الفصل العشرون

في بنارس

كان من المقرر أن تكون الجولة من كلكتا إلى راجكوت، مرورًا ببنارس وأجرا Agra وجيبور Jaipur وبالانبور Palanpur. لم يتسن لي الوقت الكافي لزيارة غير هذه الأماكن. كنت أقيم يومًا في كل مدينة وأقيم بالمعابد أو مع العلماء الهندوس مثل الحجاج العاديين، لكن الحال في بالانبور كان مختلفًا. أذكر أنني لم أنفق في تلك الرحلة ما يزيد على ٣١ روبية (متضمنة أجرة تذاكر القطار).

كنت أفضل القطارات العادية عند السفر في الدرجة الثالثة عن قطارات البريد، وذلك لعلمي بأن قطارات البريد كانت أكثر ازدحامًا وأعلى تكلفة.

كانت عربات الدرجة الثالثة بنفس القذارة التي هي عليها الآن تقريبًا، وكذلك كانت المراحيض. لعل هناك بعض التحسن الآن، لكن الفارق بين الخدمات المقدمة للدرجة الأولى والدرجة الثالثة لا يتماشى مطلقًا مع الفارق بين تكلفة تذاكر كل من الدرجتين. فقد كان ركاب الدرجة الثالثة يُعاملون كالخراف، وكانت وسائل الراحة المعدة لهم تشبه تلك التي تعد للخراف. سبق أن سافرت في الدرجة الثالثة في أوروبا، ما عدا مرة واحدة ركبت فيها الدرجة الأولى بدافع الفضول، لكنني لم أجد مثل ذلك الاختلاف بين الدرجتين الأولى والثالثة. أما في جنوب أفريقيا، فكان ركاب الدرجة الثالثة من الزنوج، ومع ذلك فوسائل الراحة المتوفرة لديهم كانت أفضل منها هنا. وفي بعض الأجزاء من جنوب أفريقيا، تُزود عربات الدرجة الثالثة بفراش للنوم وكراسٍ مزودة بمتكأ، وكانت التجهيزات منظمة لتجنب الازدحام، أما هنا في الهند، فوجدت أن عدد الركاب يتجاوز عادةً الحد المسموح به.

عدم اكتراث سلطات السكك الحديدية بوسائل الراحة الخاصة بركاب الدرجة الثالثة، بالإضافة إلى العادات السيئة والقذرة للركاب أنفسهم جعلت من السفر في الدرجة الثالثة محنة لأي راكب يتسم بالنظافة. وتتضمن هذه العادات بوجه عام إلقاء القاذورات على أرضية القطار، والتدخين في جميع الأوقات وفي أي مكان، ومضغ التنبول والتبغ، وملء العربة بأكملها بالبصاق، والصياح والصراخ، واستعمال لغة بذيئة دون مراعاة لراحة الركاب الآخرين. لم أجد اختلافًا كبيرًا بين تجربتي في السفر في الدرجة الثالثة في عام ١٩٠٢م وجولاتي المتصلة في المدة ما بين ١٩١٥م إلى ١٩١٩م.

لا يسعني التفكير إلا في علاج واحد لهذه الحالة المذرية، ألا وهو أن يسافر المتعلمون في الدرجة الثالثة ويغيروا من عادات الناس بالإضافة إلى إرسال الشكاوى إلى سلطات السكك الحديدية إذا لزم الأمر حتى لا تتجاهل تلك السلطات الحالة المتدنية التي عليها تلك العربات، وعدم تقديم الرشاوى أو استخدام أي وسيلة غير مشروعة لتأمين راحتهم الخاصة، وعدم التسامح مع أي انتهاكات للقوانين يقوم بها أي من المسئولين. إن هذا بالتأكيد من شأنه تحسين الأوضاع تحسينًا ملموسًا.

اضطرني مرضي الخطير الذي أصابني في الفترة ما بين ١٩١٨-١٩١٩م إلى التوقف عن السفر في الدرجة الثالثة بدرجة كبيرة، وكان ذلك مصدر ألم وخزي متواصلين، ولا سيما وقد أُصبت بذلك المرض في الفترة التي بدأت فيها المناداة برفع معاناة ركاب الدرجة الثالثة تقترب من تحقيق مرامها. إن المعاناة التي يتعرض لها ركاب خطوط السكك الحديدية والبواخر المتواضعة، والمصحوبة بعادات الركاب السيئة والتسهيلات المفرطة التي تمنحها الحكومة إلى التجارة الخارجية، بالإضافة إلى غيرها من الأمور المماثلة تشكل مجموعة من الموضوعات المهمة التي تستحق أن يتناولها شخص أو اثنان ممن يتسمون بالإقدام والمثابرة ويمكنهما أن يكرسا وقتهما بأكمله لحلها.

سأتوقف عند هذا الحد عن ذكر تجربتي مع ركاب الدرجة الثالثة، وسأبدأ في تناول تجربتي في بنارس. وصلت إلى بنارس في الصباح، وكنت قد قررت أن أنزل عند أحد الكهان، فأحاط بي عدد كبير من البراهمة فور نزولي من القطار، فاخترت أكثرهم نظافة وأفضلهم نسبيًّا، وقد اتضح لي بعد ذلك أنني أحسنت الاختيار. كان فناء منزله به بقرة، وكان هناك طابق علوي أقمت به. لم أرغب في تناول أي طعام قبل أن أغتسل في نهر الجانج بالطريقة التقليدية، فأعد الكاهن الترتيبات اللازمة للاغتسال. وكنت قد أخبرته مسبقًا بأنني لن أهبه أكثر من روبية وأربع آنات، حتى يضع ذلك في حسبانه وهو يعد تلك الترتيبات.

وافق الكاهن على ذلك بسرور، وقال: «سواء كان الحاج غنيًّا أو فقيرًا، تبقى الخدمة بنفس الجودة، أما مبلغ الهبة التي يقدمها الحاج فيتوقف على رغبته ومقدرته.» وبالفعل لم يختصر الكاهن المراسم المعتادة. انتهينا من العبادة في الثانية عشرة، فتوجهت إلى معبد كاشي فيشفاناث Kashi Vishvanath لأخذ البركة. لكنني شعرت بأسى شديد لما شاهدته هناك. كنت قد حضرت محاضرة تتناول «الحج إلى معبد كاشي»، عندما كنت أعمل محاميًا في بومباي في عام ١٨٩١م، في قاعة «جمعية برارثانا».١ لهذا كنت أتوقع أن أصاب بخيبة أمل، ومع ذلك كان الواقع أسوأ مما توقعت.

كان المرور من خلال ممر ضيق وزلق، وكانت الضوضاء تعم المكان، وكانت أسراب الذباب والضوضاء التي تصدر عن البائعين والحجاج لا تطاق.

فلم يكن هناك أثر لمناخ التأمل والمشاركة الذي كنت أتوقع أن أجده في ذلك المكان، وكان على المرء أن يخلق مثل ذلك المناخ في ذاته. شاهدت أخوات خاشعات مستغرقات في التأمل، وغير واعيات تمامًا لما يحيط بهن. لكن الفضل في ذلك لا يرجع بأي حال من الأحوال إلى المسئولين عن المعبد. من المفترض أن تخلق السلطات المسئولة عن المعبد للحجاج مناخًا نقيًّا وصافيًا على المستويين المادي والمعنوي، وبدلًا من ذلك، وجدت سوقًا حيث يبيع التجار المخادعون الحلوى والألعاب الحديثة.

حياني بعض المسئولين عن المعبد عند دخولي بمجموعة من الزهور كريهة الرائحة، وكانت الأرضية ممهدة بالرخام الأنيق، لكن أحد العباد ممن لا يتمتعون بحس جمالي خدش ذلك الرخام مستخدمًا مجموعة من الروبيات جاعلًا إياها مرتعًا للقاذورات.

ذهبت قريبًا من «بئر الحكمة» الموجود في المعبد، وبحثت عن الإله لكنني فشلت في إيجاده، لذلك لم أكن وقتها تحديدًا في مزاج جيد. وكانت المنطقة المحيطة بالبئر قذرة هي الأخرى. لم أكن في مزاج يسمح بأن أقدم أي هبة إلى الكاهن، فقدمت له قطعة من الباية. استشاط الكاهن غضبًا وألقى قطعة النقود بعيدًا، وأخذ يسبني، قائلًا: «سوف تذهب إلى الجحيم جراء إهانتك هذه.»

لم يزعجني ما قاله الكاهن، فقلت له: «أيًّا كان المصير الذي ينتظرني، لا يبرر ذلك أن يقوم شخص في مكانتك بالتحدث بهذا الأسلوب، يمكنك أن تأخذ قطعة الباية إذا أردت، أو يمكنك أن تخسرها هي الأخرى.»

رد عليَّ قائلًا: «اغرب عن وجهي، فأنا لا أريد نقودك.» ثم انهال عليَّ بوابل آخر من السباب.

فالتقطت قطعة الباية وانصرفت في طريقي، وأخذت أطري على نفسي لأن أحد البراهمة قد خسر باية، وأنا وفرتها، لكن كان من الصعب أن يترك الكاهن الباية؛ فدعاني وقال: «حسنًا، اترك الباية هنا، سأكون رحيمًا معك ولن أعاملك بمثل ما عاملتني به، فليس من مصلحتك أن أرفض نقودك.»

أعطيت الكاهن الباية دون أن أتفوه بكلمة، ورحلت عنه وأنا أتنهد. وقد ذهبت إلى معبد كاشي فيشفاناث مرتين منذ ذلك الحين، لكن حينها كنت قد لقبت باسم «مهاتما» (الروح العظيمة) بالفعل، وكان من المستحيل أن أتعرض لمثل تلك التجارب التي سبق أن ذكرتها. كان الأشخاص الذين يتوقون لرؤيتي لا يسمحون لي برؤية المعبد وأخذ البركة؛ إن ويلات من يحملون لقب المهاتما معروفة لمن يحملون ذلك اللقب وحدهم. أما القذارة والضوضاء فلم تتغير عن ذي قبل.

إذا كان هناك من يساوره الشك في رحمة الإله الواسعة، فليذهب لرؤية هذه الأماكن المقدسة. كم من النفاق والكفر يُرتكب باسمك المقدس أيها الإله شيفا! فقد أعلن منذ أمد بعيد: «لا يجني المرء إلا ما غرست يداه.» إن قانون الكارما٢ لا يرحم ولا يمكن التهرب منه، لذلك ليس هناك حاجة لتدخل الإله. فقد وضع الإله القانون، ثم تنحى.

قمت بزيارة السيدة بيسانت عقب زيارة المعبد هذه، وكنت قد علمت أنها كانت تعاني مرضًا شُفيت منه قريبًا. فطلبت إبلاغها بحضوري، فوافتني على الفور. ونظرًا لأنني أردت الاطمئنان عليها فقط، قلت لها: «أعلم أنك لست في كامل صحتك، لكنني أردت أن أزورك وأطمئن عليك. أشكرك على تكرمك باستقبالي مع تدهور صحتك. لن أهدر المزيد من وقتك.» ثم ودعتها.

هوامش

(١) برارثانا: حركة أسسها كيشاب شاندرا سين في ١٨٦٤م بغرض إحداث إصلاح ديني واجتماعي في ولاية ماهاراشترا الهندية.
(٢) قانون الكارما: هي الأفعال التي يقوم بها الكائن الحي، والعواقب الأخلاقية الناتجة عنها. فكل الأفعال التي يقوم بها الكائن الحي لا بد أن يترتب عليها عواقب ما دامت قد نتجت عن وعي وإدراك مسبق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١