الفصل الثالث عشر

الرأي الهندي

وقبل أن أستطرد في ذكر علاقاتي الوطيدة مع أوروبيين آخرين، يجب أن أوضح أمرين أو ثلاثة أمور مهمة. ومع ذلك، أجد أنه يجب أن أبدأ بذكر أحد أصدقائي الأوروبيين على الفور. لم يكن تعييني للآنسة ديك كافيًا لتحقيق غرضي، فكنت في حاجة إلى المزيد من المساعدة. سبق أن أشرت في الفصول السابقة إلى السيد ريتش، لقد كنت أعرفه جيدًا، وكان يعمل مديرًا في إحدى الشركات التجارية. وقد وافق على ترك الشركة التي يعمل بها ومساعدتي في عملي. وبالفعل خفف عني عبئًا ثقيلًا.

تقدم لي السيد مادانجيت في ذلك الوقت تقريبًا باقتراح لتأسيس جريدة «الرأي الهندي»، وطلب رأيي بهذا الشأن. وقد كان يعمل بالفعل في الصحافة، فأيدت اقتراحه، وبدأ عمل الجريدة في عام ١٩٠٤م، وأصبح السيد مانسوخلا نازار أول رئيس تحرير للجريدة. لكن كان عليَّ تحمل وطأة العمل، حيث كان عليَّ أن أتحمل مسئولية الجريدة في معظم الأوقات. ولا يرجع ذلك لتقصير السيد مانسوخلا، فلقد كان يكتب في عدد كبير من الصحف وهو يعيش في الهند، لكنه لم يكن ليجرؤ على الكتابة عن المشاكل المعقدة في جنوب أفريقيا في وجودي. لقد كانت ثقته كبيرة بفطنتي، ولذلك ألقى على كاهلي مسئولية التعهد بأعمدة الافتتاحية. وكانت الجريدة ولا تزال تصدر بصورة أسبوعية حتى وقتنا هذا. وكانت تصدر في البداية باللغات الجوجراتية والهندية والتاميلية والإنجليزية. لكنني رأيت أن الأجزاء المحررة باللغتين التاميلية والهندية كانت لمجرد التظاهر، ولا تخدم الغرض الذي حررت من أجله. لذلك، ونتيجة لشعوري بأن الاستمرار في تحرير تلك الأجزاء سيشمل على قدر من الخداع، قررت أن أوقف تحريرها.

لم يكن لديَّ أي نية للاستثمار في تلك الجريدة، لكن سرعان ما اكتشفت أنه لن يمكن للجريدة الاستمرار دون دعمي المادي لها. وكان الهنود والأوروبيون يعرفون أنني المسئول عمليًّا عن إدارة الجريدة وإن لم أكن رئيس التحرير الرسمي لها. لم يكن الأمر ليمثل مشكلة إذا لم نؤسس الجريدة من البداية، لكن وقف نشاطها بعد إصدارها كان سيمثل خسارة وخزيًا، وهكذا أخذت أغدق المال على الجريدة حتى أنفقت كل مدخراتي تقريبًا في النهاية. أذكر ذات مرة أنني اضطررت لدفع ٧٥ جنيهًا إسترلينيًّا شهريًّا.

مع ذلك، أشعر بعد مرور كل تلك السنوات أن الجريدة قد خدمت الجالية بصورة كبيرة. ولم تكن الجريدة مشروعًا تجاريًّا قط. وقد كان أي تغيير يقع في الجريدة أثناء إدارتي لها يعكس تغيرًا في حياتي الخاصة. لقد كانت الجريدة في تلك الأيام مرآة تعكس جزءًا من حياتي كجريدتي «يانج إنديا» و«نافاجيفان اليوم». أخذت أخرج ما يجول بنفسي في أعمدة الجريدة أسبوعًا تلو الآخر، وأخذت أشرح مبادئ وممارسة الساتياجراها كما أفهمها. ولم يخل عدد واحد من جريدة «الرأي الهندي» من مقالة بقلمي أثناء عشر سنوات حتى عام ١٩١٤م، ما عدا الفترات التي كنت أُزج فيها في السجن. ولا أذكر أنني كتبت ولو كلمة واحدة في هذه المقالات دون تفكير أو قصد، أو كلمة بالغت فيها عن قصد، أو أي كلمة لمجرد إرضاء القراء. وبالفعل أصبح عملي في الجريدة تدريبًا على ضبط النفس، وكانت للأصدقاء وسيلة للاطلاع باستمرار على أفكاري. ولم يجد النقاد إلا القليل ليعترضوا عليه في الجريدة. فقد أجبر أسلوبها النقاد على غمد أقلامهم الناقدة. ولم يكن من المحتمل ظهور الساتياجراها لولا وجود جريدة «الرأي الهندي». فلقد تطلع القراء للجريدة لمعرفة تقرير صادق عن حملة الساتياجراها وحقيقة وضع الهنود في جنوب أفريقيا. أما من وجهة نظري فقد أصبحت الجريدة وسيلة لدراسة الطبيعة البشرية بجميع أنواعها ودرجاتها حيث إنني كنت حريصًا دائمًا على إنشاء علاقة قوية بين المحرر والقارئ. غرقت في بحر من الخطابات التي تحتوي على ما تفيض به قلوب مراسلي، وكان منها الودود والنقدي والمر، وفقًا لمزاج كاتب الخطاب. وقد أضافت دراستي لجميع تلك المراسلات واستيعابها والرد عليها لخبرتي الكثير. لقد بدا الأمر وكأن الجالية تفكر بصوت مسموع عبر هذه المراسلات، مما جعلني أستوعب مسئولية الصحفي بصورة شاملة، وقد ساعدت قيادتي للجالية في إنجاح الحملة المستقبلية، وإجلالها وجعلها لا تقاوم.

أدركت منذ الشهر الأول من انطلاق جريدة «الرأي الهندي» أن الهدف الأوحد للصحافة هو خدمة الآخرين. إن الصحافة هي قوة عظيمة، لكن يمكن لقلم جامح أن يدمر كل ما في طريقه، مثلما يغمر السيل الجامح قرى بأكملها ويهلك الحرث. لكن عندما يكون التحكم مفروضًا من جهة خارجية، يكون أكثر ضررًا من الحاجة إلى التحكم في ذلك القلم. فلا يؤتي التحكم ثماره إلا إذا كان نابعًا من داخل الشخص نفسه. وإن صح ذلك القول، فكم من صحفيَّ العالم سيستطيع اجتياز ذلك الاختبار؟ ولكن من يستطيع أن يضع حدًّا لتلك الأقلام عديمة الفائدة؟ ومن سيكون الحكم في ذلك؟ يجب أن تسير الأقلام النافعة والأقلام عديمة النفع جنبًا إلى جنب كما هو الحال مع الخير والشر بصورة عامة، ويجب على كل إنسان منا أن يختار لنفسه أي طريق يسلك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١