القربان١

لم يبقَ إذن على الأسطول إلا أن يُقلع إلى طروادة فيدمرها تدميرًا!

ولكن البحر هادئ، والرياح نائمة ولا بد لهذه السفن المثقلة بالعدة والعديد من قوة هائلة تدفعها في هذا الخِضَم الساخر!

الأيام تمضي دون أن تستيقظ الريح!

والملال يدبُّ في قلوب الجند من طول ما تلبَّثوا في تلك الجهة من الشاطئ العابس المتجهم لا يريمون!

والميرة تكاد تنفد …

والخيل تعلك حديدها كأنها برمت بهذا الركود!

– «كالخاس!»

– «مولاي!»

– «اذهب يا رجل فاستوحِ لنا أربابك ماذا تبتغي لتُطلِق الرياح؟»

– «لبَّيك يا مولاي.»

وانطلق عرَّاف الحملة إلى المعبد القريب فمكث غير قليل، وعاد بقلبٍ موهون، وجسم مضعضع، ووجه مغبَّر وجبين كاسف معقد.

– «ما وراءك يا كالخاس؟!»

– «مولاي! …»

– «تكلَّمْ! تكلَّمْ يا كالخاس!»

– «الآلهة! الآلهة عطشى يا مولاي!»

– «عطشى؟!»

– «أجَل، عطشى إلى الدماء.»

– «دماء مَن؟!»

– «دماء ابنتك!»

– «ابنتي؟! ابنتي مَن؟!»

– «إفجنيا!»

– «ويلاه! ماذا تقول؟»

– «لا بد من تقديمها قربانًا! لا بد من أن يُطَلَّ دمُها على مذبح ديانا يا مولاي!»

– «ولمَهْ؟»

– «لكي تطلق الرياح من عقالها، ولكي تكون فِدى للجيش كله، ولهيلاس جميعًا!»

– «يا للهَول! لا كانت هذه الحرب!»

وما كاد يقولها حتى تكبكب القُوادُ حوله، وطفقوا يترضونه: «من أجل الآلهة، وفي سبيل الوطن!» والرجل يبكي وينشج، ويُذهب نفسه شَعاعًا!

وأمرهم أن يتركوه وحده ليرى رأيه.

فلما انصرفوا دعا إليه كالخاس وأخذ معه في حوار طويل، ثم ترجَّاه أن يذهب إلى المعبد فيضرع إلى الآلهة عسى أن تقبل قربانًا آخر غير هذه الفتاة الحبيبة المنكودة مهما غلت قيمةُ هذا القربان!

وعاد كالخاس وأخبر أن الآلهة لا تبتغي بإفجنيا بديلًا!

وانهزم أجاممنون الأب وانتصر أجاممنون المؤمن التقي الورع الذي يقدس الآلهة، ويعرف لها قدرَها، فأمر بقرطاس وقلم، وكتب إلى زوجه كليتمنسترا:

بشراك يا حبيبتي!

أتعرفين أخيل؟

أخيل الذي أصبح مِلء الأسماع والأفواه والقلوب، بطل هيلاس الذي وعدتْنا الآلهةُ طروادةَ على يديه، الشاب الوسيم القوي الأبي الشجاع، يتقدم أخيل لخطبة إفجنيا — ابنتنا المحبوبة — ويود لو تُزَف إليه قبل أن يقلع الأسطول لتدمير طروادة! إنه لا شك سيرى في مرآة إفجنيا وطنَه، وحينئذ يكون حربًا على الأعداء ونقمةً عليهم من السماء!

أرسليها أيتها العزيزة، وبودي أن تسرعي بإرسالها من دون ما جلَبة؛ فالوقت ضيق ونحن على وشك الإبحار.

أجاممنون

وانطلق رقيق عجوز بالخطاب إلى آرجوس، حيث تثوي كليتمنسترا في قصرها المنيف «أتْريدي» مع ابنتها إفجنيا وأبنائها الآخرين.

وخفَق قلب الفتاة حينما أخبرتْها أمها أن أخيل يريدها؛ فقد كانت هيلاس كلها تتحدث بالفتى وتصلي للآلهة التي وفَّقتْه للانضمام إلى الجيوش الغازية.

خفق قلب إفجنيا، وكأنما غرقت في لُجَّة من الأحلام التي تجيش عادةً في قلوب العذارى حين يمرُّ بهن هذا الطور الناعم الجميل من أطوار الحياة.

ولكن ما الذي أوحى إلى أجاممنون بهذا التدبير؟ ولمَ اختار هذه الحيلة المكشوفة لاستدعاء ابنته التاعسة؟ لا ندري!

لقد مرَّت أيام دون أن تحضر إفجنيا، ولم يكن الطريق طويلًا أو شاقًّا بين أوليس وآرجوس حتى تتأخر كل هذه المدة، فهل حدث شيء؟

وكأنما أثار طولُ الانتظار العاصفةَ من جديد في قلب أجاممنون الأب، فبدا له ألا يصدع لهذا الظلم الأولمبي، ولو صار بعدها زنديقًا ملحدًا مطرودًا من جنة الآلهة، مغضوبًا عليه من قلب الوطن.

وقد كان!

فإنه استدعى الرقيق العجوز الذي كان يحمل دائمًا بريدَ القائد العام إلى آرجوس، ودفع إليه برُقعة أمر فيها ألا تحضر إفجنيا، وأمره أن يُسرع بها إلى زوجه قبل أن تكون قد أخذت أهبتَها للسفر!

•••

وا أسفاه!

لقد لقيَ منلوس — شقيق أجاممنون وزوج هيلين وملك أسبرطة؛ والذي من أجله شبَّت هذه الحرب — الرقيقَ العجوز حاملَ الرسالة، فاستوقفه وقرأها!

ودارت الدنيا بالملك المحزون واحلولكت الحياةُ في عينيه، وقصد من فوره إلى أخيه فانتهره، ونشبت بينهما معركة حامية من السباب والتعيير، يدفع أجاممنون عن ابنته وفلذة كبده ويفتديها بنفسه وبالدنيا وما فيها، ويُعيِّره منلوس بالمروق من الدين وعصيان الآلهة وشقِّ عصا الطاعة على السماء!

وإنهما لكذلك إذا رسول يُعلنهما أن كليتمنسترا زوجة أجاممنون وابنتها إفجنيا تستأذنان في لقاء الملك ولقاء القائد العام!

يا لسخرية المقادير؟ لقد ذُهِل أجاممنون وانطلق يبكي حتى تفجَّر الحنان في قلب منلوس المتحجِّر، ورقَّ لأخيه البائس الملتاع، فقال له: «أخي، أنقذْها يا أخي؛ إنها ابنتي كما هي ابنتك، فأنقذْها كما يحلو لك.»

ويبهت أجاممنون لهول الموقف، ولا يدري ماذا في وسعه أن يصنع، ثم يراه واقفًا وحده يبكي كما يبكي الأطفال بعد إذ غادره أخوه.

ويلمح زوجه مقبلةً فيُصلح من شأنه ويتكلَّف البشاشة والتبسُّم، وإنها لَبشاشةٌ باكية، وإنه لَتبسُّمٌ مرٌّ حزين!

– «أهلًا أهلًا إفجنيا! مرحبًا مرحبًا كليتمنسترا، سفر حميد ورحلة طيبة.»

– «أين أخيل؟ وماذا أعددتم للاحتفال بالعروسين؟»

– «أ… أ… أجل. ولكن لا بد أن تعودي أنتِ إلى آرجوس.»

– «أعود إلى آرجوس! أعود وأترك ابنتي؟!»

– «أجل! تعودين وتتركين إفجنيا.»

– «والعُرس؟ وإعلان الخطبة على الأقل؟ ألا أحضر شيئًا من ذلك؟! هذا لن يكون؛ لن أعود حتى أشهد كلَّ شيء.»

وتُصرُّ كليتمنسترا على بقائها حتى تحتفل بابنتها، وحتى ترى إلى هذا العسكر المجر والأساطيل المنتشرة في البحر كالدَّبَى٢ تُحيِّي ابنتها وتُحيِّي أخيل وترقص طربًا للعروسين.

ثم يحدث ما ليس في حسبان أحد!

يحضر أخيل ليقابل القائد العام وليُبدي له سخطه وسخط جنوده «الميرميدون» من طول هذا الانتظار الذي يبدو أن ليس له آخر، ويلح لديه في وجوب الإقلاع إلى طروادة مهما كلفهم الأمر!

وما تكاد كليتمنسترا تسمع كلام أخيل،٣ وتسمعه يذكر فرقة الميرميدون المشهورة في جميع الآفاق ببسالتها وكلَفِها الخارق بالحروب حتى تعرفه، وتعرف أنه أخيل، أخيل بعينيه، خطيب ابنتها، وزوج إفجنيا الحبيب!

فتتقدَّم إليه هاشَّةً محيِّيةً حتى إذا أنس إليها، بدهتْه بالسؤال عن العُرس!

– «عُرس! عُرْس ماذا؟»

– «عُرس ماذا؟ ألستَ أخيل؟! ألست قد تقدَّمتَ إلى أجاممنون أمير آرجوس تطلب أن تكون إفجنيا زوجةً لك؟ ألم تطلب يد إفجنيا؟ تكلم!»

ولكن أخيل يُسمَّر مكانه باهتًا لا يدري ماذا يقول؛ لأنه لا يعرف مما قالت السيدة شيئًا! وتُحملق الملكة في أخيل طويلًا ويتصبَّب العَرَق من جبين إفجنيا — الفتاة البريئة — لمَا ترى من حيرة أمِّها وارتباك هذا الجندي الباسق الجميل الذي كانت تحلم به زوجًا كريمًا لها!

وكأن هذا الموقف لم يُرضِ أحدًا، حتى الرقيق العجوز حامل بريد القائد العام؛ فقد انفجر هذا الخادم الأمين من شدة الحنق، فباح بكل شيء، باح بكل ما سمع من تحاور منلوس الملك وأجاممنون القائد الأعلى بخصوص هذا الزواج المفترى: «مولاتي الملكة! خذي حِذرَكِ لفتاتِكِ المسكينة؛ إنها ستُذبح! إن الكهنة الأشرار سيذبحونها اليوم ليسقوا أربابهم الظامئة من دمها الزكي البريء! إن أخيل الكريم لم يتقدَّم ليطلب يدَ إفجنيا، بل هو لا يعرف من أمر ذلك قليلًا أو كثيرًا، ها هو ذا أمامك فاسأليه.»

وكأن صواعق السماء جميعًا نزلت على قلوب القوم!

لقد تحطَّمت كليتمنسترا!

وذاب الثلجُ في عروق إفجنيا!

وزُلْزِل أجاممنون!

أمَّا أخيل! فقد شُدِه وحَجبتْ ناظرَيه سحابةٌ كثيفة من الذهول! ثم ما هو إلا أن أُفِيق فاضطربت به الأرض، وأحنقه أن يُتَّخذ مطيةً لهذا العبث العابث والسخرية المهينة!

وصاح الشابُّ كأنه أسد مهيج، وانقدح شررُ الغضب من عينيه حتى خِيف أن يبطش بأجاممنون وجنوده، كيما يثأر لاسمه ويصون كرامته.

وانتهزتْها الملكة فرصةً غاليةً لتُنقذ ابنتَها من القتل؛ فانبطحتْ عند قدمَي أخيل تُقبِّلهما وتغسلهما بدموعها متوسلةً إليه أن يدفع عن إفجنيا ويَحول بينها وبين الموت!

– «فإن لم يكن بحسبك أن أمرِّغ خدَّيَّ تحت قدمَيكَ لتكون حاميَ ابنتي؛ فإنها هي أيضًا تفعل مثلي يا أخيل! إنها تُمرِّغ حُرَّ جبينها عند موطئ هذه القَدم الطاهرة لتكون حاميَها وحارسها.»

– «قِفي يا سيدتي! وكلِّمي أباها في شأنها، فإن لم يَحُلْ بينها وبين الموت فإني سأقاتل من دونها حتى أنقذَها من الهلاك ولو حاربتُ هيلاس جميعًا!»

•••

وترجو الأمُّ زوجَها أن يحولَ بين ابنته وبين هذه القتلة الشنيعة؛ ويتصدَّع قلب أجاممنون، وتنهمر دموعُه شفقةً على الفتاة التَّعِسة فيعد! ولكن لات حين موعد!

لقد نمَى إلى العسكر أن أخيل أنذر أن سيقف دون الدمِ الذي أَمرت به الآلهةُ أن يُرَاق فغيظوا وأحنقوا وذهبوا إليه يتحسَّسون جلية الأمر، فصارحهم به فانقضُّوا عليه يرشقونَه بألسنتهم الحِداد ويرجمونه بحجارة الشاطئ، فولَّى مدبرًا!

ورِيعت الأم حين رأت إلى الميرميدون — جنود أخيل الأمناء — يرجمون سيدَهم فيمن يرجمه من الجنود الآخرين فعوَّلت على أن تحمل السلاح وتقف إلى جانبه لتذودَ هؤلاء الوحوش!

ولكن إفجنيا الصغيرة، إفجنيا الفتاة، إفجنيا العظيمة! وقفتْ في وجه أمِّها، وصرخت قائلة: «مكانك يا أماه! لن يموت أخيل من أجل فتاة!

مَن أنا حتى يفتديَني هذا البطل العظيم؟ وما حياتي التافهة في حياته المذخورة الغالية؟ إن رجلًا يحارب من أجل هيلاس أجدر بالحياة من عشرة آلاف امرأة لا يستطعْن إلى حربٍ من سبيل؟

أيها الجنود!

خلُّوا سبيل سيدكم فلن تُفتح طروادة إلا عليه كما أخبرت بذلك آلهتكم! وما دام النصر معلَّقًا بحياتي، فكم يبهجني أن أفتديَ الوطن وأُرضيَ أربابي! إن هيلاس كلَّها تنظر إليَّ اليوم، فهل فخر أكثر من أن أكون عند حسن ظنِّها بي، أنا لها، أنا أفديك يا وطني، أماه، لا تحزني! انظري إليَّ، ها أنا ذي أبتسم للموت، للقتل، للذبح، هلموا يا سادة، هلموا، أين المذبح؟ صلُّوا من أجلي، تحيا هيلاس!»

وفي هذه اللحظة فقط تكبُر إفجنيا في عينَي أخيل فيتمنَّى لو أُجِّلت في حياتها لتكون زوجةً كريمةً له، ويعرض استعداده للمنافحة عنها بسيفه، ولكنها تنهاه وتوصيه أن يعيش لوطنه ليذبَّ عن بيضته ويُعلي كلمته.

وتنسكب دموع أخيل.

فيا للفتاة!

ويا للأم!

ويا لأخيل البطل!

•••

وتضع إفجنيا رأسَها على رخامة المذبح، ويرهف الكاهن مُدْيته، ولكن؟ لقد شُدِه القوم! ونظر بعضهم إلى بعض.

إنهم ينظرون فلا يرون إفجنيا!

بل يرَون مكانها ظبْيًا … رشأً غريرًا!

إذن هي المعجزة!

لقد تفطَّر قلبُ ديانا الكريمة من أجل الفتاة، فهبطت من ذُرى الأولمب لتُنقذها، فرفعتها إلى السماء، ثم أرسلتْها لتكون راهبةَ معبدها العظيم في مملكة توريس!

وارتفعت أغاني الغواني.

يسبِّحْن للآلهة العطشَى!

١  اعتمدنا في تلخيص هذا الفصل — علاوةً على هوميروس — على درامة يوربيديز الخالدة «إفجنيا في أوليس»؛ وذلك لأن ما وصلنا من هوميروس عنها مقتضب، فكانت درامة يوربيديز هذه كالشرح المسهب لها.
٢  الجراد.
٣  قد يلاحظ من له اطِّلاع على الأدب اليوناني المسرحي تصرُّفًا في السياق، ونحن نعتذر عن هذا، ونَعِد أن نقدم الدرامة كاملةً في كتابنا عن يوربيديز قريبًا إن شاء الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤