدى زوجها، بل رفيقته ومعينته، وشريكته في السراء والضراء، وتتمتع بنفس القدر من الحرية الذي يتمتع به الزوج في اختيار طريقة حياتها. كلما تذكرت تلك الأيام المظلمة، شعرت بالاشمئزاز من حماقتي وقسوتي الشهوانية، وشعرت بالأسف الشديد لثقتي العمياء بصديقي.

هوامش

(١) تعني هذه الكلمة بصورةٍ حرفيةٍ اللاعنف.
(٢) تعني هذه الكلمة بصورةٍ حرفيةٍ السلوك الذي يقود المرء إلى الإله. والمعنى الاصطلاحي للكلمة هو التحكم في النفس، وبصورة خاصة التحكم في الشهوة الجنسية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١