الفصل الخامس والعشرون

في الهند

توقف القطار في مدينة ﷲ آباد لمدة ٤٥ دقيقة خلال توجهنا إلى بومباي. فقررت استغلال فترة التوقف هذه في التجول داخل المدينة، بالإضافة إلى شراء بعض الأدوية. عندما ذهبت إلى الصيدلية، وجدت الصيدلي شبه نائم، فأخذ وقتًا طويلًا كي يركب الدواء، حتى إنني عندما وصلت إلى المحطة كان القطار قد انطلق بالفعل. لقد أمر ناظر المحطة بتأخير القطار دقيقة من أجلي، لكنه أمر بإنزال أمتعتي بحرص من القطار عندما لم أحضر.

حجزت غرفة بفندق كيلنر، وقررت أن أبدأ في العمل في ذلك الوقت وذلك المكان. كنت قد سمعت الكثير عن جريدة «ذا بيونير» التي تصدر في مدينة ﷲ آباد، وعلمت أنها مناهضة للمطامح الهندية. أعتقد أن السيد تشيسني كان يشغل منصب رئيس تحرير الجريدة في ذلك الحين. كنت أرغب في الحصول على دعم جميع الأطراف، فأرسلت إلى السيد تشيسني وأخبرته كيف فاتني القطار، وطلبت منه أن يسمح لي بمقابلته؛ حتى أتمكن من الرحيل في اليوم التالي. وقد وافق في الحال على مقابلتي، وقد سررت بتلك المقابلة للغاية، خاصة وقد استمع لي بصدر رحب. وعدني السيد تشيسني أن يعلق في جريدته على كل ما أكتبه إليه، لكنه أضاف أنه ليس بوسعه أن يصادق على جميع طلبات الهنود لأنه يجب أن يتفهم وجهة نظر المستعمرين ويحترمها أيضًا.

قلت له: «يكفي أن تدرس المسألة وتناقشها في جريدتك. أنا لا أبغي غير العدالة المحضة التي نستحقها.»

أمضيت باقي اليوم أتجول وأشاهد المنظر الخلاب لتلاقي الأنهار الثلاثة Triveni، وأضع خطة العمل الذي ينتظرني.

وضعت هذه المقابلة غير المتوقعة مع رئيس تحرير جريدة «ذا بيونير» الأساس لسلسلة من الأحداث، التي أدت في النهاية إلى حكم أهالي ناتال عليَّ بالشنق دون محاكمة قانونية.

ذهبت مباشرة إلى راجكوت دون التوقف في بومباي، ثم بدأت الإعداد لكتابة كتيب يتناول الوضع في جنوب أفريقيا. استغرقت كتابة الكتيب ونشره ما يقرب من الشهر. كان غلاف الكتاب أخضر اللون، فأصبح يعرف فيما بعد باسم «الكتيب الأخضر». رسمت في ذلك الكتيب «متعمدًا» صورة ملطفة عن وضع الهنود في جنوب أفريقيا. فاستخدمت لغة أكثر اعتدالًا منها في الكتيبين اللذين أشرت لهما من قبل، وذلك لعلمي بأن الأشياء التي نسمع عنها من بعيد تبدو أضخم مما هي عليه.

طبعت عشرة آلاف نسخة من الكتيب وأرسلتها إلى جميع الصحف وقادة جميع الأحزاب الهندية. وكان السبق في تناول الكتيب لصحيفة «ذا بيونير». أُرسِل ملخص المقالة إلى وكالة رويتر بإنجلترا، وأُرسِل موجز لذلك الملخص من مكتب رويتر بلندن إلى ناتال. كان هذا الموجز في برقية لا تزيد على ثلاثة أسطر مطبوعة. لقد كانت نسخة مصغرة، لكن مبالغ فيها، من الصورة التي رسمتها عن معاملة الهنود في ناتال، وكتبت بكلمات لم أتلفظ بها. وسنرى فيما يأتي الأثر الذي خلفه هذا الأمر في ناتال. في غضون ذلك، تناولت كل جريدة بارزة المسألة باستفاضة.

لم يكن من السهل إعداد هذه الكتيبات للنشر. وكان الأمر ليصبح مكلفًا إذا ما وظفت من يساعدني في إعداد الأغلفة وغيرها، لكنني توصلت إلى خطة أيسر بكثير. جمعت جميع الأطفال في الحي الذي أعيش فيه وطلبت منهم التطوع بساعتين أو ثلاث ساعات للعمل معي في الصباح في غير أيام الدراسة، فوافق الأطفال بكل سرور. وقد كنت ممتنًا لهم ووعدتهم بأن أمنحهم طوابع بريد مستعملة كنت قد جمعتها على سبيل المكافأة. لقد أنجز الأطفال العمل بسرعة مذهلة. فكانت هذه هي تجربتي الأولى مع المتطوعين من الأطفال، الذين أصبح اثنان منهم زملائي الآن.

اجتاح الطاعون بومباي في ذلك الوقت تقريبًا، وعم الرعب جميع أنحاء البلاد. وكان يخشى تفشي المرض في راجكوت. عرضت خدماتي على الحكومة حينما شعرت بأنني يمكن أن أقدم بعض العون في الإدارة الصحية. قبلت الحكومة عرضي، وعُينت في اللجنة المعنية بتناول المسألة. أكدت بصورة خاصة على نظافة المراحيض، فقررت اللجنة فحص المراحيض الموجودة في جميع الشوارع. لم يعترض الفقراء على الفحص الذي تعرضت له مراحيضهم، بل الأدهى من ذلك أنهم هم الذين نفذوا الإصلاحات المقترحة. لكن عندما توجهنا لفحص منازل من ينتمون إلى طبقة الأغنياء، رفض بعضهم حتى مجرد إدخالنا، ناهيك عن أن يستمعوا إلى اقتراحاتنا. كان من الشائع أن نرى مراحيض الأغنياء أقل نظافة من مراحيض الفقراء. فقد كانت مظلمة ونتنة وتملؤها القاذورات والديدان. قدمنا اقتراحات بسيطة جدًّا، على سبيل المثال تخصيص دلو للبراز بدلًا من تركه ليسقط على الأرضية وتخصيص دلو لتجميع البول أيضًا بدلًا من تركه يتسرب عبر الأرضية، وهدم التقسيمات بين الجدران الخارجية والمراحيض بغرض توفير المزيد من الضوء والهواء، ولتمكين المسئول عن التنظيف من تنظيفها بصورة ملائمة. لكن من ينتمون إلى طبقة الأغنياء تقدموا بالعديد من الاعتراضات على الاقتراح الأخير هذا، وكان لا يُنفذ في أغلب الأحيان.

وكان على اللجنة فحص مساكن المنبوذين.١ لم يكن في اللجنة غير عضو واحد مستعد لمرافقتي إلى هناك. أما باقي أعضاء اللجنة، فاعتبروا الذهاب إلى تلك المساكن ضربًا من الجنون، فما بالك بفحص المراحيض بها. لكن تلك المنازل مثلت لي مفاجأة سارة. كانت هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها ذلك الحي. اندهش الناس، رجالًا ونساء، لرؤيتنا. طلبت منهم السماح لنا بفحص مراحيضهم. فردوا بذهول: «مراحيض! نحن نقضي حاجتنا في الخلاء، فالمراحيض يستعملها الأشخاص ذوو المكانة مثلكم.»

فسألتهم: «حسنًا، إذن لن تمانعوا إذا فحصنا منازلكم؟»

فأجابوني: «على الرحب والسعة يا سيدي. يمكنك فحص كل ركن في المنزل. فهذه ليست بمنازل بل هي أقرب إلى الجحور.»

ذهبت لأتفقد المنازل، ولكم أسعدني أن أجد المنازل من الداخل بنفس النظافة التي هي عليه من الخارج. كانت المداخل منظفة بعناية، وكانت الأرضية مغطاة بطبقة من روث البقر بصورة جميلة، وحتى القدور والأوعية المعدنية القليلة كانت نظيفة ولامعة. لم يكن هناك أي خوف من تفشي المرض في هذه المنطقة.

شاهدنا مرحاضًا في منزل شخص ممن ينتمون إلى طبقة الأغنياء، لا يمكنني منع نفسي من وصفه بشيء من التفصيل. كان لكل غرفة بالوعة خاصة بها، تستخدم لتصريف المياه والبول معًا مما يعني أن المنزل كله كان يمكن أن يصبح نتنًا. وكان أحد المنازل يحتوي على غرفة نوم بمستويين بها بالوعة تستخدم كمبولة ومرحاض في نفس الوقت. كانت البالوعة متصلة بأنبوب ينحدر إلى الطابق الأرضي. لقد كانت الرائحة الكريهة المنبعثة من هذه الغرفة لا تطاق. وسأدع القارئ يتخيل كيف يمكن للمقيمين بالغرفة العيش فيها.

وزارت اللجنة معبد الإله فيشنو (هافيلي). كان الكاهن المسئول عن المعبد مقربًا لعائلتنا، فسمح لنا بفحص كل ما في المعبد وأن نقدم ما نشاء من اقتراحات. كان هناك جزء من مباني المعبد لم يكن هو ذاته قد رآه من قبل، حيث يُلقى بالنفايات والمتروكات كأطباق الطعام. لقد كان المكان مأوى للغربان والهررة. وكانت المراحيض به قذرة بالطبع. على كل حال، لم أمكث في راجكوت مدة كافية لأرى مدى تنفيذ الكاهن للاقتراحات.

تألمت كثيرًا عندما وجدت القذارة تعم دارًا للعبادة، فقد كنت أتوقع أن يكون هناك مراقبة دقيقة لقواعد الصحة والنظافة في مثل ذلك المكان المقدس. جميع كتبة السمريتي٢ أكدوا وشددوا على النظافة الباطنة والظاهرة.

هوامش

(١) المنبوذون: الطبقة الخامسة من طبقات المجتمع الهندي التي تشغل الوظائف الدنيا، مثل التخلص من جثث الحيوانات الميتة وغيرها.
(٢) السمريتي Smriti: مجموعة من الكتب المقدسة الهندوسية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١