الفصل الثامن

جسر لاكشمان جولا

شعرت براحة تامة عندما ذهبت إلى «المدرسة الروحانية» ولاقيت مهاتما مونشيرامجي ببنيته الضخمة، وعلى الفور شعرت بالاختلاف الشديد بين السكينة التي تخيم على المدرسة الروحانية والضجيج والضوضاء التي تعج بها هاردفار.

غمرني مهاتما مونشيرامجي بالاهتمام. وكان جميع «البراهماشاريين» ودودين للغاية. وهناك تعرفت لأول مرة إلى أشاريا راماديفجي، وأدركت في الحال القوة والنفوذ اللذين يتمتع بهما. كانت آراؤنا مختلفة حول العديد من القضايا، لكن سرعان ما تحولت معرفتنا إلى صداقة.

دارت بيني وبين راماديفجي وغيره من الأساتذة مناقشات طويلة حول ضرورة ضم التدريب الصناعي ضمن نشاطات المدرسة. وقد تألمت كثيرًا عندما حانت لحظة الوداع.

سمعت الكثير من الثناء عن جسر لاكشمان جولا (جسر معلق يمتد عبر نهر الجانج) الذي يبعد قليلًا عن مدينة هريشيكيش، وقد ألح عليَّ العديد من الأصدقاء ألا أغادر هاردفار دون أن أرى الجسر. وكنت أرغب في قطع تلك الرحلة سيرًا على الأقدام، وهكذا ذهبت إلى الجسر على مرحلتين.

أتى العديد من النساك لزيارتي في هريشيكيش، حيث تعلق بي أحدهم بصورة خاصة. وهناك كانت جماعة فونيكس التي أثار وجودها العديد من التساؤلات لديه.

دارت بيني وبين ذلك الناسك مناقشات دينية، وأدرك منها أنني على دراية بأمور الدين. لكنه رآني وأنا لا أرتدي عمامتي أو قميصي حيث كنت قد عدت للتو من الاغتسال في نهر الجانج. وقد أحزنه ألا يرى «الشيخا» (خصلة الشعر الخلفية) برأسي والقلادة المقدسة حول عنقي، فقال: «يؤسفني أن أرى هندوسيًّا مؤمنًا دون القلادة المقدسة والشيخا. فهما يرمزان للهندوسية، ويجب على كل هندوسي أن يتحلى بهما.»

وهنا أذكر قصة التخلي عن القلادة المقدسة والشيخا. فعندما كنت طفلًا فقيرًا في العاشرة من عمري، كنت أغبط البراهمة وهم يرتدون بتباهٍ مجموعة من المفاتيح المتدلية من أربطتهم المقدسة، وكنت أتمنى لو استطعت أن أفعل مثلهم. لم يكن ارتداء القلادة المقدسة وقتها شائعًا بين أسر التجار بكاثياوار، لكن في ذلك الوقت انطلقت حركة تنادي بفرض ارتدائها على الثلاث طبقات العليا، ونتيجة لذلك، ارتدى العديد من أفراد عشيرة غاندي القلادة المقدسة. وقد منحنا المعلم البرهمي، الذي كان يعلم اثنين أو ثلاثة منا «الراما راكشا»، القلادة المقدسة. ومع أنني لم أجد فرصة للحصول على مجموعة من المفاتيح، إلا أنني حصلت على مفتاح واحد وبدأت أرتديه بتباه. ولا أذكر إذا كنت قد افتقدت القلادة المقدسة كثيرًا عندما فقدتها فيما بعد أم لا، لكن ما أعرفه يقينًا هو أنني لم أحاول الحصول على قلادة أخرى.

كان هناك العديد من المحاولات حسنة النية وأنا أتقدم في السن لكي أرتدي القلادة المقدسة مرة أخرى في كل من الهند وجنوب أفريقيا، لكن تلك المحاولات لم تنجح، فقد كنت أرى أنه لا يحق لأي من الطبقات الثلاث العليا ارتداء تلك القلادة المقدسة ما دام لا يحق لمن ينتمون «للشودرا»١ ارتداؤها. ولم أر سببًا وجيهًا يدفعني لتبني عادة أجدها غير ضرورية. لم يكن اعتراضي على القلادة ذاتها، لكنني رأيت أن أسباب ارتدائها واهية.

نظرًا لأنني من أتباع الإله فيشنو، كنت بالطبع أرتدي حول عنقي قلادة من الخرز (كانثي). وقد كان زعماء العشيرة يفرضون التحلي بالشيخا. لكنني تخلصت منها عشية رحيلي إلى إنجلترا، خشية أن يعرضني مظهرها إلى السخرية وأن تجعلني أبدو كالبرابرة في عيون الإنجليز. في واقع الأمر، دفعني ذلك الخوف إلى أن أُؤَثِّر على ابن عمي، شاجانلال غاندي، ليتخلص منها في جنوب أفريقيا. فقد كنت أخشى أن تقف عائقًا في طريق عمله العام، وهكذا جعلته يتخلص منها مع الألم الذي يمكن أن يشعر به جراء ذلك.

صرحت بالحقيقة كاملة لرجل الدين، فقلت له: «لن أرتدي القلادة المقدسة، لأنني لا أجد ضرورة لارتدائها لأن الهندوسي سيظل هندوسيًّا حتى لو لم يرتدِها. علاوة على ذلك، من المفترض أن ترمز القلادة المقدسة إلى تجديد الروح، الأمر الذي يستلزم محاولة حقيقية من جانب مرتديها لعيش حياة أسمى وأطهر. وأشك في أن أيًّا من الهندوس — في الوضع الراهن الذي تشهده الهندوسية والهند — يمكنه أن يدعي الحق في ارتداء علامة تحمل ذلك المعنى. ولا يمكن للهندوس أن يتمتعوا بذلك الحق إلا بعد أن تطهر الهندوسية نفسها من مبدأ النبذ، وتزيل جميع الفوارق بين الطبقات العليا والطبقات الدنيا، وتتخلص من الآثام الأخرى والعادات الزائفة التي أصبحت تعج بها؛ ولذلك كله يرفض عقلي الاقتناع بفكرة ارتداء القلادة المقدسة. ومع ذلك، أرى أن اقتراحك بشأن الشيخا جدير بالاعتبار، لقد اعتدت في مدة ما أن أحافظ عليها، لكنني أزلتها نتيجة لشعور خاطئ بالخزي منها. لذلك أعتقد أن عليَّ أن أتركها تنمو من جديد. ولسوف أناقش الأمر مع رفاقي.»

لكنه لم يقدر موقفي فيما يتعلق بالقلادة المقدسة؛ فذات الأسباب التي استندت إليها في رفضي ارتداء القلادة المقدسة، بدت له مؤيدة لارتدائها. وحتى الآن لم يتغير موقفي تجاه ارتداء القلادة المقدسة عنه في هريشيكيش. وما دامت هناك أديان شتى، ستظل هناك حاجة لأصحاب كل من تلك الديانات للتحلي بعلامة ظاهرة تميزهم. لكن عندما تتحول تلك العلامة إلى تميمة ووسيلة لإثبات سمو ديانة ما على الديانات الأخرى، فيجب التخلي عنها. ولا أرى اليوم أن القلادة المقدسة وسيلة للرقي بالهندوسية، ولذلك لا أبالي بارتدائها.

أما الشيخا التي تسبب خوفي في التخلي عنها، فقد قررت أن أتركها تنمو من جديد بعد أن استشرت أصدقائي.

والآن أعود للحديث عن جسر لاكشمان جولا. أسرني جمال المناظر الطبيعية الخلابة في هريشيكيش ولاكشمان جولا، وقد انحنيت تبجيلًا لأسلافنا لذوقهم الرفيع وإحساسهم بجمال الطبيعة، ولبصيرتهم التي جعلتهم يربطون تلك المناظر الطبيعية الجميلة بدلالة دينية.

لكن الطريقة التي كان يستخدم بها الناس تلك المناطق الخلابة كانت تؤرقني. فقد كان الحال في هريشيكيش لا يختلف عنه في هاردفار، إذ كان الناس يلوثون الطرق وضفاف نهر الجانج الفاتنة. بل إنهم لم يترددوا حتى في تدنيس مياه نهر الجانج المقدسة. لقد آلمني كثيرًا أن أرى الناس يقضون حاجتهم في الشوارع وعلى ضفاف النهر، في حين كان يمكنهم بسهولة الذهاب إلى مكان أبعد بقليل لتجنب الأماكن العامة.

كان لاكشمان جولا، في رأيي، مجرد جسر معلق من الحديد يمتد عبر نهر الجانج. علمت أن ذلك الجسر في الأصل كان من الحبال، لكن واحدًا من أهل الخير ممن ينتمون إلى منطقة ماروار قرر تدمير الجسر المصنوع من الحبال وتشييد جسر حديدي بتكلفة باهظة، ثم سلمه بعد ذلك إلى الحكومة! لا أستطيع التحدث عن الجسر المصنوع من الحبال لأنني لم أره قط، لكنني أرى أن الجسر الحديدي لا مكان له وسط تلك المناظر الطبيعية، فوجوده يشوه ذلك المنظر الرائع. كان تسليم مفاتيح ذلك الجسر إلى الحكومة لمحة تفوق كل ولاء، وتفوق حتى ولائي في تلك الأيام.

كانت «السفارج أشرام» Svargashram التي يصل إليها المرء بعد أن يقطع الجسر في حالة يرثى لها، فقد كانت عددًا من السقائف البالية المصنوعة من ألواح الحديد المُجلفن. وقد علمت أن تلك السقائف شُيدت من أجل الساداكاس (الطامحين إلى الكمال الروحاني). كانت السقائف خالية تقريبًا من مظاهر الحياة في ذلك الوقت، وقد ترك المقيمون في المبنى الرئيسي انطباعًا سلبيًّا.

لقد كانت الخبرات التي اكتسبتها في هاردفار عظيمة القيمة. فقد ساعدتني بصورة كبيرة في تحديد المكان الذي سأعيش فيه والأعمال التي سأقوم بها.

هوامش

(١) الشودرا: الطبقة الرابعة في الهرم الاجتماعي الهندي. وتشمل من يقومون بأعمال وخدمات لا تتطلب مهارة أو براعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١